كشف الغمة 241- كتاب الصلاة (131) أحوال النبي وأصحابه في خطبة الجمعة
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: 241- كتاب الصلاة (131) أحوال النبي وأصحابه في خطبة الجمعة
صباح السبت 13 جمادى الآخرة 1446 هـ
يتضمن الدرس نقاط مهمة، منها:
- معنى: إن من البيان لسحرا
- طول الصلاة وقصر الخطبة
- هل تفوت الجمعة لمن فاتته الخطبة؟
- هل تصح الخطبة بدون وضوء؟
- صفة منبر النبي ﷺ
- حنين الجذع للنبي عليه الصلاة والسلام
- أين وقف الخلفاء في منبر النبي؟
- قصة لسيدنا علي مع سيدنا أبي بكر
- تفاعل النبي مع الخطبة
- هل ترفع اليد في الخطبة للدعاء؟
- الدعاء على الناس في الخطبة
- لبس النبي عمامة سوداء
- هل لبس النبي ثوبا أحمر ؟
نص الدرس مكتوب:
"وكان ﷺ يقول: "أقصروا الخطبة فإن من البيان لسحرًا"، وكان ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من علامة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"، وكان عمر -رضي الله عنه- وغيره يقولون: "جعلت الخطبة موضع الركعتين فمن فاته سماع الخطبة صلى أربعًا، وفي رواية: "فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا".
قال شيخنا -رضي الله عنه-: ومن هنا اشترط بعض العلماء الطهارة للخطبة وإلا فأعلى أحوالها أن تكون قرآنًا والقرآن تجوز قراءته مع الحدث الأصغر، والله أعلم.
وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: كان منبر آدم -عليه السلام- الذي خطب عليه في الجنة سبع درج، وأول من اتخذ المنبر بعد آدم إبراهيم -عليه السلام-.
قال: وكان منبره -عليه السلام- ثلاث درج من طرفاء الغابة عمله له نجار من المدينة اسمه باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- بعد موت النبي ﷺ يقف على الدرجة الثانية، فلما جاء عمر -رضي الله عنه- وقف على التي تليها، فلما جاء عثمان -رضي الله عنه- زاد درج المنبر وصار يقف على أول الزيادة وخلف ظهره ثلاث درج فوقه أدبا منهم -رضي الله عنهم أجمعين، وجاء الحسن بن علي -رضي الله عنهما- إلى أبي بكر -رضي الله عنه- وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى، فقال علي -رضي الله عنه-: والله يا خليفة رسول الله ما هذا عن أمري، فقال: صدقت والله ما اتهمتك.
وكان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبّحكم ومسّاكم، وكان ﷺ إذا دعا وهو على المنبر رفع السبابة وحدها دون اليد، وقال سهل بن سعد -رضي الله عنه-: ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ما كان دعاؤه إلا أن يضع يده حذو منكبيه ويشير بأصبعه إشارة ويعقد الوسطى بالإبهام، ولما خطب بشر بن مروان فرفع يديه عند الدعاء قال له عمارة -رضي الله عنه-: قبح الله هاتين اليدين وأنكر عليه، وكان عمر بن عبد العزيز وعطاء -رضي الله عنهما- يكرهان التعرض لأحد في الخطبة بدعاء له أو عليه.
وخطب ﷺ وعليه عمامة سوداء وكذلك علي وعبد الله بن عمر وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين-، وكان جابر -رضي الله عنه-: يقول رأيت رسول الله ﷺ يخطب بمنى على بغلته وعليه بردان أحمران في وسطه واحد وعلى كتفه واحد."
آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن
الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان عبده محمد ذي المراتب الرفيعة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل اتباعه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
يواصل الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- ذكر ما يتعلق بالخطبتين والجمعة؛ مما ورد عنه عليه الصلاة والسلام وعن صحابته الكرام، ويقول: كان ﷺ يقول: "أقصروا الخطبة فإن من البيان لسحرًا" أي: من حسن التبيين فيما يلقي المبين الخطيب، ما يؤثر ويقلب حال المستمع من حالٍ أدنى إلى حالٍ أعلى، ومن حالٍ ناقص إلى حالِ كمال، ومن حالِ إدبارٍ إلى حالِ إقبال، كما يفعل السحر في تحويل الأحوال للمسحورين من حال إلى حال "فإن من البيان لسحرًا" أي:
-
تأثير يتحول به حال المستمع والمبين له.
-
وقد يرجع ذلك إلى صفاءِ قلب المتكلم، وإخلاصه لوجه الله -تبارك وتعالى- وهذا هو الأصل.
-
وقد يرجع إلى مجرد حسن فصاحته وإلقائه.
-
وقد يرجع أيضًا إلى أسباب أخر.
وإن كان ذلك المبين المحسن -البيان المؤثر- من الصادقين المخلصين؛ فقد تمت عليه النعمه وهو من ورثة النبيين، وإن كان مرائيًا أو متكبرًا أو معجبًا أو طالب غرضًا من الأغراض؛ فهو من علماء السوء ومن الذين يَحسنُ قولهم ولا يحسنُ فعلهم وحالهم، فيكون كلامهم حجة عليهم؛ فهو من الخاسرين.
وإن من أهل هذا البيان من يشتد عذابه في النيران؛ حتى يقولُ لهم بعضُ من انتفع بكلامهم واستفاد، ما بالكم ؟! إنا دخلنا الجنة بفضل وعظكم وإرشادكم، ويصيح أهل النار ما بال الأبعد قد أذانا على ما بنا؟! قل: بنا الشدة، ولكن صياح هذا ونتنه فوق ما نحن فيه، ما باله، فيقال لهم: إنه كان يأمر بالخير ولا يأتيه، وينهى عن الشر ويأتيه والعياذُ بالله تعالى.
وذكر "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من علامة فقهه"، "فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة" كما جاء في صحيح مسلم وغيره، وكان سيدنا "عمر -رضي الله عنه- وغيره يقولون: "جعلت الخطبة موضع الركعتين فمن فاته سماع الخطبة صلى أربعًا، وفي رواية: "فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا".
-
وهذا الذي مال إليه الشعبي وطاووس ويقولون: من جاء بعد الخطبة فيصلي أربع.
-
وقال جماهير أهل العلم: بل تدرك الجمعة بإدراك ركعة، لقوله ﷺ: "من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة"، فإذا أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة فيصلي ركعتين.
-
ويقول الإمام أبو حنيفة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وأبو يوسف من أصحابه: تُدرك الجمعة مهما أدرك مع الإمام ولو قبل السلام، أحرم مع الإمام فأدرك الجمعة فيصلي ركعتين.
-
لكن ذهب الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل أنه: إنما تدرك بركعة، فمن جاء بعد ارتفاع الإمام من الركوع في الركعة الثانية فعليه أن يصلي أربعاً؛ فإنه لم يدرك الجمعة، لحديث "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة".
-
وهذا مذهب عطاء ومكحول وطاووس ومجاهد، كما كان يميل إليه سيدنا عمر أن الخطبتين محل الركعتين، فمن أدرك الخطبتين مع الإمام صلى ركعتين، ومن فاتته الخطبة صلى أربعاً.
وأيضاً اشتراط الطهارة:
"قال شيخنا -رضي الله عنه-: ومن هنا اشترط بعض العلماء الطهارة للخطبة".
-
وهو مذهب الإمام الشافعي وأبي يوسف من الحنفية، يقولون: لا تصح الخطبة إلا مع الطهارة.
-
وقال بقية الأئمة: إنما هي ذكر يجوز بطهارة وغير طهارة، ولكن يكره أن يخطب بغير طهارة، فلا ينبغي أن يخطب إلا متطهراً، وذلك شرطٌ عند الشافعية لصحة الخطبة.
يقول" كان ابن عباس -رضي الله عنه-: كان منبر آدم يسمو يخطب عليه في الجنة سبع درج، وأول من اتخذ المنبر بعد آدم إبراهيم -عليه السلام-. قال: وكان منبره ﷺ ثلاث درج" -أي: يقف على الثالثة ﷺ يجلس على المقعد فوق الثالثة- "من طرفاء الغابة -نوع من الشجر- "عمله له نجار من المدينة اسمه باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص -رضي الله عنه-". واقترحت عليه امرأة إما زوجة سعيد أو أم باقوم تقول: إن عندي غلام نجار؛ ولو شئت أن يصنع لك منبر تخطب عليه ، قال: إن شئتِ، فصنع المنبر، وكان ذلك في السنة السابعة من الهجرة، أي: مضت ست سنين وهو يخطب بجانب الجذع، ثم اقتِرح المنبر وأقره ﷺ وخطب عليه بقية السنوات، وعليه حنَّ الجذع حنين حزينٍ نادب، حتى كاد أن ينشق، وعلا حنينه المسجد فلم يُسمع صوت الخطبة من شدة حنينه، وخرج ﷺ يكلمه ويسكته، وأكبَّ الصحابة بوجوههم بين أرجلهم فلا ترى إلا باكياً، صاروا كلهم يبكون. وكان إذا ذُكر الحديث سيدنا الحسن البصري بكى وقال: أيها الناس، خشبٌ تحن إلى رسول الله، أولسنا أولى بالحنين إليه صلى الله عليه وسلم .
"وكان أبو بكر -رضي الله عنه- بعد موت النبي ﷺ يقف على الدرجة الثانية، فلما جاء عمر -رضي الله عنه- وقف على التي تليها" وقيل أنه ارتفع إلى الدرجة التي كان عليها النبي ﷺ. "فلما جاء عثمان رضي الله عنه زاد درجة من تحت، صار يقف على أول الزيادة من أعلى وخلف ظهره الثلاث درجات كلها التي كان يقف عليها من قبله أدباً منهم".
ونِعم أهل الأدب من رباهم حبيب الرب، وعاشوا بهذه الأذواق، فلم يكونوا أهل إيمان أجوف صوري؛ ولكن كانوا أهل ذوق وعاطفة وحس، يذوبون في محبة الله ورسوله.
"وجاء الحسن بن علي -رضي الله عنهما- إلى أبي بكر -رضي الله عنه- وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ فقال: انزل عن مجلس أبي" -يعني والدي أحق بهذا المكان- "فقال: صدقت إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى" -وجاء سيدنا علي يعتذر لسيدنا أبوبكر- "فقال علي -رضي الله عنه-: والله يا خليفة رسول الله ما هذا عن أمري" -ولا كلمته من نفسه جاء الولد- "فقال -له سيدنا أبو بكر-: صدقت والله ما اتهمتك"، ولا ظننت أن أحد علمه، هذا مما ألقي في روعه.
وكان الصحابة يعرف بعضهم لبعض الفضل والحق، ووصْفهم كما وصفهم الله في القرآن ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29]. هذا وصف الله لأصحاب نبينا؛ فإذا جاء لك واحد بوصف ثانٍ، تصدِّق من؟ الله وصفهم كذا، إذا جاء واحد بوصف ثاني! كيف يعني؟ الله ما يعلم كيف هم! وهم يعلمون؛ تاريخهم يعلم الله ما يعلم هم كيف؟! وصف الله الذي وصفهم هو الحق: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) [الفتح:29] رضي الله عنهم.
وكان في التفاعل مع الحديث إذا حدث ﷺ عن الساعة ظهر الأثر عليه، "فكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم أو مساكم".
"وكان إذا دعا وهو على المنبر رفع السبابة وحدها دون اليد" قالوا: لا يسن للخطيب يرفع يديه للدعاء، ولكن يثبت اليسرى، يثبت اليمنى على المنبر ويمسك العصا باليسرى، وإذا احتاج في الدعاء أن يرفع يديه هكذا -أشار بيده الحبيب بمسك العصا في اليد اليسرى ورفع السبابة في اليمنى- اتباعاً له ﷺ.
يقول سيدنا سهل: "ما رأيته رسول الله ﷺ شاهراً يديه قط يدعو على منبر ولا غيره." أما في غير خطبة الجمعة فقد روى غير سيدنا سهل عن رفعه ﷺ لليدين؛ حتى ألف الإمام السيوطي جزءاً في رفع اليدين عند الدعاء. وذكر الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي فيها رفع يديه، حتى في بعضها حتى يُرى بياض إبطيه من رفع يديه ﷺ، فهناك مواضع ولكن خطب الجمعة ما كان يرفع اليدين فيها.
قال: " وما كان دعاؤه إلا أن يضع يديه حذو منكبيه ويشير بإصبعه ويعقد الوسطى بالإبهام"، "ولما خطب بشر بن مروان فرفع يديه عند الدعاء قال له عمارة -رضي الله عنه-: قبح الله هاتين اليدين وأنكر عليه" -أنكر عليهم جهلهم وتجرأهم على ما ليس أهله من الخلافة- "وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وعطاء يكرهان التعرض لأحد في الخطبة بدعاء له أو عليه" لما رأوه من فتنة الناس واتخاذ المنابر قضاءً لأغراض، فهم بعيدون عن ذلك لما علموا أن المنبر محل خدمة لرسول الله وسنته ومنهجه ودينه وشريعته وأمته؛ ليس محل أغراض سياسية ولا أغراض نفسية ولا أغراض دنيوية، المنبر محل خلافه عند رسول الله ﷺ، ولهذا تنزهوا عن أن يدعو لأحد على أحد من الناس، وأن يسخروا المنبر ويشغلوا بالصراع الذي تقوده النفوس والأهواء، المنبر أشرف من هذا وأكبر لمن عقل.
"وخطب ﷺ وعليه عمامة سوداء وكذلك سيدنا عبد الله بن عمرو وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين-." وكان جابر -رضي الله عنه- فقيل: أنها سوداء مسودة اللون تماماً وقيل أنه من أثر الدهن كان عليها سواد. وقال جابر -رضي الله عنه-: "رأيته صلى الله عليه وسلم يخطب يوماً على بغلة وعليه بردان أحمران في وسط واحد وعلى كتف واحد". قال: ومعنى أحمران فيهما خطوط حمر، ولم يلبس الثوب الأحمر المصمت أبداً بل نهى عنه؛ خالص الحمرة، وإنما لبس كثيراً من الثياب والحلل فيها خطوط حمر فسميت حمراء لذلك.
أما أنها كلها حمراء فلا، بل كره ذلك ونهى بعض أصحابه لما رآه لابساً الأحمر الخالص حتى من اشتداده عليه قالوا له بعضهم: فما أصنع به؟ قال: احرقه. فكان يكره الأحمر الخالص وإنما يستعمل بعض الأردية وبعض الحلل فيها خطوط حمر.
صلوات ربي وسلامه عليه، ورزقنا متابعته والاقتداء والسير في دربه، والثبات على طريقه، والدخول في فريقه، وأعاذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومن كل سوء أحاط به علمه في الدنيا والآخرة.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
اللهم صل وبارك على آله وأصحابه.
الفاتحة
21 جمادى الآخر 1446