المكاتبات والمناجاة الإلهية - 26 | إلهي أطلبني برحمتك حتى أصل إليك

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الخميس 14 ربيع الأول 1448 هجري.

"إِلَـٰهِي؛ اطْلُبْنِي بِرَحْمَتِكَ حَتَّى أَصِلَ إِلَيْكَ، وَاجْذِبُنِي بِمِنَّتِكَ حَتَّى أُقْبِلَ عَلَيْكَ".

"إِلَهِي؛ إِنَّ رَجَائِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَإِنْ عَصَيْتُكَ، وَإِنَّ خَوْفِي لَا يُزَايِلُنِي وَإِنْ أَطَعْتُكَ".

 "إِلَـٰهِي؛ قَدْ دَفَعَتْنِي الْعَوَالِمُ عَلَيْكَ، وَقَدْ أَوْقَفَنِي عِلْمِي بِكَرَمِكَ عَلَيْكَ".

"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ أَمَلِي؟! أَمْ كَيْفَ أَهِينُ وَعَلَيْكَ مُتَّكَلِي؟!"

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:

"إِلَـٰهِي؛ اطْلُبْنِي بِرَحْمَتِكَ حَتَّى أَصِلَ إِلَيْكَ، وَاجْذِبُنِي بِمِنَّتِكَ حَتَّى أُقْبِلَ عَلَيْكَ"

"إِلَـٰهِي" بمعنى المبتدي بالإحسان، والمتفضِّل بالعطاء والامتنان، "اطْلُبْنِي بِرَحْمَتِكَ حَتَّى أَصِلَ إِلَيْكَ، وَاجْذِبُنِي بِمِنَّتِكَ حَتَّى أُقْبِلَ عَلَيْكَ".

الطلب من الله لعبده برحمته: هو عين ما هداه إليه من طرق المجاهدات، والتقرُّب إليه بنوافل العبادات، وعرفه من أنواع البر والكرامات، فإن الله تعالى رحم العباد بطلب ذلك منهم؛ لينالوا عظيم ما عنده من الفضل العظيم، والنعيم الدائم المقيم، ووقاية من العذاب الأليم.

فرحمهم بإرسال الرسل وإنزال الكتاب، وأعطاهم أهلية الفهم لذلك والقبول له، وأعانهم على القيام بمقتضى ما عرفوه، ثم مدحهم وأثابهم ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وذلك مبتدأ منه من غير شعور لهم بشيء منه؛ لأنهم في أول شأنهم ومبتدأ خلقتهم لا علم لهم بشيء، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78]، فهذا من الطلب منه برحمته، فوصلوا إليه بما رحمهم به.

"وَاجْذِبُنِي بِمِنَّتِكَ" بعد الوصول إليك بالرحمة أو قبل الطلب، وذلك بمعنى الجذب قبل سبق سلوكٍ وتحري طاعةٍ؛ كما كان لطوائف من المقربين، والسادة المجذوبين، والخصوص المحبوبين.

إما بعد سلوك.. فيتدارك بالجذب، أو قبل؛ بأن يختطف بجذبة إلـٰهية، ونفحة ربانية، وعطية امتنانية، تخصُّهُ من بين أبناء جنسه، وتأخذه عن عالم حسِّه، وتلقيه في بحر شهود الذات العلية، وتشهِده مظاهر الأوصاف القدسية، ويكون بحكم الأولوية، ولا يرى للأغيار وجودًا، ولا للآثار في قلبه شهودًا، بل مستغرق السر والروح والقلب في شهود الأحد المعبود، وإن شاء الله به إرشاد العباد.. ردَّه رحمة في البلاد، ونعمة سابغة على العباد، يبيد العناد، ويزيل الفساد، ويمنح من أطاعه صِرْف الوداد، مؤيدًا بالروح الامتناني، ومؤزَّرًا بالسِّرِّ الصمداني.

فهذا معنى جذبة المنَّة والإقبال على الله على الدوام، لا يكون إلا للمحبوبين والخواص المجذوبين، فلا يجدون للأغيار عندهم وجودًا، ولا للآثار في قلوبهم شهودًا، فطلب المؤلف للوصول بالرحمة والجذب ثانيًا بالمِنّة؛ ليكون متحققًا بكل المقامين، عارفًا بمعنى الاسمين: الباطن والظاهر، الأول والآخر، كما هو لأهل الكمال، الكارعين مناهل الوصال، الحاكمين على الأحوال، ولي في ذلك:

من كان بالرحمة الرحمن يطلبه *** إلى السلوك ونورُ الشرع يرعاهُ

 ومن يكن ثَمَّ مجذوبًا بمِنَّته *** هو المهنا وكهف القرب مأواهُ"

 

الحمدُ لله صاحب المنة والفضل والإحسان على كل حال، لهُ الفضل والمِنّةُ ثابتةٌ وكاملةٌ ودائمةٌ وقائمةٌ حقًا في جميع الشؤونِ والأحوال، في الأولِ والآخرِ والظاهرِ والباطن، في الدنيا والبرزخ والآخرة، في جميع الشؤون بجميعِ المعاني وبجميعِ المباني، فهو المستحقُ للحمد على كل حال، وَهُوَ المنعم في جميع الأحوال، وبجميع الأحوال، ولجميع الأحوال بما لا يُتخيل بخيال، ولا يقف عند مدارك البال، ولا تستطيعُ التعبير عنه الأقوال؛ إنه المتفضل الوال، إنه ذو العطايا الجزال، إنه من لم يزل إنعامه في توال، إنه المنعم بما لا يمكن أن يحصى ولا يُحد ولا يحصر ولا يكتنِفهُ بال؛ إنهُ الله، لا إله إلا هو تعالى في عُلاه، أرسل إلينا بابَ النعمِ ومفتاح الفضلِ والرحمة، عبدهُ المصطفى محمدًا بالهدى والفضلِ والنعمة، ختمًا للرسالاتِ والنبوات، وتخصيصًا لأمتهِ بالمزايا الكثيرات الكبيرات، وحجّةً للمؤمنين وعلى الكافرين المعرضين و المعاندين والجاحدين.

اللهم أدم صلواتك على عبدك الأمين، سيد المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد القائم في محراب الشكر مقامًا لم يستطع الوصول إليهِ من عدَاهُ من الشاكرين من أهل السماوات والأرضين من الأولين والآخرين؛ فنِعْمَ العبدُ الشكور سيدنا محمد، أولى من يُطلَقُ عليه العبد المحض الخالص المخصوص من الرحمن بأجلّ الخصائص، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار في دربهِ وهداهُ وصوابه، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياء والمرسلين المبشرين به و المنطوين فيه، وعلى آلهم وصحبه وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، خير من نطلبه و نؤمّله ونرتجيه.

وبعد؛ 

فيطلب الشيخ عليه رحمة الله في هذه المناجاة تحقيق حقِّ الإفضال الإلهي للعبدِ في البدايةِ والنهاية، يقول: "اطْلُبْنِي بِرَحْمَتِكَ حَتَّى أَصِلَ إِلَيْكَ"؛ يعني: "اطْلُبْنِي" أتمِم نعمة ما بيّنتَ وأرسلتَ ووضّحتَ من الخير بكمال التفهيم والتعريف منك، وكمال التوفيق بسلوك ذلك السبيل، إمدادك بالمعونة وتمكيني من الإحسان والإتقان في القيام بذلك؛ فكل ذلك منه سبحانه وتعالى، وهو طلبٌ للعبد بالرحمة، أي: مِنّةٌ من الله تبارك وتعالى برحمةٍ يقربه إليه، وبذلك تكون الأعمال الصالحة بأصنافها هديةٌ من هداياه تعالى، ومن الرحمةِ يُرسلها إلى العبدِ ليوصله بها إليه، ليقربهُ بها إليه، فصار ما بيّن وهدى وأرشد، ثم ما وفق وأعان، مِنة من مِننه ورحمة من رحمته توصل إليه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

فإذا طلبكَ عزيزٌ وذو مكانة فأرسل إليك السيارة، أو أرسل إليك الطائرة وكابتنها وقائدها وما إلى ذلك، وقال: تعال اركب وتعال إليّ؛ فالحمد له أولًا وآخرًا، وأنت في سيرك إليه الفضل له لا لك، وأنت في ركوبك السيارة والطائرة الفضل له لا لك؛ كذلك جميع هذهِ الأعمال الصالحات والاجتهاد فيها بالصدق والإخلاص مرسلات منه، هو الذي يركبك عليها ويقربك بها إليه جل جلاله؛ فالمنَّةُ له والفضل له والإحسانُ منهُ وإليه جل جلاله وتعالى في عُلاه. 

لو ما أرسل إليك هذه الوسيلة بحضور هذه المحاضر ما كنت تقرب هذا القرب المرتب عليها، ما كنت تنال؛ فالفضل له جلَّ جلاله و تفضل عليك و عسى يتم النعمة.

 "اطْلُبْنِي بِرَحْمَتِكَ"؛ بجميع المعاني في كل شأن، "حَتَّى أَصِلَ إِلَيْكَ"؛ تكشفُ الحُجُب وترفعُ الرتب وتوقفني موقف الشهود اللائق بالعبد مع المعبود بمرآةِ زين الوجود. 

فهناك ما يُعبرُ عنهُ بالوصول وهو: الارتقاء بعلم اليقين إلى عين اليقين، وكُمَّلُ أهلِ الوصولِ يرتقون إلى حق اليقين، وكُلهم بالارتقاء بأسرارِ "أن تعبد الله كأنك تراه" ارتقوا إلى ما وراء ذلك من المعرفة الخاصة التي هي خاتمةٌ لما قبلها، ولكنها أُولى لما بعدها وبداية لما بعدها وليس لها نهاية.

فالحقُّ تكرم علينا، وطلبنا برحمته، أنزل الكتب وأرسل الرسل وجاءنا خاتمهم وسيدهم وإمامهم، بيّن وأحسن وأرشد؛ بكى من أجلنا كثير، وطالب من أجلنا كثير وسأل ربه من أجلنا كثير ﷺ، وكلها من الله طلب، طلبنا برحمته، فالمستجيب منا والملبي لهذا النداء -نداء نبي الهدى ﷺ- يدخل في أولي الألباب الذين من أدعيتهم: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [آل عمران:193]؛ أي: أجبنا نداءه واتبعناه ودخلنا فيه.

وهكذا فجميع ما يقوم من الإيمان والعمل الصالح والمجاهدة في سبيل الله تبارك وتعالى فرعٌ عن إرسال محمدٍ ﷺ، فإذا قُلنا أرسل إليك هديةً هذه الأعمال منه ليوصلك إليه، فالأمر الجامع لذلك: أرسل محمدًا إليك ليوصلك إليهِ سبحانه وتعالى. فحمدًا لربٍّ خصّنا بمحمدٍ ﷺ. 

ثم امتدت أياديه ﷺ في كل ما بيّن وأرشد، وفي كل ما استخلف من أهل بيته ومن صحابته، فمنهم من يكون الوصول مباشر على يد الحبيب، ولهم أيضًا في المباشرة على يد الحبيب مراتب ودرجات، ومنهم من يكون بيد من أيديه ﷺ، وهم جميع من انتخبهم الله للإيصال إليه من عبادهِ المقربين، فهي أيدي محمدٍ؛ موهوبةٌ من الله للإيصال إليهِ على يدهِ ﷺ؛ بهذهِ الواسطة، وهم درجاتٌ عند الله.

يقول: الخلق "في أول شأنهم ومبتدأ خلقتهم لا علم لهم بشيء، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78]"، فتعرّف إليهم سبحانه ورحمهم وبيّن لهم الطريق، ثم أمَّد من أمَّد منهم  بالتوفيق والمعونة على القيام والمجاهدة، وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]؛ اللهم اجعلنا منهم وأدخلنا فيهم يا رب العالمين.

 "وَاجْذِبُنِي بِمِنَّتِكَ" إليك؛ قال: إذا نزلت في أوائل منازل وصولي إليك اجعل لي جذب بالمنَّة، "بعد الوصول إليك بالرحمة أو قبل الطلب، وذلك بمعنى الجذب قبل سبق سلوكٍ وتحري طاعةٍ"؛ وهذا لا يصل إلى الحق تبارك وتعالى إلا إمَّا سالك مجذوب، أو مجذوب سالك، ومن دونهما ما يتأتى الوصول إلى الله وارتفاع غطاء الستارة عن عين اليقين والوصول إلى عين اليقين إلا بجذبة من المولى وسلوك؛ لكن: 

  • إمَّا أن يسبق السلوك ثم تأتي الجذبة. 
  • وإمًّا أن تسبق الجذبة ثم يأتي السلوك.

فأما من سبق سلوكه قبل الجذبة فهو يحتاج إلى أن يعاني في سلوكه مجاهدات ومكابدات ومشقات حتى يصل، وهؤلاء أكثر الواصلين من هذا الصنف، وأما من ابتُدِئ بالجذبة ثم جاء السلوك فجميع السلوك يقوم به، ولكنه بلذة وبذوق وحلاوة، يقوم فيسلك لكنه ماعاد عنده مشقة ولا عناء في هذا السلوك، يسلك وهو ملتذّ مرتاح بالمجاهدة في سبيل الله تبارك وتعالى، يطيب لهُ الصوم، يطيب له القيام، يطيب لهُ تحمل المشاق، يلتذ بها من البداية. 

وبعضهم  بنفحة  حُبِّيــة *** على براق برقة جذبية 

سرى إلى  أعلى ذرى القربية *** فأصبحت  من تحته المعالي 

أضحى عروسًا في رياض الأنس *** يروي  أحاديث  الجناب  القدس 

لم يدر ما طعم جهاد النفس *** ولا عناء السير والترحال

لم يُمتحَن في الفتح بانتظار *** ولا  بأورادٍ  ولا  أذكـــار 

كقصد موسى جذوة من نار *** إذ عاد بالإنباء والإرســـال

بيجيب جذوة من النار: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه:10]؛ راح، وإذا بها نبوة ورسالة، وخطاب الله: (يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) [القصص:30]، راح ورجع وقده نبي مرسل من خواص الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه.

قال: فإمَّا أن يسبق السلوك ثم تأتي الجذبة، وإمَّا أن تسبق الجذبة ثم يأتي السلوك.

فهو مُراد الحق والمريد *** من لم يزل وجدُّه جديد 

فَهْوَ مُرَادُ الحَقِّ: هذا المراد مقابل المريد يسلك أولاً ثم يُجذب.

وقربه من ربه يزيد *** وقلبه في قبلة الإقبال 

يقطع كل عائق شديد *** بالصبر والعزم على التجريد

فجاز كل عقبة كؤود *** وجاز كل رافع وعالي

صفا وصفى القلب في علاجه *** بكل ما يشفي من اعوجاجه

حتى استوى بالصدق في احتياجه *** على الغنى بالحق ذي الجلال

وأورد النفس من الرياضه *** من كل ما تكرهه حياضه

فأصبحت على الرضا مرتاضه *** مرضيةً في أشرف الخصال

من بعد عقد أحسن اعتقاد *** وعلم ما يحتاج وازدياد

مِنْ بٍعْدِ عَقْدِ أي: عقيدة وإيمان.

وعلم طب القلب واجتهاد *** يطوي المقامات لكل حال

فهذه طريقة التقديس *** قويمة التفريع والتأسيس

برية من سائر التلبيس *** شرحها إمامنا الغزالي 

عليه رحمة الله تبارك وتعالى.

وفيما قبلها أشار إلى ما حرره سيدنا أبو الحسن الشاذلي عليه رحمة الله تبارك وتعالى: 

واختلفوا في الفتح والمواهب *** وفي حصول القرب والمطالب

بسر حق باطنيٍّ غالب *** أو ظاهر بأفضل الإفضال 

وكلهم في رتبة قربيه *** معقودة بنسبة ربّيه

 مشهودة في سنة قلبيه *** في سائر الأفعال بانفعال

 يا رب ثبتنا وأوصلنا إليك، الله أكبر.

قال: "جذبة المنَّة والإقبال على الله على الدوام، لا يكون إلا للمحبوبين والخواص المجذوبين"، اللهم ألحقنا بهم كما أكرمتنا بحبهم لك ومن أجلك، فأتحفنا اللهم بالقرب منك، وهبنا ما وهبتهم.

 

رضي الله عنه، إلى أن قال:

"إِلَهِي؛ إِنَّ رَجَائِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَإِنْ عَصَيْتُكَ، وَإِنَّ خَوْفِي لَا يُزَايِلُنِي وَإِنْ أَطَعْتُكَ"

ذكر الخوف والرجاء هنا تنبيهًا منه على سرِّ هذين المقامين الشريفين؛ لأن ظاهر الرجاء والخوف للعامة من العوارض الحادثة، يخافون عند وجود عارض حادث، ويرجون كذلك؛ فإن أقيموا في مقام العدل، الذي أثره في العبد المعصية وجزاؤها العقاب وأصناف العذاب.. خافوا، وإن أقيموا في الطاعة التي هي أثرُ الفضل في العبد وجزاؤها الجنة.. رجوا.

والعارفون شاهدوا بواطن الأشياء؛ إذ شاهد الخَلْقُ ظواهرها، فيشاهدون الصفات العلية والأسماء العلوية، وهي لا نسبة بينها وبين الأفعال الخلقية، فلا يزايلهم شهود العدل وإن أطاعوا، ولا تغيب صفات الفضل وإن عصوا؛ فهم الذين قاموا له بحكم العبودية من غير علة.

وإذا شاهدوا الأفعال الصادرة عنهم.. لم يجدوها شيئًا بالإضافة إلى ما هم مشاهدون من الصفات الحقية، إن نظروا إلى الطاعة الصادرة عنهم.. نادتهم الصفة العدلية وقوة نفوذها وعلية حكمها، فلم يعتمدوا على طاعتهم: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]، علمًا منهم بأنها إن تجلَّت بالحكم.. غلبتهم، وإن نظروا إلى ما برز منهم من المعصية.. نادتهم الصفة الفضلية: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53]، (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87]، فلم يزل بهم ذلك، فلم تزايلهم هذه شهود الصفات، ولا يعتريهم عما هم عليه ما يبرز عنهم من الحسنات والسيئات، هذا خلاف ما أهل الرسوم عليه، وما عموم الخلق مستندون إليه، ولي في ذلك:

رجائي لا ينقطع عن فضلك العمم *** وإن عصيت فشأن العبد يا إنسان

 والخوف من مكر جبار يكون وإن *** كنت المطيع وقم للعدل ميزان"

 

جل جلاله.

يقول: المبتدؤن من المؤمنين.. 

  • إذا وُفِّقوا للأعمال الصالحة والأوصاف الطيبة انفتح باب رجائهم ورجوا.. 
  • وإذا ألقوا بالعدل إلى تقصيرات خافوا.. 

فهم إنما يتأكد رجاؤهم عند حصول الطاعات منهم، ويتأكد خوفهم عند صدور المعاصي منهم؛ لكن من فوقهم والأكابر عرفوا الله فأيقنوا أنه أحق أن يُخاف ويُخشى وأن يُطمع فيه ويُرجى لوصفه لذاته سبحانه وتعالى لا بأعمالهم، فأولئك عندهم شائبة من رجاء أعمالهم وخوف أعمالهم، أما هؤلاء فرجاؤهم فيه وخوفهم منه سبحانه وتعالى، عرفوا من عظمته وجلاله أنه أحق أن يُخشى وأنه يفعل ما يشاء ولا يبالي جلَّ جلاله، وإذا قام عدله على شيء انتهى، وما عاد بقي لذلك شيء منزلة ولا مكانة ولا ثواب.

في هذا أيضًا جاء فيما أوحى الله إلى بعض أنبيائه يقول: بشّر العاصين وأنذر الصديقين، قال: كيف أُنذر الصديقين وأبشّر العاصين؟! قال: بشّر العاصين أني أغفر ولا أبالي، وأنذر الصديقين أني لو وضعت عدلي عليهم لهلكوا! لا إله إلا الله.. 

فهو يُرجى لذاته سبحانه ويُخاف لذاته سبحانه وتعالى، فمهما أطعتَ لا يزايلك الخوف منه لأنك تعرف من هو، ومهما عصيتَ لا يزايلك الطمع والرجاء فيه لأنك تعلم من هو جل جلاله، فأنت ترجوه هو لما علّمك من أوصافه، وتخافه هو.. ولهذا قال الله عن المعصومين من ساداتنا الملائكة الذين لم يعصوا الله قط طرفة عين: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:28] لأنهم عرفوه. 

ويُروى أن سيدنا جبريل وميكائيل بكوا لما ذكروا عظمة ربهم، فأوحى الله إليهما: ألم أؤمنكما من عذابي؟ قالا: بلى يا ربنا، ولكنا لا نأمن مكرك؛ فأوحى إليهما: كذلك فكونا؛ فإنه لا يُحيط بعلمي محيط.

 لا إله إلا الله!.. فالله يرزقنا نصيبًا من معرفته وحسن رجائه وكمال خوفه وخشيته.

ولذلك ربط الخشية بالعلم لا بالعمل، وقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28]، هم الذين يعرفونه وهم يخشونه؛ فعلى قدر معرفته يكون حبك له ورجاؤك فيه وخوفك منه، كله على قدر معرفتك، كلما عرفته أكثر محبتك أقوى، ورجاؤك أقوى وخوفك أكثر، وكلما جهلتهُ تقل محبتك، يقل خوفك، يقل رجاؤك؛ فالله يوفر حظنا من معرفتهِ ومحبتهِ وخشيتهِ ورجائه.

 قال تعالى عن جناته: (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:8]، أي: عرف الله -سبحانه وتعالى- واتقاه فخشيه؛ "وإِنِّي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي أَمْنَيْنِ وَلَا خَوْفَيْنِ؛ إنْ هو خَافَنِى في الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أجْمَعُ عِبَادِي، وإنْ هو أَمِنَنِى في الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ أجْمَعُ عِبَادِي"، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]، خاف مقام ربه ما هو خاف سيئاته وأعماله وذنوبه؛ خاف مقام ربه؛ وإنما يَعْظُم شر المعصية لكونها مخالفة للكبير مخالفة للعظيم جل جلاله، فالأمر أمره سبحانه وتعالى، ويغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، اللهم ارحمنا واغفر لنا ولا تعذبنا.

"إِنَّ رَجَائِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْكَ وَإِنْ عَصَيْتُكَ، وَإِنَّ خَوْفِي لَا يُزَايِلُنِي وَإِنْ أَطَعْتُكَ"

لأنك أهل أن تُرتجى وأن تُخاف من دون أن يعمل العباد شيئًا من الأعمال. فالله يرزقنا من معرفته نصيبًا وافرًا.

 

رضي الله عنه، إلى أن قال:

 "إِلَـٰهِي؛ قَدْ دَفَعَتْنِي الْعَوَالِمُ عَلَيْكَ، وَقَدْ أَوْقَفَنِي عِلْمِي بِكَرَمِكَ عَلَيْكَ"

هذا مفسِّر لما تقدَّم من كلامه، العوالم: جمع عالم؛ وهي كل ما سوى الله سبحانه، إن اعتمدتُ على الطاعة.. لم أجدها مخلِّصة لي من عدلك إلا بما وعدت من جزيل كرمك وفضلك، وإن شردت عنك بالمعصية.. ردَّتني إليك بشمول رحمتك وسبوغ فضلك.

فعلى الحقيقة: إن العوالم كلها تسير إليك؛ فالخوف سابق إليك، والرجاء داعٍ لعبادك إليك، وكل وصفٍ من صفاتك، أو اسمٍ من أسمائك، أو فعلٍ من أفعالك.. ناطقٌ بوحدانيتك، ومشير إلى صمدانيتك.

فاسمك الكريم يشير إلى أن الكريم لا تتخطاه الآمال، ولا تُنزَل بغیره نوازل الأحوال، وغيره ليس كذلك، والمصائب والنكبات المؤلمة ملجئةٌ للعبد إلى سيده، والعوارض والعوائق محبسة له وحاثة، وكذلك النعم، وسائر كل عالم من ملائم وألم، ولي في ذلك: 

إليك دفعتني الأكوان يا صمدا *** وعلمي أوقفني أن الفضل منك بدا

 

"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ أَمَلِي؟! أَمْ كَيْفَ أَهِينُ وَعَلَيْكَ مُتَّكَلِي؟!"

فلما تحقَّق ذلك.. عجب من أنه عبدُ الله ابتدأه بالإحسان، وناداه بفوائد الامتنان، قبل طلبٍ منه لذلك ولا تعرُّض، فكيف يخيب بعدما ألبسه لِبسة العرفان، وتوَّجه بتيجان الإيمان، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان؟!

وكيف أهين بعد إعزازك إياي بنص القرآن؛ بقولك: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، وقد أكرمتني بكرامة المحبة، وأنلتني بفضلك رتبة القرب بقولك: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق:19].

فذلك منك بدا من غير طلب منا، ولا تعرُّض منا له، أفتُراك تذيقنا إهانة البعد بعد القرب؟! أو تُراك تهيننا بعدما وهبتنا؟! ولي في ذلك:

حاشا تخيبنا الإحسان يا أملي*** ولا تهين الذي بالله متكلي"

 

يقول:  "إِلَـٰهِي؛ قَدْ دَفَعَتْنِي الْعَوَالِمُ عَلَيْكَ، -أو إليك- دَفَعَتْنِي الْعَوَالِمُ".

"وهي كل ما سوى الله سبحانه"، "لم أجدها مخلِّصة لي من عدلك إلا بما وعدت من جزيل كرمك وفضلك، وإن شردت عنك بالمعصية.. ردَّتني إليك بشمول رحمتك وسبوغ فضلك.

فعلى الحقيقة: إن العوالم كلها" خاضعة لله وتدل على الله، "تسير إليك؛ فالخوف سابق إليك، والرجاء داعٍ لعبادك إليك، وكل وصفٍ من صفاتك، أو اسمٍ من أسمائك، أو فعلٍ من أفعالك.. ناطقٌ بوحدانيتك، ومشير إلى صمدانيتك".

"فاسمك الكريم يشير إلى أن الكريم لا تتخطاه الآمال"، ومهما أمَّلوا ورجوا فهو أكبر من ذلك وأعظم، "ولا تُنزَل بغیره نوازل الأحوال، وغيره ليس كذلك، والمصائب والنكبات المؤلمة ملجئةٌ للعبد إلى سيده، والعوارض والعوائق محبسة له وحاثة، وكذلك النعم" تدل على المنعم وتدعوك إلى شكره، "وسائر كل عالم من ملائم وألم" يدلك على الله.

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

فقال ﷺ: إذا جعت صبرت ودعوتك، وإذا شبعت شكرتك. ففي كل الأحوال تدعو إلى الله، الجوع يدعو إلى الله، الشبع يدعو إلى الله، المصائب تدعو إلى الله، والنعم تدعو إلى الله -تبارك وتعالى- لمن أحسن الإصغاء والإنصات لمعانيها وألسن أحوالها.

قال:  "كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ أَمَلِي؟!" إذا جعلتُ أملي أنت ورجائي أنت كيف أخيب؟!

يا كريمًا يا رحيمًا *** جُد وعجّل بالمطالبْ 

مَن توجه نحو بابك *** ما رجع من ذاك خائبْ

واغفر اغفر ذنب عبدٍ *** قد أتى نحوك تائبْ

قال: "عجب من أنه عبدُ الله ابتدأه بالإحسان، وناداه بفوائد الامتنان، قبل طلبٍ منه لذلك ولا تعرُّض، فكيف يخيب بعدما ألبسه لِبسة العرفان، وتوَّجه بتيجان الإيمان، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان؟!" (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7] اللهم اجعلنا منهم.

قال: وإذا أعززتني بالإيمان وبالطاعة والإقبال عليك والتذلل لك؛ فكيف أهون وكيف أذِل وكيف أسقط؟! "وكيف أهين بعد إعزازك إياي بنص القرآن؛ بقولك: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، وقد أكرمتني بكرامة المحبة"، وأنلتني التقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، "وأنلتني بفضلك رتبة القرب"  بالسجود لك والتذلل "بقولك: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق:19]"؟!

"فذلك منك بدا من غير طلب منا، ولا تعرُّض منا له، أفتُراك تذيقنا إهانة البُعد بعد القرب؟! أو تُراك تهيننا بعدما وهبتنا؟!" حاشاك لا إله إلا أنت!. 

نترجّى نفحاتك وعطفاتك ورحماتك، فلا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

الله يجعلنا من المحبوبين المقربين إليه، ويصلح الشأن لنا والأمة أجمعين، ويدفع البلاء عنا وعن الأمة أجمعين، ويجمع شمل الأمة أجمعين ويدفع السوء عنا وعن أهل لا إله إلا الله أجمعين، ويحول الأحوال إلى أحسنها، ويختم لنا بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

 

 

 

تاريخ النشر الهجري

07 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

18 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام