تفسير سورة الشورى -13- من قوله تعالى: { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)} إلى الآية 38
الدرس الثالث عشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الشورى، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1446هـ ، تفسير قوله تعالى:
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)
الإثنين 24 رمضان 1446هـ
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مكرمنا بخطابه، وبيانه على لسان سيّد أحبابه وإمام أهل حضرة اقترابه، سيّدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه، وعلى من والاهم واقتدى به، وتخلّق بأخلاقه وتأدّب بآدابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الدلالة على الله تعالى والقرب من جَنابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
فإنّا في منّةِ وفضلِ وكرامة تأمُّلنا لآيات الله تعالى وخطابه ووحيه، وتنزيله القرآن على قلب نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم.
ومررنا في آية الشورى على قوله -جل جلاله-: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (35))،.
أي:
-
ما لهم من مَهرب.
-
وما لهم من مَخلص.
-
وما لهم من انقطاعٍ عن وصول العذاب أو دافع يدفع العذاب عنهم.
(مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ)، لا ملجأ، ولا مهرب، ولا مخلص، ولا منقذ، ما هناك فكاك، (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ) [الأعراف:171] كما قال الله.
وهذا اليقين الّذي يصير إليه:
-
جميع المكلّفين، وكلّ من بلغته دعوة الله تعالى على ألسن رسله.
-
أو أتباع الرسل وخلفائهم.
فأبىٰ، ولم يؤمن، ولم يسلم، ولم ينقَد لأمر الله، فكلّهم يرجعون إلى هذا اليقين:
-
أنّ ما أنذروا به من العذاب واقع بهم لا مفر لهم عنه.
-
لا سبيل إلى التخلّص منه.
-
(وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا) -أي: أيقنوا- (أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) [الكهف:53].
وهكذا كما تقدّم معنى في الآيات يقول الله -سبحانه وتعالى-: (تَرَى الظَّالِمِينَ) يعني: المشركين (مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ..(22))
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) هؤلاء الذين يردّون دعوة الله ورسله، والدعوات التي يحملها أتباع المرسلين، وفي هذه الأمة أتباع المصطفى محمد ﷺ وخلفاؤه؛ فالّذين يجادلون في آيات الله يوقنون أنّه:
-
لا مهرب لهم عن العذاب.
-
ولا مفر لهم، من الوقوع فيما استهزؤوا به، ولم يبالوا، (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الزمر:48].
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (35))، لا يوجد فرار، ولا مهرب، ولا مخلص؛ عذاب… عذاب، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-:
-
فلمّا (يَتَحَاجُّونَ) -بعضهم البعض- (فِي النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:48-49].
-
حتى رأسهم الخبيث إبليس يقول: (إِنَّ اللَّهَ) -قد- (وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ) [إبراهيم:22]؛ لا أنقذكم ولا تنقذونا، عذاب… عذاب! نار… نار! تعب… تعب! ألم… ألم! إهانة… إهانة! خلاص! خزي… خزي! نحن فيها، هم فيها على طول -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (35)) إذًا فالعجب ما يعيشون به في الحياة الدنيا، يهربون من بعض الأشياء:
-
إمّا من أمراض.
-
وإمّا من علل.
-
وإمّا من تسلّط بعض النّاس عليهم.
-
أو عدم نفوذ قرارهم؛ أو أي شيء.
طيّب هاتوا لي المخلَص من العذاب الشديد هذا المهين! المُخزي، اللي ما تطيقوه، معك مخلَص منه، فماذا شغلك هذا الذي في الدنيا؟ فيعلم أنّه كان يلعب، يعلم أنّه كان فيه لعب في الدنيا، هو وقواته وأسلحته كان لعَّاب؛ إذًا ما له وعي للحقيقة، ولا إدراك ولا وعي؛ بيرجع ماشي (مَّحِيصٍ) من سوء العاقبة وسوء المآل وسوء العذاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
وقال تعالى عن المُكابرين من قوم فرعون والذي آمن منهم: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر:45]؛ وذكر لنا مثال من سوء العذاب من يوم غرقوا في البحر إلى اليوم:
-
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) كم أيام عدَّت عليهم من أيام غرقوا إلى اليوم هذا؟ وهم عرض في النار أمامهم ومنازلهم في النار تعرض عليهم، غدوا؛ صباح ومساء؛ من يوم غرقوا إلى البارح، وهم تعرض عليهم، واليوم هذا تعرض عليهم.
-
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، فماذا أفادهم فرعون؟ وماذا أفاد فرعون غيّه وطغيانه؟ وماذا استفادوا؟ ولو آمنوا بموسى لنَجَوا ولسَعِدوا، ولكن هذا الآن تعذيب نفسي!. عرض منازلهم عليهم في النار (غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46].
وبعدين (يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) ، أنتم أغويتونا، أنتم أضليتونا، أنتم منعتونا، أنتم قطعتوا السبيل، أنتم غررتوا بنا، أنتم.. (يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) -لا إله إلا الله- (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) [غافر:47-48] نحن وإياكم هذا عذاب عذاب، خلاص نحن وأنتم كلّنا (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ) -إذا جاءوا المتأخرين ذولا وذولا الكبار الذين قدامهم المجرمين- (رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ) -زيدهم عذابا- (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُون*) -كل واحد يأخذ جزاء- (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ)، نحن وإياكم سواء؛ كفرنا كفرتم، أشركنا أشركتم، عصينا عصيتم؛ خلاص! نحن وإياكم سوى، لماذا نحن ضعفاء؟ (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) [الأعراف:38-39].
و ماهو الحكم الذي لا معقب له؟
-
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الأعراف:40-42].
-
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47]، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف:43].
-
ويرجعون ينادون، الذين كانوا معهم في الحياة في الدنيا، والذين كانوا يناوؤونهم، والذين كانوا يجادلونهم، والذين كانوا يضحكون عليهم وهم في النار: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ) الذي كنا نتكلمكم عنه، وتستهزئون بنا من الإيمان وما قال رسوله هو هو، وقع هو؛ ماشي غيره: (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ) [الأعراف:44].
-
وبعد مُضِي مدّة وشدّة، يُفسح للكُوّات -أي: خَرْقٌ فِي الجدار، فَتْحَةٌ، ونحوهما- من أهل النار، ويشوفون أصحابهم الذين كانوا يستهزئون بهم من أهل الجنّة (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)؛ عطش، وجوع، وحريق، ولهيب، وحيّات، وعقارب، وسياط، ومقامع من حديد؛ هاوتوا قليل ماء، (أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) -و العياذ بالله- قال الله: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [الأعراف:50-51].
هذا هو الحكم الذي لا مُعقّب له، وهو كائن بيقين.لا إله إلا الله.
يقول: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ (35))، يقول الله: فكلّ ما أمامكم من مُتع الحياة الدنيا لا تغتروا به! أنا أبذل للمؤمن والكافر، والمقبل والمدبر، والصالح والطالح؛ فليس هو غاية وليس هو بشيء، وكل من قَطَعَ عن سبيل مرضاتي، وإرادة وجهي، فهباء منثور، وعذاب وزور وسعير -والعياذ بالله تعالى- إذًا فلا تغترّوا: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [لقمان:33].
(فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ) ما على ظهر هذه الأرض من مظاهر سلطات، وانتصارات حسية، وثروات، وحضارات و… كلُّه في دائرة الفنى، والزوال، والانتهاء، والانقراض؛ فما هو بشيء.
(فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إنّما يُتمتّع به؛ والتمتّع يحصل:
-
للمؤمن والكافر.
-
والصّالح والطّالح.
-
والمُقبِل والمدبِر.
-
والخيِّر والشرّير.
كلٌّ يتمتعون؛ كلٌّ بما يتيسر له، في كلٍّ من الطائفتين غني وفقير، وصحيح ومريض، وصاحب الشدة وصاحب الرخاء، تمُر على الكل.
لكن الْمَآل بعد:
-
ماذا يجد الكافر والفاسق والمضيّع لأمر الله؟ سواءا كان غني وفقير، أو أمير أو مأمور، أو صغير أو كبير، أو صاحب شدة أو صاحب رخاء، ماذا يحصل بعد هذه الحياة؟ لما ينقضي، عندما ينقضي هذا المتاع، ماذا يحصل؟
-
(وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ) [القصص:60]، وهو يبادئ به مَحْبُوبِيه وهم في الدنيا:
-
ما عند الله من تعرُّف.
-
ما عند الله من لطائف.
-
ما عند الله من معارف يقذفها في قلوب العارفين من عباده.
