(489)
(639)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الجمعة 15 ربيع الأول 1448 هجري.
إلهي؛ كيفَ أخِيبُ وأنت أَملِي؟! أم كيفَ أَهِينُ وعليكَ مُتَّكَلِي؟!
إلهي؛ كيفَ أَعِزُّ وفي الذِّلَّةِ أَرْكَزْتَنِي؟! أم كيفَ لا أَسْتَعِزُّ وإليكَ نَسَبْتَنِي؟! إلهي؛ كيفَ لا أَفْتَقِرُ وفي الفقرِ أَقَمْتَنِي؟! أم كيفَ أَفْتَقِرُ وأنتَ الذي بِجُودِكَ أغنَيتَني؟!
أنت الذي لا إِلَهَ غَيرُكَ، تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيءٍ، فما جَهِلَكَ شَيءٌ، وأنت الذي تَعَرَّفتَ إِلَيَّ في كُلِّ شَيءٍ، فَرَأَيْتُكَ ظَاهِراً في كُلِّ شَيْءٍ؛ فأنتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيءٍ، وأنتَ الظَّاهِرُ على كُلِّ شَيْءٍ
يا مَنِ استَوَى بِرَحْمَانِيَّتِهِ على عرشِهِ، فصارَ العَرْشُ غَيبَاً في رَحْمَانِيَّتِهِ؛ كما صَارَتِ العَوَالِمُ غَيباً في عَرْشِهِ
مَحوتَ الآثَارَ بِالآثَارِ، وَمَحوتَ الأَغيَارَ بِمُحِيطَاتِ أَفْلَاكِ الأنوَارِ
يا مَنِ احتجبَ في سُرَادِقَاتِ عِزِّهِ عَن أَن تُدرِكَهُ الأبصَارُ
يا من تجلى بكمالِ بهائِهِ فتحقَّقَتْ عَظَمَتَهُ الأسرارُ
كيفَ تخفىَ وأنتَ الظَّاهِرُ؟! أم كيفَ تَغِيبُ وأنتَ الرَّقِيبُ الحاضرُ؟!
واللهُ المُوَفِّقُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَعِزُّ وَفِي الذِّلَّةِ أَرْكَزْتَنِي؟! أَمْ كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ وَإِلَيْكَ نَسَبْتَنِي؟! إِلَهِِي؛ كَيْفَ لَا أَفْتَقِرُ وَفِي الْفَقْرِ أَقَمْتَنِي؟! أَمْ كَيْفَ أَفْتَقِرُ وَأَنْتَ الَّذِي بِجُودِكَ أَغْنَيْتَنِي؟!"
هذه أمور متضادة وأوصاف متباينة، تتحيَّر فيها أولو العقول، وتتزاحم فيها الأحكام والنقول، ولكنَّ أرباب الكشف إذا كُوشفوا بأسرار.. أعطتهم الاستغناء به، والاعتراف بقربه، وإذا وقفوا على ضعف خلقيتهم وذلَّة عبوديتهم.. أعطتهم أن الافتقار لهم أصل، والذلَّة لهم وطن.
فكلما نظروا بعين الخلقية، والذلة الأرضية.. قال: واعجبًا؛ "كَيْفَ أَعِزُّ وَفِي الذِّلَّةِ أَرْكَزْتَنِي"، وجعلت فيها تصوير خلقتي، وإليها مآب تربتي؟!
وإذا نظر إلى نسبة الخصوصية، والرتبة الروحية، والمنزلة العلوية.. قال: "كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ وَإِلَيْكَ نَسَبْتَنِي؟!" (إِنَّ عِبَادِي) [الحجر:42]، و(يَا عِبَادِيَ) [الزمر:53]، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ) [الانفطار:6]، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4].
فإذا نظر إلى قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4].. قال: "كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ وَإِلَيْكَ نَسَبْتَنِي؟!" وإذا نظر إلى قوله: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [التين:5].. قال: كيف أستعزُّ وفي الذلة أركزتني؟! وذلك بيِّنٌ لذوي الأسرار، لاغبار عليه ولا استتار، ولي في ذلك:
فكيف أعزُّ وفي ذُلَّتيَ أركزني *** حُكمُ الإله وهذا الشأن معلوم
أم كيف لا وإليك العبد نسبته *** تعطي بأنك للأكوان قيوم
الحمد لله جلَّ جلاله وتعالى في علاه، خلق ورزق وتفضَّل وتكرَّم وأنعم وتطوَّل ووهب وأعطى ومنح وفتح ورفع ورقَّى واختصَّ من يشاء بما يشاء، لا إله إلا هو، فليس من كمالٍ إلا له، وما من فضل إلا لهُ، وما من شرف إلا لهُ، وما من رفعة إلا له.
وجعل أصل جميع مخلوقاته الضعف والعجز والذِلَّة، فأصلها العدم، ولا شيء أقل ولا أذل من العدم، ثم إذا تكرَّم عليها بالخلق والإيجاد، فهي تحت قيوميته، وتحت قاهريته، وتحت إرادته، وتحت تدبيره -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- فلا أصل لكل مخلوق إلا الذل والعجز والفقر والضعف، فهذا أصل متأصِّل ثابت راسخ قوي لكل مخلوق؛ عرشًا أو كرسيًا أو جنةً أو نارًا أو ملائكةً أو إنسًا أو جِنًا أو حيوانات أو نباتات أوجمادات؛ الأصل في جميعها العَدَم، والذل والعجز والفقر متأصِّل فيها راسخ ثابت لازم لها حتمٌ عليها.
ثم إنه تعالى يعِزُّ من يشاء من هذه الكائنات والمخلوقات بما يتفضّل عليهم من إيمان أو إحسان أو تقريب أو تعليم أو ترقية أو تزكية أو تنقية أو إنعام أو أي شيءٍ، والعزة له والفضل له، فهو صاحب العز الأبدي السرمدي، وصاحب الفضل الأزلي الأبدي -جلَّ جلاله- وهذا لازم له، وهو من صفات ألوهيته وربوبيته اللازمة؛ الغِنى والعز والكرم والشرف والعلو، هذه صفات ثابتة لازمة دائمة قائمة بالمولى جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
إذا علمت ذلك، فإن العباد لهم:
فلا يزالون بين إثبات العزة به، والفقر لذواتهم لذاتيتهم، فلا بدَّ من الذلة الأصيلة التي هي لازمة الإنسان وحقيقته، ولا بدَّ من الاعتراف بالنعم والفضل فيكون هناك عز وشرف وكرامة.
وهكذا؛ لا بدَّ من إدراك الفقر الحقيقي الذاتي وهو وصف الإنسان اللازم له، ولا بدَّ عند معرفة تفضُّل الغني عليه بالغنى أنه غني به، فهو يعلم فقره بضعفه وغناه بمولاه، وهذا لا يناقض هذا، وهذا لا يناقض هذا؛ بل لا يزال كلما اتسعت معارفه ومداركه، أقوى معرفةً بفقره وأقوى معرفة بغناه به -جلَّ جلاله- وأقوى معرفةً بذلّته وأقوى معرفةً بعزّته به -جلَّ جلاله- ولا يزال الأمر يتسع ما اتسعت المعرفة.
فلا أعظم افتقارًا من أهل المراتب العُلى في المعرفة بالله تعالى، ولا أعظم اعتزازًا بالله منهم؛ فهم المعتزّون بالله -جلَّ جلاله- عزةً لا يدانيهم فيها غيرهم، وهم الفقراء إليه الافتقار الذي لا يصل إليه غيرهم، عليهم رضوان الله تعالى. وبلسان الاعتراف بالنعمة يقولون:
قَدْ تَحَقَّقْتُ بِعَجْزِي *** وَخُضُوعِي وَانْكِسَارِي
والمتحقق بالعجز قادر بقدرة الله، والمتحقق بالانكسار مرتفعٌ بعزة الله تبارك وتعالى -قد تحققت بعجزي وخضوعي- والمتحقق بالخضوع مرفوع برفعة الله تبارك وتعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].
يقول في مناجاته: "إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَعِزُّ وَفِي الذِّلَّةِ أَرْكَزْتَنِي؟!" جعلتني أصلًا عدَمْ ثم مخلوق ومصنوع مكَوَّن، محفوف بالقيومية والإرادة والقدرة الربانية، كيف أدَّعِي لنفسي العزة؟ وإذا نظرتُ إلى تفضُّلك عليّ ومنتك وجودك وإحسانك إليّ، "كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ" كيف لا أوقن بهذه العزة بِكَ، ليست لي ولا بي؛ بِكَ.
"أَمْ كَيْفَ لَا أَسْتَعِزُّ وَإِلَيْكَ نَسَبْتَنِي؟!" قلت لي: عبدي.. وهكذا إذا ترى واحد في درجات أهل الدنيا -في درجة وزير- وإذا قال: عبدي؛ عبد الوزير رتبته ترتفع برتبة الوزير، لكن رئيس الوزراء إذا قال: عبدي، فوق ذاك؛ كلهم عبد لكن ذا فوق ذاك، وإذا قال رئيس الدولة: عبدي.. يدخل إلى دار الرئاسة، حتى رئيس الوزراء ما يدخل إلا بإذنه، هذا يدخل.. لأنه بالنسبة لأنه نَسبَهُ إليه، وسماه عبده أو خادمه أو صاحبه، فبهذه النسبة يدخل إلى أماكن ما يدخل إليها آخرون من أهل الدرجات العلى.
وعلى حسب ما تصح نسبتُك في عبوديتِك إلى ربوبيته، من مقدار ما تعرَّف إليك من ربوبيته، أنت بذلك عزيز، وأنت بذلك شريف، لا إله إلا هو.
قال: "كَيْفَ لَا أَفْتَقِرُ وَفِي الْفَقْرِ أَقَمْتَنِي؟!"، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) [فاطر:15]، "أَمْ كَيْفَ أَفْتَقِرُ وَأَنْتَ الَّذِي بِجُودِكَ أَغْنَيْتَنِي؟!"؛ إذًا ففقري إليك لازم وثابت، وغناي بك عمَّن سواك أمرٌ شرفٌ شرفتني به وكرمتني، ومن العار والعيب أن أفتقر إلى غيرك وأنت معي، وأنت تسمعني، وأنت تجيبني، وأنت ملجأي؛ فالافتقار إليك شرفي، والافتقار إلى غيرك مذلَّة لا أذِلُّ بها؛ بل أنا غنيٌّ بك، فقيرٌ إليك.
فلا فقير أفقر منا إليك، ولا غني أغنى منك عنا.
قال: "إذا كُوشفوا بأسرار.. أعطتهم الاستغناء به، والاعتراف بقربه، وإذا وقفوا على ضعف خلقيتهم وذلَّة عبوديتهم.. أعطتهم أن الافتقار لهم أصلٌ" -ثابتٌ راسخ- "والذلَّة لهم وطن". قال الله عن الملأ الأعلى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28].
وطنهم الذل؛ ضروري لكل مخلوق كائنًا ما كان، ومن لم يعرف ذلك فسوف يُقمع بغَيرةِ الجبَّار بأسياط الغَيرة فيُذلُّ ويُخزى في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- "الكبرياءُ رِدائِي، والعَظمةُ إِزارِي، فمَنْ نازعَنِي واحِدًا مِنهُما قذَفْتُهُ في النارِ".
رضي الله عنه، إلى أن قال:
"أَنْتَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَمَا جَهِلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الَّذِي تَعَرَّفْتَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَرَأَيْتُكَ ظَاهِراً فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ فَأَنْتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ"
"أَنْتَ الَّذِي لَا إِلَهَ" يقصد، ولا ربَّ يعبد "غَيْرُكَ" إذ الغير متوجِّه إليه، ومُقبِل بالطوع والإذعان بين يديه، ينادي بلسان افتقاره، ويفصح عن فاقته واضطراره: "تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ" بما أنت متجلٍّ به عليه، ومتعرِّف بالاقتدار عليه، "فَمَا جَهِلَكَ شَيْءٌ"، بل مسبِّح ومنزِّه وموقِّر ومعظِّم بقولك: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44]، وبقولك: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [البقرة:74].
"تَعَرَّفْتَ إِلَيَّ" خاصة بما وهبتني من سرِّ معرفتك؛ فما جهلتك في شيء بجمالك وجلالك، وفضلك وعدلك "حتى رَأَيْتُكَ ظَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ" بالحكم والقدرة والقيام والأمر،" فَأَنْتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ" بالقدرة القاهرة، والمشيئة النافذة، والمحجة الظاهرة بالأفعال والصفات، الباطن عنها بالكنه والذات، ولي في ذلك:
أنت الإله الذي لا مثل يشبهه *** ولا نظير من الأنداد حاشاهُ
لكل شيء تعرف بالذي ظهرت *** من سرِّ قدرته تبارك اللهُ
"يَا مَنِ اسْتَوَى بِرَحْمَانِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، فَصَارَ الْعَرْشِ غَيْبًا فِي رَحْمَانِيَّتِهِ؟ كَمَا صَارَتِ الْعَوَالِمُ غَيْبًا فِي عَرْشِهِ"
العرش: مستوى الرحمة التي وسعت الأشياء، وأبرزت العوالم من ظلمة العمى، وهي صفةٌ من صفات الله، إليها ينتهي مجموع أسرار الصفات، فلها السبق على التفصيليات والإجماليات، ومنها ظهر اختراع سائر الأكوان المُلْكيات والملكوتيات والجبروتيات.
والعرش: سقف العوالم العلويات والسفليات، والحسيات والمعنويات، والجسمانيات والروحانيات، وهي من العلم الأزلي كالصورة، والعلم روحها، والعرش من جملة الأركان، وهو غيب فيها لسعتها، ولها الأصالة، والفرع عن الشيء يكون غيبًا فيه لا محالة، وهو مجْلاها ومحل ظهورها واستوائها.
وسائر الأكوان غيبٌ في العرش؛ لأنها مصرَّفة له ومندرجة تحت سعته، وبوجوده ظهرت حكمة الله بإبراز كل ذي جسمٍ وروحٍ في هذا التجلي العرشي، الذي هو مجلى مجموع السبع الصفات، المعبَّر عنه بروح القدس، فالأكوان غيبٌ فيه، كما أنه غيبٌ في الرحمة، والرحمة صفة ذاتية، فاسم الرحمن تدخل تحته الأسماءُ الإيجادية، ولي في ذلك:
فيا الذي هو رحمان فرحمته *** بالاستوا صار عرش الله غيب هبا
كما العوالم فيها وهو مظهرها *** دور فذاك لفعل الله منتسبا"
"أَنْتَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُكَ" يُقصد، ولا ربَّ يعبد "غَيْرُكَ" إذ الغير متوجِّه إليه، ومُقبِل بالطوع والإذعان بين يديه"، لاإله إلا الله.. كل شيء في الوجود هذا وصفه، وهذا حكمه، متوجّه إليه، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة:148]، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88].
وقال: ووجهة كل شيءٍ لمولاه، لا يَشِذُّ عن ذلك إلا القصدُ والإرادة من قلب الفاسق والعاصي والكافر من الإنس والجن فقط، يَشِذُّ عن قصد مولاه؛ عنادًا وجحودًا فيُقصم ويَهلَك، وإلَّا كل شيء متوجه إلى مولاه، خاضع لمولاه، مسبح بحمد مولاه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
قال: "ينادي بلسان افتقاره، ويفصح عن فاقته واضطراره: "تَعَرَّفْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ" بما أنت متجلٍّ به عليه، ومتعرِّف بالاقتدار عليه، "فَمَا جَهِلَكَ شَيْءٌ" (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الاسراء:44]"، قال: "بل مسبِّح ومنزِّه وموقِّر ومعظِّم بقولك: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الاسراء:44]"
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ) -أي: ما من شيء- (إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الاسراء:44]، "وبقولك: (وَإِنَّ مِنْهَا) -أي: من الحجارة- (لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [البقرة:74]" جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وهذا تعرُّفه إلى كل شيء بما تجلى به عليه وتعرَّف بالاقتدارعليه، وهذا المقدار الذي أعطاهم إياه -سبحانه وتعالى- وأين هو من حقيقة الإله؟.. ولكن هذا الذي يَقْوَون عليه ويحملونه من سر معرفته سبحانه وتعالى، ولكن أخصُّهم معرفة بعد ذلك العقلاء؛ الإنس والجن والملائكة، فهؤلاء أوسع معرفة بالله تعالى؛ لأنه تجلَّى عليهم بما لم يتجلَّ به على أولئك؛ بقية الكائنات وتعرَّف إليهم أكثر، فلهم استعداد للنصيب الوافي من معرفته.
ومع ذلك كله فأين معرفتهم جميعًا من حقيقة الله جلَّ جلاله؟! هو أكبر من ذلك وهو أجل وأعلى؛ ولكن هذا غاية ما يحوزون به الشرف ويقوون ويقدرون على احتماله من معرفته سبحانه وتعالى، وإلَّا فلو كَشفَ الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء -لا إله إلا الله- وما بقي شيء! (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:143]. ولكنَّه بالفضل، وجعل الحُجب بينه وبين العباد حتى يستقيم لهم بقدرته وإرادته حياةٌ وحركات وشؤونٌ إلى مستوياتٍ وإلى حين، لا إله إلا الله.
وأعظم ما تجلَّى به:
ويستمر لأهل الجنة امتداد تعرُّفه لهم بلا نهاية، ومع ذلك كل ما ينتهون إليه هو صغير بالنسبة لحقيقته ومعرفته وهكذا بلانهاية.
"تَعَرَّفْتَ إِلَيَّ" خاصة بما وهبتني من سرِّ معرفتك"، وبما هيأتني بنفخك، بقولك: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]، قال: "حتى رَأَيْتُكَ"؛ أي: رأيت آثار عظمتك وألوهيتك "ظَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ"
واشهدْ جمالًا أشرقتْ أنوارُهُ *** في كلِّ شيءٍ ظاهرًا لا خافي
"حتى رَأَيْتُكَ ظَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ" بالحكم -والإردة- والقيام والأمر، "فَأَنْتَ الظَّاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ" بالقدرة القاهرة، والمشيئة النافذة"، "الباطن عنها بالكُنهِ والذات"؛ أي: بالحقيقة والذات.
"اسْتَوَى بِرَحْمَانِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، فَصَارَ الْعَرْشِ غَيْبًا فِي رَحْمَانِيَّتِهِ؟ كَمَا صَارَتِ الْعَوَالِمُ غَيْبًا فِي عَرْشِهِ"، وللعرش معنيان:
"إليها ينتهي مجموع أسرار الصفات، فلها السبق على التفصيليات والإجماليات، ومنها ظهر اختراع سائر الأكوان":
فالجبروت بين الملكوت واللاهوت، والملكوت باطن الأشياء، والمُلك ظاهر الأشياء، ويسمى هذا عالم المُلك، ووراءه عالم الملكوت، وفوقه عالم الجبروت وهو الباب إلى عالم اللاهوت.
"والعرش: سقف العوالم العلويات والسفليات، والحسيات والمعنويات، والجسمانيات والروحانيات، وهي من العلم الأزلي كالصورة، والعلم روحها، والعرش من جملة الأركان، وهو غيبٌ فيها لسعتها، ولها الأصالة، والفرع عن الشيء يكون غيبًا فيه لا محالة، وهو مجْلاها ومحل ظهورها واستوائها.
وسائر الأكوان غيبٌ في العرش؛ لأنها مصرَّفة له ومندرجة تحت سعته"، (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [البقرة:255]، والعرش فوق الكرسي -لا إله إلا هو- فإذا كان الكرسي وسع السماوات والأرض، فكيف بالعرش؟ ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع ألقيت في الكرسي لكانت كسبع دراهم ملقاة في فلاة؛ صحراء؛ كم سعة سبع دراهم عند فلاة؟ صحراء كبيرة؛ ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي ألقيت في جنب العرش لكانت كسبع دراهم ملقاة في فلاة، واستوسع مملكة الله سبحانه وتعالى...
إذًا فالعرش بمعناه الظاهر ومعناه الغيبي ذو سعةٍ عظيمةٍ استوعب ظاهره فضلًا عن معناه وباطنه جميع شؤون هذا الوجود والعالم، الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات، وكلها منقوشة فيه، وكلها مدبَّرة منه، وبأمره وبما يبرز فيه من إرادة الله الفعّال لما يريد سبحانه وتعالى.
رضي الله عنه، إلى أن قال:
"مَحَوْتَ الْآثَارَ بِالْآثَارِ، وَمَحَوْتَ الْأَغْيَارَ بِمُحِيطَاتِ أَفْلَاكِ الْأَنْوَارِ"
محو الآثار: هو اضمحلالها واندراجها، فالجنة والنار والسماوات وسائر الأقطار آثار، وكلها بالإضافة إلى العرش وسعته متلاشية، والعرش غيرٌ كما علمت، وهو ممحوٌ بأنوار الصفات العلية والتجليات الأزلية، وفلك العرش: هو الفلك الأطلس الذي لا ينتهي سيره في الدنيا ولا في الآخرة، وسائر الأفلاك تدور بدورانه.
وأفلاك الأنوار: هي الأسماء الحسنى، وأفلاك الأقطار: هي ما دون الأثير إلى الثرى، وهنا أسرار لا يجوز إذاعتها، ولي في ذلك:
محقت كل وجودٍ في الوجود إذا *** كل الوجود إلى العرش المجيد هبا
والعرش في رحمة الله الإله كذا *** محوٌ فلا يأتينَّ الخلق منه نبا"
يقول: "مَحَوْتَ الْآثَارَ بِالْآثَارِ"؛ يعني: يضمحل بعضها في بعض، ويندرج بعضها في بعض.
"الجنة والنار والسماوات وسائر الأقطار آثار، وكلها بالإضافة إلى العرش وسعته متلاشية"، فمحوت الآثار بالآثار، "والعرش غيرٌ كما علمت، وهو ممحوٌ بأنوار الصفات العلية والتجليات الأزلية.
وفلك العرش: هو الفلك الأطلس الذي لا ينتهي سيره في الدنيا ولا في الآخرة، وسائر الأفلاك تدور بدورانه"، فسبحان الرحمن، (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [طه:5].
فبأسرار إرادته وقدرته والمنبلجة في رفيع العرش وما يدور فيه وما يدور به من جميع ما سواه آياتٌ بديعاتٌ عظيمات كلها تدل على عظمة المبدع المكون العظيم جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وترى هذه العوالم الجسمانية كلها إذا نَسبتَها إلى عالم الروح تلاشت وصارت لا شيء، وعالم الأرواح كذلك كلها إذا نَسبتَها بعد ذلك إلى أسرار الربوبية والألوهية مع الجنة والنار تلاشت، فإذا نسبتها إلى العرش تلاشت في العرش، والعرش وما فيه من كل ما يجري فيه صفاتٌ من صفاته؛ فهو ممحوٌ أيضًا بمحيطات أفلاك الأنوار.
قال:
هذه أفلاك الأقطار، "وهنا أسرار لا يجوز إذاعتها"، فالكائنات كلها في حكم المُكوِّن، وتحت إرادة المُكوِّن وقدرة المُكوِّن وتصريف المُكوِّن الحي القيوم جلَّ جلاله وتعالى في علاه؛ وهو لا شبيه له ولا مثيل له ولا نظير له، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11] سبحانه وتعالى، لا سبيل إلى معرفته إلا بما يفتح من مدارك العجز؛ العجز عن معرفته.
والعجز عن دركِ الإدراكِ إدراكُ
فبانفتاح هذا الباب والفهم في الإدراك بالعجز تقوَى المعرفة وتتسع، ويقول قائلها:
زِدْني بفَرْطِ الحُبِّ فيك تَحَيّرا ***………………...
زدني، فهذه الحيرة هي نهاية المعرفة.
وَلَيْسَ لِعَيْنِ الْكَشْفِ يَا صَاحِ مُنْتَهَى *** سِوَى حَيْرَةٍ فِي حَيْرَةٍ ضِمْنَ حَيْرَةِ
ومن عرف أكثر، تحيَّر أكثر.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"يَا مَنِ احْتَجَبَ فِي سُرَادِقَاتِ عِزَّهِ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ"
"العزة: وصفٌ يقتضي اضمحلال ما سواه، وفناء كل ما عداه، والسرادق: هو كل ما يحتجب به من محرقات الأنوار، وَوَردَ: "حجابه النار"، وكل منيع الوصل يسمى عزيزًا، والعزيز: هو الذي لا يجوز على الخواطر الارتقاء إلى مناله، ولا يتصوُّر لذي فهمٍ أن يقصد تصوره بتكييف، بل إيمانٌ بوجوده بلا كيف ولا أين، ولي في ذلك:
يا من كذا في حجاب العز ممتنع *** فلا إلى دركه بالكيف تصوير
أنت الذي في جنان الخلد تتحفنا *** برؤية لا يُشِبْها ريبُ تغرير
"يَا مَنْ تَجَلَّى بِكَمَالِ بَهَائِهِ فَتَحَقَّقَتْ عَظَمَتَهُ الْأَسْرَارُ"
كمال البهاء: هو ما تجلَّى به لقلوب أوليائه من بديع لطفه حتى عرفوه، وبتلطُّفه عُرِفَ، وبقدر ما يدنو يكون اللطف أرق.
"كَيْفَ تَخْفَى وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؟ أَمْ كَيْفَ تَغِيبُ وَأَنْتَ الرَّقِيبُ الْحَاضِرُ؟! وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ"
ثم أخبر عن إفاضة الألطاف عليه حتى شهده ظاهرا، وتعجَّب ممن يظن غيبته، والرقيب: هو المراقب لخطرات الباطن ولمحات النواظر، بقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) [غافر:19]، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33] بمعنى حاضر على كل نفس بما كسبت.
"وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ" لما هو الحق عنده والمقبول لديه، "وَبِهِ أَسْتَعِينُ" وهو خير معين، والتوفيق في الأعمال البدنية والنيات القلبية.. إنْ وافقت ما هو الحق عند الله، والاستعانة.. في كل أمر باطنًا وظاهرًا. واللہ أعلم".
والله أعلم، وهذا ختم الكتاب.
يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في مناجاته: "يَا مَنِ احْتَجَبَ فِي سُرَادِقَاتِ عِزَّهِ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ"، يقول سبحانه وتعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام:103] جلَّ جلاله.
فالعزة بالمعنى الكامل له وحده؛ ومنها أنه لا يستطيع أن يحيط به شيء، هو وحده ما حد غيره، والعزة له -سبحانه وتعالى- وأما كل شيء غيره فمُحاطٌ به من قِبله؛ عزته تنتهي إلى حد محدود.
الخلق هذا كله معزوز ومذلول ومُؤتَى ومنزوع، وأما المُلك والعزَّة بالمعنى الكامل له وحده، له وحده، له وحده جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
قال: "السرادق: هو كل ما يحتجب به من محرقات الأنوار، وَوَردَ: "حجابه النار""، جاء عند الإمام أحمد وغيره من كتب أهل السنة في حجابه سبحانه وتعالى، وفي رواية: من نور، "سبعونَ حجابًا من نورٍ"، "لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ"، وهو كل شيء من الكائنات، ما شي بيثبت، ولا عاد بيبقى لا جنة ولا نار ولا عرش ولا كرسي، ولكنه سبحانه يتجلى بقَدرْ، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]، لا إله إلا الله.
"وكل منيع الوصل يسمى عزيزًا، والعزيز: هو الذي لا يجوز على الخواطر الارتقاء إلى مناله، ولا يتصوُّر لذي فهمٍ أن يقصد تصوره بتكييف"؛ هذه العزة المطلقة لله "بل إيمانٌ بوجوده بلا كيف ولا أين".
"يَا مَنْ تَجَلَّى بِكَمَالِ بَهَائِهِ فَتَحَقَّقَتْ عَظَمَتَهُ الْأَسْرَارُ"؛ الأسرار تحققت بعظمته، خضعت، وذلَّت، وسجدت، ودام سجودها.
قال: "كمال البهاء: هو ما تجلَّى به لقلوب أوليائه من بديع لطفه حتى عرفوه، وبتلطُّفه عُرِفَ، وبقدر ما يدنو يكون اللطف أرق". لا إله إلا الله.
"كَيْفَ تَخْفَى" -يا إلهي- "وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؟" فوق كل شيء. "أخبر عن إفاضة الألطاف عليه حتى شهده ظاهرا، وتعجَّب ممن يظن غيبته".
"كَيْفَ تَخْفَى وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؟"
وقال: "والرقيب: هو المراقب لخطرات الباطن ولمحات النواظر، بقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر:19]، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33]".
"كَيْفَ تَغِيبُ وَأَنْتَ الرَّقِيبُ الْحَاضِرُ؟!" سبحانه! الحمد لله الشهيد الحاضر.
"وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ" جلَّ جلاله.
"الْمُوَفِّقُ" لما هو الحق عنده والمقبول لديه، "وَبِهِ أَسْتَعِينُ" وهو خير معين، والتوفيق في الأعمال البدنية والنيات القلبية.. إنْ وافقت ما هو الحق عند الله -تعالى- والاستعانة.. في كل أمر باطنًا وظاهرًا".
فيا رب أمدنا بالتوفيق والعون، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5]، لا إله إلا أنت سبحانك.
الإمام ابن عطاء الله السكندري، والإمام الشيخ علي بن عبد الله باراس، وشيخه الإمام عمر بن عبد الرحمن العطاس، وأهل قربهم ومن اتصل بهم، ووالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، يرفع لهم الدرجات، ويجمعنا بهم في أعلى الجنة وهو راضٍ عنا، ويصلح الظاهر والباطن والحس والمعنى، يكفينا ما أهمَّنا من أمر الدارين، وما أذنبنا وما هو أعلم به منا، ويختم لنا بأكمل الحسنى، ويفرج كروبنا وكروب المسلمين في المشارق والمغارب، ويختم لنا بأكمل الحسنى في لطفٍ وعافية، ويرزقنا النصيب الوافي من محبته ومعرفته وقربه في لطفٍ وعافية، مع صلاح الشؤون الظاهرة والخافية. وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الْحَمْدُ لِلّهِ الشَّهِيدِ الْحَاضِرِ *** الْوَاحِدِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ الْغَافِرِ
منْشِي الْبَرَايَا كُلِّهَا وَمُعِيدِهَا *** بِالْبَعْثِ فِي الْيَوْمِ الْعَبُوسِ الْآخِرِ
ومخلِّدِ الأبرارِ في جنَّاتِهِ *** وجوارِهِ في خيرِ عيشٍ ناضرِ
خلِّدنا معهم يا رب.
وَمُخَلِّدِ الْفُجَّارِ فِي نِيَرَانِهِ *** وَجِوَارِ إبْلِيسِ اللَّعِينِ الْخَاسِرِ
سُبْحَانَ رَبِّكَ مِنْ عَظِيمٍ قَادِرِ *** مُتَصَرِّفٍ في أَوائلٍ وَأواخِرِ
كُلُّ الْخَلَائِقِ سَاجِدُونَ لِوَجْهِهِ *** طَوْعًا وَكُرْهًا بِالْأَصيلِ وَبَاكِرِ
مَلَأَتْ بَدَائِعُهُ الوجودَ وَأَشْرَقَتْ *** أَنُوَّارُهُ بِظَوَاهِرٍ وَسَرَائِرِ
خَصَّ الرِّجَالَ الْعَارِفِينَ بِقُرْبِهِ *** وَبِأُنْسِهِ أَهْلَ الْمَقَامِ الْعَاشِرِ
شُغِفُوا بِهِ وَاِسْتَغْرَقُوا فِي ذِكْرِهِ *** طُولَ الزَّمَانِ بِكُلِّ رَوْحٍ طَائِرِ
مِثْلُ الشَّرِيفِ السَّيِّدِ الْغَوْثِ الَّذِي *** يُسْمَى إِذَا يُدْعى بِعَبْدِ الْقَادِرِ
عبدالقادر الجيلاني عليه رحمة الله.
وَالْعَارِفِ الْقُطْبِ الْمُقَدَّمِ فِي الْوَرَى *** شَيْخِ الشَيوخِ الْمُسْتَقِيمِ الصَّابِرِ
محمدِ بنِ علي باعلوي.
وَالْحُجَّةَ الْغَزَالِ أُسْتَاذِ الْمَلَا *** مُحيي عُلومِ الدينِ كمْ مِنْ داثرِ
محمد بن محمد بن محمد الغزالي.
وَاِبْنِ الرِّفاعي أَحْمَدَ الْحِبْرِ الَّذِي *** قَدْ كَانَ كَالْْبَحْرِ الخِضَمِّ الزَّاخِرِ
هَذَا وَكَمْ كَمْ غَيْرِهِمْ مِنْ سَادَةٍ *** مِمَّنْ تَصَوَّفَ فِي الزَّمَانِ الْغَابِرِ
فَاللهُ يَنْفَعُنَا وَيَحْفَظُنَا بِهُمْ *** مِنْ شَرِّ كُلِّ مُخَالِفٍ وَمُناكرِ
يَا رَبِّ وَاِخْتِمْ بِالْيَقِينِ وَتَوْبَةٍ *** مَقْبُولَةٍ لِأَصَاغِرٍ وَأكَابِرِ
ثُمَّ الصَّلَاَةُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ *** مَا لَاحَ بَرْقٌ فِي سَحَابٍ مَاطِرِ
وَالآلِ وَالصَّحْبِ الْكِرَامَ وَتَابِعٍ *** مِنْ كُلِّ صَبَّارٍ مُنِيبٍ شَاكِرِ
وبقي لكم من مرتبات الدورة هذه، لهذا العام الثانية والثلاثين، مجمع ما بين المغرب والعشاء، وما بعد العشاء في مجلس الختم، والله يفتح فيه أبواب الكرم للحاضرين وللسامعين والمشاهدين وللمحبِّين وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء والأموات، ومن مضى ومن هو حاضر ومن يأتي إلى يوم الميقات، ولأهل الأرضين والسماوات والعوالم كلها، يا كريم أكرمنا، واجعلها ليلة من أبرك الليالي، يصب علينا فيها غيثك الفيّاض الهطّال المتوالي، كما أنت أهله بما أنت أهله يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
و كتاب الحكم العطائية وشرحها للشيخ علي بن عبد الله باراس -عليه رحمة الله تعالى- وما تعلق بذلك من كتب أهل الذوق والشوق؛ لكم الإجازة في قراءتها وتدبر ما فيها وتكرار النظر فيها وحمل النفس على العمل بما فيها، أكرمنا الله وإياكم.
يبارك لنا في ذلك الاتصال، ويذهب عنا -سبحانه وتعالى- كل عائق يحول بيننا وبين مشاهدة ومطالعة سنا ذاك الجمال، ويرفعنا أعلى مراتب الإقبال، وكمال القبول مع العطايا الجزال، والمِنح الغوال، وأن الله يجعلها من أبرك الليالي والأيام علينا، ويجعلها من أبرك المجالس علينا وعليكم، ويحسن لنا خاتمة هذه الدورة، وينظر إلينا بنظرة، وينظمنا في سلك أهل الهدى والمسرة؛ مِن أهل البصائر وأرباب السرائر، ممن صفَّاهم الله ورقَّاهم للمقام العاشر، ويصلح أحوالنا وأحوال الأمة أجمعين، ويختم لنا بالحسنى وهو راضٍ عنَّا في لطفٍ وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 ربيع الثاني 1448