تفسير سورة النصر - 1 - من أول السورة

تفسير الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لسورة الفاتحة وقصار السور بدار المصطفى ضمن دروس الدروة الصيفية العشرين في شهر رمضان المبارك من العام 1435هـ.
نص الدرس مكتوب:
﷽
(إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ (1) وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا (2) فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا (3))
الحمد لله، وفي غَدَوَاتِ رمضان المبارك نُوالي تَلَقِّينا لفائضاتِ جُودِ الله سبحانه وتعالى، والاستهداء إلى شريف المسالك، بالوحي الذي أوحاه، والنبي الذي اختاره واجتباه، وما خَلَّفَ وترك فينا صلوات الله وسلامه عليه مِن مُوجِبِ النجاةِ، وسبَبَ الفوزِ عند المُلاقاةِ، فنسأل الرحمن أن يقبلَنا وأن يُبْلِغَ عَنَّا منه تبارك وتعالى في كُلِّ لمحةِ ونفسٍ، أزكى الصلاة على أطيب خلق اللهِ، وأشرفِ بريةِ اللهِ، وأسعدِ مخلوقات اللهِ، عبده المجتبى محمد بن عبد الله، وأزكى التسليم وأطيبه وأرفعه وأرغبه، وعلى آله معه وأصحابه ومَن تابعه ومَن اهتدى بهديه، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين المبشِّرين ببعثته ووحيه، وعلى آلهم وصحبهم ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
مراجعة لتفسير سورة المسد
ولقد مررنا على مَعَانٍ في سورةِ المَسَد، وما كان في شأن المقابلة مِن القومِ للنبيِّ محمد، وما كان مِن صبره، ولقد مرَّت سنوات بعد إعلانه هذه الدعوة، وإِشْهَارِهِ لخبر هذه الرسالة، وظروف الناس، وأحوالهم تَمضي تحت طَيِّ حكمة الحكيم، وترتيبِ العليم الخبير سبحانه وتعالى بين أهل مكة وحواليها، وما هيّأ الله من النصرة لأهل المدينة واختارهم أنصاراً لحبيبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وما بين ذلك من العرب، وتَسَامُعِ الناس بالأخبار بين القبائل، ومختلف الديار، والأقطار.
حتى انتهى الأمر في خلال تلك السنوات إلى مُكاتبةِ النبي محمد ﷺ إلى مُلوك ورؤساءِ الجهات يُخبرهم برسالة الله، ووحيهِ الذي أوحاهُ إليه، وأمانته التي حمَلَها في الدعوة إلى الله ﷺ. وكان مِن شِعار تلك الرسائل ومظهرها العظيم الجليِّ أن يبدأها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى فلان إلى فلان، عظيم قصرى، عظيم الروم، عظيم فارس.."، إلى غير ذلك من ملوك الأقطار، ويقول فيها: "سلامٌ على مَن اتبع الهدى"، ويقول للكثير منهم: "أسلِم تَسْلَم، وإن تولّيت فعليك إثم مَن يتبعك" أو مَن تَحُول بينهم وبين هذا الدين؛ في معنى رسائله. ويختمها بختمهِ "محمد رسول الله".
انتشر خبر الرسالة في الأقطار قبل فتح مكة، وبعد هذه السنوات مِن إعلانِ هذه الرسالة، وكُلِّ ما جرى من هذه الأخبار المتتالية المتتابعة التي تجري بعين عناية الله تبارك وتعالى، الذي قال لنبيِّنا: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء:218-219]، ما بين ذلك الإعلان للرسالة بمكة، وما حصل مِن مُبادرة اللئيم أبي جهلٍ بسوء الكلام مع سيدنا المصطفى، إلى وقت رجوعه ﷺ إلى مكة فاتحاً لها ثمانية عشر سنة، فكان قبل ثمانية عشر سنة عند جبل الصفا، يُناديهم: إني نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد، وقيل له فيما قال أبو لهب: "تباً لك ألهذا جمعتنا؟". وبعد ثمانية عشر سنة دخل مكة فاتحاً، وكان عند جبل الصفا يستقبل الوفود للمبايعة على الإسلام.
كان سيدنا عمر في أسفل الجبل ورسول الله في أعلاه، ويذود الناس إلى رسول الله. يُبايعه القبيلة، والطائفة، والجماعة من الناس أفواجاً. بايعهُ الرجال ثم بايعهُ النساء، وكان يُبايع النساء كلاماً ﷺ لا يمد يدهُ إلى يد امرأة، ولا يصافح امرأةً أجنبية، وعلى ذلك مضت حياته كلَّها. فليترك المتفلسفون فلسفتهم بأيِّ صورةٍ كانت، لا أصلح للخلق مِن هذا، ولا أعزَّ ولا أشرفَ، ولا أكرم مِن هذا، هذا هو المُتناسب مع فطرة البشر، وتكوين الله إياهم بجميع طبائعهم، والله أعلم بخلقِهِ، وعبادِهِ، ومصالحهِمِ، وهذا أطهر الخلق وأبعدهم عن المكروه، فضلاً عن الحرام؛ لم يصافح امرأةً أجنبيةً قط، فيبايعهُ النساء كلاماً دون أن يمسّ أيديهن، صلوات ربي وسلامه عليه على ذاك الجبل. وفيه لما وفد بعد ذلك، وهو عند جبل الصفاء وقعت ريشةٌ طارت إلى لحيته، فبادر أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ونزعها من لحية رسول الله، فقالﷺ: "نزع الله عنك ما تكره".
تفسير قوله عز وجل (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1))
بايع على جبل الصفا عام الفتح، والفتح في قول الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1))، أطبق المفسرون على أن المراد به: فتح مكة وعليه عامتهم، وإن ذكَر بعضهم فتح خيبر، وفتح الطائف .. إلى غير ذلك، ولكن تكاثرت الإشاراتُ والأقوالُ أن المُراد بالفتحِ فتح مكة، وذلك لأن لمكة شأنًا ومكانًا:
خصائص مدينة مكة
- فهي البُقعة التي اختارها الحقُّ تبارك وتعالى مَحَلَّ بيته، (أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) [آلعمران:96]،
- وحجَّهُ الملائكة قبل الناس،
- وأول ما أُهبط أبونا آدم إلى الأرض، أمرهُ الله في أول سنة من سنين وصوله للأرض أن يذهب إلى بيته الحرم، ووفد إلى مكة وحجّ البيت وقابلته الملائكة وقالوا: "بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، لَقَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ"،
- ثم جعلها مُتَرَدَّد أنبيائهِ ورسله
- ثم جعلها مَحلُّ أهل الخليلِ إبراهيم، هاجر وابنُها اسماعيل
- ثم جعلها مَحلَّ مولد خير خلقهِ ومحل نشأته، وحماها عن جيشِ الفيلِ وما فيه؛ فكان لمكة شأن.
- ومنها دَحَى الأرض سبحانه وتعالى فصارت الكعبة كالسُّرَّةِ للأرض
- ومنها دُحَيَتُ الأرض كما دُحِيَت الجبال من جبل أبي قُبيس، فصارت بقية جبال الأرض بأصنافها.
تلك الخصائص للبلدة التي أقسم الله بها في كتابه وقال: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ) [البلد:1-2]، وقال: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) [التين:1-2]، وقال: قل (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) [النمل:91].
فلذا أنطلق الفتحُ إلى فتح مكة، بل كان كثيرٌ من قبائل العرب يتأنَّون، ويتأخرون عن الإسلام ليروا ماذا يصير بين محمدٍ وبين سُكّان الحرم من قومه وعشيرته؟ وأنه إن غلبهم وجاء إلى هناك فهو نبي حق، فلما جاء فتح مكة، قالوا: "لئن ظَفِرَ بها ودخل عليها وقد حماها الله من الفيل قبله، فإنه لا قِبَل لأحدٍ بمحمد، وأنه رسول الله حقاً"، فتتابع الناس (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)).
نصر الله للنبي ﷺ وفتح مكة
وأنزل الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1))، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ..(1))، والنبي منصورٌ أبداً؛ ولكن للنصر مظاهر متنوعة ومتعددة، وربطه هنا بالفتح، فقد جاء النصر في بدر وفي وقائع كثيرة قبل، ولكن الفتح لمكة ما جاء، ولكن الآن هنا اقترن النصر بالفتح: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1))، فتح عليك مكة، وقد كان بشَّرَه بذلك، وأخبره من يوم خروجه منها وهو يقول له: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) [القصص:85]، وكان قد حدَّثَ ﷺ قبل فتح مكة بسنوات أنه سيأتون البيت ويطوفون به، وأنهم لا يخافون، وأنه يكون، ويكون .. سمع الصحابة أمثال هذه الأخبار، والبشارات، وذهبوا معه في عُمرة الحديبية ورُدُّوا من تحت مكة، فقال سيدنا عمر لرسول الله: "ألست كنت تُحَدِّثُنَا أنَّا نَأْتي البَيْتَ فَنُطَوّفُ بهِ؟" قالَ: "بَلَى، أفحدَّثتُك أنك تأتيه عامك هذا؟ السنة ذي؟" قال: "لا"، قال: "فإنَّكَ آتِيهِ، ومُطَوّف به" -ستأتي وستطوف به- وفي هذا بيان أسرار التوقيت وأن للحق حكمة في توقيت كل حدث بزمن مخصوص، ووقتٍ معين محدد؛ (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21].
يقول الإمام الحداد:
وَالشَّوْقُ مِنَّا لاَيَزَالُ مُنَازِعاً *** وَالأَمْرُ بِالتَقْدِيرِ وَالتَّوْقِيتِ
ويقول شاعرهم:
وسَحابُ الخَيرِ لَهُ مطرٌ *** فإذا جاء الإبَّانُ تَجِيء
إذا جاء الوقت تجيء، قبل الوقت ما يمكن.
وَظَــــلامُ اللَّيـــلِ لَهُ سُـــرُجٌ *** حَــتّـي يَـغـشَـاهُ أبُـو السُـرُجِ
فكلها جارية بحكمة، ومرورُ الأحداثِ بأصنافها هنا، وهناك مِن تلك الأيام النبوية إلى أيامنا هذه، واجتماعنا هذا، وتذاكرنا لهذه السور؛ قُدِّرَ ورُتِّبَ؛ ليَبرُزَ في الوقت الذي هو أصلح له وأنجح فيه كما أراد الباري بلا زيادة لأحدٍ ولا نقصِ، فإنَّ مَلِكَ المملكة واحد جلّ جلاله.
وما يجري حوالينا، وما يقول الناس وما يقول ذا، داخلٌ تحت دائرة الحكمة، والترتيب والتقدير والتوقيت، ولكن السعيد مَن شاءت الإرادة الإلهية أن يتوجَّه بوجهته نحو الربّ، ويسمو في قصدهِ وإرادته، بينما يشتغل الناس بذا وذاك، وتُؤَثِّر فيهم عوامل الطرح والإنباء والإخبار والحركات والأحداث هنا وهناك، يتركها جانبا ويقصد الرب؛ هذا عنوان السعادة الكبرى، هذا عنوان السعادة الكبرى، فإن تأثر فبوحي السماء، لا بوحي الأوهام، ولا الخيالات، ولا بوحي شياطين الإنس والجن بعضهم إلى بعض.
إذاً فهو الأسمى، نعم هو الأسمى، وعند انكشافِ الغِطَاء، يُعْرَف حقيقة خبر هذا النبأ، وعند انكشاف الغطاء، المُخْلِصُ مِنَّا والصادق في مثل حضور ذا المجلس، سيتمنى مَن على ظهر الأرض مِن رؤساء ووزراء ومَن دونهم مِن أغنياء وأثرياء ومفكرين ومن كانوا ذوي شهرة وغيرهم؛ يتمنوا أن يحوزوا من خيره الذي حصَّله في المجلس الواحد مقدار ذرَّة، وأنهم بذلوا جميع رئاساتهم، ووزاراتهم وملكهم مقابل ذلك (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ) [الرعد:18].
ولكن قد جرت القِسمة بما جرت، أقبلت على غَيِّك، وأقبلت على مادتك، وأقبلت على الفانيات، خذها هي ذي نصيبك، أعرضت عن الرب أعرضت عن وحيه أعرضت عنه، واليوم تحسر؟! تَحَسّر إلى أن تشبع حسرة، قد بُلِّغت، وصلك الخير، وأنت الذي ارتضيت لنفسك ذلك، وسيقول لك رئيسك الكبير إبليس: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) [ابراهيم:22]، و(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:148]، -اللهم اجعلنا ممن يستبق الخيرات-.
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) [مريم:39-40]، يقول الله: قل لهم دعوا الغرور؛ أشبار في الأرض وأمتار وأذرع، تعملون مشاكل عليها في الحياة، قل لهم: كم مضى قبلكم؟ كم يأتي بعدكم؟ والإرث لي؛ (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم:40] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر:18]، -فاجعلنا اللهم ممن يُشكر مَسْعَاهُ في ذلك اليوم، ولا يتحسر ولا يندم، فبئست الندامة ندامة يوم القيامة-.
صفات ومظاهر الفوز في الحياة
مرَّت السنوات بنبيِّنا في ذلك العمر المبارك، وهو على صبره وهو على صدقه، وهو على زهده، وهو على تواضعه، وهو على سخائه وعلى بذله وعلى جوده ﷺ وعلى عبوديته وعلى قيامه وعلى صيامه وعلى أنواع عباداتهﷺ، يُطالِعُ أسرار محاورات الأسماء والصفات في حوادث الكون ومجريات الشؤون مطمئناً ثابتاً، لا يرضى بأحوالِ الملوك ولا الرؤساء ممن يحبُّ التعزُزَّ والتعاظُمَ والتَمَيُّزَ عن الآخرين،. وقد مرَّ معك في سيرته، وكان ﷺ لا يُضرب بين يديه، ما أحد يتقدّم قدامه، ويبعّد الناس من أمامه، ولا يضرب الناس، ولمَّا كَثُر اِزدحامهم عليه في مسعاه، ركِبَ الجمل، وما أمر أحد أن يُفَرِّقهم، ولا يبعدهم صلوات ربي وسلامه عليه، وقال في مسلكه: "إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وأكل كما يأكل العبد" -فنِعْمَ المسلك مسلكهُ، ويا ربِّ ثبتنا على اتباعه-.
هذه مظاهر الفوز في الحياة، وجاء وعد الله تبارك وتعالى بفتح مكة، فكان سببها ما جرى في صلح الحديبية، وصلح الحديبية ظاهِرُهُ شِدَّة ومشقة واستعراض عضلات الكفار والإجحاف في حقّ المسلمين. وكم مِن أمرٍ ظاهره هكذا وفي باطنه كل العِزِ والشرف، فألمح أسرار المُسَيِّر المدبر المقدّم المؤخّر الحكيم البصير اللطيف الخبير في تسييره شؤون الكون ولا تنصب نفسك إلهًا معه، ولا غيرك من سواه -سبحانه وتعالى-.
هو الله لا ربٌّ سواه وكلهم *** عبيدٌ تحت الحكم من غير فارق
نعم بعضهم ممن يُحِبُّ ويرتضي *** لطاعته …
فإن تستشر فاستشرهم، وإن تقتدي فبهم، وإن توالي فلهم.
نعم بعضهم ممن يُحِبُّ ويرتضي *** لطاعته … والبعض عاصٍ ومارقِ،
لا يكونون محل مشورتك ولا محل ولائك.
بتوفيقه صــــــــار المطيع يطيعــــه *** وخالف بالخذلان كل مفارق
فسل ربك التوفيق والعفو والرضى *** وكَونًا مع أهل الهدى والحقائـــق
مَن هُمْ؟ قال:
رجال إلى الرحمن ساروا بهمة
صفات أهل الهدى والسير إلى الرحمن
رجال، بشر، يأكلون ويشربون ينامون ويمشون في الأرض عندهم ديار، عندهم ثياب، عندهم أولاد، عندهم أهل -بشر- لكن إلى الرحمن ساروا، -الله- هذه الخصوصية، "إلى الرحمن ساروا"، هذا سائر إلى الوظائف، هذا سائر إلى كسب المال، هذا سائر إلى سلطة الدنيا، هذا سائر إلى شهرة عند الناس، وهؤلاء إلى الرحمن ساروا؛ فهذه الميزة والخصوصية. والباقي؟ مثل غيرهم؛ رأس ويدين ورجلين وسمع وبصر وأسنان ولحم ودم وعظم، جهاز تنفسي، كما هذا الثاني!! إلى الرحمن ساروا، -الله-، ومَن سار إلى الرحمن مثل واحد سار إلى الفان؟!! مَن سار إلى الرحمن، وواحد عُمُره كله سائرٌ من شان سُمعة في المكان الفلاني، والتلفزيون الفلاني، ممكن يستوون؟! كيف يستوون؟!
رِجَالٌ إِلَى الرَّحْمَنِ سَارُوا بهمةٍ *** على الصدق والإخلاصِ من غير عائقِ
ماذا حَصَّلوا؟ رئاسة دولة؟ رئاسة دولة محتقرة عند مناديلهم في الجنة، قال سيد الوجود: "لمناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها" منديل سعد! المنديل الذي يمسح به وجهه في الجنة "خير من الدنيا وما فيها". فماذا حَصَّلُوا؟ فنالوا الذي كل المطالب دونه، تعرف؟ كل المطالب دونه، كل المطالب دونه، أقل منه.
تخاصم أهل النار ومن اتبعهم وأحاديثهم
لَعِبُوا كثير علينا أعداء الله، جاءوا بمطالب سفلية، قالوا: هذه الغايات أينكم منها؟ أين المُتَقَدِّمون؟ أين المتطورون؟ أين الفاهمون؟ أين الواعون؟ أين المثقفون؟، هذه المطالب كل شيء؛ كذّابين، ما عرفوا شيء حتى يعلموننا شيء، هم في الآخرة يقولون لأتباعهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) [ابراهيم:21]، نحن أصلا ما هدانا الله، (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) [الصافات:32]، أصلاً نحن غاوين ضالين إنتم تريدون الهداية منا؟ لو تريدون هداية كنتم ذهبتوا عند آل القرآن، ذهبتوا عند آل محمد، ذهبتوا عند آل الهدى؛ هناك طريق الهداية، جئتم للغاوين! واليوم تقولون فعل ترك! (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) [ابراهيم:21]، أصلاً نحن ضالِّين، وأنتم تتبعوننا! يقول لهم أتباعهم: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) [غافر:47]، قالوا: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) [غافر:48] نحن وإيّاكم معًا هنا داخل، أصل طريقنا وطريقكم واحد كان في الدنيا، هو طريق النار ليس طريق الجنة، اليوم تريدونا نحن نحمل العذاب عنكم؟! نحن وإيّاكم مشينا في طريق نار؛ لنا النار؛ محلَّنا النار (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) [غافر:48]، نحن وإيّاكم سواء (إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:48].
الحُكم له من أول، انتوا اتخذتمونا معه آلهة، وظننتونا حُكّام معه.الأرض أرضه ليست أرضنا، كنا فتنة بس لكم، كنا فتنة، قلنا لكم عندنا خطط لا أحد يقدر عليها، خطيرة بعيدة الأثر، شبكة في العالم كله، ظنيتوه لنا، و الأرض هي له ولا لنا شيء؛ ولا الأرض ولا السماء، وقد اختفت الأرض واختفت السماء، واليوم الحُكُم حُكْمُه والنار لنا ولكم، ليس لنا جنة، الجنة إلا لمحمد، هناك عند الأنبياء وعند الرسل، تركتوهم وجيئتم عندنا!! والآن في النار نحن وإيّاكم (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:48] -لا إله إلا الله-.
قالوا: (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) [ابراهيم:21]، قالوا: اسمعوا (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) [ابراهيم:21]، أمَّا قد سرتُم معنا في هذههذا الطريق، (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [ابراهيم:21]، بس كفى، هذا هو المصير، هذا المصير لا غيره، سواء جزعنا أم صبرنا، إنْ صَيَّحْنَا أو سكتنا هذه النار وحيّاتها وعقاربها وآفاتها وحريقها والغضب والبعد والطرد؛ هو هو، لأننا مشينا في هذه الطريق، طريق النار -الله-، وهكذا.
(وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) [غافر:49]، تركوا جماعتهم هؤلاء والذين هم وإيّاهم، قالوا: أنتم يا ملائكة (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) [غافر:49]، (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ) [غافر:50]، ما عرفتم خبر الأنبياء؟ آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، موسى، عيسى، خُتموا بمحمد، هؤلاء الرسل (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا) [غافر:50]، ادعوا أنتم (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر:50]، يا مالك يا مالك، أنت خازن النار، يا مالك، بعد ألف سنة يُجيبهم: مالكم يا أهل النار؟ (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ) [الزخرف:77]، قل لربك يقضي علينا (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]، ييأسون، لا أصحابهم نفعوهم، ولا خزنة النار، ولا مالك رئيس الخزنة، يا رب يا رب يا رب..
وبعد ألف عام يقول: ما لكم يا أهل النار؟ (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) [المؤمنون:106-107]، ويجيء الجواب العظيم الشديد: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:108]، أعطيتكم الفرصة، فتحتُ لكم السبيل، أقمتُ لكم الحجة (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون:109-111]
كم جلستم أنتم في الأرض؟ (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) [المؤمنون:112]، ويكون نظرهم في تلك الساعة إلى حياتهم كلها أنها كما يوم، أو يومين (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) [المؤمنون:113-115]، أَخْلُقُ الخَلق من العدم والإيجاد، وأرفعُ السماء بغير عمدٍ، وأوطد لكم الأرض بالجبال، و أجعل فيها بحار و أنهار، ويجيءلكم واحد يقول لكم أنا اكتشفت، أنا اخترعت، اتبعونا، اتركوا ربكم، واتركوا كتابه، تعالوا معي، ماهذا هذا؟! عبث هي؟! لعبة هي؟! (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون:115-116].
قصة صلح الحديبية
يقول الله لنبيه: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ..(1))، وكان قد نزل عليه قبل ذلك أول سورة الفتح، بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) [الفتح:1] مُنْصَرَفَهُ من الحديبية، والحديبية وضْعُ الحرب عشر سنين، تمام، مَن أراد أن يدخل في عقد محمد يدخل، ومن أراد يدخل في عقد قريش يدخل؛ ترجعون هذه السنة ما أحد منكم يدخل مكة، ولا يطوف أبداً، ارجع، إذا أحببتم تدخلون العام المُقبل، تدخلون مُغْمَدَة السيوف ما يمكن أن تظهروا السلاح، ثلاثة أيام، لا تزيدون عليها، لا تجلسوا في مكة أكثر من ثلاثة أيام، وهذا من أشد أنظمة الإقامات هذه التي تتم، ثلاثة أيام!، وأي واحد يذهب مِنَّا إلى عندكم ردُّوه، وأي واحد يجي منكم إلى عندنا ما نردُّه، انظروا الى الشروط هذه!، قَبِل رسول الله، ظاهرها هكذا، فَعَجِب كثير من المسلمين.
سيدنا عمر لما وجد نفسهُ جاء إلى عند النبي: "يا رسول الله ألست رسول الله حقا؟"، قال: "بلى، ويحك يا عمر"، قال: "ألسنا على الحق وهم على الباطل؟" قال: "بلى"، قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟"، قال: "بلى"، قال: "فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟"، ليش نرضى بهذا؟، قال: "عمر إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصِري"، قال: "ألست كنتَ تحدثنا أنا نأتي البيت فَنُطَوَّف به؟" قال: "بلى، أحدثتك أنك تأتيه عامنا هذا؟ السنة هذه؟! هذا الوقت؟ فإنك آتيه ومطوّف به".
لكن دائماً النفوس لا تريد ألا وقتها المحدد، وتريده الآن وتريده بسرعة، ولله حكمة في تسيير الكون، ما يِبَطِّلها من شأن استعجال أحد، الإنسان عنده العجلة، لكن ربك ليس مستعجلا لأنه لا يفوته شيء، اللي يخاف يفوته شيء يستعجل، لكن هذا ما يخاف يفوته شيء، كل شيء في قبضته -جل جلاله وتعالى في علاه-، سيدنا عمر لازال هناك أثر في صدره، قال: "أبا بكر أليس رسول الله حق؟"، قال: "ويحك يا ابن الخطاب! بلى إنه رسول الله، ألزم ركْبه، تعال عند رجله هنا أجلس"، قال: "ألسنا على الحق وهم على الباطل؟"، قال: "بلى"، قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟"، قال: "بلى"، قال: "فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟!"، قال: "يا عمر، إنه رسول الله وليس يعصيه وهو ناصره". نفس الألفاظ التي يتلفّظ بها النبي، سيدنا أبوبكر كان يقولها، عجيب كان من مظاهر عناية الله بأبي بكر وشرفه عند الله، قال: "أليس كان يحدثنا أَنَّا نأتي البيت ونُطَوَّف به؟" قال: "بلى أفَحَدَّثَكَ أنك تأتيه عامك هذا؟"، قال: "لا"، قال: "فإنك آتيه ومُطَوَّف به".
أمر النبي الصحابة بعد ما أمضى الكتاب أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا، ويرجع. وتباطؤوا ينتظرون خبر آخر، ِشي تقرير آخر، فعجب من عدم إسراعهم على غير عادتهم، دخل على أم سلمة، قال: "ألا تري؟"، قالت: "يا رسول الله أتحب أن يحلقوا، وأن ينحروا؟"، قال: "نعم"، قالت: "لا تكلم أحدًا منهم، اخرج فادعُ حلّاقك ليحلق لك، وانحر أنت بدنك فسيتبعونك كلهم"، خرج فدعا بالحلاق فحلق؛ قام بعضهم يحلق لبعض ونحر ونحروا. ولما حلقوا شعورهم هبَّت الريح ودخَّلت الشعور إلى الحرم -إلى أرض الحرم- فتفاءلوا بذلك خير.
وهم راجعين في الطريق، سيدنا عمر أخذ يحاسب نفسه: "ماذا عملت أنا؟ ما هذا الذي تحرك في نفسي، وجعلتُ أكلِّم النبي بهذا الكلام وأعمل. يا ويلاه!، لا ينزل فيّ قرآن يفضحني ويجعلني في المنافقين"، قال: "فجعلت أبتعد عن المكان الذي فيه رسول الله وأنا خائف وَجِلْ". أنزل الله آيات الفتح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) [الفتح:1-2] وبعد ما نزلت الآية، قال النبي: "أين عمر؟" قالو: "في الجيش هناك"، قال:"ادعوه"، فجاؤوا إليه: "رسول الله يدعوك"، قال: "يدعوني! لماذا؟" قالوا: "في قرآن نزل"، قال: "قرآن نزل!"، خاف إنه فيه، جاء وهو خائف عند النبي، قال له: "عمر أنزل الله بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:1-3]" -الحمد لله-، قال: "أَوَفتح هو يا رسول الله هذا؟"، قال: "هذا فتح".
رجع النبي إلى المدينة، وضعت الحرب أوزارها، هدأ الناس، تداخلوا بعضهم البعض، جاء الكثير من الكفار ينظرون إلى النبي، ويرون أحواله مع الصحابة، أسلمَ الناس، واحد، اثنين، ثلاثة، خمسة، عشرة، ثلاثين، أربعين واحد.. كل ساعة أحد يسلم، في خلال سنتين أسلم أكثر ممن أسلم من بداية الدعوة إلى عام الحديبية؛ خلال السنتين. فقد جاء في عام الحديبية ومعه ألف وخمسمائة، بعد سنتين جاء إلى فتح مكة ومعه عشر ألف، ثم وقع فتح مكة وانتشر الإسلام أكثر، فجاء في حجة الوداع معه مائة ألف وأربع وعشرين ألف ﷺ.
وقت الهدوء يَصلُح التفكير ويَحسُن ويُنْصف الإنسان من نفسه وتذهب الغلواء -الطبع- هدأوا، نظروا؛ هذا أمين، هذا كريم، هذا رحيم، هذا رؤوف، هذا صادق، هذا حكيم، هذا عادل، هذا متواضع، هذا زاهد،.. أين الساحر؟، الكذاب؟، المجنون؟،.. كلام طويل عريض، فكان الناس يُسلمون، أسلموا. وهكذا يتوصَّل الناس إلى حق وحقيقة عند هدوء البال، وعند البُعد عن المواجهة والمُشَادَّة بالحرب وغيره، فيهتدون إلى الحقيقة، تسكن نفوسهم، يُنصفون مِن أنفسهم، يعرفون الكثير من الحق. ولهذا اختار الأكابر في الأمة هذا المسلك وبه دخل أكثر خلق الله إلى الإسلام، أكثر المسلمين الموجودين، من أول من دَخَل من آبائهم إلى الإسلام عبر هذا الطريق دخلوا، يعني نسبة الفتوحات التي تمت بالجهاد والقتال قليلة بالنسبة للأماكن التي انتشر إليها الإسلام بلا قتال، بهذا الهدوء بهذه الطريقة.
قصة نقض صلح الحديبية وسبب فتح مكة
وجاء فتح مكة فقال: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2))، ما الذي حصل بعد هذا الاتفاق في الحديبية؟ أن بني بكر قبيلة دخلوا في حلف قريش، وأن خُزاعة دخلوا في حلف محمدﷺ. بعد مدة حصل بين بني بكر وخزاعة قِتال، وثار بنو بكر ليأخذوا بثأرهم الذي من خُزاعة، فغدروهم، وجاءوا فساعدهم نفر من قريش بالسلاح، والمال، وبالأنفس، جاءوا يقاتلون معهم، مع أنهم في الصُلح ما يُناصرون أحد على من دخل في عقد النبي محمد ﷺ، حتى حضر القتال بنفسه صفوان بن أمية، وبديل بن ورقة، ومجموعة استتروا بظلام الليل. جاءوا وقت الفجر، وقتَّلوا في خزاعة وهم سجود في الصلاة، حتى قام القتال ودخلوا إلى حدود الحرم، وبعض بني بكر يقفون يكلمون بعض زعماء قريش، يقولون: الآن قد صرنا في الحرم، إلهك إلهك، ونطق بكلامه، وقال: اليوم ما في عندي إله، خذوا ثأركم من هؤلاء حتى وسط الحرم، وانتهكوا الحدود. على كل حال. سار مباشرة بديل بن ورقة إلى النبي ﷺ يخبره، والنبي كان يتوضأ في البيت، فيقول: "نُصِرْت نُصِرْت"، أم المؤمنين تقول: "من تُخاطب يا رسول الله؟"، قال: "هذا مقبل وفد جاءوا، وإن هذه السحابة لتستهِّلُ بنصر خزاعة"، عجيب!، وصل بعدين دخَّله النبي في المسجد:
يَــــــا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّــــدًا *** حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
إن قريش أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدًا *** وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
فانصر رسول الله
قال: "لقد نُصِرْت"، وأشار إلى السحابة، قال: "إنها تَسْتَهِلُّ بنصري. ارجع مكانك"، رجع وعاد الوفد، جاءوا بعد ذلك إلى المدينة يخبرونه. بعد ما حصلت الورطة من قريش ونقضوا الوعد، والعهد في هذه الوقعة توجسوا خيفة، قالوا: الآن نقضنا عهد محمد، وقعنا في المصيبة، فما ندري ما يصنع محمد، وإن جاءنا نقبل به الآن، والآن قبائل كثيرة قد تبعوه، وشأنه اتسع في البقعة والمكان، فكيف نعمل؟ وكيف نعمل؟، فكانوا متوجسين خوف، كبارهم يفكرون كيف يحلوا هذه المشكلة ويتجاوزونها. لقي أبي سفيان بُديل بن ورقة، قال له: من أين جئت؟، قال: كنت في خزاعة، قال: ما جئت محمد؟، قال له: لا، فلما قام ودخل مكة بُديل، قال: إن كان جاء يثرب، لقد علف ناقته من علف يثرب، ومِن نوى فيها النوى، وقام إلى مَبْرَك ناقته فتَّ بعره، حصَّل فيها النوى. قال: أقسم بالله لقد جاء محمد وأخبره الخبر، فكيف نتدارك الأمر؟، قالوا: هيا أبو سفيان، أنت الآن لها، روح ارقع هذه المصيبة التي وقعت فينا، رَكِب وجاء إلى المدينة.
فدخل عند أم المؤمنين، ابنته سيدتنا أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، فلما دخل عندها وصل الليل، دق عليها حجرتها التي فيها، استقبلت والدها، دخل وكان فِراشه ﷺ على الأرض، فجاء يجلس على الفرش، قالت له: ابعد، قم، وَطَوَت الفراش، قال: هاه! ما لك!، أرغبت بي عن هذا الفراش؟ أم رغبت بالفراش عني؟، قالت: بلى إنه فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس ما كان لك أن تجلس عليه، قال: أووه يا ابنتي لقد أصابك بعدي شيء أو شر. والصباح خرج وقابل النبي: إني جئت أريد أن نزيد في المدة ونؤكد العهد، قال: "أحدث شيء؟" قال: لا ما حدث شيء. قال: "إن لم يحدث شيء فنحن على عهدنا ومدتنا"، قال: إنا نحب أن نزيد في المدة وأن نجدد العهد، قال: "نقضت قريش العهد؟"، قال: لا بس نحب نزيد، سكت منه النبي، خرج إلى عند أبوبكر، قال: كلّم رسول الله، أنا جئته من شان كذا، قال: "ما أنا بفاعل، وما أكلم رسول الله فيكم".
راح إلى عند سيدنا عمر: يا عمر أنا جئت من أجل أن أكلم رسول الله من أجل يقبل مني الكلام ونجدد العهد، قال: أنا أكلم فيكم رسول الله؟! لو لم أجد إلا الحجر والشجر لجاهدتكم به، فذهب إلى عند سيدنا علي، قال: يا علي أنت أقربهم برحم، وأنا جئت، لا ارجع خائب من هذا، قال: "إن رسول الله إذا عزم على أمر ليس لأحدٍ منا أن يخاطبه فيه"، قال: فما أصنع؟، وجاء فاطمة: ابنك هذا يجير بين الناس -الحسن كان صغير- ويكون سيد العرب، فظن أنه بهذه الشهرة والسمعة، أنه يحب الفخر، أنه سيستثير عواطف المُرَبّين المُزَكّين، أزكياء ما يعرفوا هذا، قالت: ما بلغ ابني أن يجير (عاد ما بلغ سنه سن الإجارة) وما يجير بين الناس، ولا يجير على رسول الله أحد، ما في أحد يجير على النبي لا ابني ولا غير ابني، هذا رسول الله، قال: ما تنصحني يا علي؟ قال: "والله ما أجد شيء يغني عنك، لكن أنت سيد بني كنانة قم وأجِر بين الناس"، قال: أترى ذلك يُغني عني شيء؟، قال: "والله ما أرى يغني عنك شيء، لكن ما أجد لك غير ذلك".
راح يصيح في المسجد وسطه: إني قد أجرت بين الناس، أنا أبو سفيان قد أجرت بين الناس، وركب راحلته ورجع. تَلَقَّوه هناك قريش: هاه؟ الخبر عندك؟ جبت لنا النصر من محمد؟، قال: جئته وكلمته وما جَاوب علي، ونقضت قريش العهد، وما جَاوب علي، فذَهبْت إلى عند أبي بكر فقال: ما أنا بفاعل، فجئت إلى عند عمر، فوجدته أشد القوم علي، فجئت إلى عند علي فوجدته ألينهم، ولكن قال: لا أجد ما يُغني عنك، ولكن قال: أجر، فأجرت، قالو: أجرت بين الناس؟ أجاز ذلك محمد؟، قال: لا، قالو: ما أغنيت عنا شيء بفعلك هذا، ما زاد علي على أن لعب بك، إيش صَلَّحت؟! إيش عملت؟!، قال: ما وجدت غير ذلك، إيش أصلِّح فيكم؟ خلاص خُنَّا خُنَّا، وما دروا كيف الخبر، ولا ماذا يعملوا.
ورسول الله هناك تجهز للذهاب إلى مكة، وأمرهم أن يجهزوه، فدخل سيدنا أبي بكر الصديق وجد عائشة تجمع جهاز للنبي، قال: ماذا تجهزون؟، قالت: أمرنا النبي بذلك، فجهز نفسك، روح استعد، سيخرج النبي سيخرج النبي، قال لها: إلى أين؟، قالت: والله ما أدري، ثم أخبرهم النبي أنه يريد مكة، يريد الذهاب إليها، وعادته ما يخبر، إلا في غزوتين، غزوة الفتح، وغزوة تبوك. وكل الغزوات كان إذا أراد يغزو مكان ورّى بغيره، إلا أنه قال: "اللهم خذ الأخبار والعُيونَ عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، وانقطعت الأخبار عن آل مكة ما يدرون ايش يعمل محمد، وهل بايجي؟ وهل بيجهز جيش؟، ما هم داريين في كل وقت يتوقعون شيء يحصل، ولا وصلهم أي خبر. من شأن النبي، ما هو بعشرة، ولا بعشرين، ولا مائة، ولا مائتين، ولا ألف، وألفين، والخبر ما وصل القوم، على خلاف العادة، والحدث كبير، وجيش كبير، ولا يصل خبر إلى مكة، ولا وصل خبر. بدعوة من محمد، قال: "اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، فما وصل أي خبر. ومشى اليوم الأول، واليوم الثاني، اليوم الثالث، ويمشي في الطريق ولا شيء خبر، وهؤلاء قلقانين هناك، ويخرجون إلى أطراف مكة وإلى عند الراك، يتلقّون من جاء و يشوفون، شيء خبر؟ حصل شيء؟ حد أقبل؟ حد جاء؟ وهكذا، واستمروا على ذلك إلى الليلة التي وصل فيها النبي ﷺ.
قصة سيدنا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قبيل فتح مكة
وهناك حاطب بن أبي بلتعة، جاءت وحدة كانت مولاة لبعض بني هاشم، وجاءت إلى المدينة، قال لها النبي ﷺ: "أسلمتي؟" قالت: لا، ولكن أنتم الموالي، موالي لنا، والآن في -عندي- حاجة. فأمرهم أن يجمعوا لها، وخصوصاً من كان هناك موجود من جماعتها، فجمعوا لها. فجاء حاطب بن أبي بلتعة، قال لها: عشرة دنانير تُبَلِغِّين هذا الكتاب قريش في مكة، قالت: مرحباً، عشرة دنانير هات، وأخذت الكتاب، قالت: فين تحطه؟ كيف تمشي به؟ ما أحد يطَّلع عليه؟، صلَّحت له طريقة ودخلته في عُقَاصَها بين شعرها، وسافرت.
نزل جبريل يخبر النبي ﷺ أن الخبر بيصل إلى قريش، مفادها: أن محمد ماشي إليكم بجيشه فاستعدوا لأنفسكم، هذا ملخص ما في الرسالة. قال لسيدنا علي، وسيدنا عمار: "اذهبا حتى تصلوا إلى روضة خاخ قرية هناك،حدد المكان لهم، ستجدون بها ضعينة -مسافرة، امرأة- معها كتاب من حاطب بعث به إلى قريش، فخذوا الكتاب منها وأتوني به". مشوا وصلوا إلى روضة خاخ والمرأة هناك، قالوا:هاه يا مرأة، أنتي اللي كنتي في المدينة؟ قالت: نعم، قالوا: أين الكتاب، قالت: إيش من كتاب؟ قالوا: هاتي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قالوا: هاتي الكتاب من حاطب، قالت: ما شي من حاطب ما شفته، ولا عندي شيء، قالوا: نفتش؟، قالت: فتشوا، فتشوا متاعها كله، ولا شيء. سيدنا عمار يقول لسيدنا علي: ما في كتاب!، قال: بلى عندها الكتاب، قال: ما وجدنا شيء! قال: رسول الله أخبرنا، هاتي الكتاب، قالت: فتشتم وما عندي أي كتاب، رفع السيف، قال: لتخرجن الكتاب أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب -بنفتش الآن في جسدش-، معنا خبر مَن لا يكذب، شافت الجِدْ، لوت بيدها خرجت الكتاب وأعطته سيدنا علي، مسكه، ورجعوا إلى المدينة، وإذا به هذا الخبر. دعا سيدنا حاطب: تعال ما بالك؟ قال: والله ما فعلت هذا كفراً بعد إسلامي، ولا رغبة في الكفر، ولا محبة لهم بعد أن أخرجت منهم، ولكن علمت توجهك إليهم، وعلمت أن كل واحداً من أصحابك له عشيرة وقوم يحمونه هناك، مكانه وماله، وليس معي عشيرة بينهم، كنت ملصقاً فيهم، فأحببت بهذا الكتاب أن يذبّوا عن مالي ومكاني فقط. قال النبي: إن هذا صَدَق، ما فعله رِدَّة ولا كُفْر، سيدنا عمر قال: رسول الله ائذن لي أضرب عنق هذا، يفشي سرك، يكتب الخبر ويرسل للقوم، قال له: "ما يدريك يا عمر، لعل الله اطَّلَعَ على أهل بدر، إنه شهد بدراً -هذا حضر معنا بدر- ولعل لله اطلع على أهل بدر، قال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، اغرورقت عيني سيدنا عمر وبكا، وقال: الله ورسوله أعلم.
وأنزل الله الآيات التي سمعناها في الصلاة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة:1-2] إلى آخر الآيات، ولكن قالوا شهدت له بالإيمان قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [الممتحنة:1]، والحمد لله على كل حال.
الدعاء والفاتحة
الله ينصرنا على أنفسنا، و أهوائنا، و شياطيننا، وعلى كل عائق يعوق بيننا وبينه، وكل حائل يحول بيننا وبينه، يا رب، في رمضاننا هذا يسر لنا الزلفى إليك، والاقتراب من حضرتك، وأخذ النصيب من معرفتك، وقوة الإيمان بك واليقين على ما أنزلت، وأوحيت، اجعلنا من أسعد الناس بهذا الشهر، وما فيه. أيامه تتوالى علينا سريعة تفلت من بين أيدينا، فبارك لنا فيما بقي لنا، وتجاوز عَنَّا فيما مضى مما قصَّرْنَا فيه، اللهم وارزقنا حسن الاغتنام لبقية الليالي والأيام، وأكرمنا وابسط لنا بساط الإكرام، وأمدنا منك بمددك الواسع يا ذا الطول والإنعام والعطايا العظام.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
12 رَمضان 1435