-
ما عند الله من تقريب.
-
ما عند الله من محبّة.
-
خير من متاع الدنيا هذه كله، ثم ما يلاقونه من عند الموت وما بعد .. -لا إله إلا الله-.
حتى يقول شاعرهم:
وَاللهِ لَوْ عَاشَ الفَتَى فِي دَهْرِهِ *** أَلْفًا مِنَ الأَعْوَامِ مَالِكَ أَمْرِهِ
لا يعتريه السُّقم فيها مرةً *** أبدًا ولا ترد الهموم بفكره
هذا ما يحصل؛ لكن لو حصل!
ما كان هذا كلُّهُ في أنْ يفي *** بمبيت أولِّ ليلةٍ في قبره
يضمحل هذا كله أمام أول ليلة يبيتها في القبر -لا إله إلا الله-.
ولهذا كان واحد من أولاد هارون الرشيد، يذكرونه أنه قد قذف الله في قلبه الزهد وصدق في الإقبال على الله، تركه والده ولم يرغمه على شئ؛ فصار يمشي بثياب زهد بذله؛ حتى قال له مرة بعض جماعته: هذا ولدك سيفضحك بين الناس - هيئته رَثَّة-، فلقيه وقال: يا بني فضحتني بين الناس بزِيّك هذا! سكت والتفت إلى طائر، قال: أيها الطائر بالذي خلقك تعال إِلي؛ جاء، كنْ على يدي، وقف، قال: أرجع إلى مكانك، رجع. قال: تعال إلى يد أبي هارون، ما جاء؛ قال: فضحتني بين أولياء الله -أنت فضحتني يا أبي بين أولياء الله-. قال: ما عاد أُصاحبك بعد اليوم إئذن لي -أنا سأذهب من البلد- قالوا: ما أخذ معه إلا مصحف -أخذ معه مصحف وركوة- وخرج بها وراح إلى البصرة، وكان هناك يشتغل يوم في الأسبوع -في السبت-، يأخذ درهم ودانق -الدانق سُدس الدرهم- من أجل نفقة الأسبوع، حتى جاء يوم يشتغل عند أبي عامر الواعظ في البصرة، قال: فتعجب فيه! قال: قد جاء في يوم عَمِل عَمَل عشرة؛ يحط الطين في الجدار ويجيب الحجر ويصفه، وصلح عمل الذي يعملونه عشرة فهو عمله وحده في اليوم، فقلت: ما هذا! هذه معونة الله لأوليائه، يبدو هذا العامل ما هو إنسان عادي، في الطين يشتغل! قال: فأحببته في الله، لا يعرفه من، ولا يدري أنَّه ولد هارون الرشيد. فيقول: فسألت عنه يوم، فقيل: إنه مريض، فذهبت أعوده في خريبة؛ -جالس في خريبة-، قال: فجئت إليه. فقال: يا أبا عامر إذا أنا متُ فكفنّي في قميصي هذا، قال: قلت له يا حبيبي أكفنك في جديد. قال: لا.. لا، قال: الحي أولى بالجديد، إن الاعتبار بالأعمال لا بالثياب يا أبا عامر -لا عبرة بالثياب العبرة بالأعمال-، وغسلني وكفني بهذا وصلّي علي، وأرجع هذا المصحف والركوة إلى الرشيد، وقل له: يقول لك ولدك الغريب: لا تدومنَّ في الغفلة، ما هو داري أنه ولده.
قال: ومات فعلاً، وتولى تغسيله وتكفينه، وصلوا عليهم هو ومجموعة ودفنه. ثم أخذ الركوة والمصحف إلى عند هارون الرشيد، قالوا له: أبو عامر الواعظ البصري يريدك، قال: تفضل، قال: جاءني شاب في كذا، كان يعمل معي واشتغل عندي في يوم كذا، فرأيت عمله فأعجبني، ورأيت عليه أثر الصلاح؛ فأحببته في الله تعالى، ثم سألت عنه فوجدته في خير، وذكر له القصة. قال: ثم إني رأيته في قبّة عظيمة وسرير عظيم، وهو يقول: يا أبا عامر، أنا أقول له: كيف حالك؟ قال: سِرت إلى رب راضٍ غير غضبان؛ فآتاني ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يلقاه أحد بمثل حالتي إلا أكرمه بمثل ما أكرمني. قال: يقول له هارون الرشيد: في ماذا استعملته؟ قال: في الطين في الماء، قال: له صلة برسول الله وتستعمله في هذا؟! قال: ما كنت أعرفه ولا أدري من هو، قال: بيدك غسلته؟ قال: نعم، قال: هات يدك، قال: قبّل يدي ووضعها على صدره وبكى أبوه، ثم قال: خذني إلى قبره، قال: حتى جاء وصلى عليه في قبره وهو يبكي وعاد؛ فهذا ترك الأبَّهة والمظهر الذي كان عند والده، والذي كان في قصورهم وراح إلى عند الملك الكبير، وهكذا (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35].
