كشف الغمة 276- كتاب الجنائز (14) الصلاة على أجزاء من الميت وحكم النعي وفضل الصلاة على الميت

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني:  276- كتاب الجنائز  (14)  الصلاة على أجزاء من الميت وحكم النعي  وفضل الصلاة على الميت

صباح الإثنين 25 شعبان 1446هـ 

 

نص الدرس المكتوب:

"وكانت الصحابة -رضي الله عنهم- يصلّون على بعض أعضاء من علم موته، وصلّى أبو عبيدة -رضي الله عنه- على رؤوس، وصلى الصحابة على يد في وقعة الجمل، وكان قد ألقاها لهم النسر، وكانوا يصلون على القوم المسلمين يختلطون بالمشركين وينوون الصلاة على المسلمين، وكان ﷺ يتفقد أحوال من مات من الفقراء والمساكين الذين لا يؤبه لهم ويقول: "إذا مات أحد من المساكين فأعلموني بموته لأصلي عليه، وربما لم يعلم به إلا بعد دفنه فيقول: دلوني على قبره فيدلونه فيصلي على القبر"، ثم يقول: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم"، وخرج رسول الله ﷺ لاول مرة فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم قال: "إني فرطكم وإني شهيد عليكم". 

 

وكان ﷺ إذا قدم من سفر وأخبروه بأحد مات في غيبته من أهل المدينة أو غيرها صلى عليه، وصلى مرة على ميت بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، وكان ﷺ يكره نعي الجاهلية وهو أن يطاف في المجالس فيقول: انعي فلانًا يعني فلان مات لا لقصد الصلاة عليه ولا الاستغفار له بقرينة قوله ﷺ فيمن دفنوه من غير إعلامه. "هلا آذنتموني لأصلي عليه"، وكان ﷺ ينعي من مات من أصحابه الغائبين في الجهاد ويقول: "أخذ الراية فلان فأصيب ثم أخذها فلان فأصيب ثم أخذها فلان فأصيب وعيناه تذرفان ﷺ"، وكان ﷺ يقول: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين وفي رواية: "من خرج مع جنازة من بيتها فله قيراط فإن تبعها فله قيراط فإن صلّى عليها فله قيراط فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط والله واسع عليم". 

 

 اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته الغراء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمّد صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه، وعلى آله الأطهار وصحبه الكبراء، ومن على منهاجهم جرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الرّاقين في الفضل والشرف أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما جاء في الآثار عن الموتى والصلاة على الموتى، ويذكر إذا وُجد بعض من أعضاء الميت، وفُقد بقية جسده، فهل يصلى عليه أو لا؟

فذكر عن "الصحابة -رضي الله عنهم- يصلّون على بعض أعضاء من علم موته، وصلّى أبو عبيدة -رضي الله عنه- على رؤوس، وصلى الصحابة على يد في وقعة الجمل، وكان قد ألقاها لهم النسر"، وعلموها أنها لأحد المجاهدين.

 

الصلاة على بعض الميت هي:

  • عند الشافعية والحنابلة إذا وُجد أي عضو من أعضاء الميت فيُغسّل ذلك العضو، ولو كان ظفراً أو شعراً، ويُصلّى عليه بقصد الصلاة على الجملة، فيجب أن يُغسّل ويصلّى عليه كما هو مقرر عند الشافعية، ويقول الإمام أحمد: صلّى عمر على عظامٍ بالشام، وصلّى أبو عبيدة على رؤوسٍ بالشام، فهو بعض من جملة تجب الصلاة عليها، فيُصلى عليه كالأكثر.

  • لكن قال الحنفية: إذا وُجد النصف فأكثر نعم، وإذا كانت أقل من نصفه -من نصف جسمه- لا يصلّى عليه. 

  • يرى المالكية أنه لا غسل ولا صلاة لدون الجُلْ -أي: الأكثر أو الثلثين-، فإذا نقصت عن الثلثين عندهم فلا يصلّى عليه.

ففي مذهب الشافعية والحنابلة  سعة، إذا وجد أي جزء -ولو ظفر أو شعر- من ميت، يُغسل ويُصلّى عليه بقصد الكل، وعليه عمل هؤلاء الصحابة كما أشار الشيخ -رضي الله  تعالى عنه-.

 

قال: "وكانوا يصلون على القوم المسلمين يختلطون بالمشركين وينوون الصلاة على المسلمين"، وإذا لم يستطع التفريق بينهم، كيف يفعلون؟ فيغسّل الجميع ويصلّى عليهم بقصد المسلمين دون سواهم، يُجعل الجميع إلى جهة القبلة، فيصلى على المسلمين منهم بقصد المسلمين منهم.

فإذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ولم يُمَيّزوا؟ 

يُغسلون جميعاً؛ لأن غسل المسلم واجب، وغسل الكافر ليس محرم، فيؤتى بالجائز لتحصيل الواجب، وهكذا

  • فإذًا مذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل أنه يُصلّى على الجميع، ويُنوى المسلمين منهم بالصلاة عليه. 

  • وعند الحنفية تفصيل يقولون: إن كان عدد الكفار أكثر، أو يستوي العددان لا يُصلى عليه، لأنه اختلط من تحرم الصلاة عليه بغيره، وأيضًا إذا كان عدد المسلمين أقل أو أكثر يُصلّى على الجميع، هذا تفصيل عند الحنفية.

 ردّه بقية الأئمة، وقالوا: بل يُصلى على الجميع بقصد المسلمين منهم، يُقصد المسلمون منهم ويُصلّى عليهم.

 

قال: "وكانوا يصلون على القوم المسلمين يختلطون بالمشركين وينوون الصلاة على المسلمين، وكان ﷺ يتفقد أحوال من مات من الفقراء والمساكين الذين لا يؤبه لهم ويقول: "إذا مات أحد من المساكين فأعلموني بموته لأصلي عليه، وربما لم يعلم به إلا بعد دفنه فيقول: دلوني على قبره فيدلونه فيصلي على القبر"، ثم يقول: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم"، ﷺ. وما أسعد أهل مقبرة البقيع بتردّده إليهم، وقالت بعض أمهات المؤمنين: ما بات عندي ليلة إلا ويأتي البقيع، ويسلم عليهم، ويدعو لهم ﷺ.

 

"وخرج رسول الله ﷺ لاول مرة فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم قال: "إني فرطكم وإني شهيد عليكم"، وقد جاء في بعض الروايات: أنه كان يزور أُحُد على رأس كل حول، يعني كل ما جاء شهر شوال، يخرج إليهم ويزورهم، وفي السنة الأخيرة أكثر من الدعاء لهم. وقالوا: أنه بصلاته على الميت أرادوا أنه كدعائه للميت، ولم تكن تلك الصلاة عليهم من حين قبرهم إنما كان يدعو لهم ويكبر، ولم يُصلِ عليهم الصلاة المعهودة للأموات لكونهم شهداء، فكان توديعه ﷺ للأحياء بما كان من خطبه أيام مرضه، وما كان في حجة الوداع، وزار أهل أُحُد كالمودّع لأيام حياته في الدنيا صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله.

 

قال: "وخرج رسول الله ﷺ لأول مرة فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم قال: "إني فرطكم وإني شهيد عليكم" صلوات ربي وسلامه عليه". وكان ﷺ إذا قدم من سفر وأخبروه بأحد مات في غيبته من أهل المدينة أو غيرها صلى عليه، وصلى مرة على ميت بعد ثلاث، ومرة بعد شهر"

فإذًا إلى متى يصلى على قبر الميت؟ إذا قد قُبر الميت فيُصلّى على قبره عند الجمهور. 

  • قال المالكية: ما يُصلى على القبر، بل إذا وضع في القبر لم يصلّى عليه فيخرج من القبر قبل أن يُهال عليه التراب، إذا أُهيل عليه التراب فاتت، وإذا كان قبل أن يُهال عليه التراب فيُخرج من القبر، ويصلى عليه، 

  • قال الجمهور: يصلى على القبر، يصلى على قبره، فيجوز الصلاة على من فاتته الصلاة عليه قبل دفنه، أن يصلى عليه على قبره، وهكذا.

  • يقول الإمام أحمد: إلى شهر، إلى شهر من دفنه، وزيادة يسيرة كيوم أو يومين زاد على الشهر، هذا في مذهب الإمام أحمد.

  • وهنا أيضًا أقوال عند الشافعية: المعتمد عندهم أنه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته، فليُصلى عليه أي وقت جاء، ما دام وقت موته كان من أهل الصلاة عليه، كان ممّن تصحُّ صلاتهم عليه وتعتبر، فيُصلى عليه.

 

  •  أما من مات وهو صبي غير مميّز، وإلا لم يولد بعد ويذهب يصلى عليه على قبره فلا، أو كان أيام مماته وهو في جنون فليس من أهل الصلاة، عليه فلا يصلى. وإن كان في وقت موته من أهل الصلاة عليه فيصلى عليه. 

  • وقيل أيضًا: إلى شهر، وقيل أيضًا: ما لم يبل جسده، وقيل: إلى سنة، وقيل: إلى ثلاثة أيام.

والمعتمد: أن من كان من أهل الصلاة عليه في وقت موته فليصلى عليه ما دام حيا، يمكنه أن يصلى عليه على قبره.

 

 يقول: "وكان ﷺ يكره نعي الجاهلية وهو أن يطاف في المجالس فيقول: انعي فلانًا يعني فلان مات لا لقصد الصلاة عليه ولا الاستغفار له" لمجرد الإشاعة لإخبار الموت من دون إرادة الاستغفار لهم، أو الدعوة للصلاة عليهم، جمعا بينه وبين "بقرينة قوله ﷺ فيمن دفنوه من غير إعلامه. "هلا آذنتموني لأصلي عليه"، ففيه سنّية الإعلام بالموت وكراهية النعي، فيحمل على أنه إذا كان مجرد الإخبار والإذاعة والإشاعة لخبر الموت، من دون إرادة قصد الصلاة ونحوها، أو إذا اقترن به شيء من الجزع، أو التبرم فهذا منهي عنه، وأما مجرد الإعلام فلا إشكال فيه، خصوصا من أجل الصلاة عليه، أو من أجل الدعاء له، والاستغفار له والتعزية، فيُشعر بموته.

فالنعي ويقال له أيضًا: 

  • نُعيان خبر الموت، أو نداء الداعي أو الناعي.

  • وكذلك الدعاء بموت الميت، أو الإشعار به.

  • ويقال للداعي الذي يأتي بخبر الموت: ناعي.

وكانوا في الجاهلية إذا قُتل منهم أحد له منزلة ومكانة، يبعثون راكبًا إلى القبائل ينعونه إليهم، فهذا هو المنهي عنه من دون قصد إلا فقط شيء من التبرّم والجزع على موت الميت؛ هذا هو المنهي عنه.

 

"وكان ﷺ ينعي من مات من أصحابه الغائبين في الجهاد" هذا من أجل الاعتبار والإدّكار والدعاء أيضا لهم، وما إلى ذلك من المقاصد الحسنة.

 

وذكر عمّا حصل في يوم غزوة مؤتة ويقول: "أخذ الراية فلان فأصيب -أي: قُتل هذا زيد بن حارثة-، ثم أخذها فلان -جعفر بن أبي طالب- فأصيب ثم أخذها فلان -عبدالله بن رواحة- فأصيب وعيناه تذرفان ﷺ"، -أي: يبكي- ﷺ، رحمة ورأفة وشفقة، لا تبرمًا ولا جزعًا صلوات الله وسلامه عليه.

أما ما يتعلق بالندب: وهو تعديد محاسن الميت وشمائله، 

والنوح: رفع الصوت بالبكاء مع رنة، ورفع الصوت أيضًا بالندب، فهذا هو المنهي عنه في الحديث عند أبي داود، والإمام أحمد في المسند وغيره، "لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة لها"، فلا يجوز النياحة، وكذلك الندب إذا اقترن به التبرّم والجزع، أما للاعتبار وللإدّكار والاقتداء فلا إشكال في ذلك، فما كان فيه أيضًا إعلام للجيران أو للأصدقاء ونحوه داخل أيضا في المستحبات، يُعلم جيرانه وأصدقائه حتى يؤدوا حقه بالصلاة عليه والدعاء له، وإنما عادة الجاهلية يُطاف في المجالس هكذا ننعي فلان وننعي فلان، هذا الذي نُهي عنه، والذي لا يتوافق مع أدب شرع المصون.

 

ويقول في فضل من شهد الجنازة وكان ﷺ يقول: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط،  -أي: من الأجر-، له أجر عظيم ممثلٌ عظمته بالجبل، الجبل العظيم كجبل أحد، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين  -أي: من الأجر- وفي رواية: "من خرج مع جنازة من بيتها فله قيراط فإن تبعها فله قيراط فإن صلّى عليها فله قيراط فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط، -صارت أربعة قراريط- والله واسع عليم" -لا إله إلا هو-.

وفيه جاء في بعض الروايات ثلاثة قراريط، قيل: في أنه من شهدها حتى يُصلى عليه فله قيراط، فإن صلى عليها فله قيراط، فإن شيّعها حتى تدفن فله قيراط، وهذه الرواية التي ذكرها، وهي أيضًا كما قال في التعليق عند الهيثمي بهذا اللفظ وعزاه للبزار، وقال المنذري: رواه البزار، ورواته رواة الصحيح الأسعدي بن سليمان.

فإذًا أربعة قراريط "من خرج مع جنازةٍ من بيته فله قيراط، إذا شهدهم من عند البيت، وإن تبعها فله قيراط، فإن صلّى عليها فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط، والله يؤتي فضله من يشاء".

وما مهمة الحياة إلا كسب الحسنات، التي هي الزاد للدار الآخرة، وسبب لرفعة الدرجات، وارتقاء المؤمن في محبته للحقّ، ومحبة الحقّ له، وفي قربه منه -سبحانه وتعالى-، وفي نيل رضاه -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

 

فبارك الله في أعمارنا، وأحسن لنا خاتمة شعبان، ووفّر حظّنا من رمضان، وساعاته ولياليه وأيامه، ومرحبا به وبإقباله، جعلنا الله من خواص أهله عنده، ووفر حظنا من ليلة القدر فيه، ومن كل ليلة من لياليه، ومن كل ساعة من ساعاته، وكل لحظة من لحظاته، وجعلنا فيها من الكاسبين لأعلى وأجل ما يهبّ في تلك اللحظات والأنفاس من العطايا النفائس والمنن الواسعات.

 اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وفّقنا لمن تحب، واجعلنا في من تحب. 

 

بسر الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم

الفاتحة 

تاريخ النشر الهجري

26 شَعبان 1446

تاريخ النشر الميلادي

24 فبراير 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام