شرح كتاب الأدب في الدين للإمام الغزالي -15- آداب الواعظ، وآداب المستمع

الأدب في الدين -15- آداب الواعظ
للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس عشر من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب الأدب في الدين لحجة الإسلام الإمام محمد بن محمد الغزالي، آداب الواعظ، وآداب المستمع.

فجر الجمعة 4 شوال 1440هـ.

 

آداب الواعظ

ترك التكبر، ودوام الحياء من سيّده، وإظهار الفاقة إلى خالقه، وشهوة المنفعة لمُستمعه، والإزراء على نفسه لمعرفة عيبه، والنظر إلى المستمعين إليه بعين السلامة، وحسن الظن بهم بباطن الديانة، والإياس منهم طلباً للصيانة، والرفق بالتأديب والعطف على المبتدىء، واعتقاد فعل ما يقول؛ لينتفع الناس بما يقُول.

 

نص الدرس مكتوب

 

الحمد لله حمدًا يرقّينا الله به أعلى الرتب، ويحلّينا به بحليةِ الأدب، ونشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له منه المبتدأ وإليه المرجع والمنقلب، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله الطيب الأكملُ الأجلُّ الأرفع الأعذب. اللهم أدِم صلواتك على حبيبك المقرّب سيدنا محمّد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، وعلى من تبعه بإحسان من أهل الصدق والأدب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفعت على رتب جميع من سواهم لهم الرتب، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقرّبين وعبادك الصالحين مِن كل مَن أحببته ولك أحب، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا إله يا كريم يا رب.

وبعدُ،

ففي اغتنامنا للأيام المعدودات من بعد رمضان الأبرك، وتذكّرنا في بعض الآداب الواردة في الكتاب المنسوب إلى الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-؛ نمرّ على بعض ما نبّه عليه من الآداب رجاء أن نتحلّى بحليةٍ من الآداب فيُفتح لنا الباب ونلحق بالأحباب.

وقد حدّثنا عن آداب المحدّث وآداب طالب الحديث، ويتكلم عن: "آداب الواعظِ" و "المستمع"، ويقول: "ترك التكبّر"؛ وهو اعتقاد أنه خير من أحد ممّن يعظهم أو يذكرهم أو يعلمهم أو يرشدهم أو ينبههم. وقد كان الإمام أحمد الرفاعي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يقول لطلابه: لا أعتقد أني شيخ لأحد ولكني أخ لكم أدلكم على الطريق، فإن كان في قلبي أني شيخ فيكون عليّ وأُحْرم من الشفاعة يوم القيامة إن اعتقدت أني شيخ.. عليه رحمة الله تبارك وتعالى. وهو من أكمل الشيوخ معرفةً وعلمًا وذوقًا وتحققًا وتربيةً -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ولكن من أشرقت عليه أنوار معرفة ربه لم يجد إلا التذلل التام لإلهه -جلّ جلاله- الملك العلّام.

يقول: "ترك التكبّر" ولقد ابتدأ ﷺ خُطَبه يوم الجمعة في مسجده الشريف يستند إلى جذعٍ، كان في المسجد يُنصب جنب السارية فيأتي إلى الجذع ويضع يده عليه ويستند إليه ويخطب لأصحابه الكرام مبلّغًا للرسالة وموصلًا الأمانة إلى الأمة -عليه الصلاة والسلام- ثم عَرَضت عليه بعض نساء الأنصار وقالت: إن ابني نجّارًا وإن أحببت يصنع لك منبرًا تجلس عليه للخطبة، فقال: إن شئتِ، فصنعوا له المنبر، فجاء يخطب عليه، رقى الدرجة الأولى والثانية وقام على الثالثة وجلس ﷺ بعد أن سلّم عليهم، جلس فوق الثالثة، وعندما ابتدأ يخطب حنَّ الجذع شوقًا إلى اليد التي كانت تلامسه، والعبد المحبوب الذي كان يقف بجنبه؛ فاشتدَّ حنينه حتى غطى صوته المسجد، وخرج  ﷺ من على المنبر إلى عند الجذع ووضع عليه يديه وأخذه يسكته، فكان يخف حنينه ويخفُّ، فشبهوه بالطفل تسكتُّه أمه فيقل يقل بكاءه حتى يسكت، وأخذ يخاطب الجذع ثم عاد إلى خطبته، قال بعض الصحابة الذي يروي الحديث: فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا في المسجد فلا أجد واحدًا من الصحابة إلا مُكبًّا بوجهه على صدره ويبكي، فبكى الصحب كلهم.. خشبٌ وأحجار تحنّ لسيد الثقلين ألستُ إذا انثنيت ملومًا؟

