تفسير سورة الشورى -07- من قوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ .. } الآية 21 إلى الآية 22
الدرس السابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الشورى، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1446هـ ، تفسير قوله تعالى:
{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) }
الثلاثاء 18 رمضان 1446هـ
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمنا بأنوار القرآن وتبيينِها على لسان عبّده المصطفى مِن عدنان، سيّد الأكوان، إمامِ أهل العِرفان والإحسان، صلَّ اللهم وسلِّم وبارك في كل لمحةٍ ونفسٍ وآن، على عبدك المختار سيدنا مُحمّد وعلى آله وأهل بيته المُطهرين عن الأدّران، وصحبه الغُرِّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفعت لهم القدر والمنزلة والمكانة والشأن، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعدُ،
فإنَّا في مِنة وفضلِ تدبُّرِنا لكلام ربنا -جلَّ جلاله- وتأمُّلنا لوحيهِ الذي أوحاه إلى عبده المختار سيدنا مُحمّد، وصلنا في سورة الشورى إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)، أقول عجبًا لِمن قامت الدلائل أمامهم، وجاء الرسول إليهم، وأقام الحُجّة وأُنزل الكتاب، وأُنزل إليه منهاجٌ قويم، هو خير ما يكون لصلاح العِباد والبلاد في الظاهر والباطن، بعد ذلك كله يُعرضون ويتولون! ويفعلون ما حُرِّم! ويتركون ما وَجَب! ويُغيّرون منهج الله تعالى!.
على أي شأنٍ، وعلى أي حالٍ يسير هؤلاء القوم من المشركين والفاسقين على ظهر الأرض؟ ماذا عندهم من بيان؟ من أين تلقَّوا هذه المناهج التي ينتهجونها؟ من أين سمحوا لأنفسهم أن يتطاولوا على مِنهاج الخالق الذي خَلَق ويُغيّرونه ويبدِّلونه ويُخالِفونه؟.. (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ)؛ حصّلوا مع هذا الإله الذي كوَّن وأبدَّع وأوجد شركاء آخرين اتصلوا بهم وأخذوا منهم منهج؟!
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)، وأشدَّه وأعظمه:
-
الكُفر والشِرك.
-
ثم كلُ مُخالفةٍ لمنهج الله -جلَّ جلاله- فيما أحلَّ وفيما حرَّم.
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [النحل:116]، من أين يدَّعون الشُركاء؟ مَن شارك الرَّحمن الخالق في تكوين السماء أو إبداع الأرض؟ مَن شاركه في تكوين نُطفهم وتحويلها إلى علقٍ ومُضَغٍ، ثم إلى عِظامٍ ثم كُسِيَت لحمًا؟ من شاركه؟ لا شريك له.. فمن أين يُخالِفون مِنهاجه؟ وكيف يِحقُّ لهم وكيف يجُوز لهم وكيف يصدر منهم ذلك؟
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)، أما كفاهم بعد ظهور هذا السِراج المُنير، والحُجَّة البالغة أن يخضعوا لأمر الله، ويوحّدوه، ويؤمنوا به، ويقتدوا برسوله ﷺ؟!
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)، وفي هذا تعلم الخطر العظيم في مخالفة شرع الله ومِنهاجه، شرع الله تعالى ومِنهاجه منه:
-
ما هو ثوابت وأُصولٌ في الدين.
-
ومنها ما هو فروعٌ في دين الله تبارك وتعالى، ومواطن اجتهادٍ.
-
فأما المُجمَع عليه وما كان من أصل الدين؛ فلا يكون خلافه إلا كُفرٌ وخروجٌ من المِلَّة، والعياذ بالله.
-
وأما ما دخل في دائرة الاجتهاد الصحيح كما أسلَفنا؛ ما هو إلا عمل بنفس الشرع المصُون.
ولكن تتبُّع الرُّخص في الدين، ودخول الأهواء للتنقّل بين مذاهب المُجتهدين واحدٌ من المزلّات ومن المخالفات للشرع، ومن الخارجات عن تقويم العبودية للمُؤمن مع مولاه جلَّ جلاله.
وأما اتخاذ العِلم وسيلة لتلبية شهوات النفس، أو شيء من أهوائها، ثم اللعب على النصوص بذلك وتتبُّع في ذلك الأقوال وما إلى ذلك؛ فهذا نوعٌ من الهوى الذي القطرة منه تُخمِّجُ بحرًا من العلم.
واعلم هُديت و خير العلم أنفعه *** أنّ اتباع الهوى ضربٌ من الخَبَلِ
فكم وكم ضلَّ بالأهواء وطاعتها *** من عاقلٍ جامعٍ للعلِم والعمل
وخرج من العلم والعمل والعقل إلى الضلال.
يقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا)، عالم اسمه بلعام بن باعوراء، عنده آيات، وكان مُجاب الدعوة، وتظهر على يده كرامات، (فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا)؛ باستقامته، وصدقه، وأدائه الأمانة فيها، (وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ)؛ قالوا له: لابُد تدعي على موسى وعلى قومه، أنت مُجاب الدعوة والآن حرب بيننا وبين موسى وقومه، ولابُد تدعو عليهم، أراد أن يتنصّل منهم، وفي الأخير وافقهم وانتهى كل شيء؛ (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚفَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)؛ سقط عن الإنسانية كلها، (إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف:175-176]؛ تعِظه أو ما تعِظه، تُبيّن له أو ما تُبيّن له؛ هو ضلْ ضلْ.. مثل الكلب يلهث يلهث يلهث.. إن أعطيته، وإن سكتّ عنه، وإن طردته، يلهث يلهث فقط ما عنده إلا اللهث.. نعوذ الله من انحراف القلوب عن أدبها مع علاَّم الغيوب.
لذا كان الدِّين أمانة، وكان الشرع ديانة لا يُتقوَّل فيه؛ لذا كثُر من الصحابة ومن التابعين ومن المجتهدين في الأمة قولهم: لا أعلم، لا أعلم، ووقوفهم وتوقفهم لما يعلمون من عظمة الأمر. وكان أصحاب نبينا يتدافعون الفتيا، فأين هذا ممن يتخذها ليُعلي مراداته، وشهواته وأغراضه.
وسُئل مرة سيدنا الإمام الشافعي عن مسألة فسكت، قال بعضهم: ما لك ما تجيب؟ قال: اصبر حتى نرى الخير لنا عند الله في الكلام نتكلم، أم في السُكوت فنسكُت! أنا أفكر إن كان الخير لي عند ربي في الكلام أتكلم، وإن كان الخير في السكوت فأسكت، إنما أنا عبد حامل أمانة لا متعالم.. أنظر وأرى الخير لي عند ربي أين هو؟..
وهكذا قال بعض جُلساء الإمام مالك: قُدِمت إليه ستة وثلاثين مسألة فأجاب عن اثنتين، وقال في أربعة وثلاثين: اللهُ أعلم! وهو إمام دار الهجرة الذي حُمل عليه حديث: "يُوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدِون عالِمًا أعلم من عالم المدينة"، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ..(21))، وكان أرباب الصِدق يحتاطون لأنفسهم، وإذا وجدوا من العوام من يحتاج إلى الأخذ بالرخصة في وجه وعلى وجه بيّنوا لهم، ولكن يختارون لأنفسهم ما هو أفضل، وما هو أكمّل، وما هو أجمّع وأرفع، بذلك يدينون الله تبارك وتعالى.
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)؛ وهذا يُبِّين خطر جميع قوانين العالم المُخالفة لشريعة الله، وأنها ضُرٌّ على الخلق، وسبب فسادٍ لأحوالهم ولِمآلِهم.
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)؛ فلا يحِلّوا ما حرَّم الله، ولا يحرموا ما أحلّ الله؛
-
وحقُّ التحريم والتحليل له في الأصل.
-
وإنما يُبَيِّنُه رسله.
-
ويهتدي إلى دقائقه ويستنبطه خلفاؤهم.
والحكم له، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، على الله؛ لأن هو له حق التحريم والتحليل، هو الخالق لا سواه. (لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116-117]. وبذلك تعلم الالتزام بالشرع وتحكيمه على الهوى وعلى النفس في حال الإنسان، وحال أولاده، وحال أسرته، وحال معاملاته إلى أين يصل به؟
-
إنه شرع الله يوصله إلى الله.
-
إنه شرع الله يرفع درجاته في الحياتين والدارين.
-
ويكتب له السعادة بواسطة العمل بهذا الشرع المصون.
على قدر تعظيم شرع الله -جلَّ جلاله- يكون الدين والإيمان والقرب من الرحمن، لذا قال قائلهم:
إنَّ الفضائل كلها لو جُمّعت *** رجعت بأجمعها إلى شيئينِ
تعظيم أمر الله جلَّ جلاله *** والسعيُّ في إصلاح ذات البين
لذا قالوا الدِّين تعظيم الدين؛ نصيبك من الدِّين على قدر عظمته في قلبك، الدِّين تعظيم الدِّين. ولذا:
-
حرص الأخيار الأكابر على السنن كحرص غيرهم على الواجبات.
-
وتركوا المكروهات كترك غيرهم للمحرمات.
-
بل جاوزوا ذلك إلى ترك خلاف الأولى.
-
بل كبارهم جاوزوا ذلك إلى رفض ما لا يُقَرِّب إلى الرب.
كل فضول وكل ما زاد على الحاجة في وجهتهم الى الرب رفضوه، وكانوا خُلَّصًا لواحد؛ فالواحد منهم واحد لواحد -عليهم رضوان ربنا- هم أهل الارتقاء بِسُلَّم الشرع المصون.
ولذا حذَّر الإمام الحداد من تَوَهُم بعض الناس أن أرباب المعارف والأذواق يخرجون عن الشرع، أو يخالفون، أو لهم حق مخالفته في شيء من الوجوه؛ فَرَدَّ ذلك: "وأَعْلَمَ أنَّ الأمر كله قائم على الشرع المصون الذي جاء به الأمين المأمون"، -صلوات ربي وسلامه عليه- يقول عليه رحمة الله ورضوانه:
وما في طريق القوم …
ما في طريق القوم: من الأولياء والعارفين والصالحين من الصحابة والتابعين وتابع التابعين وجميع أولياء أرباب الطرق في التزكية والدعوة إلى الله تعالى والإيصال إليه.
وما في طريق القوم بَدْءًا ولا انتها *** مخالفةٌ للشرع فاسْمَعْ وأَنْصِتِ
وخَلِّ مقالاتِ الذين تَخَبَّطُوا *** ولا تَكُ إلا مع كتابٍ وسُنَّةِ
فَثَمَّ الهُدى والنورُ والأمنُ مِن ردى *** ومِن فتنةٍ تُخشَى وَزَيْغٍ وبدعةٍ
ومُتَّبِعُو حُكمِ الكتاب وسُنَّــةٍ *** هُمُ المُفلِحونَ الفائِزونَ بجنَّةِ
عليهم من الرحمن رضوانُه الذي *** هو النعمةُ العُظمى وأكبرُ مِنَّةِ
ومَن حادَ عن علم الكتابِ وسُنَّةٍ *** فَبَشِّرهُ في الدنيا بخزيٍ وذِلَّةِ
وَبَشِّرْهُ بالعُقبى بسُكنَى جهنَّمٍ *** وحِرمانِ جنَّاتِ الخلودِ ورُؤيةِ
هكذا يقول وقد ذكرَ أصنافَ أولياء الله، وقال:
فَوَا أسفي إن مُتُّ مِن قبل أن أرى *** وجوهًا عليها نور علمٍ وخشيةِ
وجلوةُ إخلاصٍ وصدقٍ و قُربــةٍ *** وآثارُ كشف الغيب عن ذوقِ خبرةِ
وَأَسْمَعَ منهم كُلَّ علمٍ مُقَدَّسٍ عن *** الحِسِّ والأوهام مِن فتح حكمةِ
وأَنْشَقَ مِن أَرْيَاحِهم كُلَّ طَيِّبٍ *** ذكيٍّ تطيب الروح منه بِشَمَّةِ
وأُمْسِي بهم في موقف الشرع *** سالكًا طريقة حَقٍّ واصِلًا للحقيقةِ
فـلِلَه أقوامٌ…
لله أقوامٌ صلحاء الأمة وأخيارها في كل زمان.
فـلِلَـه أقوامٌ نأى البعض منهم عن *** البعض إيثارًا لِمقصودِ خلوةِ
وأُنْسًا بمولاهم وشُغْلًا بذكرهِ *** وخِدمَتِهِ في كل حين وحالةِ
وحِرصًا على هذا الخُمُول…
الخمول؛ أي: الاستتار والبعد عن الظهور والشهرة.
وحِرصًا على هذا الخُمُول لأنَّهُ *** أمانٌ لأهل اللَهِ من شر شهرةِ
وحُبَّ انقطاع واعتزالٍ فإنَّ فيهـ ***ـما طِيبَ عَيْشٍ في زمانِ البَلِيَّة
فمنهم مقيمٌ في الأنامِ…
فمنهم مقيمٌ في الأنامِ؛ جالسين بين الناس يتسبّبون بشيء من الأسباب ويدخلون، وذا يظنه أبله وذا يظنه بليد، وذا يظنه مخربط… وهم أهل قرب من الله، أهل حضور مع الله!
فمنهم مقيمٌ في الأنامِ وإنَّه *** لَمَستُورُ عنهم تحت أستارِ غَيْرَةِ
يَرَاه الوَرَى إلا القليل…
القليل؛ من أهل النور والبصيرة يعرفون هذا صاحب نور، هذا صاحب قُرب من العزيز الغفور، هذا صاحب حقيقة في ذوق الشرع.
يَرَاه الوَرَى إلا القليل كغيرِهِ *** من الغافلين التاركين استقامةِ
يقولون هذا مثلنا ومثل أهل الزمان.
ومنهم رجالٌ يؤثرون سياحةً *** وسُكنَى مغارات الجبال وقَفْرَةِ
يَسِيحُونَ من شِعْبٍ إلــى بطـن *** وادي وكُلِّ خَرَابٍ والفيافي الخَلِيَّةِ
ومنهم رجالٌ ظاهرون بأمرِهِ *** لإِرشادِ هذا الخَلقِ نهج الطريقةِ
لهم هِمَّةٌ في دعوة الخَلْقِ جملةً *** إلى اللَهِ عن نُصحٍ ولُطفٍ ورحمةِ
فهم حُجَّةٌ للمؤمنين بربّهم *** وفيهم لِمُرتاد الهدى خير قدوةِ
وحتفٌ على أهل الضلال وحُجَّةٌ *** تقوم على أهل الشِّقاقِ وشِقْــوَةِ
وكُلٌّ من الأصناف هذه.
وكُلٌّ على نهج السبيل السَّوِيِّ *** لم يُخالِف أمرًا آخِذاً بالشريعةِ
وإنَّ الذي لا يَتْبَعُ الشرع مُطلقًا *** على كل حالٍ عبدُ نفسٍ وشهوةِ
صريعُ هَوَىً يُبكَى عليه لأنه هو *** المَيْتُ ليس المَيْتُ مَيْتَ الطبيعةِ
هذا ميت القلب هو الميت، لا الذي خرجت روحه، كلٌّ ستخرج روحه لكن المصيبة هذا لأنه: هو المَيْتُ ليس المَيْتُ مَيْتَ الطبيعةِ.
وما في طريق القوم بدءًا ولا انتها *** مخالفة للشرع فاسْمَعْ وأنصِتِ
(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ..(21))، "لا يؤمنُ أحدُكم حتّى يَكونَ هواهُ تبعًا لمّا جئتُ بِهِ". (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)؛ كل مُؤمن عنده أدنى نصيب من الإيمان لو استشعر أن رسول الله ﷺ أمامه وأمام أي عمل يعمله سيرتب نفسه ويحاسب نفسه، وسيترك كثير من أعماله، (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، استشعره قدامك وإذا أنت غفلت وبعدت، أما يُعرَض عليه أمرك؟! ولا يرى ما تقوم به؟! (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ) [التوبة:105]، (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، وفوق ذلك (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65]؛ اجعل هوانا تبعًا لِمَا جاء به نبيك.
يقول الله هؤلاء الذين شذَّوا وخرجوا وخالفوا: (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، لكن الله قال كلمة فصل: أنَّ الجزاء، أنَّ النتيجة، أنَّ الثواب في الآخرة في القيامة، ولِكُلٍّ أجلٌ محدود، وفي ذلك عجائب من الحِكَم؛ ليعتبر من يعتبر، ويدّكر من يدّكر، ويرجع من يرجع، ويتوب من يتوب، وتحقَّ الكلمة على من سبقَتْ عليه الشقاوة ويَصِرُّ على ذنبه والجزاء قُدَّام. قال ولولا إرادتي هذه وتقديري لعجَّلتُ العقوبة لكل من خالف شريعتي وأهلكته وانتهت المسألة؛ لكن المسألة أكبر من هذا، وحكمته أعظم من هذا، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ..(21))، (قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ) [الأنعام:58] ولكن إلى أجل.
وهكذا حتى يُكَلِّم سادتنا الصحابة، يقول في عجائب حِكَمِه: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ)، وما تمكنوا من قتل سيدنا رسول الله ولا الكبار الذين حواليه في الفترات هذه، (وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم) حتى أيديكم أنتم كفَّها (بِبَطْنِ مَكَّةَ)؛ في يوم الحديبية (مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ) [الفتح:24]، كنتم ستعملون عمل كبير وسط مكة وتقتلون منهم، ولكن أنا كففتُ أيديكم عنهم بحِكمَة، وأظهر لنا من هذه الحِكمَة:
-
أن نبينا قَبِلَ الصلح بما فيه من الإجحاف، وأظهر حِكمَة، يقول لهم: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ) وسط مكة (لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، تدخلون إلى مكة ويصبح قتل في ذا وذا، ولن يَسْلَم هؤلاء.
-
ويقول: (لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) رأيت الحكمة الثانية؟ حتى نحافظ على هؤلاء، وناس من الثانين المعادين سيُسلِمون، ويرجعوا إلى عندي، ويدخلوا في ركب نبيِّي بعدها، (لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ).
-
(لَوْ تَزَيَّلُوا): لو هؤلاء خرجوا من بينهم وبقوا كفار خُلَّص؛ (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح:25]، (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا)، (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ) الله أكبر!.. سمعت؟
(وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، ولكن مهما كان الأمر مؤخر، ويلٌ للذين رفضوا أمر الله وحُكْمَه وشريعته، واتبعوا أهوائهم في هذه الحياة القصيرة، مُغتَرِّين بأي شيء. (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21))؛ (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) من الذين أشركوا، ومن الذين رفضوا منهج الله وخالفوه وماتوا على ذلك، (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) شديد الإيلام ما يُطاق؛ أليم، (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في يوم الفصل، متى؟
(تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ)، ومن كان قائد، ومَن كان رئيس، ومَن كان ملك، فزعين، في خوف شديد، لاإله إلا الله! يوم مُقبِل على الكل. (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا)؛ ما كسبوا؟ يعني: من جزاء ما كسبوا، من وبال ما كسبوا، أعمالهم التي خالفوا فيها الشريعة مصائب توجب العذاب، توجب الغضب، توجب السخط، توجب العقاب فهم (مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا)؛ يعني: نفس كسبهم هو نتيجته ومآلِه وجزاؤه إنما هو منهم، فهم (مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا) الكفر حقهم، والشرك حقهم، والظلم حقهم، والكذب حقهم، والخِداع حقهم… خائفين منه هذا؛ لماذا؟ لأن هذا مآله خطير شديد، الحقيقة انكشفت، الحقيقة انكشفت! يقول سبحانه وتعالى: (لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)، روحوا شوفوا نتيجة الأعمال، (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة:1-6]، رُحْ انظر العمل حقَّك، العمل الذي عملتُه في الخلوة وفي الجلوة؟ وفيما يخُصك وفيما آذَيت به غيرك ووصل ضُرّه إلى سِواك، خُذ العمل ورُح!.
(تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ..(22)) إيش واقع بهم؟ الجزاء هذا والنتيجة حق الأعمال واقع عليهم لابد؛ (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) [الكهف:55]، مَنْ بيخرِّجهم؟! مَنْ بيخلِّصهم؟! وبعد ما أوحى الله وأرسل الرسل وكلَّمهم الرسل وخلفاء الرسل في كل زمان، وأصرّوا واستكبروا… مَنْ بيخلِّصهم؟! حتى إذا وصلوا إلى جهنم تقول لهم خزنتها: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:71-72].
فالحمد لله على استماع قلوبنا لكلامه وكلام رسوله، نصلُ في مثلِ هذه الأيام إلى:
-
نية استقامة.
-
وصدق مع عالم السر والنجوى.
-
واتصال بأهلِ التقوى.
واستقبلوا بذلك العشر المُقبلة عليكم بخيرها وبرّها؛ فإنَّ الله سيرفعُ فيها كثيرًا إلى مراتب عُلا ويُلحقهم بخيار الملأ، وسيخسر كثير من الناس على ظهر الأرض!
فيَا ربِّ ثبِّتنا على الحَقِّ والهُدَى *** ويَا ربِّ اِقبِضنَا على خَيْرِ مِلَّةِ
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) ما عاد شي فكَّة، ما عاد شي مخْرَجْ، ما عاد شي طريقة للتخلُّص.. (وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ)، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]، كل واحد محصور أين سيذهب؟! هو كان محصور من أيام الدنيا، وَلكِنَّه كان مُغفَّل في أيام الدنيا ومغرور؛ والآن انكشفت الحقيقة، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]، حتى أيام كان في الدنيا، لكن هم لمَّا أعطاهم فُسحة الإمهال إلى أجل معلوم وأعطاهم الاختيار لَعِبوا على أنفسهم، أمَّا الآن خلاص انتهى اللعب، ما عاد شي إلا الجزاء والنتيجة! لا إله إلا الله! (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:16].
(وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) الله أكبر! فأين مصيرهم إذًا؟! نيران -والعياذ بالله- ومُقابِلهم مباشرة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) اجعلنا منهم يا ربنا، واجعل أهلينا كلهم منهم يا ربنا، واجعل قراباتنا منهم يا ربنا، واجعل جيراننا منهم يا ربنا، واجعل طلابنا منهم يا ربنا، واجعل من والانا فيك منهم يا ربنا.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ..(22)):
-
المعنى الأول: ترى هؤلاء كذا وترى هؤلاء في روضات الجنات، وترى مَنْ؟ الرؤية الكبرى لإدراك حقيقة هذا العذاب وهذا النعيم؛ لمحمد ﷺ. ترى الظالمين وترى…، ولكن كل واحد في القيامة ينكشف له من الحقيقة شيء؛ فكلهم يدركون خطر هذا، وفائدة هذا، وصلاح هذا، وفساد هذا، الكل يدرك، ولهذا كُلٍّ يتمنى أنه مع محمد، حتى الظلمة؟ الظلمة الملاحدة العِجَاف المتكبرين يقولون: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان:27]، والحزب حقك أين راح؟! والحكومة حقك أين راحت؟! ما عاد إلا مع الرسول! راحوا ما ينفعونه بشيء، ويعرف مقام الرسول عند الرب، يقول هذا يا ليتني معه! هذا وقد جاءك بالبينات وخالفت وآذيت وتكلَّمت بما لا ينبغي! (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء:42]، كل واحد يتمنى أن يُمسَخ مع الأرض سواء ولا عاد له وجود، وما يقدرون على ذاك، ما يحصل لهم ذلك، شوفوا قدامكم النتيجة: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا) ادخلوا النار، وشوف.. (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) [الطور:14-15]. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) اللهم اجعلنا منهم (فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ).
-
والمعنى الثاني: كما يذكره كثير من أهل التفسير، قالوا: يعيشون روضات الجنات بدايةً من الدنيا في ذوق حلاوة القرب من ربهم، ونعيم شرف الصِّلة بالواحد الأحد، وأذواق معاني الإيمان واليقين.. لهم لذَّة فيها؛ فهم في روضات الجنات، ويشير ﷺ إلى موطن هذه الروضات فيقول: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"؛ مثل المجالس هذه يُشير إليها، "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَقُ الذكر"، وحِلَقُ العلم، وأنتم في ذكر وفي علم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) هنا تُسْتَقى المعاني، ويأتي الذوق، وحلاوة الوجهة إلى الرحمن، والقرب من الرحمن، والمعرفة بالرحمن، يا ما أحلاها! ولا حلاوة مثلها في مطعوم ولا مشروب ولا ملبوس ولا منكوح ولا سُلطة ولا شيء في الدنيا..لا والله! لا والله ما يساويها شيء! ولذا قال أهلها عنها: يقولون عنها أهلها في قيامهم في الليل: لو يعلَمُ الملوك ما نحن فيه بالليل لجالدونا عليه بالسيوف؛ لكن مساكين يريدون لذة، ويريدون ذا و ذا.. ما حصَّلوها إلا مقدار ما هم فيه من الغَبَش والخيال هذا، والأمر الصُّوري المجازي -المُنقضي قريبًا-، ولو يعلمون ما نحن فيه بالليل لجالدونا عليه بالسيوف.
(فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ)، وفي الآخرة روضات الجنات التي أعدَّها -سبحانه- بقوَّته وقدرته وعظمته وعلمه المحيط؛ أعدَّ جنات، أعدَّ.. تعرف معنى أَعَدَّ؟! وكُلٌّ يُعِدّ على قدر علمه وقوته وقدرته؛ وهذا إعداد مَن؟! "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ)؛ يعني: ما عندهم إشفاق ولا خوف (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]. (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ)، الله أكبر! "تَمنَّوْا عليَّ ما شِئْتم". (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف:71]:
-
(مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ): من القصور والحور والأشجار والأنهار والمطاعم والمشارب والملابس.
-
(وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ): من المعارف والقُرب والنظر والمجالسة للنبيين والصِّدِّيقين، (وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ).
(لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ)، إيش هذه الضيافة الكريمة؟! كُلًّا يُضَيِّف على قدره، وهذا رَبُّ العالمين! نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار!.
(لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)) يا صاحب الفضل، هَبْ لنا الفضل الكبير، هَبْ لنا الفضل العظيم، هَبْ لنا الفضل الوسيع، هَبْ لنا الفضل الرفيع، وأعطِنا هذه المواهب الكبيرة، ولا تُخَلِّف أحد مِنَّا عنها، لا من أهل مجمعنا، ولا ممّن يسمعنا ولا ممّن يشاهد ومتعلق هنا وهناك يا الله، حتى الذي ينعس منهم.. أدخِلنا جميعا في هذه الدوائر واحضرنا مع أهل هذه الحَظائِر (فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ)، ثم السّمو والرِّفعة: (عِندَ رَبِّهِمْ).
الكريم الملك هو الذي يتولى كل ما تشاء وكل ما تريد.. (عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ) وفي قراءة: (ذَٰلِكَ اَ۬لَّذِي يَبۡشُرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..(23)).
يا مُنزِلَ القرآن بالقرآن، ومن أنزلتَه عليه؛ نقسِم عليك أنْ تجعلنا من (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). سيدنا مولانا، ومن اقتضى مِنَّا عمله أو حاله خروجًا عن هذه الدائرة، فهذه أيام كرمك وإحسانك وشهر فضلك وامتنانك، نسألك أن تدخلنا في دائرة (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وكل فرد من أهلينا ومن أولادنا ومن ذرياتنا، ومن أصهارنا ومن قراباتنا ومن جيراننا ومن طلابنا ومن أحبابنا ومن أصحابنا ومن أهل مجالسنا، أدخلنا في دائرة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، مُتحقّقين بها أتَمَّ التَّحَقُّقات، يا حيّ يا قيوم، يا رحمن يا رحيم.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد ﷺ
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
ساعات وصلك لو تُباع وتُشترى..
ساعات وصلك لو تُباع شريتها *** بالروح لكن لا تُباع ولا تُشرَى
هو الذي أنزل، وهو الذي أرسل، وهو الذي جعلنا في هذه الأمة، وهو الذي بلّغنا رمضان، وهو الذي جمعنا، وهو الذي هيَّأ لنا هذا السند إلى الأصل، وهو الذي تولّانا في الشؤون؛ الله -جلَّ جلاله- أتمم علينا النعمة، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وائذن بجمعنا في ظِلِّ عرشك، وائذن بجمعنا تحت لواء الحمد، وائذن بجمعنا على الحوض المورود، وائذن بجمعنا في دار الكرامة ومستقر الرحمة، وائذن بجمعنا في الفردوس الأعلى، وائذن بجمعنا في ساحة النظر إلى وجهك الكريم.
فَيَا رَبِّ واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دَارِكَ الفِردَوْسِ أطيبِ مَوْضِعِ
فَيَا رَبِّ واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دَارِكَ الفِردَوْسِ أطيبِ مَوْضِعِ
فَيَا رَبِّ واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دَارِكَ الفِردَوْسِ أطيبِ مَوْضِعِ
فضلًا وإحسانًا ومَنًّا منك *** يا ذا الفَضلِ والجُودِ الأَتَمِّ الأَوْسَعِ
برحمتك يا أرحم الراحمين
20 رَمضان 1446