(489)
(639)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الأربعاء 13 ربيع الأول 1448 هجري.
وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَتَّى اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ
ماذا وَجَدَ من فَقَدَكَ؟! وماذا فَقَدَ مَن وَجَدَكَ؟!
لقد خابَ مَن رضي عنكَ بَدَلاً، ولقد خَسِرَ مَن بغى عنكَ مُتَحَوَّلاً، وَخَيْبَتُهُ ظَاهِرَةٌ ،وَتِجَارَتُهُ بَائِرَةٌ
إلهي؛ كيفَ يُرْجَى سِوَاكَ وأنتَ ما قَطَعتَ الإحسانَ؟! وكيفَ يُطْلَبُ مِن غَيرِكَ وأنت ما بَدَّلتَ عَادَةَ الامتنانِ؟!
يا مَن أذاقَ أَحِبَّاءَهُ حلاوةَ مُؤَانَسَتِهِ فَقَامُوا بَينَ يَدَيهِ مُتَمَلِّقِينَ.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَتَّى اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ"
"أنت الذي سقت لهم الهداية إلى سبيل الولاية، وحصلت منك لهم الرعاية، حتى استقاموا على صراط العناية، ولم تزل لهم حافظًا وبهم ملاطفًا، حتى ظهر لهم سر وحدانيتك، وحصلوا في مقام فردانيتك، وكحلت أبصار بصائرهم بنور معرفتك، فشهدوك لهم قريبًا، وأظهرت سر لطفك بهم، فاتخذوك حبيبًا، ولي في ذلك:
أنت الذي أعطيت أنوار الهداية في *** ما هوْ مرادك من غي ومن رشد
هديت قومًا إلى التحقيق فنظروا في *** علم الإله وما يحويه من مدد
فإذا تحقَّق المريد بمقام التوحيد، وفنيت عنه كثرة التعديد، وشهده منه إليه أقرب من حبل الوريد. غنيَ به عن الأغيار؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
"مَاذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ؟ وَمَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟!"
وجود الأغيار والافتقار إلى الآثار دليلٌ على انطماس البصائر وذهاب نور الأبصار، (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]، فالحق ليس بمقصود، بل هو الموجود دون كل موجود، والحاضر عند كل شيء، والشاهد على كل مشهود.
فما تفيض فائضة، ولا تنطق لسان لافظة.. إلا كان عليها شاهدًا، ولها محصيًا حافظًا، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ…) [يونس:61]، فصحَّ أن فقدان وجود الحق غاية العمى، ومنتهى الفقد، وغاية الطرد.
وماذا فقد من الأشياء العدمية من وجد الحق له حافظًا، ولديه حاضرًا، ومنه قريبًا، وله حبيبًا، ولسقمه طبيبًا، ولدعائه مجيبًا، وبتوليه له واقيًا، ولفاقاته كافيًا؟! فلا تغنيه عنه الأعراض، ولا تسده دونه الأغراض، بل يكون وقفًا عليه، لا يستغني عنه بالأعيان، ولا يكفيه دونه سائر الأكوان، ولا يلهى عن محبته بإنس ولا جان، ولا يفتقر بعد وجوده إلى الأغيار، ولي في ذلك:
ماذا وجَدْ من فقَدْ نور الإله وما *** يغنيه عنه جميع الكون والصور
ومن وجَدْ ذاك نال الكل فيه فما *** غير الإله وجود ثم معتبر
ثم لما بيَّن حال الواجدين لله، المغتنين بوجوده دون سائر الأكوان، وخسارة أحوال المحجوبين عنه بكثائف الأغيار، والمطموسين في ظلم الآثار.. فقال مبيِّنًا لأحوالهم، وذامًّا لسوء مقامهم، فقال:
"لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ عَنْكَ بَدَلًا، وَلَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلًا، وَخَيْبَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَتِجَارَتُهُ بَائِرَةٌ"
مَن رضي واختار عنك بدلًا، فليت شعري؛ ما يعيضه بوجود سيده؟! وما الذي يروي صدى قلبه إذا فقد شهود ربه؟ فلكل شيء بدل غيره، ولكل شيء عوض، ولا يعيض عنه شيء، قال القائل في ذلك:
لكل شيء إذا فارقته عوض *** وليس لله إن فارقت من عوض
فلا حرمنا وصال الاتصال به *** ففيه عافية ما بعدها مرض
والخسارة: وقوع النقص عند التعرض للربح، وأي صفقة أخسر، وتجارة أبور ممن ابتغى عنه متحول، ومن محالِّ قربه تنقَّل؟! وكل طالبٍ لغيره كذلك في خيبة وخسارة، وبوار تجارة".
الحمد لله الحي القيوم المَلِك الواحد الذي بيده ملكوت كل شيء، غَيبُ الغيوب والربُّ وكلُّ ما سِواه مَربوب، منه المبتدأ وإليه المنتهى، حيٌّ قيومٌ بيده الأمر كلُّه، وإليه يرجع الأمر كلُّه، فاز أعلى الفوزِ من نالَ قُربَه ورِضوانَه، فأفاضَ عليه جُودَه وامتِنانَه، وخابَ كل الخيبة من أعرَض عن هذا الإله، ومن ظنَّ أن يكفيه شيءٌ عنه مِن كل ما عداه، فعاش في وهمه مُلقىً في خيالات باطلات، حتى إذا انكشفت الحقائق عضَّ أصابع الندامات، ولا تنفع الندمات.
ألا لا سعيد إلا مَن اتصل بالمُبدئ المُعيد الفَعال لما يُريد ورضي عنه الربُّ المجيد، ألا لا فائزَ إلا مَن فاز برضوانه وأسكنه فسيح جنانه، ألا لا مُطمئنَ إلا من عَرَفَهَ فاطمأن بذكره وقام في محراب شكره.
فلا حقائق للفوز ولا السعادة ولا الطمأنينة ولا السرور ولا الأُنس والحبور إلا في معرفة الإله العزيز الغفور، والقُرب منه والقيام بحقه -جلَّ جلاله-، هذه الحقيقة وما سواها تَخيلات ومفاسد باطلات، يقول تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39].
فَهُم في الدنيا أوهَموا كَثيرًا من الشباب و الناشئة أن مُتَعَهُم في تَقريب الشهوات، ومهما كانت محرمات، ففتحوا لهم أبواب المخدرات، وأبواب الفواحش الموحِشات، وأبواب السرقات، وأبواب التطاولات، فما أدرك أحدٌ منهم حقيقة لذائذ، ولا طمأنينة، ولا سكينة، ولا سعادة، يُنَفِّذ ما يُنَفِذ مِن أهوائه وشهواته، ويَشرَب ما يَشرَب من مُسكراته، فيتضاعف الألم الذي كان فيه، والهم الذي كان فيه، والكدر الذي كان عليه ويزداد، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
يَقضي ما يَقضي مِن الشهوة ويَقوم وكآبته وحزنه أشد مما كان، يَطلُبون الشيء مِن غَير مَحَلِه، فَيَصير مَثَلهُ مَثَل الذي يُريد نار يوقد بها يقولون له: أين؟ يروح في البحر، يدخل في البحر، يقول: بسم الله، هات لنا نار! قال: نار، أدخل بتجيك! دَوّر بتحصل لك نار! دوّر أدخل، نار وسط البحر يا مجنون! هذا مُضاد، الماء مُضاد لِنار، ما يجي نار وماء مرة، دوّر لها في مكان ثاني، ما هو في وسط المياه، ما يوجد النار وسط المياه، وهكذا ما توجد السعادة ولا الطمأنينة ولا السكينة في البعد عن الله والاستغراق بالغفلة، أبدًا ما توجد.
لم يُحَرِّم الحق -جلَّ جلاله- علينا إلا الخبائث، الخبائث ما فيها سعادة، الخَبائث ما فيها سرور، الخبائث ما فيها طمأنينة، الخبائث ما فيها شَرَف، الخبائث ما فيها رفعة، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:157]. فالذين انقَطَعوا عن ربهم -جلَّ جلاله- لا يُعيضُهُم شهوات، ولا يُعيضُهُم ثروات، ولا يُعيضُهُم منازل وقصور، ولا يُعيضُهُم مراكب وسيارات، ولا طائرات، ولا تُعيضهم عن هذا أسلحة فتاكة، ولا شيء.. ما شيء يُعيض عن الله، إذا فاتك ما حَصَّلت شيء، إذا فاتك ربك إيش حَصَّلت يا مجنون؟ أيش حَصَّلت وأيش أدركت؟ إذا فاتك هذا الإله أيش عَمِلت؟ أيش الذي حُزت وأيش الذي أَحرَزت؟ لا إله إلا الله! وهو مُعرِض عنك، وهو غاضب عليك، إيش معك؟ لن يفيدك لا مُلك، ولا ثروة، ولا مال، ولا أصدقاء، ولا أصحاب، ولا أسلحة، ولا مراكب، ولا ألعاب لا شيء، ما هناك شيء يُعَوِض عن الله أصلًا! في الله عِوَض عن كل هالِك وعن كل شيء، لكن ما في شيء غير الله عِوَض عن الله أصلاً، ما يتأتى.
فإذا أردت السعادة فاطلبه، واطلب القُرب منه، واطلب معرفته، واطلب محبته، واطلب رضوانه، يقول تعالى:
تريد أقاويل الكذب والباطل؟
ثم يَخطب لهم في الآخرة يُصَلّح خُطبة لكل مَن اتبعه، وصَدَّق تَسويلاته وتَخيلاته وإيهاماته، يقولون: هذا السبب يا ربنا، ولولا عدوك هذا لَكُنا اتبعنا رسلك، لَكُنا أطعناك، لَكُنا آمنا بك وقُمنا بشرعك لكن هذا الخبيث؛ ثم يقال: هاتوا إبليس؛ يا إبليس قالوا أنت السبب؟ فيضحك (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ)، يؤتى له بكرسي مِن نار بين الجنة والنار يقعد يُصَلِّح خُطبة في حقه المُشَيِّعين والأتباع الذين انتخبوه، مساكين اتَبَعوه.. (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) كلام الحَق الذي قاله الله و أرسل الرسل هذا هو الحق، وأعطاكم كلام صحيح واضح وقال لكم: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8]، وَعد حق مِن الله (وَوَعَدتُّكُمْ) أنا أتيت لكم بكلام ثاني (فَأَخْلَفْتُكُمْ) ما معي شيء ولا أقدر أُكافيكم وكذبت عليكم، (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ) أنا أكرهتكم؟ ولا بالقوة جئت بحبال في رقابكم؟ ما أكرهتكم.. (إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ)؛ أي: مُنقذكم، (وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) أنا وإياكم مرة مهدرين في عذاب وشدة وتعب وهذا هو حقنا، ايش الكلام هذا!! ما شيء إلا هو هذا.. (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ابراهيم:22] نعوذ بالله من العذاب الأليم.
لما يقرأ الآية ابن عباس يقول ضَحِك عليهم في الدنيا ويضحك عليهم في الآخرة! ويقول لهم: رَوِحوا، أنا أخذتكم بالقوة؟ ربي دعاكم وأرسل الأنبياء والرسل وخليتوهم، وأنا دعوتكم واستجبتم لي، والآن بتلوموني؟! عليكم اللوم، أنا كفرت بشرككم… ما في أمل مافي رجاء؟! أمل في إيش؟ أملتم في غير مُؤمَل، ورَجَوتُم غير مَرجو، وما معهم إلا النار؛ قال: أنا وإياكم فيها وخلاص.
ويرجعون إلى بعضهم البعض، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا)، أنا وإياكم مرة نار نار، خلاص عذاب عذاب، شدة شدة، لدغ لدغ، أغلال أغلال، سلاسل سلاسل، مقامع حديد مقامع حديد، نحن وإياكم مرة ضرب وشدة، لا شيء غيرها! (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:48]، يقولون لهم في موقف ثاني: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) [إبراهيم:21]، قالوا: لو نحن هدانا الله واتبعنا الأنبياء؛ أنتم تركتم الهُداة المهتدين وجئتوا وراءنا، واليوم تقولون (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) [غافر:47-48]، ما عاد شي، وهكذا (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ)، لا عاد بَنقِذكُم ولا بتنقذونا، هو ذا ما قاله الله هو الحق فقط؛ -لا إله إلا الله- اللهم قنا شر الشيطان و وسوسته وارزقنا الإقبال الصادق عليك.
يقول: "وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَتَّى اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ"، عَرَفوا يَتَبِعون رضوانك، ويطلبون رضوانك، بمخالفة نفوسهم وأهوائهم وتقويمها رحمة بها ومحبة لها، مَن يُحِب نفسه يُهَيئها لمعرفة الله، مَن يُحب نفسه يهيئها لكرامة أنبياء الله، لكرامة مُرافقة أنبياء الله، لكرامة مرافقة أصفياء الله، تحب نفسك؟ هيئها لذلك، فهيئها بِرَدِّ هواها وتقويمها على ما يُحِبُهُ مَولاها -جلَّ جلاله- ومجاهدتها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، تُخَلِدها في نَعيم مؤبد، إن كُنت تحب نفسك فهذا تَحقيق محبتها.
وهكذا يقول: إذًا أمامك معالِم ويهديك إليها الرب جلَّ جلاله، "فاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"، "فاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"، اطلبوا مني الهداية، اقبَلوا مني الأوامر وامتثلوها، وابتعدوا عن النواهي التي نَهيتكم عنها، واصدقوا في الإقبال عليّ، وأنا أُيَسِر لكم "مَن تقَرَّبَ إليَّ شِبرًا تقَرَّبْتُ إليه ذِراعًا" يا نِعمَ الرب ربنا! يا نعم الإله إلهنا! وضّح المعالم:
معالِم قدامك واضحة؛ امضِ، امشِ بسم الله الرحمن الرحيم، تَجِد جود ربك سبحانه وتعالى.
"ظهر لهم سر وحدانيتك، وحصلوا في مقام فردانيتك، وكحلت أبصار بصائرهم بنور معرفتك، فشهدوك لهم قريبًا، وأظهرت سر لطفك بهم، فاتخذوك حبيبًا"، ونِعمَ الحبيب ربنا، الله! ما أحد أحق أن نحبه قَبل ربنا.. يا مؤمنين يا عُقلاء، الإله الذي أوجد وأنشأ وبرأ وخَلَق ورَزَق، الجامع للكَمالات بلا نهاية سبحانه وتعالى، هو أَحَق أن نُحِبه مِن أي شيء آخر، ولا أنفسنا ولا شَرقي ولا غَربي ولا مهنة ولا وظيفة ولا دِيار، لا شيء أحق أن نحبه مِن هذا الإله، هو أحق أن نحبه، فيجب نصرف محبتنا إليه، ومن أجله نحب ما يُحِب، فَنُحَصِّل أول واحد محمد ﷺ، وهو أَحب مَن يُحِب، فيجب أن نكون نحن… يا رب وأنت في خلقك أحب واحد محمد؛ ونحن في الخَلق أحب واحد محمد ﷺ، لأنا عبيدك نحب مِن أجلك ونبغض من أجلك؛ هداهم واتخذوه حبيبًا -جلَّ جلاله- حينئذٍ يغنون ويفنون عن الأغيار.
يقول: "مَاذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ؟ وَمَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟!"، فالرُكون إلى المَظاهر الفانية، "والافتقار إلى الآثار دليلٌ على انطماس البصائر وذهاب نور الأبصار، (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]"، أما الذين نَظَروا إلى النبي محمد وأبصروا، مثل سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وسيدنا أبي الهيثم بن التيهان، وسيدنا أبي أيوب الأنصاري، وسيدنا سعد بن الربيع، هؤلاء لما نَظَروا إليه وأبصروا.. أَحبوا الله ورسوله قَبل كل شيء، ووفوا بالعَهد، وكانوا نماذج في العبودية لله وإقامة أمر الله، وكانوا قدوة لجميع الأمة؛ أما الذين نَظَروا إليه وهم يرونه يتيم أبي طالب وابن أبي كبشة، رضيع بني سعد، وما عرفوا قَدره عَمُوا وكَذَبوه وقاتَلوه- والعياذ بالله تعالى- لكن الذين نَظَروا إليه وأبصروا -الله أكبر- كيف حالهم؟
مثل بلال نَظَر إليه وأبصر… قالوا: كانوا يعذبوك في مكة في بطحائها في وقت شدة الحر وحتى يَنسَلِخ جلده أحيانًا مسكين ويظهر وَدَقه، ويقولون له: ما كنتَ إلا تُرَدِّد أحدٌ أحدٌ بصوتك هذا الشجي كأنك تغني، ما كنت تشعر بألم التعذيب؟ قال: خَلَطتُهُ بِحلاوة الإيمان فزادت حلاوة الإيمان، زادت حلاوة الإيمان على ألم التعذيب، سمعتَ؟ هذا أبصر! لما نَظَر و أبصر.. مسكين بعد وفاة النبي ما عاد طاب له الجلوس في المدينة، قال: كُلما أمشي في شارع أتذكر كنت معه في هذا المكان، عَدّى هنا، جلس هنا، يمر تحت الديار يقول: في اليوم الفلاني دخلت أنا وهو هذه الدار، أكلت معه في هذه الدار، ما قَدِر، يستأذن سيدنا أبو بكر: ائذن لي ما قدرت أجلس في المدينة، كل شيء يذكرني به، يقول يهيج شوقي ما أحمل ألم الفراق هذا!
راح إلى الشام ثم سنة ورأى الحبيب قال: يا بلال ما هذه الجفوة؟ أما آن لك أن تزورنا؟ وتحرك ورجع، وكانت قصته في المدينة المشهورة، ورجع وجاء وقت الموت وهو في الشام، وفي سكرات الموت في الدار، وأحست بموته زوجته قالت: واكرباه! سمعها ففتح عينه، قال: لا، بل واطرباه! واطرباه! طرب ذا الحين وقت الموت؟! غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه.
هذا نَظَر وأبصر..
ذاته الشريفة من جهة جسدانيته فاتت علينا لكن هذه روحانيته، هذه شريعته، هذا دينه، وهذه خلافته، أُنظر وأَبصر، تَشعر بما شعروا، تدرك ما أدركوا، حتى تذوق ما ذاقوا، وإذا كان ذلك مِنك، رافَقتَهُم هناك، رافقتهم هناك، هم قدامنا ينتظرون مَن يلحق منا كما قال الله عن الشهداء: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، قال: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) [آل عمران:169-171].
سيدنا عمر لما نظر وأَبصر تَعَلَّق بهذا الجَناب، وعَلِم محبة الله ومحبة رسوله وقَدَّمها على شهواته وعلى مُراداته -عليه الرضوان- حتى قاد الفُتوحات في الإسلام وَنشر الهُدى، وعند الموت بعدما طُعِن، يسأل مَن الذي قام بالطعن؟ قالوا له مجوسي أبو لؤلؤة، قال: الحمد لله ليس معه لا إله إلا الله يُحاججني بها يوم القيامة!
نادى عبد الله بن عمر -ولده- اذهب، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة قل لها إن أبي يَستأذنك أن يُدفن مع صاحبيه في الحُجرة عند النبي وأبو بكر؛ نَظَر وأَبصَر سيدنا عمر؛ ذَهَب لَما كَلَّم أم المؤمنين، قالت: قد كُنت أُعِدُّ هذا المَكان لنفسي، ولكن قد طَلَبَهُ أبوك أمير المؤمنين فقد طَيَّبت به نفسي لأمير المؤمنين، قل له يتفضل، احفروا له قبر عند النبي وعند أبي بكر؛ لما رجع سيدنا عبد الله بن عمر، كَلَّم سيدنا عمر وقال له: إنها رضيت وقالت كذا وكذا؛ تهلل وجهه وقال: الحمد لله لم يكن في نفسي شيء أهم من ذلك. أيش العقيدة حقهم هذه؟! أيش الشعور حقهم هذا؟! أيش الإحساس هذا عنده؟! أو قل ذا صوفي عمر بن الخطاب! لم يكن في نفسي شيء أهم من ذلك، أمير المؤمنين يقول: أهم شيء أنا سأدفن جنبه، تمام! الله الله الله الله…
ولكني أخاف يا عبد الله أن تكون قالت ذلك هيبة للإمارة، فإذا جهزتموني وصَلَّيتم عليّ فاحملوا جنازتي إلى عند الباب وقولوا لها إن عمر يستأذنك، ولا تقل أمير المؤمنين، قل لها إن عمر يستأذنك، فإن رضيت كان ما أَحبَبّتُهُ وإلا فادفنوني في البقيع عند المسلمين؛ فحملوا الجنازة وقالوا: يا أم المؤمنين عمر يستأذنك، قالت: قد طَيَّبتُ له ذلك حيًّا وميتًا -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- هذا نَظَر وأَبصَر، نَظَر وأَبصَر.
لكن الذين نَظَروا وما أَبصَروا، هذا أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط مساكين، وراحوا فيها بالضلال والكفر، حتى قامت الحُجة عليهم وخلود في النار، (سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) نعوذ بالله، (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [المسد:3-4] ولكن الذين نَظَروا فأَبصَروا حَيوا حياة المحبة لله والمعرفة بالله.
قال: "(وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]، فالحق ليس بمقصود، بل هو الموجود دون كل موجود، والحاضر عند كل شيء، والشاهد على كل مشهود.
فما تفيض فائضة، ولا تنطق لسان لافظة.. إلا كان عليها شاهدًا، ولها محصيًا حافظًا"، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:61-62]"؛ اللهم ألحقنا بهم، "فصحَّ أن فقدان وجود الحق غاية العمى، ومنتهى الفقد، وغاية الطرد".
أي شيء وجد من فقد الله، ومن وجد الله فأي شيء فاته؟ "وماذا فقد من الأشياء العدمية من وجد الحق له حافظًا، ولديه حاضرًا، ومنه قريبًا، وله حبيبًا، ولسقمه طبيبًا، ولدعائه مجيبًا -الله أكبر!-، وبتوليه له واقيًا، ولفاقاته كافيًا؟! الله الله الله الله الله!.. "فلا تغنيه عنه الأعراض، ولا تسده دونه الأغراض"، لا إله إلا الله، اللهم ارزقنا الوصول إليك، والقبول لديك، والإقبال الكلي عليك.
"لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ عَنْكَ بَدَلًا"،-لا إله إلا الله- "وَلَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلًا".
"مَن رضي واختار عنك بدلًا، فليت شعري؛ ما يعيضه بوجود سيده؟! وما الذي يروي صدى قلبه إذا فقد شهود ربه؟ فلكل شيء بدل غيره"، في الله عوض عن كُل هالك، وليس في شيء عوض عن الله، فـ "الخسارة: وقوع النقص عند التعرض للربح، وأي صفقة أخسر، وتجارة أبور ممن ابتغى عنه متحول"؛ بل كما قال الله تعالى في الذين ظفروا برضوانه وأحلهم في دار الفردوس، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف:107-108]، مايرضون يتحولون عن مكانهم، أين يروحون؟ أيش أحسن من ذا المكان؟ لأن فيه وجدوا رضوانه وقربه، فإذا وجدت ربك فبتروح عند مَن ثاني؟ بتؤثر مَن على غيره سبحانه وتعالى؟ بتروح إلى فين؟ يا رب أوصلنا إليك، يا ربنا أوصلنا إليك، يا رب قربنا إليك زلفى.
رضي الله عنه، إلى أن قال:
"ولي في ذلك:
خاب الذي عنك يرضى بدلًا فمتى *** يغنيه عنك وجود الهالك الفاني
و يا خسارة من يبغي التحوُّلَ عن *** قرب الحبيب فذاك المبعَد العاني
كيف التحول أم كيف الشطون وما *** يلقى بديلًا عن المولى ولا ثاني
فإذا كان لا غير مقصود، بل وجوده على الحقيقة مفقود.. تعجَّبَ المؤلف رحمه الله فقال:
"إِلهِي؛ كَيْفَ يُرْجَى سِوَاكَ وَأَنْتَ مَا قَطَعْتَ الْإِحْسَانَ؟! وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِكَ وَأَنْتَ مَا بَدَّلْتَ عَادَةَ الْاِمْتِنَانِ؟!"
الرجاء من غير الله من شأن المحجوبين، وعلامة البعد من رب العالمين، فالرجاء: هو تأميل أمرٍ يُترقَّبُ حصوله، ومن كان الله مشهوده.. فلا يكون لغيره في الحوائج مقصود، وشاهد حصول الآمال ونيل كل نوال.. دوام فيض الإحسان، فكيف يرجى غير من ألفت منه العوائد الجميلة والمنن الثقيلة؟!
وكيف تطلب من غيرك وغيرك لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟!
وأنت مع ذلك ما بدَّلت عوائد الامتنان، بل لم تزل المنن مديمة، والنعم لديهم مقيمة، فلا يكون الطلب من غيره -بعدما علمت ما هو عليه من عدم تبديل عوائد الامتنان- محمودًا، ولا يكون غيره لمهمات الأمور مقصودًا، ولي في ذلك:
ما يُرتجى غيرُ مَن بالفضل موصوفُ *** وعنده فائضُ الإحسان مألوفُ
وكيف تطلب مَن لم ترجَ منَّتُهُ *** دون الإله الذي بالفضل معروفُ
"يَا مَنْ أَذَاقَ أَحِبَّاءَهُ حَلَاوَةً مُؤَانَسَتِهِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِينَ"
حلاوة الأنس بالحب للمحبين تنسيهم كل نعيم، والأنس يقتضي انبساط المحب، وتدلِّي المحبوب؛ فهي لديهم ألذُّ من نعيم الجنان، والأنس للمحبين خاصة، ولهم في مقام الأنس آيات وصنوف إكرام وسبوغ إنعام؛ فمنهم من إذا أقيم فيه.. يقول: لو وضع السيف على مفرقي وشقَّني نصفين.. لم أجد لذلك ألمًا، حتى قال الجنيد -رضي الله عنه-: كنت في صغري أسمع ذلك من السَّري، وكنت أستبعد ذلك من قبلُ حتى وجدتُه أو كما قال.
والمؤانسة تقتضي القيام بين يدي الحبيب، فالقيام لا يكون حقيقة إلا للمستأنسين الذين غابت معالم الأكوان لديهم، وذهبت محاسن الألوان عن قلوبهم، فلم يروا غيره، فقاموا له بصدق العبودية بين يديه متملِّقين.
والتملُّق: هو التلطُّف والتودُّد للحبيب، ولا يحسن ذاك لغيره، ولي في ذلك:
يا مَن أذاق أولي الألباب خيرته *** شهْد الشهود وصافي الأنس في الأزلِ
قاموا له بين مشتاق ومكتئب *** وشاكٍ من ضنا الأشجان منتحلِ
فمقام المحبة يقتضي الأنس بالحبيب، ومقام التولِّي يقتضي الاستعزاز بالوالي العلي؛ لذلك قال:
"وَيَا مَنْ أَلْبَسَ أَوْلِيَاءَهُ مَلَابِسَ هَيْبَتِهِ فَقَامُوا بِعِزَّتِهِ مُسْتَعِزِّينَ."
ولبس الهيبة هي القاهرة لسائر الأعداء، ودامغة لباطل كل عنيد، وذلة لكل صادق مريد، والهيبة: هي ما يجده كل من واجههم من القهر على امتثال أمرهم، وتعظيم شأنهم وإن كانوا من الجهال العوام، والأجلاف الطَّغام؛ حتى الوحوش والأنعام، فإنها تدين لهم بالإجلال والاحترام، إلا من برز في حلة الجدال من أهل الزيغ والضلال؛ فإنه يتجاهل بهم ويغض عن مقامهم مع ما هو متحقق به من علو مراتبهم.
والعزة: هي رفع هممهم عن الأكوان، وتعلُّقُ مطالبهم بجناب سيدهم، واغتناؤهم به عن كل شيء سواه، وعدم طلبهم لغرضٍ إلا إياه، فهذا من عزة المؤمن المتصلة بعزة الله ونبيه؛ حيث قال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، ولي في ذلك:
يا مُلْبس السادة الأجناب هيبته *** القائمين بعز الله كل ولي
نجائب الكون أنصار لسُنَّته *** في كل وقت ونهج الحق معتدل
فلما تخلفت المظاهر الخلقية المسبوقة بالعدم بِلائِحِ أنوار القدم.. عرف الشيء من أصله، ورد الحق لأهله، فقال:
"أَنْتَ الذَّاكِرُ مِنْ قَبْلِ الذَّاكِرِينَ، وَأَنْتَ الْبَادِئُ بِالْإِحْسَانِ مِنْ قَبْلِ تَوَجُّهِ الْعَابِدِينَ، وَأَنْتَ الْجَوَادُ بِالْعَطَاءِ قَبْلَ طَلَبِ الطَّالِبِينَ، وَأَنْتَ الْوَهَّابُ لَنَا ثُمَّ أَنْتَ لِمَا وَهَبْتَنَا مِنَ الْمُسْتَقْرِضِينَ!!"
هكذا شأن الموحدين إذا كرعوا مناهل اليقين، وظهر لهم الحق المبين.. يرون أولوية الحق في سائر الأفعال؛ فالذكر من الذاكرين حسب ما سبق من ذكره لهم بما ذكروه، قال جلَّ من قائل: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]؛ أي: ذكري لكم حسب ما ذكرتموني، وهذا فيه رائحة إخبارعن ذكره لهم؛ لأن ذكره قديم، وهذا على حسب ما ذكرتموني.. أذكركم، فالقرآن قديم، وهم حادِثون: من أفعالهم وأوصافهم وذواتهم، وعلم الحق فيهم وبهم قديم، فهذا ذكره لهم قبل بروزهم من كتم العدم.
وبُدوُّ الإحسان كذلك أن أهَّلَهم لطاعته، وهيَّأهم لعبادته، وقرَّبهم لمحبته، وواجههم برحمته قبل توجههم وتعبدهم؛ فهو البادئ بالإحسان وفيض الامتنان قبل ظهور الأعيان، وانبراء الأكوان، ووجود الإنس والجان، بقوله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران:164]، بما وهبهم من نور الإيمان، وتنزيل القرآن على أكمل عالم الإنسان؛ محمد المصطفى من عدنان صلى الله وسلم عليه وتابعيه بإحسان، وإرساله إلى كافة الإنس والجان، وأهَّلَهم للزوم كلمة التقوى بقوله: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ) [الفتح:26].
فالذكر: ممَّا يختصُّ بالمقربين والصفوة الدائبين، والإحسان: ممَّا يختصُّ به أهل الإحسان المكاشفين بأنوار الصفات الشاربين عين اليقين، والعطاء: لأهل التلقِّي بالتلقين، والآخذين عن الوسائط بعد مشاهدة البراهين؛ وهم عموم المؤمنين، وعمَّار أصحاب اليمين، الآخذين في علم اليقين؛ فهم عالم الأفعال، ووراء أسجاف الحكمة منتظرون.
وهو البادئ بالعطاء كما يحكم بذلك الشرع والعقل من قبل طلب الطالبين؛ لأن العقل يحكم أن أفعال الحق لا تعلَّل بعلة، ولا تنال بفَعلة، فلا يكون طلب الطالب يوجد أمرًا لم يكن في علمه أنه لا يكون، وما كان في علمه أنه يكون.. فما يفيد الطلب وتكلُّف معاناة تعب السبب، والإضافات إلى النسب؟!
وأنت الوهاب جميع ذلك، والموصل إلينا ما هنالك، ثم رفعْتَ شأن الإنسان على سائر الأكوان، بأن نسبتَ إليه ما أنت واهبه، واستقرضتَ منه ما أنت موجده، ووعدتَه عليه بجزيل الجزاء، وتمام الفضل في العقبى، وتضعيف الثواب، في الدنيا والمآب؛
فأما في الدنيا: فبالخلَف الأكمل.
وفي العُقبى: بالجزاء الأوفى.
فالحمد لله؛ فما أعظم منَّته، وما أتم نعمته! يستقرض ما أعطاك، يثيبك عليه في عقباك، وتنال به الثناء عنده في إعطائه ما هو ملكه! ولي في ذلك:
ذكركْ تقدم ذكر الذاكرين وما *** يذكرك عبد فذاك الذكر منك بدا
يا بادئ الكل بالإحسان منك فما *** للطائعين من الإحسان منك يدا
أنت الجواد بإعطا الفضل منك كما *** بديت بالکل يا منَّان يا صمدا
ثم أنت تستقرض العبد الضعيف أما *** أنت الذي توجد الأعيان والمددا"
لا إله إلا الله، رزقنا الله وإياكم كمال الإيمان والمعرفة واليقين والقرب منه تعالى.
يقول: " إِلهِي؛ كَيْفَ يُرْجَى سِوَاكَ وَأَنْتَ مَا قَطَعْتَ الْإِحْسَانَ؟! وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِكَ وَأَنْتَ مَا بَدَّلْتَ عَادَةَ الْاِمْتِنَانِ؟!"، يقول: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم:34]، في كل طرفة عين لك نِعَم بالبصر وعلى عدد خلايا البصر؛ الألوف المؤلفة، ولك نِعَم بالسمع وعلى عدد خلايا السمع، ولك نِعَم بدوام المخ الذي فيك وعدد خلاياه، ولك نِعَم بلسانك وطعمه والنطق به، ولك نِعَم بأسنانك، كل سِن منها نعمة، وكل تركيبة له نعمة، وكل هيئة له نعمة، في كل لمحة، وبشفتيك نعمة، (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) [البلد:8-9].
وفي الهواء هذا المبسوط لك والأكسجين من أين جئت به؟ عسى ما هو من خزانة الحكومة ولا من عند الحزب والهيئة حقك ولا من عند أصحابك؟ جئت به من أين؟ مبثوث لك وميسر لك النفس من دون تعب، في كل يوم وليلة تتنفس كم؟ عشرين ألف! عشرين ألف.. كم نفس؟! ولا تعب ولا شي! لا إله إلا الله!..
ومبسوط لك في كل شعرة من شعر جسدك، كل ظفر من أظافرك نِعَم، وجهاز هضمك وجهاز التنفس حقك نِعَم، والطعام الذي تأكله نِعَم، والماء الذي تشربه نِعَم، والأرض مستقرة من تحتك، ولو تزلزلت رحتَ فيها، زلزال ثانية واحدة يبعدك عن الحياة ما عاد حد أنت، زلزال ثانية واحدة تروح فيها… مثبتة لك، (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) [النبأ:6-8]، (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]، وتروح لعنده تقول له: أعطنا.. وأعطنا.. شُف الإله المنعم عليك، الزمه يعطيك "ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ"، "إذا سَألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استَعَنتَ فاستَعِن باللهِ". غيره لا يملك له ولا لك لا ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
و"أَذَاقَ أَحِبَّاءَهُ حَلَاوَةً مُؤَانَسَتِهِ"، بما أعطاههم من معرفته ومحبته " فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِينَ".
يقول:
أنست أنس الأنسِ *** في مهرجان القدسِ
وأفنيت هيكل نفسي *** وقالبي وحِسِّي
وزال وهم اللبسِ *** وحندسات الحدسِ
بالبارق النوراني *** والوارد الرباني
ايش حسيت؟ قال:
يا ذا الذي ناداني *** وقت السحير أشجاني
نداه لي أسقاني *** من قرقفاه الهاني
أيش حصل لك؟ قال: تغيبت عن الوجود هذا كله!
سكرت به وأفناني *** عن كل ضد ثاني
من قاصي أو داني *** في العالم الجسماني
أنست أنس الأنسِ *** في مهرجان القدسِ
ومن أنِس بالرب هذا الأنس عاده يطلب إيش؟ وعاده يرى نعيم فوق هذا؟! قال: لو يعلم الملوك ما نحن فيه بالليل لجالدونا عليه بالسيوف، المساكين ظنوا هو ذا النعيم الذي عندهم، ظنوه هو النعيم، ما دروا بالنعيم الذي نحصله في خلواتنا مع الله وفي مناجاتنا لله في الليل. اللهم أذقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، ولذة مناجاتك.
يقول: "والمؤانسة تقتضي القيام بين يدي الحبيب، فالقيام لا يكون حقيقة إلا للمستأنسين الذين غابت معالم الأكوان لديهم"، قال: وإذا فتح الله لك بابًا من ذوق القيام بالليل تصير لا تصبر عنه، تصير ما تصبر عن القيام، ما تصبر! لا إله إلا الله.
يقول: " أَلْبَسَ أَوْلِيَاءَهُ مَلَابِسَ هَيْبَتِهِ فَقَامُوا بِعِزَّتِهِ مُسْتَعِزِّينَ"، حقائق العزة كبيرة وعظيمة، ولكن في عالم الحس تجد -سبحان الله- مواتاة الأمور لهم، وخدمة حتى الذي يعاندهم وما يحبهم له من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر. قال بقي نوع من أهل الجدال يقاومون كمثل الذين كانوا يتجرأون على النبي ﷺ، ولكن حتى هم الكفار كانوا في بواطنهم وهم يكذِّبونه ويظهرون تكذيبه يعلمون في بواطنهم أن هذا حق وهذا عظيم، يعرفون هذا، وإذا مرَّ ﷺ يسكتون عامتهم. قال: وهذا في الدنيا.
ولذلك يقول: كان واحد في قلبه شيء، قال: كنا جالسين منتظرين الحبيب عبد الله بن عبد الرحمن -عليه رحمة الله- صاحب رباط الشحر يجي، فقال لهم: أنتم قاعدين كل ما جاء هذا السيد تقومون له؟! اليوم ما بنقوم.. قال: لما وصل الحبيب عبد الله، أول من نط هو! قفز وقام! (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، سبحان الله! ما عاد قدر، ما درى بنفسه إلا وقده قايم! وهكذا، وحتى ظهر للكثير منهم تسخير السباع والوحوش والحيوانات وما إلى ذلك، وأطلقوها على بعضهم صارت تُقَبِّل أرجلهم وأيديهم.
لا إله إلا الله…
"أَلْبَسَ أَوْلِيَاءَهُ مَلَابِسَ هَيْبَتِهِ فَقَامُوا بِعِزَّتِهِ" هذا في الظاهر؛ أما في حقيقة العزة من حيث قربهم منه، ورضاه عنهم هذا عزة عزة عزة عزة عزة.. عظيمة كريمة كبيرة فوق الوصف! كان يقول بعض العارفين: ما أعزَّت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله. اللهم أعزِّنا بطاعتك.
قال: يعزَّهم؛ فيرفع "هممهم عن الأكوان، وتعلُّقُ مطالبهم بجناب" -وكمال وجمال- "سيدهم" سبحانه وتعالى، فلا يريدون إلا هو، هو المراد دون غيره، لا إله إلا الله.
ويقول: قبل ما يذكر أي أحد منهم أنت الذي ذكرتهم وخلقتهم ووفقتهم للذكر يا الله، قبل ما يتوجه بالعبادة أحد أنت خلقته، وهيَّأته، ووفقته وأعنته، وذكرته ووفقته للعبادة وقام بها، قبل ما أحد يعبد أنت من عندك جات! فأولوية الحق… هو الأول، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) [الحديد:3].
"فالذكر من الذاكرين حسب ما سبق من ذكره لهم بما ذكروه" وجوده عليهم، "قال جلَّ من قائل: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]"، يعني: ما ذكرتموني إلا لسبق ذكري لكم، وإلا..، (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]، يحبونه متى؟ هو خلقهم وأنعم وتفضل عليهم وأحبّهم وفتح لهم باب محبته في قلوبهم؛ فمن ذا الذي يحب ذا الحين هم أم هو؟!
ولكن مع ذلك كله سمَّاهم محبين، سمَّاهم عابدين، سمَّاهم طائعين، هو الذي خلقهم وخلق الطاعة ونسبها لهم ووفقهم لها، وأعطاهم المواهب وأعطاهم قوة ومال، قال: تقرضوننا؟ نقرضك ايش حقك يعني، مُلكك، نقرضك؟ نحن نقرضك! (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة:245]، قال أنا سأسمِّيكم مقرضِين، وهو كله مني، أنا أعطيتكم لكن أنفقوه في سبيلي.. وإذا أنفقت قال لك أحسنت! وهو المحسن جل جلاله، والملك ملكه أنت عبده والملك ملكه والمال ماله، وفَّقك لإنفاقه في سبيله، له الحمد له المِنَّة، وسمَّاكَ مقرض، مقرض ايش؟ الخزائن خزائنه والملك ملكه أنت مقرض؟ أيش معك؟ أنت عبد فقير وخُلِقت ما تملك شيء، وكنت عدمًا محض، فالملك مُلكه ومع ذلك يُسمِّيك مقرض، يُسمِّيك عابد، يُسمِّيك ذاكر، وهو الذي ذكرك وهو الذي وفَّقك وهو الذي أعطاك، لا إله إلا هو.
قال: "(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) [آل عمران:164] بما وهبهم من نور الإيمان، وتنزيل القرآن على أكمل عالم الإنسان؛ محمد المصطفى من عدنان"، "وأهَّلَهم للزوم كلمة التقوى بقوله: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) [الفتح:26]".
اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
فوهب الوهاب جميع ذلك نحمده؛ ولولا فضله ما اجتمعنا، ولولا فضله ما استمعنا، ولولا فضله ما تكلمنا، ولولا فضله ما قامت الدورة ولا وصلنا إلى نهاياتها الآن وغاياتها، وعاده بفضله بيكمّل لنا يوم الخميس ويوم الجمعة وبيجي الختم، وينزل من الفضل أعظم وأكبر يليق بجوده وكرمه، وكله والله منه، وكله والله بفضله، وكله والله من إحسانه، ومن واسع امتنانه.
نسأله يتمّ النعمة علينا وعليكم، وتمام النعمة الجمع يجتمعون كلهم في ظل العرش تحت لواء الحمد، على الحوض، هذا تمام النعمة، هذا تمام النعمة… الله يتم النعمة علينا وعليكم، ولا يجعل فينا محروم، ولا مقطوع، ولا شقيّ ولا مخلَّف عن ركب حبيبه في مواقف القيامة وفي دار الكرامة اللهم آمين، اللهم آمين.
عند المرور على الصراط في ذاك اليوم لا تُخلِّف مِنَّا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، يا الله! الواحد منا إذا تخلَّف بيتخلَّف إلى أين ومع من؟ يروح مع من؟ ويروح إلى فين؟ الله لا يُخلِّف منا أحد، ويجعلنا تبع حبيبه محمد ﷺ حتى يدخلنا معه، اللهم أدخلنا معه الجنة فإنه أول مَن يدخلها، وأنزلنا معه في قصورها فإنه أول مَن ينزلها، وارحمنا يوم يشفع للخلائق فترحمهم، واجعلنا وأهالينا وأحبابنا جميعًا من الواردين على حوضه المورود في أوائل أهل الورود؛ يا بر يا ودود، والحمد لله رب العالمين.
بفضله وإحسانه وواسع امتنانه يحقق ذلك ويتقبل كل دعوة من هذه الدعوات، بأتم القبول وأكمل القبول ويحققها لكل فرد منا وأهلينا، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا.
على بابك حططنا رحالنا وإياك أمّلنا وتنقص أمام ذرة من فضلك جميع آمالنا؛ فيا مَن عطاؤه ليس يحده حد، وليس يعدّه عد، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، صلِّ على حبيبك سيدنا محمد مختارك سيدنا أحمد وعلى آله وصحبه ومن سار بمنهجه الأرشد، وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وأصحابهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وانظر إلينا يا كريم وابسط لنا بساط الفضل والتكريم واربطنا بالحبيب العظيم ربطًا لا ينحل، وارفعنا به إلى أعلى محل، وتولنا به في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ودار الكرامة، وحنِّن روحه علينا، وعطِّف قلبه علينا، وحنن روحه علينا، وعطِّف قلبه علينا، وحنن روحه علينا، وعطِّف قلبه علينا، واجعلنا من أسعد أمته بمحبته، ومن أسعد أمته بنصرته، ومن أسعد أمته بقربه، ومن أسعد أمته بودّه وحبه، ومن أسعد أمته بشفاعته، ومن أسعد أمته بكريم مرافقته اللهم آمين.
يا بر يا كريم، يا أرحم الراحمين، يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، يا ذا القوة المتين، يا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين حقق لنا كل ذلك في عفو وعافية ويقين وتمكين مكين، وأصلح شؤون أمته أجمعين، واجعلنا في خيار أمته، وأبرك أمته على أمته، وانفعنا بأمته عامة وبخاصتهم خاصة، وفرج كرب أمته أجمعين، وارفع البلاء عن أمته أجمعين، واجمع شمل أمته أجمعين، واجعلنا يا مولانا مفاتيح للخير مغاليق للشر في أمته أجمعين، وفي الوجود والعوالم ووضِّح لنا المعالم، وارفعنا إلى مراتب خواص محبوبيك أهل المكارم، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
06 ربيع الثاني 1448