كشف الغمة 271- كتاب الجنائز ( 9) فصل: في المشي مع الجنازة
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: 271- كتاب الجنائز ( 9) فصل: في المشي مع الجنازة
صباح السبت 2 شعبان 1446
يتضمن الدرس نقاط مهمة منها :
- كيفية المشي مع الجنازة وثوابه
- الأفضل في كيفية حمل الجنازة
- هيئات مكروهة لحمل الجنازة
- حكم حمل الطفل
- المشي مع الجنازة
- حكم اتباع المرأة للجنازة
- التوسط في إسراع الجنازة
- تقدم جنائز الرجل أو المرأة
- هل الأفضل المشي أمام الجنازة أو خلفها؟
- ما يسن وما يكره للنساء مع الجنازة
- الركوب في الذهاب مع الجنازة أو الرجوع
- حكم الاغتسال بعد غسل الميت
- نصيب المشاركة من حمل الجنازة
- الإسراع في حمل الجنازة
- من المستريح والمستراح منه؟
- فضل الصفوف في الجنازة
- استشهاد الصحابة في أبعد بقاع الأرض
نص الدرس المكتوب :
"كان رسول الله ﷺ يقول: "الماشي مع الجنازة يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها والراكب يكون خلفها"، وكان ﷺ يمشي أمام الجنازة وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وكان علي -رضي الله عنه- يمشي خلف الجنازة فقيل له: إن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كان يمشيان أمامها فقال: إنهما كانا يعلمان أن المشي خلفها أفضل كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده ولكنهما كانا يسهلان للناس، وكان ﷺ ينهى النساء عن اتباع الجنائز، ويقول: "ليس للنساء في إتباع الجنائز أجر"، وكانت أم عطية -رضي الله عنها- تقول: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا"، وكان أبو عطية الوداعي -رضي الله عنه- يقول: "خرج رسول الله ﷺ في جنازة فرأى امرأة فأمر بها فطردت فلم يكبر حتى لم يرها".
وكانت زحلة مولاة معاوية -رضي الله عنها- تقول: لم يكن يتبع الجنازة امرأة إلا أن تكون نفساء أو مبطونة فتخرج معها امرأة من ثقاتها حتى يضعوها في المصلى فتدخل المرأة يدها تنظر هل خرج شيء فلا يزال القوم جلوسًا أو قياماً حتى إذا توارت المرأة قالوا للإمام كبر، وكان عمر -رضي الله عنه- يقدم الرجال أمام النساء وقدمهن في جنازة زينب أم المؤمنين -رضي الله عنها- وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنتم مشفعون فامشوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها وقريبًا منها"، وكان ﷺ يركب في رجوعه من الجنازة دون الذهاب معها، وأوتيَ ﷺ في جنازة بدابة ليركبها فردها، وقال: "إن الملائكة تمشي مع الجنازة فلم أكن لأركب وهم يمشون فإذا رجعنا ركبت إن شاء الله تعالى حين يذهبون".
وقال جابر -رضي الله عنه-: "ركب رسول الله ﷺ في جنازة ابن أبي الدحداح وكنا ماشين حوله، وكان ينهى من يراه راكبًا مع الجنازة ويقول: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب".
وكان رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها"، وتقدم الكلام على قوله ﷺ: "من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ"، في باب الغسل، وكان ﷺ يقول: "من تبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها ثم إن شاء فليتطوّع وإن شاء فليدع"، قال محمد بن الحنفية -رضي الله عنه-: ولما مات إبراهيم ابن النبي -عليهما الصلاة والسلام-: حملت جنازته على سرج فرس.
وكان ﷺ يأمر بالإسراع بالجنازة من غير رمل ويقول: "أسرعوا بها فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم"، وأسرع ﷺ يوم مات سعد بن معاذ حتى تقطعت نعال القوم، قال أبو بكر: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملًا".
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ينتظر بالجنازة أم الميت حتى تحضر ثم يصلي.
وقال شقيق أبو وائل -رضي الله عنه-: ماتت أمي نصرانية فأتيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: فذكرت ذلك له فقال: اركب دابة وسر أمام جنازتها.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال قدموني وإذا وضع الرجل -يعني السوء- على سريره قال ويلي أين تذهبون بي"، ومروا على رسول الله ﷺ بجنازة فقال: "مستريح ومستراح منه، فقالوا يا رسول الله ﷺ: ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، وكان عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يقول: "مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله ﷺ، ثم قال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة"".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن
الحمد لله مُكْرِمِنا بشريعته الغرَّاء، وبيانها على لسان خير الورى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن والاهم في الله، وسار بمسارهم وبمجراهم جَرَى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، الراقين في الفضل على الذُرَا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،
فيواصل الشيخ الشعراني -عليه رحمه الله- ذكر الأحاديث المتعلقة بالمشي في الجنازة وحملها، وقد اتفق أهل العلم على أنه يجب حمل الجنازة، وهو فرض كفاية، حتى يُصَلَّى عليها بعد تغسيلها وتكفينها، وحتى تُقبر في قبرها.
وكلامهم بعد ذلك على كيفية الحمل، وكم الذين يحملون؛ فقال: "كان رسول الله ﷺ يقول : الماشي مع الجنازة يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها والراكب يكون خلفها"، هكذا في رواية أبي داود وأحمد في المسند، فالمشي أمام الجنازة وخلفها وعن يمينها وعن شمالها كله جائز، وكل ما قرُبَ من الجنازة كان أفضل، وإن ساعد على الحمل كان ذلك أتم وأكمل، وفي تشييعها حتى يُصَلَّى عليها قيراط، ثم في تشييعها بعد الصلاة عليها حتى الدفن قيراط آخر، قيراطان كل قيراط أكبر من جبل أُحُد من الأجر، ولما سمع الحديث بعض الصحابة قال: لقد ضيعنا قراريط كثيرة، فكان من جملة المُقَرِبَاتِ إلى الله تبارك وتعالى تشييع الجنائز.
-
يقول الحنفية: يُسَنُّ يحملها أربعة رجال، يأخذون بقوائم الجنازة الأربعة.
وعن ابن مسعود يقول: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع، وجاء أيضًا وروي في الأثر أن من حمل الجنازة من جوانبها الأربعة غُفِرَت له ذنوب ثمانين سنة.
-
يقول الشافعية: الأفضل أن يُجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين، كما جاء من فعل ابن عمر وسالم وغيرهم. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالحمل بين العمودين، التربيع يحملها أربعة من جوانبها الأربعة، والحمل بين العمودين يحملها ثلاثة، أحدهم يكون في مقدمتها والاثنين في المؤخرة، فإن عجز الذي في المقدمة فيكون معه اثنان ليكون العدد وتر، بدل ثلاثة خمسة، وعليه الآن أو على شبه العمل أن يعدون الذي يمسك بزمام الجنازة في أولها ويقودها خامسًا، وأربعة على الجوانب.
-
ويقول الحنابلة: يستحب التربيع، في الحمل يضع قائمة السرير اليسرى عند المسير أو السير على كتفه اليمنى، وينتقل إلى المؤخرة، ثم هكذا يدور على الأعمدة.
-
يقول المالكية: ليس لحمل الميت كيفية معينة، يجوز أن يحمله أربعة وثلاثة واثنان، وبأي شيء من دون كراهة.
والقصد أن يكون بحالة لائقة بميت غير مُزْرِيَة، فلا يجوز حمل الميت بحالة غير لائقة وغير مُزْرِيَة، كما يقول أهل الفقه أن يضعه في نحو قُفَّة وما إلى ذلك، فما كان من هيئة مُزْرِيَة فيحرُم.
حمل الجنازة على الدابة أو على الظهر:
-
وكذلك يقول: يُكْرَه عند الحنفية حمله على الظهر أو على الدابة بلا عذر؛ فإذا كان المحل بعيدًا وشق حمل الرجال، فيُحْمَل حينئذ على الظهر.
وقد كانوا يأتون بالجنائز من القرى حوالي تريم، من دون أن يركبوها على دابة ولا على غيرها، ولكن يحملونها الرجال.
-
وهكذا يقول الحنابلة: حملها على الدابة لغرض صحيح، لا يُكْرَه.
-
ومن كان من نحو صبي صغير أو غيره، فيحمل واحد، فإذا كان يحمل واحد يتداوله الناس بالحمل على أيديهم، فلا يُكْرَه حمل الطفل على اليدين، بل يُنْدَب هذا عند المالكية.
ثم يُسنُ الإسراع بالجنازة من غير خبب.
قال: "وكان ﷺ يمشي أمام الجنازة، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكان علي رضي الله عنه يمشي خلف الجنازة فقيل له : إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان يمشيان أمامها فقال : إنهما كانا يعلمان أن المشي خلفها أفضل كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده ولكنهما كانا يسهلان للناس" حتى لا يتزاحموا على الوراء ويتركوا الأمام.
"وكان ﷺ ينهى النساء عن اتباع الجنائز، ويقول : ليس للنساء في إتباع الجنائز أجر"، فيكره للمرأة أن تتبع الجنازة؛ وكما جاء في الحديث الذي بعده عن أم عطية تقول: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا، وكان أبو عطية الوداعي رضي الله عنه يقول: خرج رسول الله ﷺ في جنازة فرأى امرأة فأمر بها فطردت فلم يكبر حتى لم يرها"، غابت عن الأعين، كبر بعد ذلك بجنازة لئلا يختلط الرجال بالنساء في صلاة جنازة أو غيرها؛ فهكذا كان إرشاده وتربيته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وفي الحديث ايضًا أنه الأمر بالإسراع، قال: أي فوق المعتاد، ولا يصل إلى حد الخبب والرمل، فإذا كان كذلك، قال: فإن كانت خيرًا فإلى خير تقدمونها، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.
"وكانت زحلة مولاة معاوية رضي الله عنها تقول : لم يكن يتبع الجنازة امرأة إلا أن تكون نفساء أو مبطونة فتخرج معها امرأة من ثقاتها حتى يضعوها في المصلى فتدخل المرأة يدها تنظر هل خرج شيء فلا يزال القوم جلوساً أو قياماً حتى إذا توارت المرأة قالوا للإمام كبِّر" -هذه حالات نادرة لضرورة- "وكان عمر رضي الله عنه يقدم الرجال أمام النساء وقدمهن في جنازة زينب أم المؤمنين رضي الله عنها".
إذا حضر الجنازة رجالًا ونساء:
-
إذا حضروا مرة فيقدم الرجال على النساء.
-
وإلا فالمتقدمة إلى محل الصلاة هي المقدمة المصلى عليها أولاً.
-
ولكن لما كان هناك اعتبار معين في جنازة النساء، كانت زينب أم المؤمنين؛ فقدمهن سيدنا عمر على الرجال وصلى عليهن لمكان أم المؤمنين بينهن.
"وقال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : أنتم مشفعون فامشوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها وقريباً منها". وأما الطفل فلكونه شافع فيمشون كلهم خلفه، ويكون الطفل محمول في الأمام. "وكان ﷺ يركب في رجوعه من الجنازة"،
-
ومن هنا قالوا: إن المشي أمام الجنازة أفضل عند الجمهور، وقيل كما سمعتم عن سيدنا علي أن المشي خلفها أفضل.
والنساء لا شأن لهن بالجنازة وحضورها، إنما يُحتاجُنَّ في التغسيل والتكفين، فيغسلنَّ المرأة الميتة يتولينَّ تغسيلها وتكفينها النساء، لا إله إلا الله.
فيكون بعد ذلك مشي النساء في الجنازة إذا سلم من الاختلاط المحرم والتكشف:
-
فهو محرم عند الحنفية.
-
وهو مكروه عند الشافعية، لقول أم عطية: "ولم يعزم علينا"، فالنهي ما بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه.
-
ويقول المالكية: إذا لم تكن هناك فتنة جاز خروج المرأة مثل كبيرة السن.
-
وقال الحنابلة: يكره أن يتبع الجنازة أي امرأة كانت كبيرة أو صغيرة.
يقول: "وكان ﷺ يركب في رجوعه من الجنازة دون الذهاب معها، وأوتيَ ﷺ في جنازة بدابة ليركبها فردها، وقال: "إن الملائكة تمشي مع الجنازة فلم أكن لأركب وهم يمشون فإذا رجعنا ركبت إن شاء الله تعالى حين يذهبون"".
فالركوب مع الذهاب إلى الجنازة من غير عذر مكروه، يكره أن يركب؛ بخلاف الرجوع إذا قد دفنوها ويرجع راكب ما عليه إشكال.
لكن يمشي مع الجنازة راكب من دون عذر فهو مكروه، ولكن من كان معذور فيكون في الخلف، لما كان الركوب على مثل الدواب يكون في خلف الجنازة، لأن المركوبات سريعة واللي يمشي خلف الجنازة يتأخر يمشي رويدًا رويدًا، وإلا يترك التشيع من أصله، يمشي وحده يخبخب وحده قدامه قبل الجنازة، فهذا ما شيع الجنازة أصلًا، فهذا ماشي مع نفسه.
وبعد ذلك يقول: "قال جابر رضي الله عنه: "ركب رسول ﷺ في جنازة ابن أبي دحداح،" وكنا نمشي حولها، فمن يراه راكبًا مع الجنازة، يقول: "ألا تستحيون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب؟" ﷺ، ويقول: "من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها".
قال: وتقدم الكلام على قوله ﷺ: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" في باب الغسل. فكان الاغتسال بعد تغسيل الميت: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".
يقول الشافعية: إنه من آكد الأغسال المسنونة، الغسل من غسل الميت فهو سنة، وقيل فيه قولان: أنه سنة، وأنه في القديم للإمام الشافعي أنه واجب، الغسل من غسل ميت قيل بوجوبه،
والجماهير أنه ليس بواجب وهو الجديد كذلك من مذهب الإمام الشافعي.
وعلى هذا يكون الغسل من تغسيل الميت والغسل للجمعة من آكد الأغسال، لأنه قيل بوجوبهما، ثم الغسل للعيدين.
وكان ﷺ يقول: "من تبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع"، يعني؛ أدى نصيبه من المشاركة في الفرض الكفاية هذا؛ إذا حمل من الجوانب الأربع، وما زاد فهو تطوع وله فضل حمل الجنازة.
"قال محمد بن الحنفية -رضي الله عنه-: ولما مات إبراهيم ابن النبي -عليهما الصلاة والسلام-: حملت جنازته على سرج فرس" لإحضاره من المكان البعيد الذي كان فيه أمه ماريا القبطية.
قال: "وكان ﷺ يأمر بالإسراع بالجنازة من غير رمل ويقول: "أسرعوا بها فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم"، وأسرع ﷺ يوم مات سعد بن معاذ حتى تقطعت نعال القوم، قال أبو بكر: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملًا".
"وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينتظر بالجنازة أم الميت حتى تحضر ثم يصلي". "وقال شقيق أبو وائل -رضي الله عنه-: " ماتت أمي نصرانية، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكرت ذلك فقال: اركب دابة وسر أمام جنازتها".
وكان رسول الله ﷺ يقول: "إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني قدموني"، وجاء في بعض الروايات: "إلى جنة ورضوان ورب غير غضبان". وإذا وضع الرجل يعني السوء على سريره قال: "ويلي أين تذهبون بي؟" تقول: "يا ويلها أين تذهبون بها؟ لا إله إلا الله، خلفوني خلفوني وما تخلف".
ومروا على رسول الله ﷺ بجنازة فقال: "مستريح ومستراح منه"، "قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ قال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى"، فيخرج عنه التكليف ويكون في محض التشريف، هذا مستريح، قال: "والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، وفي أن الشجر والدواب تكره العصاة و الفساق وتحب مفارقتهم وبعدهم وتفرح إذا ماتوا، كما أنها تبكي على من تفقده من الصالحين.
ويقول سيدنا علي: "إذا مات ابن آدم بكى عليه موضعان: موضع في الأرض وموضع في السماء، أما موضع في الأرض فمصلى محل سجوده، وموضعه في السماء مصعد عمله الصالح". لذا قال الله عن قوم فرعون لما أهلكهم: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].
وأما فضل الصفوف في صلاة الجنازة، فمثل غيرها من صلاة الجماعة، الأول أفضل ثم الثاني، ثم ما كان أقرب، مثل أي صلاة جماعة، الفضل فيها في الصف الأول ثم الثاني، وهكذا.
ويقول: وكان عمر بن العاص يقول: "مات رجل بالمدينة ممن ولذ بها، فصلى عليه الصلاة والسلام وقال: يا ليته مات بغير مولده". قالوا: لماذا يا رسول الله؟ قال: "الرجل إذا مات بغير مولده، قيس بين مولده الى منقطع أثره في الجنة".
ولذا لما خرج في الجهاد جماعة من الصحابة، أمروا أن يقبروا في آخر منطقة يصلون إليها المجاهدون، ليكون أبعد ما يكون عن بيته وعن مكانه، كما أوصى سيدنا أبو أيوب الأنصاري، وقد خرج وهو كبير سنه، الذي نزل في بيته ﷺ أول ما جاء المدينة المنورة، خرج وهو كبير سنه وعنده عرج، فقالوا له: أنت معذور ولا يحتاج تخرج للجهاد، في غيرك من الشباب، قال: إن الله يقول في كتابه: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) [التوبة: 41]، قال: هل قال خفافًا فقط؟ قال: (خِفَافًا وَثِقَالًا)، قال: (خِفَافًا وَثِقَالًا)، قال: خلاص أنتم خفافًا وثقيل مرة. فلما وصلوا هنا في تركيا، قال لهم: انتظروا، إذا أنا استشهدت فانظروا آخر موضع تصلون إليه فاقبروني فيه، فقبروه في هذا المكان الذي هو فيه قريب من الذي من إسطنبول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. هؤلاء الذين زكاهم ﷺ وتربوا على يده الكريمة.
رزقنا الله محبتهم ومتابعتهم، والاقتداء بهديهم، ووقانا الأسواء والأدواء، وأصلح لنا السير والنجوى، وفرج كروب أمة حبيبه محمد أجمعين، وجعلنا في رداد المهتدين، ورقانا أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، في عافية وتمكين.
بسرِّ الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
23 شَعبان 1446