كان إذا ذكر الحديث سيدنا الحسن البصري بكى وقال: أيها الناس خشبةٌ تحنُّ إلى رسول الله ألسنا أولى بالحنين إليه؟.. ما عرفنا من قدره ومنزلته ورغبنا واشتقنا من قربه ومواصلته إلى ما عرفه الجذع ورغب فيه؟! وقال لهم ﷺ:  إن هذا الجذع حنّ لما فارقه من الذكر وإني خيّرته بين أن يكون نخلة في الدنيا يأكل منها المؤمنون أو أن يكون في الجنة، فاختار أن يكون في الجنة، فجاء النص أن هذا الجذع يتميز عن عامة جذوع الأرض ويدخل الجنة، وإذا دخل الجنة الجذع فأين يكون؟ لن يكون إلا عند الذي حنَّ إليه في الدرجات الأرفع، الأعلى، فوق درجات جميع أهل الجنة، فانظر أين أوصلته محبته وتعلقه وهذا جذع، والنبي ﷺ في خطبته خرج من أجل الجذع فسكّته.

بل قد خرج من المنبر من أجل أن يعلّم إعرابي، دخل إليه وهو يخطب وقال: يا رسول الله، أنا أسلمت فعلمني من دين الله، فخرج إليه وجلس جانبه علمه ورجع على المنبر. وخرج من المنبر من أجل أن يحمل الحسن وهو يمشي طفل يتعثر في قميصه، فخرج من المنبر وحمله ووضعه عند رجله في المنبر وهو يخطب ﷺ.

ولم يوجد في المخلوقات قلبٌ أكثر تواضع لله في الأرض ولا في السماء من قلبِ محمدٍ؛ لأنه الأعرف بالله؛ فهو أشد الخلق تواضعًا لله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

"ترك التكبّر، ودوام الحياء من سيّده" الذي يدعوا الناس إليه وهو الله تبارك وتعالى. ولما أراد السري السقطي أن يقيم الجنيد بن محمد -ابن أخته- في التربية الخاصة، لتربية الناس والذي ينتصب في هذا المقام في تزكية النفوس تعذّر، وقال: تمنعني ثلاث آيات:

  • الأولى قوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البقرة:44] 

  • والثانية قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف:1-2].

  • والثالثة قوله على لسان النبي شعيب: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ) [هود:88].

فلمْ يرضَ بالبروز في هذا الشأن المخصوص، حتى رأى النبي ﷺ يأمرُهُ، فجاء إلى خاله السري، ولما أقبل عليه قال: أما رضيت حتى جاءك روحه ﷺ بنفسه يكلمك.. فبرز في هذه التربية. 

"دوام الحياء من سيّده" فهذه آداب الواعظ، "والحياء شعبة من الإيمان"، "وإن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"؛ أي: فقد تُيقِّنَ هلاكك وخطرك إذا فقدت الحياء. ومعناه أن يقوم في القلب قائمة الميزان الرباني باستحسان ما هو حَسَن عند الحق، واستقباح ما هو قبيح، ثم يبتني على ذلك الكفّ عن كل القبح وما شابهه وما أدى إليه من كل ما يُخِلّ بالمروءة، هذه أصلٌ في الحياء، وهي بحفظها تُحفظ حقائق الدين، حتى ورد في الحديث: "الإيمان والحياء في قَرَن إذا ذهب أحدهما تبعه الآخر"؛ إذا ذهب الحياء ذهب الإيمان، وإذا ذهب الإيمان ذهب الحياء.

فالحياء والاستحياء وصفٌ شريفٌ جميلٌ عزيزٌ يتصل بالقيم وبضرورة حسن مسلك الإنسان في الحياة. ولما كان مقترن بالإيمان وإذا ذهب ذهب الإيمان اجتهد الشيطان أن يستلّ الحياء من القلوب، ثم يُزيّن للعقول التي قبلت وساوسه أن الحياء ضعفٌ وجبنٌ ونقصٌ.. يأتي إلى الكمالات هذه كمالات الإنسانية عند الله وعند رسوله ويصوّرها أنها نقصٌ وأنها ضعفٌ وأنها جبن، كذب!... فصدّقه من صدّقه، فعملوا على انتزاع الحياء من النفوس والصدور؛ فوصلوا إلى مواصيل غريبة في الخروج عن كل القيم وكل عرفٌ حميد، وكل فطرة سليمة، وكل ديانة وكل شريعة؛ فصاروا يستحسنون أنواع من القبائح وهم في دائرة قول الحق: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ) [فاطر:8].