يقول: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) الله أكبر.
-
يقول في الآية: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل:94-96].
كم يُغروننا بمظاهر الحياة هذه؟ وكلها فانية ومنقضية وزائلة ومنقرضة ومنتهية. لكن رب العرش ورسله يعرضون علينا ما يبقى وما يدوم وما يتخلَّ، وسعادات لا غاية لها ولا نهاية.
حرام أن نلبي دعوة هؤلاء المنقطعين الفاسقين، ونتصاممْ عن دعوة رب السماوات والأرض ودعوة رسله الكرام.
فما حق المؤمنين رجالهم ونسائهِم إلا أن يلبوا دعوة الله ودعوة رسوله:
-
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
-
(وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) -انظروا كيف؟! وعد من الله وهو لا يخلف الميعاد- (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) -إيمان وعمل صالح- (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:96-97].
فهذا عرَض الله علينا، الله عرَض علينا هذه العروض العظيمة الصحيحة الباقية، وهؤلاء يعرِضون علينا كل يوم عروض أكثرها أمراض وبلايا وآفات وغفلة وانقطاع، فمن يستجيب لهؤلاء؟! (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116]؛ ماعندهم حقيقة؛ الحقيقة عند المالك الذي خلق والمرجع إليه -جلّ جلاله-.
(فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) -القصيرة المنتهيه الزائلة- (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ).
وهؤلاء الذين يجدون الخير الأبقى عند الله الباقي من هم؟
قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)).
سمعت!! أهل هذه الأوصاف -خلّقنا الله بها وجعلنا من المتصفين بها-، هذه الأوصاف في خيار الأمة، وفي خيار الأمم السابقين قبلنا -عليهم رضوان الله تعالى-.
وعجيب ما يقول ابن جزي: أنا تأملت ووجدت فيها إشارة أيضاً إلى الخلفاء، وهم كل واحد منهم متصف بهذه الأوصاف ولكن جلية وبارزة بقوة:
-
في أبي بكر قوله تعالى: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36))؛ فتميَّز بقوة الإيمان والتوكل؛ فأغلق الدكاكين حقه التي في مكة وأنفق ماله على رسول الله ﷺ.
-
قال: ورأيت من أوصاف عمر (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37))؛ كان وقّافاً عند حدود الله.
-
قال: ورأيت من الأوصاف التي غلبت على عثمان (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ)؛ فبمجرد ما جاءته الدعوة للإسلام؛ أسلم مباشرة (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ)، قال: وقد يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، هذا عثمان بن عفان، (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38)).
-
قال: ورأيت في مسلك سيدنا علي (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39)) وقام بحرب البغاة كما أمره ﷺ وحسب ما ورد به.
-
قال: ثم وجدت في الحسن (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)؛ وحقن دماء المسلمين وخلى الخلافة الظاهرة وتركها.
عليهم رضوان الله، وكل منهم متصف بجميع هذه الأوصاف:
-
(لِلَّذِينَ آمَنُوا) الإيمان الصحيح.. الإيمان القوي.. الإيمان الجازم، آمنوا به إيمانا يحملهم على تعظيم أمره وامتثاله، وعلى ترك زجره وما نهى عنه (لِلَّذِينَ آمَنُوا).
-
وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)) اعتمادهم واستنادهم على الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه- لا إله إلا الله، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ) [الطلاق:3] أي: كافيه، وإذا أي مخلوق توكل على غيره وكلَهُ الله إليه، وإذا وكلَهُ إليه..؟ فلو وكَل الإنسان إلى نفسه في الحال كما جاءنا في السنة الشريفة: "أنَّك إنْ تَكِلْني إلى نَفْسي تَكِلْني إلى ضَعفٍ -وعجز- وعَورَةٍ وخَطيئةٍ". وإذا وَكَلَكَ إما لمؤسسات ولا وَكَلَك لحكوماتْ ولا وَكَلَك لهيئات وإذا وَكَلَك؛ ماذا سيعملونَ لك؟ وماذا ستعمل لهم؟! وإلى أين غايتهم؟! (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)):
-
يعتمدون عليه، يستندون إليه.
-
يقومون بأمره كما أمر، وامتثال لأمره وعبودية له.
-
ولا اعتماد لهم إلا عليه لا على أنفسهم ولا على أعمالهم، ولا على عربي ولا على عجمي، ولا على إنسي ولا على جني، ولا على نبات ولا حيوان ولا جماد، ولا صغير ولا كبير، اعتماد على رب كل شيء، من بيده ملكوت كل شيء، (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)؛ هؤلاء الذين يجدون ما هو خير وأبقى من عند الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
-
(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، كبائر الذنوب والمعاصي والسيئات.. لا إله إلا الله..
-
وأعظمها وأشدها الكفر والشرك بالله -تبارك وتعالى-.
-
ثم ما وراء ذلك من قتل النفس بغير حق.
-
ومن الزنا واللواط والفواحش الخبيثة.
-
وإلى غير ذلك مما جاءت النصوص بعظيمِ إثمه، وعظيم خطره وجاء التوعد الشديد عليه من الله ومن رسوله -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ).
-
-
( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)): إذا انبعث الغضب من نفوسهم لحظوظهم وفي أمر يتعلق بهم؛ سامحوا وعفوا. وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) إذا ثار الغضب؛ فإن كان من أجل النفس ومن أجل حظوظ النفس يسامح.
كان ﷺ يعفو عن الذنب إذا كان في حقه وسببه، فإذاً لا يغضبون إلا لله لا لأنفسهم.
ويروى عن سيدنا علي أنه كان يقاتل بعض المشركين فوضعه على الأرض وأهوى بسيفه فبصق هذا المشرك في وجه سيدنا علي فرفع السيف ومشى -تركه-، يلاحظه بعضهم قال: يا علي تقاتله من كذا.. فلما تمكنت منه ذهبت وتركته! قال: كنت أقاتله لله حتى إذا تمكنت منه بصق في وجهي فغضبت نفسي فأرادت أن أضربه لها وأنا لا أضرب بسيفي لغير الله. قال: سيف حملته من يد محمد -ذو الفقار- أنا مسكته من يدِ الطهر الطاهر ما يضرب للنفس.. ما يضرب للنفس ولا لهوى، يضرب لله -سبحان الله- رفعه ورجع -تركه وراح- عليه الرضوان الله تعالى، هذه التربية النبوية (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)).
-
( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): في نداءاته التي حملها إليهم أنبياءه ورسله، وكم شرّفنا الله من نداء في الكتاب العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). وكان سيدنا ابن عباس يقول: إذا سمعت ربك يقول كذا أَصغِ فإن وراءه أمر أو نهي. سيعطيك وصيّة، سيعطيك نصيحة أمر أو نهي؛ انتبه!
-
(وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) خصّها من بين الأوامر- استجابوا لجميع الأوامر- ولكن الصلاة على وجه الخصوص لها مكانة ولها منزلة: عماد هذا الدين، هي بمنزلة الرّأس من الجسدِ، هي من الدين بمنزلة الرّأس من الجسدِ.
عِمَادُ هَذَا الدِّينِ صَلَاةٌ فُرِضَتْ *** هِيَ مِنْهُ كَالرَّأْسِ لِلْأَجْسَادِ
هَلْ رَأَيْتَ فِي النَّاسِ حَيًّا بِلَا رَأْسٍ؟
فَاقْتُلْ لِتَارِكِيهَا: يعني الوالي -إذا أصر على ترك الصلاة- يقتله حداً فإن أنكر وجوبها فهو كافر يقتل -والعياذ بالله- ردّةً:
فَاقْتُلْ لِتَارِكِيهَا وَاحْكُمْ لِمُنْكِرِيهَا *** بِالْكُفْرِ وَالْخُسْرَانِ وَالنَّارِ وَالْهَوَانِ
نَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْ فِتَنِ الشَّيْطَانِ
(وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) الصلاة ما أعظمها في دين الله، "مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سنينَ ، واضرِبُوهُم عليهَا وهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ".
والآن، هؤلاء من الأعداد الكبيرة من المسلمين الذين يتهاونون بالصلاة ويتركون الصلاة واجب علينا أن نبلغهم، واجب علينا أن نحذّرهم حتى نسلم من شؤم تركهم للصلوات:
-
من شؤم ترك الصّلوات يتسلّط أعداء الله.
-
من شؤم ترك الصلوات تنزل العقوبات بالناس -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فواجب أن نبلغهم أن الصلاة عظيمة وننتبه من أولادنا: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) [طه:132].
-
(وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)؛
-
حتى كان يقول الحسن: ما تشاور قوم إلا هُدوا إلى أرشد أمورهم وكان أمرهم رشدا.
-
وقد أمر الله بأعقل الخلق وأعرفهم به وهو نبيّه محمد يقول: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران:159].
-
حتى كان يقول بعض الصحابة: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول -الله صلى الله عليه وصحبه وسلم-، مع أنه يوحى إليه وهو أعقل منهم كلهم.
-
وبذلك كان في الشورى بركة حتى جاء عن سيدنا علي أنه قال لرسول الله ﷺ: إذا يأتينا الأمر من بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم ننقل عنك فيه شيء، ما سمعنا منك فيه شيء؟ فقال ﷺ: "انظروا إلى عابديكم وتشاوروا معهم ولا تُصْدروه عن رأي واحد"، فشوفوا العُبّاد، العباد من الأمة الأخيار، قال: يتشاورون في الأمر.
-
لهذا كان لسيدنا عمر مجلس شورى:
-
من رأى من أهل الذوق والوعي والعلم والعقل جعله في مجلس الشورى شاورهم.
-
ومنهم كثير من البدريّين، وكان من أصغرهم سنّا عبد الله بن عباس.
حتى لما أحسّ من بعض الصّحابة يقول: لماذا يدخل هذا في المجلس؟ نشوفه طفلا ومازال صغيرا وعندنا أبناء مثله! فأراد أن يعلِمهم سيدنا عمر إنّما أدخله لمكانته في العلم ولكونه ترجمان القرآن. فجمعهم يوما وقال لهم أسألكم عن آية: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر:1-3] فما معناها؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا جاءه الفتح أن يقوم في... قال: لا! ابن عبّاس، ما عندك فيها؟ قال: قلت هذا إعلام من الله للنبي بقرب الأجل، فإذا دخل الناس في الدّين الإسلامي فقد كملت مهمتك وقرب لقاؤك لنا: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) قال: ما أفهم إلاّ هذا؛ الذي فهمتَه أنا من السورة؛ وقصده أن يعلم أهل المجلس مكانة ابن عباس وفهمه في كتاب الله -سبحانه وتعالى-.
وهكذا كان أهل التقوى وأهل المعرفة هم أهل مجلس الشورى؛ حتى اختار يوما شابا من أبناء الأنصار في المدينة المنورة، وكان من شأن هذا الشاب أيضاً أنه كان يذهب إلى مجلس سيدنا عمر ويحضر معه، فتعلّق به قلبُ امرأة؛ حتى تعرّضت له في الطريق ودعته إلى أن يدخل بيتها. قال: لا أنا الآن ذاهب إلى بيتي، فقالت: لي حاجة وأسألك عن حاجة وأكلمك، قال: عندما أعود من عند أمير المؤمنين أنظر في أمرك، فلما عاد تعلقت به في الطريق، منتظرة له وقالت له: تجيء إلى البيت ضروري حتى أخبرك، فلما فتحت باب بيتها ودخلت أراد أن يرفع رجله فأغمي عليه، وإذا به مغمى عليه عند باب البيت. والآن ماذا تصلح فيه؟ وخافت أن يتهمونها: ماذا جاء بالرجل عندك؟. راحت إلى بعض جاراتها وقالت: تعالن استرني كان مني كذا كذا والرجل الآن هنا، سنحمله إلى باب بيت أهله هناك ونتخلص، فجئن معها وحملنه إلى عند بيت والده.
والده تعجب فيه، الولد أبطأ ومر الليل وما جاء من عند عمر، وخرج يريد يستفسر عن الولد فحصّله مغمى عليه؛ فرشّ عليه الماء حتى أفاق، فقال: ما بك يا بني؟ قال: أغمي علي، لماذا أغمي عليك؟ قال: كذا كذا.. قال: فأخذه، حتى قال: إن امرأة دعتني وجاءت ودخلت بيتها فتحججت أن لها حاجة وأنها تريد أن تعرض علي بعض أمرها، فلما هممت أن أرفع رجلي؛ تذكرت وقوفي بين يدي الله فأغمي علي، فأغمي عليه مرّة ثانية، حركوه فإذا هو ميت..مات، دعا بعض جيرانه غسلوه وكفنوه وقبروه.
وسيدنا عمر ينتظره ما جاء ثاني يوم وثالث يوم، ما جاء أياما. أرسل إلى والده: أين ابنك؟ لم يغشَ مجلسنا؟ قال هذا عظّم الله أجركم يا أمير المؤمنين. قال: ما به؟ قال: توفي! قال: متى؟ قال: ليلة كذا. قال: كان عندنا، ما سبب وفاته؟ أخبره القصة، يروي الإمام ابن عساكر قال: فقال قوموا بنا إليه، لم ما آذنتموني أصلي عليه؟ قالوا: أنه ليل وكرهنا نزعجك، قال: خذونا إلى قبره فجاؤوا وصلوا على قبره. قال: أيها الشاب، إن الله يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
قال: فما سمعوا كلهم وما شعروا إلا وصوت الشاب نفسه -يعرفونه، الذي مع سيدنا عمر- يقول: نعم يا أمير المؤمنين وقد أعطاني ربي الجنتين، قال: قد حصلتها. مات من خوف الله تعالى، قال: وقد أعطاني ربّي الجنّتين (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46].
فهؤلاء أهل مجلس الشّورى لسيدنا عمر فالشّورى بركة وخصوصا لأرباب الخير. وكان يكتب إلى أمرائه سيدنا عمر يقول: مهما أشكل عليكم أمر..
-
فانظروا أرباب التقوى والإنابة
-
وأهل العبادة والصمت بينكم فاستشيروهم.
-
فهؤلاء يأتون لك بالرأي النوير الصحيح الطيّب؛ فإن الله يلهمهم ما لا تعلمون. قال: شاوروا هؤلاء.
وهكذا كان يرجعون في أمورهم إلى صلحاء بلدانهم، وإلى صلحاء أسرهم وكبرائهم وعقلائهم؛ ويستنيرون برأيهم
-
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(38))؛ ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى، وتأتي معنا بقية الصفات إن شاء الله.
اللهم حلِّنا بما تحب وأدخلنا في من تحب وتولّنا بما تولّيت به من تحب في لطف وعافية يا أكرم الأكرمين. اللهم إنه لا ينبغي لعبد لك أن يقدّم في الحب عليك سواك ولا أن يتوجّه بمحبة قلبه إلا إليك. اللهم فنسألك أن تكون ورسولكَ أحب إلينا مما سواكما وأن تحيينا على ذلك وأن تتوفانا على ذلك.
أخرج اللهم كل التفات إلى ما سواك وكل تعلق بمن عاداك، نزّه قلوبنا عن التعلق بمن دونك، واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك. أخرج من قلوبنا كل قدر للدنيا، وكل محل للخلق يميل بنا إلى معصيتك، أو يشغلنا عن طاعتك، أو يحول بيننا وبين التحقق بمعرفتك الخاصة ومحبتك الخالصة. آمين.
حلِّنا بما حليت به المحبوبين المقربين أهل التمكين، وارزقنا التمكين في كل وصف حميد، وارزقنا الاستقامة على المنهج الرشيد، واتباع المسلك السديد في متابعة خير العبيد، سيد أهل حقيقة التوحيد، عبدك المختار محمد بن عبد الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة.
اجعلنا من أتباعه حقيقة، وارزقنا حسن اتباعه في كل ما نقول ونفعل وننوي ونعتقد، يا حي يا قيوم. وفرج كروب أمته، وادفع البلاء عن أمته، واجمع شمل أمته، وخلص أمته من البلايا والآفات والأهوال، وحول حالهم إلى أحسن الأحوال. يا محوّل الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى خير حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجهال.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
25 رَمضان 1446