(368)
(637)
(484)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الإثنين 11 ربيع الأول 1448 هجري.
إلهي؛ أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ عن تَدْبِيرِي، وباختيارِكَ عن اختيارِي، وأوقفنِي على مَرَاكِزِ اضطرارِي.
إلهي؛ أَخْرِجنِي مِن ذُلِّ نَفْسِي ، وَطَهِرنِي مِن شَكِي وَشِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي.
بك أَسْتَنْصِرُ فَانْصُرْنِي، وعليكَ أَتَوَكَّلُ فلا تَكِلْنِي، وإياك أَسأَلُ فلا تُخَيِّبْنِي، وفي فَضْلِكَ أَرْغَبُ فَلَا تَحْرِمْنِي، وَلِجَنَابِكَ أَنْتَسِبُ فَلَا تُبْعِدْنِي، وَبِبَابِكَ أَقِفُ فلا تَطْرُدْنِي.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ عَنْ تَدْبِيرِي، وَبِاخْتِيَارِكَ عَنِ اخْتِيَارِي، وَأَوْقِفْنِي عَلَى مَرَاكِزِ اْضْطِرَارِي"
"إِلَـٰهِي" بمعنى المدبر المختار، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [القصص:68]، " أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ عَنْ تَدْبِيرِي، وَبِاخْتِيَارِكَ عَنِ اخْتِيَارِي، وَأَوْقِفْنِي عَلَى مَرَاكِزِ اْضْطِرَارِي". الغنى بتدبير الله عن تدبير العبد لنفسه هي حالة الموحِّدين، وسيما خواصِّ عباد الله المقربين، والاختيار كذلك؛ لأن نور الكشف يعطي ذلك، وضده هو المذموم، هو تدبير العبد في أمرٍ لم يدبره فيه الشرع، واختياره لأمر لم يدرِ فيه عينَ الصواب، كما هو شأن المحجوبين والجهَّال المغرورين.
فلذلك سأل المؤلف أن يغنيهُ عنه بما يكشفه له من حسن اختيار الله له وتدبيره، ويوقفه على مستقر اضطراره، وهذه هي حالة الأدباء؛ أنهم لا يفارقهم اضطرارهم إلى مولاهم في سائر الأحوال، ومراحون عن مقاساة التدبير والاختيار؛ لما حمله عنهم من واردات الأنوار، وصولة سلطان الحقيقة على الأسرار، فهنا يحصل الغنى عن التدبير والاختيار.
ومن وقف علمه أو صنعته وعرفها بما هي عليه من العجز والضعف والجهل بعواقب الأمور.. وقف -لا محالة- عما ليس هو من مقتضى الربوبية، وسلَّم الأمر وانقاد، وسَلِمَ عن المنازعة في أحكام الله، والمعاندة لأقداره، ولزم مركز اضطراره، ولي في ذلك:
يا من هو القادر المختار في الأزلِ*** قبل البروز إلى الأشباح والصورِ
سَلْكَ اْغنني بك عما مني من خطل*** ونجني من حتوف الجهل والضرر"
يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
الحمد لله المحيط بكل شيء علمًا وقدرةً وإرادةً، لا إله إلا هو، أرسل إلينا خير خلقه، وأعظمهم أدبًا معه، وأرفعهم قدرًا لديه، وأعرفهم بعظمة أُلوهيته وربوبيته، سيدنا محمدًا بن عبد الله بن عبد المطلب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى وآله وأصحابه، ومن تخلق بأخلاقه وتأدب بآدابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،
فإن عجائب إرادة الحق -تبارك وتعالى- في خلقه، ثم تدبيره وتقديره، تفوق الوصف. والعباد مختبَرون بإقامة أسباب دبرها لهم، ورتبها سبحانه، وأمرهم بها، ونهاهم أن يركنوا إليها، أو يعتمدوا إليها، أو يصل إلى بالهم وَهْم أن لها شيء من الاستقلال في الرفع أو الخفض، أو الضر أو النفع، أو الخير أو الشر من دونه سبحانه وتعالى.
فالمغترون بالأسباب؛ الذين يرون أنفسهم مدبرين مع رب الأرباب، -جل جلاله وتعالى- فيتمادون في رؤية الأسباب والاعتماد عليها، والركون إليها، ويقيمون شؤونهم على أنهم بهذه الأسباب والتدبير والكيد، فيما يدرسونه من نفسيات الناس، ومن المؤثرات على الخلائق، ومن التأثيرات في شؤون الماديات فيقيمون منه كالمعبودِ من ركونهم إليه، ثم من استعمالهم، متصورين أنهم بذلك سيتصرفون في الوجود وفي العالم، ويقدمون ويؤخرون، ويرفعون ويخفضون، ويضرّون وينفعون، وهذا شأن الكفار الموجودين، وشأن الغافلين من المؤمنين كذلك.
ولا شك أن عواقب كل تدبيرهم ومكرهم، مهما أُمهلوا واستُدرجوا بتحصيل بعض المرادات وبعض الأسباب، تنتهي إلى أنواع من الفشل والخذلان والتعب، من حين ما قامت الأرض إلى اليوم، من حين ما خُلق الآدميون إلى اليوم، كل هؤلاء الذين يعتمدون على غير الله، يرون أنهم المدبرون، وأنهم الفاعلون والآمرون والناهون، وأنهم المقدّمون والمؤخرون، وأنهم الخافضون والرافعون دونه تعالى؛ يمضون في شيء من الاستدراج أو المكر أو الإمهال، فيغترّون، ثم يفشلون ويُخذلون.
وهذا الحكم والحال والسنة بلا استثناء، إلا أن الغرور يتسارع إلى ابن آدم، ويجيء المغتر بعد المغتر، وهو يوقن أن الذي قبله قد فشل أصلًا، بل بنفسه هو يتخذ سبيل وأسلوب يفشل فيه، وبعدين يقابله عقبة في الباب الثاني، يرجع إلى نفس الأسلوب الأول، الذي قد فشل فيه ويعيده ويفشل، وهكذا.. والعاقبة للمتقين.
إذًا؛ فالمؤمنون تدبيرهم مقيد بالشرع، بما كُلفوا فيه، غير معتمدين على ذلك التدبير، ولا ظانِّين أن له استقلال دون الله تبارك وتعالى بشيءٍ أصلًا.
ولذا يقول الشيخ في دعائه للرب: "أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ عَنْ تَدْبِيرِي، وَبِاخْتِيَارِكَ عَنِ اخْتِيَارِي، وَأَوْقِفْنِي عَلَى مَرَاكِزِ اْضْطِرَارِي"، حتى أعيش في تحقيق العبودية متأدبًا معك، حتى ألقاك، لا أصاب بالوهم، والخيال الذي يصيب أكثر الخلق، فيتكبرون ويغترون ويُقطعون عنك -والعياذ بالله تعالى- وينسون اضطرارهم وافتقارهم وذلتهم.
قال: "الغنى بتدبير الله -تبارك وتعالى- عن تدبير العبد لنفسه حالة الموحدين، وسيما خواص عباد الله المقربين و الاختيار كذلك ". ، فلا يبقى لهم اختيار إلا ما اختاره الله، ولا مراد إلا ما أراده الله تبارك وتعالى، وهم يوقنون أن فيما أراده الخير لهم، والإحسان لهم من أحسن مما يتصورون هم أو يظنون.
قال: "لأن نور الكشف يعطي ذلك. وضده هو المذموم، وهو: تدبير العبد في أمرٍ لم يدبره فيه الشرع"، ما أُمر، ولكن يقول: أنا برتب كذا، من شأن فلان يصلح كذا، بعدين يقول كذا، بعدين بيسقط في كذا، بعدين صاحبه ذاك بيقول كذا، بعدين أنا بأصل إلى كذا… رُح لك ودبر! إن حصل لك شيء مما تريده أول مرة، ثم أنت محاسب ومعاقب، هذه الوسائل التي استعملتها إن كان فيها غير ما يرضي الله، فويل لك ثم ويل لك! ثم إن حصل لك شيء استدراج في ثاني مرة وثالث مرة، وبعدين بينكسر رأسك بعد المرات هذه، وبعدين عذاب قدامك في الآخرة.
دبِّر ما ندبك الشارع إليه..
هذا تدبير شرعه لك، وأحبه منك، ويعينك عليه. وإذا قمت به من أجله، هو يدبر لك تدبير فوق تدبيرك أنت، وأحسن من تدبيرك، بس انت تؤدي حق القيام بالأسباب عبوديةً لله تبارك وتعالى.
أما لا، يرى نفسه يفكر الحين هؤلاء بوصلهم إلى حالة كذا، هؤلاء بأفتن بينهم، هذا ببعده من ذا، كيف ذا بأقول له كذا، وذا بتصوّر له كذا، وذا بخلي فلان يكلمه يقول له كذا... صرت إله ولا إيش ؟ انت ايش معك في الكون؟ أنت عبد ضعيف. إن بتدبر دبر كيف تقيم العلم، كيف تقيم العمل، كيف تطهر النفس، كيف تزكيها، كيف توصل الخير للخلق، دبر هذا الذي شرعه لك، هذا الذي أحبه منك. أما بتتحكم في خلق الله!.. ذا بتطلعه وذا بتنزله وذا بتخرجه من ذي الوظيفة، وذا بتدخله عند فلان؟ وذا مابغيته يحصل على كذا، وذا تكسر خاطره… انت فرعون؟ نمرود؟ أيش من آدمي أنت؟ إنت عبد مخلوق، تأدب مع ربك، عسى يجبر كسرك، ويصلح أمرك، ويشرح صدرك.
وإلا يتعبون مساكين، تراهم تعبانين؛ لأن أفراد وجماعات ودول، يدبرون غير ما دبر الله لهم، غير ما أحب الله منهم، ونهاياتهم فشل في فشل، وتعب في تعب. وذا يعتمد على ذا وبعدين يسقطه، وذا يعتمد على ذا وبعدين يخذله، وذا يعتمد على ذا بعدين يدوّر له واحد ثاني ويجي لعنده، ويطلعون وينزلون، وفي دوامة طول حياتهم ولا يعتبرون! ولو تأدبوا مع الخالق، ورجعوا إلى حسن التدبير بأمره، وفوضوا الأمر إليه، لنجحوا وأفلحوا. لا إله إلا الله.
قال: "واختياره لأمر لم يدرِ فيه عينَ الصواب، كما هو شأن المحجوبين والجهَّال المغرورين"، فإذا تواتت وتسنّت لهم بعض الأمور استدراجًا من الحق تعالى، اغتر بهم من الناس كثير وراحوا يقلدونهم، ويريدون كما هم، والعواقب قدامهم كلها متعبة، وكلها شقاء، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لا إله إلا الله.
لهذا قال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران: 196-197] بغيت معهم؟ تريد العاقبة حقهم؟ روح.. (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وين الطريق الصحيح؟ قال: (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:198].
لذلك قال: "سأل المؤلف أن يغنيهُ عنه بما يكشفه له من حسن اختيار الله له" وحسن "تدبيره، ويوقفه على مستقر اضطراره"، "وأوقفني على مراكز اضطراري". قال: "حالة الأدباء؛ أنهم لا يفارقهم اضطرارهم إلى ربهم و"مولاهم في سائر" أحوالهم، الله أكبر!
"لما حمله عنهم من واردات الأنوار، وصولة سلطان الحقيقة على الأسرار". "ومن وقف علمه أو صنعته وعرفها بما هي عليه من العجز والضعف والجهل بعواقب الأمور.. وقف -لا محالة- عما ليس هو من مقتضى الربوبية، وسلَّم الأمر وانقاد"، يعني: وقف عما ليس هو من مقتضى العبودية إلا مما شرعته له الربوبية وأمرته به، "وسلم الأمر وانقاد، وسَلِم عن المنازعة في أحكام الله والمعاندة لأقداره".
وَكُن رَاضٍ بِمَا قَدَّرَ المَوْلَى وَدَبَّرْ *** وَلَا تَسْخَطْ قَضَا اللهِ رَبِّ العَرْشِ الأَكْبَرْ
وَكُن صَابِرْ وَشَاكِرْ
تَكُن فَائِزْ وَظْافَرْ
ومِن أَهْلِ السَّرَائِرْ
رِجال اللهِ مِن كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُنَوَّرْ *** مُصَفَّى مِن جَمِيعِ الدَّنَسِ طَيِّبْ مُطَهَّرْ
الله يلحقنا بهم.
رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ أَخْرِجْنِي مِنْ ذُلِّ نَفْسِي، وَطَهَّرْنِي مِنْ شَكِّي وَشِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي"
"إِلَـٰهِي" بمعنى متولِّي أمري، وقائد زمام أمري " أَخْرِجْنِي مِنْ ذُلِّ نَفْسِي، وَطَهَّرْنِي مِنْ شَكِّي وَشِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي".
الإخراج الحقيقي: هو ما كان بالله لا بالنفس، والذل الذي طلب المؤلف الإخراج عنه: ذلُّ النفس لغير الله لمعنىً يتوهَّمه من وصول نفع أو حصول ضر؛ وذلك لكثافة حجابها عمَّن بيده كل منافعها ومضارها، وأن الخلق فيما يصل على أيديهم آلات مسخَّرة لا تتحرك ولا تسكن إلا بتحريكه وتسكينه، فما لم تخرج عن رؤية الأغيار وظلمة الآثار.. ذلَّت للمخلوقين لا محالة، فطلب الخروج عن رقِّ الأكوان إلى صرف صفاء عبودية الرحمن، وهي الحرية المحققة التي من وصلها.. صارت الأشياء له منقادة بحكم التسخير، وهو لا ينقاد لغير سيده ومولاه.
والشك: هو سبب الحرص على الدنيا، الموقع في حبائل الطمع والبخل وكل رذيلة، والشرك: هو رؤيته أنَّ لشيءٍ من الأشياء تأثيرًا دون الله في سائر المعتادات.
وهذه الأحوال مجانبة لحقيقة التوحيد، مباينة لمعاني التفريد التي أتحف بها خواص العبيد، وحدُّ الشك: ضيق الصدرلأمر ينزل، فيتبرم لذلك، ويعتريه الهم والحزن والسخط، ويظلم القلب لذلك، وكلما ازداد ظلمة.. ازداد حرجًا وضيقًا كأنما يصعَّد في السماء، ويضاده شرح الصدر بنور اليقين، وكلما كان نور اليقين أقوى.. كان الانشراح أوسع، (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) [الانعام:125].
والشرك: هو انغمار القلب بظلمة البعد، فينظر الأسباب هي المؤثرة، فيتمكن الهوى من القلب، وينكمش في طلب الأسباب من سائر وجوهها، فتستعبده وتستهويه، وكلما كان فيها أمكن.. كان من نور التوحيد أبعد، عافانا الله من ذلك بمنِّهِ وكرمه، ولي في ذلك:
يا منقذ الغارق المكروب في اللجج *** أخرجني أدركني أنقذني من الحَرج
من ذل نفسي لغير الله ذاك لها *** سجن وقيد وعن طرق الهدى عوج
ومن شكوك عن الإيقان بائنة *** وشِرْك الأغيار مُر قاطع سمج
فمن لم يتطهر من هذه القاذورات، ولم يباين هذه المذمومات في الدنيا قبل حلول الرمس؛ وهو الموت الطبيعي.. توالت عليه كرباتها في البرزخ، و طالت معاناتها هنالك، ولم يجد سبيلًا إلى التدارك لما فات، فتتوالى عليه مرارة الحسرات، ومقاساة شدائد الكربات، عافانا الله منها، وزحزحنا من مهالكها، ولطف بنا من مخاوفها وأحبابنا كذلك في الله وسائر المؤمنين"
يا أكرم الأكرمين.
يقول في دعائه: "إلهي أخرجني من ذلِّ نفسي"، وهو التذلل لغير الله تبارك وتعالى؛ ذل الوهم والخيال والهوى في التشبث بالمخلوقين، وظن أن فيهم من ينقذ، ومن يرفع، ومن يخفض، ومن يعطي، ومن يمنع، دون الله تبارك وتعالى، قال: "الإخراج الحقيقي: هو ما كان بالله"، اللهم أخرجنا من كل سوء، ومن كل قاطع يقطعنا عنك.
قال: "الذلّ الذي طلب المؤلف الإخراج عنه: ذلُّ النفس لغير الله لمعنىً يتوهَّمه من وصول نفع أو حصول ضر"، لكثافة حجاب النفس، تظن أن غير الله بيقدم، بيؤخر، بينفع، بيضر! قال: والخلائق كلهم "آلات مسخَّرة لا تتحرك ولا تسكن إلا بتحريكه وتسكينه" جل جلاله. "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك"، من عنده هو "ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجفَّتِ الصُّحف".
وواقع الحياة في كل زمان: كم من إنسان تُؤُمِرَ عليه؛ وقد بعضهم اجتمع عليه جماعته، بعضهم قبيلته، بعضهم دولته وحكومته، بعضهم خرجت الأحكام ضده، وبعدين بقي وطال عمره، وربما رجع هو إلى محل القرار ومحل الحكم فوق هؤلاء. وكم من متحكم ومتغطرس، قليل إلا وانقلب الحال عليه، وقالوا له ليش؟ وإذا به يُحاكم، ودخلوه السجن وبعدين قد هم يحاكمونه! فما هناك شيء يُعتمد عليه غير الله أصلًا.
والفائز من كان مطيعًا لله، قائمًا بحقه في مختلف الأحوال والظروف والشؤون، هذا فائز. يحصل له ما يحصل له، والخاسر من كان عاصيًا لله، ومخالفًا لأمره في أي شأن من الشؤون، وإن كان في مظهر من مظاهر الفخر والعز في الظاهر هو خاسر، وسيصل في الدنيا قبل الآخرة إلى ذل ومهانة وسوء، والآخرة أشق وأشد والعياذ بالله. فيا رب ثبتنا على الحق والهدى.
يقول: فإذا "لم تخرج عن رؤية الأغيار" هذه النفس "ذلَّت للمخلوقين لا محالة، فطلب الخروج عن رقِّ الأكوان إلى صِرف صفاء عبودية الرحمن". قال:
وهذه تُجانب حقيقة التوحيد ومعاني التفريد التي يتحف الله بها خواص العبيد، جعلنا الله وإياكم منهم. فبالشك يحصل ضيق الصدر من ذوي التبرم والهم والحزن والسخط. قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ) [الأنعام:125].
قال: فالنظر إلى الأسباب كأنها مؤثرة دون الله من المصائب الكبيرة، وهي من الشرك الخفي
يا منقذ الغارق المكروب في اللجج *** أخرجني أدركني أنقذني من الحَرج
من ذل نفسي لغير الله ذاك لها *** سجن وقيد وعن طرق الهدى عوج
ومن شكوكٍ عن الإيقان بائنة *** وشِرْك الأغيار مُر قاطع سمج
اللهم طهِّرنا من هذه القاذورات، ومن جميع المذمومات، وإلا فهي -والعياذ بالله- موتٌ في الدنيا قبل حلول الرمس، وتورث موت القلب.
وأما من تخلص منها، قبل الموت الطبيعي فيفوز. ومن لم يتخلص منها حتى مات "توالت عليه كربات في البرزخ وطالت المعاناة له"، (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100]. "فتتوالى عليه مرارة الحسرات، ومقاساة شدائد الكربات، عافانا الله منها، وزحزحنا من مهالكها"،. اللهم أحينا حياة السعداء، حياة من تحب بقائه، وتوفنا وفاة الشهداء، وفاة من تحب لقاءه، واجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، وافسح لنا بالقرآن العظيم ضيق مداخلنا، ولا تفضحنا يا مولانا في حاضر القيامة بموبقات الآثام، واعفُ عنا ما ارتكبنا من الحرام.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"بِكَ أَسْتَنْصِرُ فَانْصُرْنِي، وَعَلَيْكَ أَتَوَكَّلُ فَلَا تَكِلْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ فَلَا تُخَيَّبْنِي، وَفِي فَضْلِكَ أَرْغَبُ فَلَا تَحْرِمْنِي، وَلِجَنَابِكَ أَنْتَسِبُ فَلَا تُبْعِدْنِي، وَبِبَابِكَ أَقِفُ فَلَا تَطْرُدْنِي"
هذه المعارف بحسب ترقِّي العارف في مراتب القرب؛ لأن أول مفتاح أبواب الملكوت الذي من عالم القلوب .. هو الإيمان.
وثمرته وحقيقته: التوكل على الله، وحقيقٌ بنيل ما طلب حيث صح له مقام التوكل، لا يوكل إلى نفسه ولا إلى غير سيده؛ كما قال الله -وهو أصدق القائلين-: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]
ثم لما أُقيم في مقام العبودية لله بالدعاء.. فقال: " وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ" لأنك مشهودي، وأنت غاية مأمولي ومقصودي، فلا تخيبني كما قلتَ وقولك الحق: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]
وفي فضلك الفائض الغامر لذرات الوجود أرغب وأطلب، فلا تحرمني كما أنك أفضته عليَّ قبل سؤالي، فالمأمول من وصلك: ألا تحرمني بعد طلبي والتجائي، والحرمان: هو القطيعة من الخيرات.
ولجنابك الذي لا يضام نزيله، ولا يخيب دخيله أنتسب بالعبودية، فلا تبعدني بأن تبدل مقامي وتغير اسمي؛ بأن أكون عبدًا لغيرك من هوىً أو دنيا، وببابك أقف فلا تطردني، و وقوف العبد بباب سيده: هو لزومه لطاعاته، والتعلق بمظاهر تجلياته، وهذا غاية المطلوب، ومنتهى المرغوب، والطرد بضد ذلك: أن تجده مستعبدًا بظاهره للأسباب، ومتعلقًا بباطنه بها، فلا انفكاك له عنها، ولا انفلات له منها.
وهذه المعاني كلها مما يتأكد على المريد مراعاتها، وإمعان النظر في مضمونها؛ ليحذر من مهالك طرقاتها، ففيها انقطع أكثر الخلق وهم لا يشعرون، ولي في ذلك:
عليك متكلي يا من هو الله *** فلا تكلني فذاك السؤل والجاه
يا ناصرًا كل مستنصِرْ به وعلى *** كل النوائب والأهوال يرجاه
إياك أسأل غوث الطالبين ومن *** إليه يرغب فإن الله مولاه
وفي فضلك الغامر الفائِضْ عليه فلا *** تحرم نزيلًا يوافي نزل مولاه
ومن جنابك فلا تبعد لمنتسب *** أيضًا ولا تطرد الواقِفْ لحوباه"
نعم الله أكبر. يقول: "بِكَ أَسْتَنْصِرُ"؛ أي: أكرمتني بحيث لا أعتقد أن شيئًا غيرك ينصرني، فلا أطلب النصر من غيرك، بك وحدك أستنصر. يقول: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ) [آل عمران:160]، قال: بِكَ أَسْتَنْصِرُ" الله أكبر "فَانْصُرْنِي"؛ أي: اجعلني على صدق وحقيقة، فإنك تنصر من استنصر بك، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد:7]. اللهم انصرنا وثبت أقدامنا، اللهم انصرنا وثبت أقدامنا، اللهم انصرنا وثبت أقدامنا.
قال: و"هذه المعارف بحسب ترقِّي العارف" قال: فيفتح "أبواب الملكوت الذي من عالم القلوب" بحقائق الإيمان، وثمرته: "التوكل على الله"، والاعتماد عليه. "وحقيقٌ بنيل ما طلب حيث صح له مقام التوكل، لا يوكل إلى نفسه ولا إلى غير سيده" سبحانه وتعالى، "(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]".
فإذا كان كذلك فلا يطلب النصر إلا من الله، ولا يسأل إلا الله: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ". "وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ" قال: "لأنك مشهودي، وغاية مأمولي ومقصودي، "فَلاَ تُخَيّبْنِي"، بسر ما قلت، وقال ربكم: "(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]".
"وَفِي فَضْلِكَ أَرْغَبُ"، ما عاد عندي رغبات في فضل أحد، فلا أشهد الفضل إلا منك يا متفضل، بل صاحب الفضل "الفائض الغامر لذرات الوجود أرغب وأطلب" "فالمأمول من وصلك: ألا تحرمني بعد طلبي والتجائي"، كما أنك أفضت عليّ فضلك قبل سؤالي، قبل سؤالي وقبل طلبي. فالمرجو أن بعد سؤالي وطلبي، لا تقطع عني فضلك وإحسانك ولتزيدني منه. "الحرمان هو القطيعة من الخيرات".
قال: "و لجنابك الذي لا يضام نزيله، ولا يخيب دخيله" أي ضيفه "أنتسب بالعبودية"، بالعبودية للرب جل جلاله "فلا تبعدني بأن تبدل مقامي وتغير اسمي" وتخرجني من أدب العبودية معك -والعياذ بالله تعالى- وتجعلني عبد لهوى أو لدنيا أو لخلق أو لأي شيء.. اللهم أعذنا من ذلك.
" وَبِبَابِكَ أَقِفُ فَلَا تَطْرُدْنِي"
لَمْ أَزَلْ بِالْبَابِ وَاقِفْ *** فَارْحَمَنْ رَبِّي وُقُوفِي
وَبِوَادِي الْفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عُكُوفِي
وَلِحُسْنِ الظَّنِّ أُلَازِمْ *** فَهُوَ خِلِّي وَحَلِيفِي
وَأَنِيسِي وَجَلِيسِي *** طُولَ لَيْلِي ونهاري
ويوصلكم لوادي الفضل، إذا بتعرفون وادي الفضل؟ مما جعل الله تعالى من الفضائل، ووعد بالتفضل عليه من الجماعات والخيرات والطاعات والأذكار، هذه مقدّمات توصلكم إلى وادي الفضل، تعرّفكم أين وادي الفضل. إذا عرفتوا وادي الفضل، بعدين تسكنون فيه، قال:
وَبِوَادِي الْفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عكوفي
فالطريق إلى وادي الفضل:
أن تغتنم وأن تترقب النفحات الإلهية، تتعرض بكل المواطن التي وعدك الله فيها بفضله؛ من جماعة، ومجالس علم، وتعاون على الخير، و البر والتقوى، وقراءة القرآن، وما إلى ذلك، فإذا قمت بحقها تعرف أين وادي الفضل، بعدين تجيء إليه تسكن فيه، من دخله ما عاد يخرج منه.
وَبِوَادِي الْفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عكوفي
يارب أكرمنا، يارب أكرمنا، يارب أتحفنا، يارب امنحنا، يارب تفضل علينا.
قال: " وَبِبَابِكَ أَقِفُ فَلَا تَطْرُدْنِي"، "وهذا غاية المطلوب، ومنتهى المرغوب، والطرد بضد ذلك: تجعله "مستعبدًا بظاهره للأسباب، ومتعلقًا بباطنه بها"، فلا يزال معها مقطوعًا عن ربه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- من كل مفتون بالأسباب خالٍ عن الحق والصبر. فهذه المعاني كل ما يتأكد على المريد مراعاتها وإمعان النظر فيها، ليحذر من مهالك طرقاتها، ففيها انقطع أكثر الخلق وهم لا يشعرون، والعياذ بالله تعالى.
رَبِّي عَلَيْكَ اعْتِمَادِي *** كَمَا إِلَيْكَ اسْتِنَادِي
صِدْقًا وَأَقْصَى مُرَادِي *** رِضَاؤُكَ الدَّائِمُ الحَالْ
فإن وكلتنا فمن لنا؟ حاشاك أن تهملنا حاشاك أن ُتخلِنا، فمنك كُلُّ، فمنك كُلُّ نعمة بنا، الله يأخذ بأيدينا إليه.
وقائلا بافتقارٍ لا يفارقني *** يا سيدي يا كريم الوجه خذ بيدي
يا سيدي يا كريم الوجه خذ بيدي، يا سيدي يا كريم الوجه خذ بيدي.
يقول:
يا أولًا يا آخرًا *** يا ظاهرًا يا باطنًا
لك القِدَم ولنا الحدوث *** ولك البقاء ولنا الفنا
يا حي يا قيوم إن *** وكلتنا فمن لنا
حاشاك أن تهملنا *** حاشاك أن تُخَلِّنَا
يَا أَمَلَ المؤملين *** وَيَا مَلَاذًا كُن لنا
فمنك كل خيرةٍ *** وكل نعمة بنا
أَحْسَنْتَ فِيمَا قَدْ مَضَى *** أبِّد وَزِدْ يَا مُحْسِنا
ها أنا ذَا عُبيدك *** الجَانِي المقصر بالفنا
مستغفرًا لذنبه *** معترفا بما جنى
يرى افتقاره إليك *** عَلَى الدوام هو الغنى
ولعز قهرِك خاضع *** متواضع متمسكنا
ولقد سبته حظوظه *** حتى لقي منها العنا
ملكته أمنيات نفس *** همّها عَرَض الدنا
ولقد أتاك بيأسه *** عما سواك ولا انثنى
صفر اليدين يمدها *** فأنله غايات المنى
وأذقه برد رضاك عنه *** لكي يدوم له الهنا
وأحيه لك مسلمًا *** وتوفّهُ بك موقنًا
واجعله يوم نشوره ***من كل خوف آمنًا
يا رب العالمين يا أرحم الراحمين.
واجعله يوم نشوره *** من كل خوف آمنًا
ينظمنا في سلكه، ويحملنا في فُلكه، ويوفر حظنا من ذكرى ميلاده، ومن ذكر أحواله وشؤونه، ومن الصلاة عليه ﷺ، ومن اتصال القلب به، ومن اتصال الروح به، ومن اتصال السر به، يحضرنا في حضرته، ويسعدنا بنظرته، ويجعلنا في خواص أهل إحياء سنته، وأهل حسن متابعته، وأهل خدمة شريعته وملته وأمته على خير الوجوه وأكملها. ويوفِّر حظنا من هذه الليلة، ومن كل ليلة، ومن جميع الساعات والأناء واللحظات. وينظمنا في سلك خير البريات، يرفعنا به إلى عليّ المقامات، ينظر به إلى جميع أهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا وأحبابنا وطلابنا وأصحابنا ومن يوالينا، ويملأهم باليقين والإيمان والإخلاص والصدق والنقاء والتقى والعفاف والاستقامة، ويتحف بالكرامة. وأن يقينا وإياهم جميع الأسواء وكل بلوى، ويحققنا بحقائق التقوى، ويلحقنا بأهل التقوى، وأن يختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 ربيع الثاني 1448