واستحسنوا الاختلاط وهذا أيضًا في القرون الأخيرة، قبل قرن واحد من الزمن، بلدان الكفر فضلًا عن بلاد الإسلام فيها تباعد الرجال عن النساء وبعد عن الاختلاط المقيت، وفيها أزياء فيها احتشام قبل قرنٍ واحد، عاد الإنسانية بخير كانت حتى بلاد الكفر، وموجودة عندهم صور قبل نحو مئة سنة في بلدان الكفر مثل لندن وغيرها والنساء ليس فيهن من يُرى شعرها، يمشين في الشوارع ليس فيهنّ من يُرى شعرها، وإذا جلسنَ في المجالس الرسمية فمحلهنّ مستقل وراء الرجال، قبل قرن واحد من الزمن!.. استحسنوا الاختلاط، استحسنوا التبرج، استحسنوا تقبيل الخدود، واستحسنوا ظهور المسكرات، واستحسنوا التجاهر بالفواحش… كلها فساد وضُرّ للجسد وللروح وللدنيا وللآخرة؛ ضُرّ وفساد. 

ثم صارت ثقافة ومظهر تقدّم في أوهام ما تملك من الحقيقة شيء! -والعياذ بالله- ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، حتى صارت بلا حياء تنازع بعض الدول في إقامة قوانين لسنِّ ما ينفر عنه طباع الحيوان فضلًا عن الإنسان، ليشرِّعوا ما سمّوه بزواج المثليين وغيرهم… وذلك من الأمور الشنيعة الحيوانات تتربى في مكان واحد وما يصدر منها هذا، تأباه ترفضه طبيعته، عاد الإنسان وفوق ذلك يرجع قانون يعني بلا حياء وخساسة إلى أبعد الحدود! وإذا ذهب الحياء ذهب الإيمان. 

فعجب لمؤمن مسلم معه جمال وكمال مناهج الرحمن من فوق سبع سماوات يتدنّى ويروح يستحسن الفساد والسقاطة والميوعة التي يأتي بها شِرار الفُسّاق وشِرار الكفار، ويدعون الناس إليها، وقال الله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) [القصص:41-42]. فهذا الصنف الذي يوجد متكررًا من زمان إلى زمان، فتربيته على الحياء منهج قويم سليم فيه صلاح الإنسانية والبشرية، ليس ضعفًا ولا عجزًا ولا جبنًا. ولذا قال سيدنا هابيل لأخيه قابيل -ابنيّ آدم- الذين تلى الله علينا قصتهما، لما تحداه بالقتل وجاء بالشر مندفع إليه قال له الثاني مستحيٍ من الله تعالى أن يقابل بالقتل وإن كان يجوز له، من شدة حياؤه لكن ليس هذا ضعفًا ولا جبن: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [المائدة:28]، ليس من الجبن ولا من الضعف ولا أخاف منك.. (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) [المائدة:29] خوّفه وحذّره، لكن قال كفّي عنك  ما هو جُبن، إني أخاف الله، (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

وهكذا، وتأتي هكذا العقول التي ما لها قيادة صحيحة من نورانية وحي الله تعالى، ومن إدراك الحق، فترى الناس يستحسنون ما ليس بحَسَن فتستحسنه معهم، وتراهم يصفون المستمسكين بالحق إما بسلبيين وإما بجبناء وإما ما يعرفون واقع الناس، فيصدقون المشمئزون من أهل الحق، ويبتعدون عن أهل الاستقامة أهل المُثُل والقيم للكلام الباطل هذا والدعايات التي تُنشر يقولوا هؤلاء الناس سلبيين ما لهم دور في الحياة ما يعلمون الواقع المعاصر، الآن الناس طلعوا للقمر وهؤلاء قاعدين على  مساجدهم وعبادتهم وذكرهم يا الله بها يا الله بها يا الله بحسن الخاتمة، وما يدري أن هذا الذي عليه هؤلاء أشرف ما تصل إليه الإنسانية، وما يمكن أن تصل إلى شيء أعلى منه، وأعلى ما يمكن أن يُتحقق من خير الحياة ويُكسب به خير الآخرة هو هذا  الذي عليه هؤلاء الذين يستهزئ بهم، لهذا الله في القرآن بسط لنا هذه الحقائق -سبحانه وتعالى- رحمة منه بعباده وقال عن مناداة هؤلاء الطغاة والمستحسنين للقبائح والمتبجحين بها في الدنيا والمستهزئين بأهل الخير، يقول لهم: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا) في النار (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) [المؤمنون:108-109] آل الأذكار وآل الدعوات وأهل المساجد الذين ضحكتوا عليهم كلهم، (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) وقلتوا انتوا الذين عرفتوا الحياة وانتوا الذين تطورتوا وانتوا الذين أدركتوا (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون110-111]، الفوز هناك، الشرف والكرامة هناك، والتقدم والتطور والرفعة هناك، ما في عندكم منها الا نار، ما عندكم شيء! وكم مدة غروركم هذا الذي أصررتم فيه على رد دعوتي ودعوة رسلي وركبتم غيَّكم؟ (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) ما يكون مقدار حياتهم في الدنيا في تلك الساعة سواءً الذين من هذه الأمة يتعمرون ستين سبعين وما يقرب منها أو يزيد قليل أو ينقص قليل، أو من الأمم السابقة الذين تعمروا اربعمائة وخمسمائة سنة وألف وألف ومئة أو مئتين، (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) [المؤمنون112-113] يكون مدة حياتهم في الدنيا في تلك المشاهدات ورؤية الحياة الباقية مثل يوم أو بعض يوم، (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)، على كل الأحوال الوقت قصير هو بالنسبة للأبد، ما يساوي شيء، لا عمر الواحد منهم بل عمر الأرض كلها عمر الدنيا كلها قصير بالنسبة للأبد.

(قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:114-115]، تأتون أنتم وأعطيناكم العقول، وركّبنا لكم الشهوات، وقلنا لكم جاهدوا، وهذا الميزان، تريدون ترفضون بياناتي ووحيي ورسلي وتمشون على كيفكم؟ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)؟ هي أرض أنتم ما خلقتوها وأنا خلقتها لكم، جئتكم بها، وجئتكم بالمنهج، وقلتم اترك منهجك وخلّه لك، ورحتم تريدون هواكم وأقيستكم في الأرض تعبثون، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)؟ هل أنا خلقتكم لعب أصلا؟ ما خلقتكم لعب ولا خلقتم هزو (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ) [المؤمنون115-116]، ما يفوته أحد ولا يفلت من قبضته أحد، والمرجع إليه، ويا ويل من عصاه وخالفه.

إذًا؛ "دوام الحياء من سيّده"، والافتقار مظهر من المظاهر، وعليه كانت تتربى الأُسَر الصالحة من عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام. يقول سيدنا عبد الله بن عمر: النبي قال لهم: وإن شجرةً تشبه المسلم، قال: فجعل الناس يقعون في شجر البوادي، فيقول ﷺ: لا، قال: فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت أن أتكلم لأن في المجلس أبو بكر وعمر؛ كبار الصحابة، قال: فقال ﷺ: "إنها النخلة"، قال: فأخبرت أبي بعد ذلك، قال: لو أنك تكلمت فسُرَّ منك رسول الله ﷺ أحبُّ إلي من حمر النعم. ولكن أخّره الحياء.

ومرَّ ﷺ وواحد من الصحابة يعظه صاحبه في الحياء؛ يعني يقول له: خفف الحياء قليلًا، فقال له ﷺ: دعه فإنَّ الحياء لا يأتي إلا بخير. هذا الميزان الصحيح المحكوم به في الدنيا والآخرة، الذي لا يبقى إلا هو،  ميزان الحق ورسوله، أما الأفكار الأخرى المخالفة لهذا كلها باطلة وضلال ولا تساوي شيء. فهكذا.. وكنا نعهد المسلمين في ديارهم يربّون أولادهم على الحياء من الصغر، فكان الأولاد كثيري الحياء، ومن هؤلاء المستحيين من الصغر.. خرج الفطاحلة وخرج العباقرة وخرج أهل الدهاء وأهل العلم وأهل الغوص على الحقائق والراسخين؛ خرجوا من هذه التربية. ما قالوا لكي لا يتربى معقّد أو يطلع أبله… الواقع يكذب هذه النظرية، البشر وتاريخهم يكذب هذا التصوّر.. الذين تربوا على الأدب والحياء والحشمة كان فيهم العباقرة في العالم، وفيهم أرباب الغوص على المعارف، وفيهم قادة الجيوش وهم تربوا على الحياء، تربوا على الأدب من الصغر.

وهكذا كان يُعهد في البيوت، اليوم بيوت المسلمين سلموها لقادة مضادة الحياء، الذين يقودون مضادة الحياة في العالم سلم المسلمين بيوتهم لهم، ها هي قدامهم، كنا متوارثين من عهد النبوة صيغة وصبغة وهيئة في الأدب نتربّى عليها ونربي أُسَرنا عليها، الآن هذه ديارنا وذا أولادنا وذا زوجاتنا وذا بناتنا هاتوا برامجكم يا مضادّين الحياء يا مخالفين سنة الأنبياء سلموا بيوتهم لهم! وبعدين يشتكون ليه الكفار ياخذون ثرواتنا؟ ليه الكفار يدخلون بلادنا؟ ليه الكفار يجيبون أسلحتهم إلى بلداننا؟.. أنتم فتحتم لهم قلوبكم ودياركم وأهلكم وأولادكم وبعدين تشتكون أخذوا ثرواتها؟! أغلى من الثروات أخذوا عليكم؛ أخذوا عليكم قلوب، أخذوا عليكم عقول، أخذوا عليكم عليكم أُسَر، ايش الثروات تساوي إذا قد ضاع الإنسان نفسه؟! هذا نتيجة لهذا.. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) [الأعراف:96]، ولا يُسلط الله على الأمة عدو من خارجها حتى يبدأ الفساد فيهم هم،  وما من خطة من خطط الكفار تصل إلى أي ديار من ديار المسلمين وتؤثر فيها سلبًا إلا والأسباب المباشرة لذلك أُناس من المسلمين في تلك الديار، ولا يكون أبدًا تأثيرهم ودخول برامجهم إلا بعناصر من أهل تلك الديار، ومن أهل تلك البلدان، على أيديهم خدموا مناهج الكفار، وضادوا منهج المختار ﷺ. فالله ينقذ المسلمين، ويحوّل أحوالهم إلى أحسن حال، يعرفون أنفسهم يضعون أيديهم في يد من.

وكانوا العوام يصدرون بعض الأمثال، وما كان حتى هناك تبعية للكفار، ولكن إذا شيء فيه أي مخالفة للمرؤة وللحياء ولحسن النظر في الأمور، يقولون: عمياء تخطّط لمجنونة! من أمثلتهم، واحدة عمياء تصلح خطط للمجنونة، مجنونة تتبع واحدة عمياء، واحدة ما فيها عيون وهي اللي تصلح الخطط وهذه مجنونة وتمشي ورائها! وعاد ما هناك تبعية كفار تلك الأيام ليس إلا الذي  يقصر نظر ويزيغ عن الأدب، يقولون: عمياء تخطط لمجنونة، العوام يستنكرون هذا ويستبعدونه.. فقد الناس هذه الموازين والقيم، وصار يقودهم أخبث خلق الله وأبعدهم عن الله بكل سهولة، وهم عادهم قريب ويسجدوا له!! يا محول الأحوال حوّل حالنا إلى أحسن حال. أبعد العزة بالسجود لله والخضوع لجلاله تسجد لفاسق؟ تسجد لخبيث؟! (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [التوبة:31] قالوا: إنهم لم يعبدوهم يا رسول الله، قال: أليس أحلّوا لهم ما حرّم الله عليهم فتبعوهم، وحرّموا عليهم ما أحلَّ الله فتبعوهم؟ قالوا: نعم، قال: فهذه عبادتهم لهم. وهذا سجودهم لهم، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ألا لا حلال إلا ما أحلّه الله، ولا حرام إلا ما حرّمه الله -جلّ جلاله- هو الخالق، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل:116]. 

قال: "وإظهار الفاقة إلى خالقه"؛ إظهار الفاقة والفقر والحاجة إلى خالقه -جل جلاله- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]. وهكذا يقول لهم ﷺ وهو في خُطَبه وخارج خُطَبه: إن أنا إلا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، والحق يعلمه إظهار الفاقة والفقر، يقول قل لهم: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام:15]. قال سيدنا صالح لقومه: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) [هود:63] من ينصرني إن عصيته؟ أنا أخاف ربي فهم يظهرون الفاق والفقر لسيدهم ومولاهم جلّ جلاله. وهكذا من كان متصل بالدين فكيف إذا كان واعظ أو معلم أو مرشد لابد  يمتلئ فقرًا إلى الرب -جل جلاله- ويخاف على نفسه. 

قال: "وإظهار الفاقة إلى خالقه" فيكون باطنه وظاهره عليه عنوان الافتقار إلى الله. كان سيدنا سفيان -عليه رضوان الله- يقول: لو أن مناديًا نادى من في المسجد: ليَقُم  شرّكم! لم يسبقني إلا من كان أقوى مني، وإلا أنا سأكون أول واحد...

 "إظهار الفاقة إلى خالقه، وشهوة" أن إرادته محبة "المنفعة لمُستمعه"؛ يريد ينفعه، لا أن يريده يعتقده أو يبجّله أو يعظمه أو يقبّل يده أو يخدمه في حاجة… يريد نفعه، يريد تقريبه إلى ربه، يريد رفعة قدره عند مولاه، يريد فقهه في دين الله، يريد تنوير باطنه؛ هذا قصد الواعظ، قصد المعلم، قصد المربي، يريد منفعته لا أن يريد أن ينتفع بهم في دنياه ولا أن يعظموه ولا أن يبجلوه، فإن كان قصده أن يعظموه أو يقبلوا يده أو يقدّموه  في مجلس فإنما يدعو إلى نفسه لا إلى ربه، لا ما يدعوا إلى الله هذا يدعو إلى نفسه!... لكن يريد قربهم من ربهم، يريد رضا ربهم عنهم، يريد نقاء قلوبهم، يريد صفاء بواطنهم، يريد فقههم في دين الله، يريد ظهور الحقائق لهم، يريد نيلهم المرافقة الكريمة؛ فيحب ينفعهم يحب ينفع هؤلاء. وقد كان كثير من الوعّاظ والمعلمين يحترز من خدمة تلامذته له، ويخاف أن يستعجل الأجر بذلك أو أن يلتفت قلبه إلى ذلك.

 قال: "والإزراء على نفسه لمعرفة عيبه"، يقول من الواعظين للأمة بالصدق والتمكين سيدنا الإمام الحداد، قال:

تفيض عيوني بالدموع السواكبِ *** وما لي لا أبكي على خير ذاهبِ

على العمر إذ ولّى وحان انقضاؤه *** بآمال مغرور وأعمال ناكبِ 

قصيدة يذكر فيها على كذا.. على كذا… على كذا… وحتى يذكر: 

على أنني قد أذكر الله خالقي *** بغير حضورٍ لازمٍ ومصاحبِ 

 

على النار أني ما هجرت سبيلها *** ولا خِفتُ من حيّاتها والعقاربِ 

وهكذا، ويقول: 

وآهٍ على ما فات من هدي سادةٍ  *** ومن سِيَرٍ محمودةٍ ومذاهبِ

 على ما لهم من همة وعزيمة *** وجدٍّ وتشميرٍ لنيل المراتب

 ثم يقول: 

ولو أنني أبكي الدموع وبعدها الدمــــــاء على ما فاتني يامعاتبي 

لكان قليلًا في كثيرٍ وما عسى*** يردُّ البكا من ذاهبٍ أيّ ذاهبِ 

يقول هذا يدين الله تعالى هو بهذا المعاني، حتى لما أنشدت مرة القصيدة بكى حتى احمرّ وجهه، ويقول:

 عجبت لمن يوصي سواه؛ يقصد نفسه

 عجبت لمن يوصي سواه وإنه *** لأجدر منه باتباع الوصية 

يقول بلا فعلٍ ويعمل عاملًا *** على ضد علمٍ يا لها من خسارةِ

علومٌ كأمثال البحار تلاطمت *** وأعماله في جنبها مثل قطرةِ 

يقول على نفسه، هذا أعماله من أيام الصغر له في وقت الضحى مئة ركعة أو مائتين كل يوم! إذا خرج من  المعلامة صلى مئة ركعة أو مائتين فهذا أيام الصغر، ونشأ هكذا ويقول: 

علومٌ كأمثال البحار تلاطمت* ** وأعماله في جنبها مثل قطرةِ

 لا إله إلا الله… ايش بعده؟

 وقد أنفق الأيام بغير طائلٍ *** …………………………..

 ووقته كله ما بين ذكر وعلم وعبادة وتعليم ويقول:

وقد أنفق الأيام بغير طائلٍ*** كمثل الليالي إذ تقضّت وولّتِ

 وهكذا… وإلى أن رجع قال: 

ولكنه يرجو ………. *** ………………… 

ما أنا في اليأس، أنا في العتاب لنفسي وفي الإنكسار، وما أنا في اليأس ما أنا يائس 

ولكنني أرجو الذي عمّ جُوده ***وإحسانه والفضل كل الخليقةِ

إلهٌ رحيمٌ محسنٌ متجاوزٌ *** إليه رجوعي في رخائي وشدّتي

إلى آخر ماقال، ثم يخاطب نفسه أنتم تقرؤون بعض الخطاب اللي فيه عتاب لنفسه الذي يقول فيه:

يا ويح نفسي الغوية *** عن السبيل السوية 

أضحت تروج عليّه *** وقصدها الجاه والمال

يارب قد غلبتني *** وبالأماني سبتني

 وبالحظوظ كبتني*** وقيدتني بالأكبال

 قد استعنتك ربي *** على مداواة قلبي

 وحلّ عقدة كربي *** فانظر إلى الغمّ ينجال

 ويقول:

 يا نفس  هذا الذي تأتينه عجبُ*** علمٌ وعقل ولا نسكٌ ولا أدبُ

 وصف النفاق كما في النصّ نسمعه *** علم اللسان وجهل القلب والسبب 

حب المتاع وحب الجاه فانتبهي ***من قبل تطوى عليك الصحف والكتب

 وتصبحين بقبرٍ لا أنيس به *** الأهل والصّحب لمّا ألحدوا ذهبوا 

وخلّفوك وما أسلفت من عملٍ *** فالمال مستأخَرٌ والكسب مصطَحَب 

واخشي رجوعًا إلى عدلٍ توعّد من *** لا يتّقيه بنارٍ حشوها الغضب 

وقودها الناس والأحجار حاميةً *** لا تنطفي أبد الآباد تلتهب 

والبعد عن جنة الخلد التي حُشيت *** بالطيّبات ولا موتٌ ولا نَصَب

 يقول:

 لا بارك الله في الدنيا سوى عرَضٍ ***منها يُعَدُّ إذا ما عُدّت القُرَبُ 

يريد صاحبه وجه الإله به *** دون الريا إنه التلبيس والكذب

 يقول: "والإزراء على نفسه لمعرفة عيبه، والنظر إلى المستمعين إليه بعين السلامة"، قالوا لبعض المذكرين الوعاظ الصالحين: ماذا تقول للناس أنت؟ قال: أنا أبلغ كلام سيدي الكبير فأنا أقول يا سادتي الصغار يقول سيدي الكبير كذا وكذا فأنا أبلغ إلى سادتي كلام سيدي الأكبر.. أبلغه لسادتي من البشر والناس، فكان يراهم خيرًا منه.

يقول: "وحسن الظن بهم بباطن الديانة"، يرى الله من قلبه أنه يرى غيره خيرًا منه. "والإياس منهم طلباً للصيانة"؛ لا يلتفت إلى ثناءهم ولا إلى مالهم ولا إلى خدمتهم ولا إلى شيء من ماعندهم بل ييأس من ذلك طلبًا لصيانة دينه. "والرفق بالتأديب"، فإن علامة المتكبر إذا وَعَظ عنّف وإذا وُعِظَ أنِف، لكن الصادق المخلص إذا وَعَظ تلطّف وإذا وُعِظ قَبِل واعترف. 

"والرفق بالتأديب، والعطف على المبتدىء"، جاء بعض الشباب يقول للنبي ﷺ: ائذن لي في الزنا! الصحابة استنكروا.. ما قِلّ الحياء وقِلّ الأدب هذا؟  فالتفتوا.. قال له ﷺ: اقرُب اقرُب تعال إلى هنا.. فجاء إلى عنده قال له ﷺ: أترضاه لأمك؟ قال: والذي بعثك بالحق كيف أرضاه لأمي؟ قال: ترضاه لأختك؟ قال لا، ترضاه لبنتك؟ قال: أبدًا، ترضاه لعمتك؟ قال أبدًا، ترضاه لخالتك؟ قال: أبدًا، وفي كل مرة يقول له: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، كذلك الناس لا يرضونه لعماتهم، كذلك الناس لا يرضونه لخالاتهم، ووضع يده الشريفة على قلبه  وقرأ عليه، فما رفع يده وشيء أبغض إليه من الزنا.. علّمه وزكّاه ﷺ، فانظر كيف تلطف به.

وجاء أعرابي المسجد فحضره البول قام في ناحية المسجد يبول، قال الصحابة: يا رجل لا أحد يبول في المسجد، قال ﷺ:  دعوه قال لهم: دعوه واتركوه، لو تركهم يزعجونه سيقوم ويقطر عليه البول وفي باقي المسجد وفي ثوبه ويتنجس، وقال دعوه، وأكمل.. قال: ألقوا عليه ذَنوبًا من ماء؛ هاتوا دلو ماء وكبّوه في المكان ويطهر المكان، تعال قال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذه القاذورات إنما هي للصلاة والقرآن والدعاء، فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا! قال له النبي: "قد حجّرت واسعًا".. حجّرت واسعًا، الحاصل كل ساعة يصلح واحدة مشكلة، ولكن وجد القلب الرحيم الوسيع واحتواه، اللهم صلٍّ عليه وعلى آله.

يقول: "واعتقاد فعل ما يقول؛ لينتفع الناس بما يقُول"؛ فينتفع ويمتثل ويعمل فينفع الله به، الله اكبر لا اله الا الله.

 

آداب المستمع

 

آداب المستمع

"إظهار الخشوع، ودوام الخضوع، وسلامة الصدر، وحسن الظن، واعتقاد القول، ودوام السكوت، وقلة التقلّب، وجمع الهم، وترك التهمة."

 

أما المستمع "فإظهار الخشوع، ودوام الخضوع، وسلامة الصدر، وحسن الظن، واعتقاد القول، ودوام السكوت، وقلة التقلّب"؛ أي: التلفّت "وجمع الهم، وترك التهمة"، ويُنزل كلام المذكِّر والواعظ والخطيب على نفسه؛ فهذه آداب المستمع. حتى قال الإمام ابو حنيفة في: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ)؛ قال: خطبة الجمعة (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف:204]. حتى في في آداب المستمع قال النبي: "من قال لأخيه أنصت -أو صه- يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغى"؛ قد لغى بكلمته هذه، لكن يشير عليه بالسكوت من دون ان يتكلم، وأعجب منها يقول: "من مسَّ الحصى فقد لغى" والإمام يخطب وهو يلمس الحصى بيده، كان المسجد حصى، فيلمس الحصى يلعب بها قال هذا لغى، انتهى ثواب الجمعة عليه بمسّه الحصى؛ يريد أن المستمع يسمع الخطيب بأدبٍ كامل، فكيف بدل ما يمس الحصى يخرّج جواله ويتشوّف له والخطيب يخطب ها؟  أين أنت؟ في أي مكان؟ وإيش تسمع؟ وإيش شغلك الآن؟  تشوف الجوال والخطيب يخطب؟ "من مس الحصى فقد لغى".. وهكذا الآداب، اللهم ارزقنا حسن الآداب.

 كانوا يجلسون بين يديه كأن على رؤوسهم الطير. فلما رأى بعض أهل اليمن ومصر أيام سيدنا أبو بكر سمعوا القرآن أخذوا يبكون، فالتفت سيدنا أبو بكر وقال: كنا هكذا، كنا هكذا، كنا في عهد النبي هكذا إذا سمعنا القرآن ثم قست القلوب. وحاشى الصحابة من قسوة قلوبهم  لكن يعاتبون أنفسهم، وهكذا.

كان من حسن أدبهم واستماعهم أنه ﷺ كان في المسجد يومًا وعلى منبره الشريف، وأحد الصحابة كان في الوادي بعيد خارج المدينة، فسمع النبي يقول: أيها الناس اجلسوا، كان يجلّس جماعة في المسجد قيام، قال: أيها الناس اجلسوا، ذاك جلس هناك وهو في الوادي بعيد عند الغنم لمّا سمع صوت النبي يقول: اجلسوا، جلس في مكانه! هو يعرف أنه ليس هو المقصود لكن لمّا سمع صوت النبي وهذه معجزة أنه سمعه من بعيد، وجلس في مكانه وهو بعيد، لما سمعه يقول: أيها الناس اجلسوا. سيدنا أبو بكر لما أمره يثبت في الإمامة وقف وثبت لحظة امتثال للأمر ثم رجع، وهكذا.

ولمّا خطَّ لهم الخط في حفر الخندق، اعترضتهم كدية قوية لم تعمل المعاول فيها، وقال بعضهم: ممكن نتقدّم عن الخط أو نتأخر، فرجعوهم من عندهم ثم قالوا: من خط هذا الخط؟ رسول الله يخطّه وأنتم تقولوا: نتقدم أو نتأخر؟ ايش نتقدم أو نتأخر؟ هذا خط خطَّه رسول الله! لمّا أتعبتهم قالوا إرجعوا اليه، ولما وصل واصلهم إليه يارسول الله  اعترضتنا حيث خططت كدية لم تعمل المعاول فيها، قال: إني نازل، أنا سأنزل اليها، خرج  ﷺ  وأقرَّهم على حُسن أدبهم، ما قال لهم المقصود نصلح خندق تتقدموا أو تتأخروا، قال: ناولني المعول، تناول المعول بيده وضرب بيده الشريفة ضربة صار ثلث الكدية مهيل مثل الرمل، وخرجت منه برقة وكبّر ﷺ وقال: فُتِحت قصور صنعاء، وضرب الثانية، وصار الثلث الثاني كثيب صار مثل الرمل وبرقت برقة وكبر ﷺ وقال: هذه مدائن كسرى فُتِحت، والثالثة وقال: هذه قصور قيصر.

بعض المنافقين يروح يتكلم بين أصحابه يقول: نحن هنا محصورين في المدينة ما يقدر أحدنا يخاف حتى يروح إلى محل بعيد يبول، وهو يمنّيهم بصنعاء والروم والفرس ويقول قيصر وكسرى وصدق هو وكذبوا هم، (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب:12]. لكن المؤمنون هم الذين ثبتوا، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)  [الأحزاب:22]، الله يرزقنا حُسن متابعته، ويحشرنا في زمرته، ويملأ قلوبنا بمحبته، ويرزقنا كثرة الصلاة والسلام عليه خصوصًا يوم الجمعة فإنه قال: "إن من خير أيامكم الجمعة فأكثروا فيه من الصلاة عليّ، فإن صلاتكم عليّ تبلغني حيث كنتم"،  صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

كيف تبلغك صلاتنا إذا أرمت؟ قال: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجسادنا معاشر الأنبياء"، وهو أعظم الخلق حياة بكل معاني الحياة ﷺ، لا أعظم حياة منه في دنيا ولا برزخ ولا آخرة، كل حي من الخلق فهذا أعظمهم حياة، وأرفعهم  وأوسعهم في معنى  الحياة، والحياة بكل حقيقتها لله الحيّ القيوم يحيي من يشاء.

فأحيا من أحيا، ولكن هذا أحيَا مَن أحيا؛ أعظم من أحياهم حياةً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحشرنا في زمرته، ورزَقنا حُسن متابعته بسِر الفاتحة إلى حضرته.

 

تاريخ النشر الهجري

07 شوّال 1440

تاريخ النشر الميلادي

09 يونيو 2019

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام