كشف الغمة 275- كتاب الجنائز ( 13) مسائل متعلقة بالصلاة على الميت

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: 275- كتاب الجنائز ( 13) مسائل متعلقة بالصلاة على الميت

صباح السبت 16 شعبان 1446هـ 

نص الدرس المكتوب:

"وكان علي -رضي الله عنه- إذا صلى على جنازة يقول: إنا لقائمون وما يصلي على المرء إلا عمله، وكان ﷺ يصلي على من قتل في حد الله تعالى وصلى على الغامدية لما اعترفت بالزنا ورجمت، وكذلك على رجل من بني سليم اعترف عنده أربع مرات بالزنا فرجمه وصلى عليه، وكان ميمون بن مهران -رضي الله عنه- يقول: شهدت ابن عمر: يصلي على ولد زنا فقيل له إن أبا هريرة لم يصل عليه؟ وقال هو شر الثلاثة فقال له ابن عمر: بل هو خير الثلاثة، وسيأتي أنه كان ﷺ لا يصلي على من أثنى الناس عنه شرًا، نسأل الله العافية، وكان ﷺ يصلي على الغائب عن البلد وعلى من دفن في مقبرة البلد إلى مدة شهر.

 

ولما مات النجاشي -رضي الله عنه-: بأرض الحبشة نعاه رسول الله ﷺ يوم مات وقال: "توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه فصففنا فصلى رسول الله ﷺ عليه فكبر أربع تكبيرات كما كان يصلي على الميت الحاضر وأمرهم بالاستغفار له"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما-: يقول: "انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصلوا خلفه"".

 

 اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته، عبده وصفوته سيدنا محمد ، بارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى جميع آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم منا وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويتابع الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- ذكر الحديث المتعلقة بالصلاة على الميت، "وكان علي -رضي الله عنه- إذا صلى على جنازة يقول: إنا لقائمون" أي: بما شرع الله لنا من الصلاة على هذا الميت والدعاء له والتشفع له عند الله، "وما يصلي على المرء إلا عمله"، بإشارة إلى أن العمل له مكانه عند الحق -سبحانه وتعالى- وأنه مؤثر،":

  • فإن زكا عمله وصلح فتكون صلاة المصلي عليه زيادة ورفعة في درجاته وأعلى مقامه لدى الحق -تبارك وتعالى-.

  • أما إن قَصُرَ عمله فقد يتدارك بشيء من صلواتهم ويشفعون فيه أو يغفر لهم بسببه، ولكن ليس كوجود العمل الصالح له.'

  • وإن كان شيء من أعماله يقتضي الحرمان أو كان مات على سوء الخاتمة -والعياذ بالله- فلا تنفعه صلاة المصلين عليه ولا دعاء الداعين له، قال تعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:48] -والعياذ بالله-.

  • فإن كان مات على الإيمان فهو ممن تنفع فيه الشفاعة. 

وجاءنا في الأحاديث: "من صلى عليه ثلاث صفوف غفر الله له" "ومن صلى عليه أربعون غفر الله له"، "ومن شهدتم له بالخير وجبت له الجنة، ومن صلى على مغفور غفر الله له". فتعود الفائدة أيضا على الأحياء الذين يُصلون على الأموات إذا قبلت صلواتهم.

وبعد ذلك يقول:" كان ﷺ يصلي على من قتل في حد لله تعالى كما صلى على الغامدية، لما اعترفت بالزنا" وطلبت منه أن يقيم الحد عليها حتى أمر بها فرجمت فصلى عليها ﷺ، "وكذلك على رجل من بني سليم اعترف عنده أربع مرات فرجمه وصلى عليه"، ونهى عن سبهم، وقال عن الغامدية: "لقد تابت توبة لو وزعت على أربعين من أهل المدينة لوسعتهم". قالوا: ولو من المنافقين، لو كان أربعين من المنافقين تابوا بعد التوبة لكفر الله عنهم سيئاتهم بصدقها وما قدمته، قال: "وهل وجدت خيرا من أن تجود بروحها عليها -رضوان الله-". وقال أيضًا عن هذا لما تكلم عليه بعض الصحابة قال له: "وإنه لينغمس الآن في أنهار الجنة" بتوبته الصادقة وصلاة رسول الله  وعلى آله.

كذلك ولد الزنا كان يصلي عليه ابن عمر، وقال: "أن أبو هريرة ما يصلي عليه ويقول هو شر الثلاثة، فقال له ابن عمر: بل هو خير الثلاثة" فإنه لا ذنب له إنما الذنب للزاني وأمه التي ولدته، وإن صدقت توبتهما تاب الله عليهما وإلا عذبهما وأما هو فما يكتب عليه إلا ما عمل (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [فاطر:18].

ومن الخطر أن يتعرض الإنسان إلى أن يثني الناس عليه شراً خصوصا إن كان خيارهم وصلحاؤهم -والعياذ بالله تعالى -  أثنوا عليه شر ودليل على أنه من أهل النار كما صح في الأحاديث، وحتى يشير الشيخ إلى أنه ورد أنه" لم يكن يصلي على من أثنى الناس عليه شرا نسأل الله العافية".

قال: "وكان ﷺ يصلي على الغائب عن البلد" إذا مات خارج البلد، "وعلى من دفن في مقبرة البلد"، يعني: يصلي فوق قبره، على قبره "إلى مدة شهر"، ويأتي معنا أن بعضهم بعد ثلاثة أيام، وبعضهم بعد شهر. فهنا جاء اختلاف الأئمة في الصلاة على الغائب أو الذي يموت خارج البلد:

  • فقال الإمام أبو حنيفة والإمام مالك: لا يصلى عليه، لا يصلى على الغائب. 

  • وكان يرى الشافعية والحنابلة أنه يصلى على الغائب إذا كان غائباً عن البلد وإن قربت المسافة، إذا هو خارج البلد فيصلى عليه صلاة الغائب سواء كان قبره بجهة القبلة أو غيرها، فيستقبلون القبلة ويصلون عليه.

  • إذا رأى الحنفية والمالكية أن الصلاة على الغائب التي وردت عنه ﷺ بالنسبة للنجاشي أنها خصوصية له، أو أنها صلاة لغوية.

  •  ولكن يقول الشافعية والحنابلة: بل هي سنة.

 

ويَجِدُ بعد ذلك المصلي عليهم ثوابًا؛ قيراطًا من الأجر والثواب على عدد من يصلي عليهم من الأغيار؛ وبذلك كان من عمل بعض النساك كان يصلي كل ليلة على من مات في ذاك اليوم من المسلمين في الشرق والغرب، فلا يخلو يوم عن موت عدد كثير من المسلمين.

واستدلوا بما جاء عن جابر أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعًا. ومن المعلوم أنه أيضًا اجتهد الأئمة فقال بعضهم: أنه صلّى عليه؛ لأنه ليس في بلده من صلى عليه، وخصصه بعضهم بالملوك والأمراء لأنه كان ملك، وعلى كل حال فهناك نظرات، والأصل في فعله ﷺ التشريع على العموم؛ فلذلك قال:

  •  الشافعية والحنابلة بِسُنِيَة الصلاة على الميت الغائب.

وعليه العمل في البلدة التي ساد فيها مذهب الشافعية، فيصلون في الجمع وغيرها على الأغيار رجاء الثواب.

وأخبر سيدنا جبريل النبي ﷺ بوفاة النجاشي وخرج بهم إلى المصلى وصلى عليه هو وأصحابه، ذلك سنة تسعٍ من الهجرة النبوية.

أما من كان في البلد فلا يصلى عليه صلاة غائب، ولا يصح الصلاة إلا على قبره إذا أراد أن يصلي عليه من لم يصلِّ عليه وقد دفن، فليذهب إلى قبره وأمام قبره يصلي عليه كما جاء في السنة.

لما اختلفوا إلى كم يصلي عليه؟ 

  • فذكر عن الحنابلة أنه إلى شهر، وأن احتمال بقائه إلى شهر، وأنه لا يبقى كاملاً بعد شهر غالبًا، على كلٍ هذا مذاهبهم.

  •  وقيل ثلاثة أيام، وقيل سنة، وقيل بلا حد.

  • والمعتمد عند الشافعية، أنه من كان من أهلًا للصلاة عليه وقت وفاته فيصلي عليه، إذا كان وقت موت الميت وهو من أهل الصلاة، أما إذا كان ولد بعد أو كان صبيًا غير مميز أيام موته، الرجل  جاء بيصلي على قبره، ما لك صلاة عليه، إنما الصلاة عليه لمن كان في وقت موته من أهل الصلاة عليه. فهذا معتمد الشافعية أنه لا يصلي على قبر ميت إلا إن كان وقت موت ذلك الميت هو من أهل الصلاة عليه فيصلي عليه. 

  • وقيل الصلاة عليه ثلاثة أيام، وقيل شهر، وقيل سنة، وقيل إلى أن يبلى، وقيل إلى الأبد وهذا القول الضعيف إلى الأبد، يجوز الصلاة على الأموات ولو كانوا في القرون السابقة.

  •  ومعتمد الحنابلة من حين موته شهر فقط، من حين قبره مدة شهر يصلي عليه. 

  • ومعتمد الشافعية أنه كل من كان أهلًا للصلاة عليه وقت موته يصلي عليه، أما من أسلم بعد ذلك أو ولد بعد ذلك، أو كان غير مميز وقت موته فلا يصلي عليه، ولكن من كان من أهل الصلاة عليه وقت موته فيصلي على قبره.

 

قال: "وكان ﷺ يصلي على الغائب عن البلد وعلى من دفن في مقبرة البلد إلى مدة شهر. ولما مات النجاشي -رضي الله عنه-: بأرض الحبشة نعاه رسول الله ﷺ يوم مات وقال: "توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه فصففنا فصلى رسول الله ﷺ عليه فكبر أربع تكبيرات كما كان يصلي على الميت الحاضر وأمرهم بالاستغفار له"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما-: يقول: "انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصلوا خلفه"، معنى رطب يعني: أيام وفاته لايزال أثر الماء على قبره.

وهكذا يأتي الصلاة على بعض جسد الميت إذا فقد جسده فإذا وجد من جسده ولو إصبع ونحوه يغسل ويصلى عليه.

 

رزقنا الله خير الحياة وخير الوفاء وخير ما بينهما، ودفع عنا شر الحياة وشر الوفاء وشر ما بينهما، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأجعل الموت راحة لنا من كل شر، وختم لنا بأكمل حسن الخاتمة وهو راضٍ عنا.

 بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

23 شَعبان 1446

تاريخ النشر الميلادي

21 فبراير 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام