المكاتبات والمناجاة الإلهية - 22 | إلهي؛ أمرت بالرجوع إلى الآثار

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأحد 10 ربيع الأول 1448 هجري.

إلهي؛ أَمرتَ بالرجوعِ  إلى الآثار، فارجعني إليها بكُسوَةِ الأنوار وهدايةِ الاستبصار؛ حتى أرجِعَ إليك منها، مَصُونَ السِّرِّ عن النَّظَرِ إليها، ومرفوعَ الهمةِ عن الاعتمادِ عليها؛ إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ 

إلهي؛ ذُلِّي ظَاهِرٌ بين يَدَيْك، وحالي لا يَخْفَى عليك، مِنْكَ أطلُبُ الوصولَ إليك، وبك أَستَدِلُّ عليك، فاهدني بِنُورِكَ إليك، وَأَقِمْنِي بصِدْقِ العُبُودِيَّةِ بين يَدَيْك 

إلهي؛ عَلِّمْنِي مِن عِلْمِكَ المَخْزُون، وَصُنِّي بِسِرِّ اسْمِكَ المَصُون؛ الذي إذا قُلتَ به للشيءِ: ( كُنْ ) فَيُكُون.

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

  "إِلَـٰهِي؛ أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْآثَارِ، فَارْجِعْنِي إِلَيْهَا بِكُسْوَةِ الْأَنْوَارِ وَهِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْهَا، مَصُونَ السِّرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الْأَعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ."

 "إِلَـٰهِي" بمعنى وليِّ أمري في الإدخال والإخراج، الآمر لعبده في كليات الأحوال، ومكلفه وظائف الأعمال، "أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْآثَارِ، فَارْجِعْنِي إِلَيْهَا بِكُسْوَةِ الْأَنْوَارِ وَهِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْهَا، مَصُونَ السِّرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الْأَعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" أمرت بالرجوع إلى الآثار لأداء ما توجَّه على العبد من الحقوق الواجبة، وما سبق له من الأقسام العاجلة، حتى يستكمل ما له منها، ويؤدي ما وجب عليه، فيرجع بعد كمال المعرفة واستخلاص التوحيد بجميع أطواره، فسأل المؤلف حِفظَ ما شهد من التوحيد، وأشرق عليه من أنوار التفريد: أن يُحفَظ حال رجوعه إلى تفرقة التعديد بين طبقات العبيد، وتوارد الأضداد الذي منها: ما يشير إلى القرب، ومنها: ما يدعو إلى البعاد.

فإذا رجع إليها بكسوة الأنوار القدسية مؤيدًا، وبعزِّ الأحدية مؤزرًا وبالمعارف الحقية مستبصرًا .. كان رجوعه إليها بالله؛ لأنه صار له يدًا ومؤيدًا، وبصرًا وسمعًا، وغير ذلك من استغراق أنوار المعية الحقية؛ ما تغيب به الأعيان الخلقية، فلا تأخذ منه شيئًا، بل يأخذ منها ولا يكون له اعتماد عليها، ولا نظر إليها، وكيف ينظر إليها وقد طويت بأنوار موجدها؟! وكيف يعتمد عليها وقد اضمحلت في ظهور مبدعها؟!

فلا جرم أن يرجع إلى الله إذا كان كذلك محفوظ السر عنها، مؤيدًا بالنصر عليها، كما دخلها بالله .. خرج إليه به؛ إذ لم يحجبه عن شهود سیده.

"إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" لأن الأشياء كلها على فلك اقتدارك دائرة، وتحت سلطان مشيئتك ناظرة، فلا يعجزك حفظي عنها وأنا شيء من هذه الأشياء، وإذا توجهت قدرتك إلي بالتأييد، ومشيئتك بالتسديد.. لم تأخذني كثرة مظاهر التعديد، ولم ينتصر عليَّ كل معاند عنيد، ولي في ذلك:

لأهل النهايات أمرٌ بالرجوع إلى*** مظاهر الخلق في الآثار والغيَرِ

 ليكملوا كل نقص مثل ما كملوا *** وإيفاء حق وجَبْ في سابق القدرِ

إذا سبق ذاك فارجعني إليك كما *** دخلت منها مصون السِّر والنظرِ"

 

لا إله إلا الله.

الحمد لله الذي له عجائب الدلالة والتبيين، والتخصيص والتعيين لأهل التمكين وأهل التلوين، كلٌّ بما يليق بمنزلته في فهمه عن إلهه، ومعاملته إياه في جميع الشؤون والأحايين.

لا إله إلا الله يُقَرِّب من شاء في مراتب التقريب، ويُجْزِل لمن شاء الحظ والنصيب من عطائه الواسع الرحيب، محمد عبده ورسوله مفتاح باب رحماته لكل منيب، وإمام السالكين في سبيله من كل لبيب. اللهم أدم صلواتك على أحب حبيب وأقرب قريب، عبدك المختار ذي الجاه الواسع الرحيب، سيدنا محمد وعلى آله ومن له صحيب، وعلى من والاه فيك واتبعه في مسلك حسن التسليك والتأديب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الدلالة عليك والإيصال إليك بما آتيتهم من سرك العالي العجيب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد؛ 

فيذكر في مناجاة الشيخ مسألة الرجوع إلى الآثار، والآثار بداية هي الكائنات وما فيها آثار الأسماء والصفات، أمرنا الله بدايةً بحسن التعامل معها:

  • أن لا نعتمد عليها
  •  ولا تكون لنا مقصدًا يحجبنا عن خالص قصد وجهه الكريم.

ومن فعل ذلك منا، فإنه يورِد عليه -تبارك وتعالى- بمقتضى كرمه ورحمته ما يُخَلِّصه عن الالتفات إلى الكائنات، وما به يفنى عن جميع الحادثات، فيحصل له درجة في القرب من الله والمعرفة بالله تُسَمى: درجة الفناء في الله جل جلاله. فيغيب عن هذا الوجود في شهوده للواحد الموجود سبحانه وتعالى، والملك المعبود، والإله المقصود، والرب المشهود سبحانه. ويطيب له ذلك، ولكن هذه الأحوال لا تدوم، ولأجل أن يكَمِّل بعدما كُمِّل يؤمر بالرجوع إلى الآثار. 

والرجوع إلى الآثار يسمى عند أهل هذه المسالك: البقاء بالله؛ بعد الفناء في الله، البقاء بالله. ويرجع إلى مشاهدة الخلائق والكائنات والتعامل معها، لكن على وجه غير الوجه الذي كان يتعامل به قبل أن يفنى، فيرجع إليها على وجه أعلى وأجل وأسنى، يتعامل معها بالله ولله -سبحانه وتعالى- على حالٍ يرضاه الله. 

وذكر الإمام الحداد المقامين ، مقام الفناء ثم مقام البقاء، قال:

ولي أملٌ ورا هذا بعيد *** وذاك بأن أصير إلى الحبيب

أشاهده مشاهدة فأفنى *** عن الكون البعيد مع القريب

وأن أبقى به بعد التفاني *** فيا بشرايَ ما أوفى نصيبي

وكل ما كتب الله -تعالى- للواصل إليه قيام نفع به وإصلاحٍ لعباده، قوّاه في البقاء به ليرجع إلى الخلق داعيًا إليه ودالًّا عليه، وموصلًا إليه سبحانه وتعالى، فهم درجات عند الله.

 ويتحدث -عليه رضوان الله تعالى- كيف يرجع هذا صاحب الوصول إلى الله، يرجع إلى الخلق بعد أن يمر ويُكرم بالفناء. يقول سيدنا الإمام الحداد:

أحبكم لكم ولما منحتم *** من الإحسان واللطف العجيب

وكم أهدت إلى سِرِّي يداكم *** مواهب دونها أرب الأريب

من المعارف واللطائف والأذواق. قال:

وكم برزت لروحي من حِماكم *** مُحَجَّبة عن الفطن اللبيب

ما يدركها إلا الخواص..

ولي أملٌ ورا هذا بعيد *** وذلك أن أصير إلى الحبيب

وأشهَده مشاهدة وأفنى *** عن الكون البعيد مع القريب

وأن أبقى به بعد التفاني *** فيا بشرايَ ما أوفى نصيبي

يقول -عليه رحمة الله- في دعائه للرب: "إلهي"؛ "بمعنى وليِّ أمري في الإدخال والإخراج" والإعطاء والمنع والأخذ والرد، "الآمر لعبده في كليات الأحوال، ومكلفه وظائف الأعمال، "أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْآثَارِ""، فاجعل رجعتي إليها على هذا الحال، " فَارْجِعْنِي إِلَيْهَا بِكُسْوَةِ الْأَنْوَارِ وَهِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ"، حتى أرجع إليها لا رغبة فيها، ولا منشغلًا بها، ولا منقطعًا بها عنك، ولكن عاملًا بك فيها ما يزيدني قربًا منك، وأدبًا معك، وحضورًا بين يديك. 

"حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْهَا، مَصُونَ السِّرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الْأَعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". "أمرت بالرجوع إلى الآثار لأداء ما توجه على العبد من الحقوق الواجبة، وما سبق له من الأقسام العاجلة، حتى يستكمل ما له منها ويؤدي ما وجب عليه، فيرجع بعد كمال المعرفة واستخلاص التوحيد بجميع أطواره". يرجع إلى الكائنات والتعامل معها، 

قال: "فسأل المؤلف حفظ ما شهد من التوحيد وأشرق عليه من أنوار التفريد"، سأل "أن يحفظ حال رجوعه إلى تفرقة التعديد بين طبقات العبيد وتوارد الأضداد، الذي منها ما يشير إلى القرب ومنها ما يدعو إلى البعاد". 

بل "إذا رجع إليها بكسوة الأنوار مؤيَّدًا وبعز الأحدية مؤزرًا وبالمعارف الحقيقة مستبصرًا، كان رجوعه إليها بالله، لأن الله صار له يدًا ومؤيدًا وبصرًا وسمعًا، وغير ذلك من استغراق أنوار المعية الحقية". وقال الله: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [المائدة:12].

 قال: "ما تغيب به الأعيان الخلقية، فلا تأخذ منه شيئًا، بل يأخذ منها" -هو- "ولا يكون له اعتماد عليها ولا نظر إليها". 

  • لا تأخذ منه؛ فتقطعه ولا تحجبه ولا توقعه في الغفلة، 
  • بل يشتغل بها ذاكرًا لله فيها وبها، مسخرًا لها في طلب مرضاته، غير معتمد عليها ولا مستند إليها. 

فيصير تعامله مع الأسباب والكائنات تعامل رفيع شريف عزيز، ما هو تعامل عامة المسلمين، يتعامل معها بالله، يأخذ منها ولا تأخذ منه، يتصرف فيها ولا تتصرف فيه، يؤثر فيها وما تؤثر فيه، إلا ما زاده وجهته إلى الله وأدبه مع الله فيها قربًا ومحبة، فيزداد كذلك، يزداد معرفة ويزداد محبة. 

لا إله إلا الله.

يقول: "وكيف ينظر إليها وقد طويت بأنوار موجدها"، الذي شهده -سبحانه وتعالى- فما عاد بقي له التفات إليها؟! "وكيف يعتمد عليها وقد اضمحلّت في ظهور مبدعها" وموجدها سبحانه وتعالى؟ يكون رجّاعًا إلى الله -تعالى- في كل ما يزاوله من شؤون الأسباب والكائنات والماديات. 

قال: "إذا كان كذلك محفوظ السر عنها، مؤيدًا بالنصر عليها، كما دخلها بالله خرج إليه به، إذ لم يحجبه عن شهود سيده" حاجب قط. قال: "إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ." سبحانك، "لأن الأشياء كلها على فلك اقتدارك دائرة، وتحت سلطان مشيئتك ناظرة، فلا يُعْجِزك حفظي عنها وأنا شيء من هذه الأشياء. وإذا توجهت قدرتك إلي بالتأييد ومشيئتك -إليّ- بالتسديد، لم تأخذني كثرة مظاهر التعديد، ولم ينتصر عليّ كل معاند عنيد". فمع الكثرة أنا أشهد الوحدة، لأن أصلها واحد ومرجعها إلى واحد، ولا أتعامل معها إلا لهذا الإله الواحد جل جلاله. 

وفي هذا الحال يقول سيدنا الجنيد محمد، وغيره من الأكابر: لي عشرون سنة أو أربعون سنة يظنني الناس أتكلم معهم، وأنا لا أتكلم إلا مع الله! يعني: يظنون مثل ما يتكلمون مع بعضهم البعض، أنا نحن نتكلم هكذا، قال: نحن في حضور مع الله -تعالى- ونكلم الناس بما أحب الله على حسب ما علّمنا مما يحب، في نطاق رفيع من أن نلتفت إليهم أو نعوّل عليهم أو نخشاهم أو نرجوهم أو يكون لنا تعلق... فكلامنا كله له ومن أجله سبحانه وتعالى، فنحن نتكلم مع الله. لا إله إلا الله تعالى في علاه.

ولهذا قال: "ولي في ذلك

لاهل النهايات أمر بالرجوع إلى *** مظاهر الخلق في الآثار والغِيَر

 ليكملوا كل نقص مثل ما كَمُلوا *** ………….

هو مكملهم ثم يُكَمِّلون، يُكَمِّلون ماحواليهم ومن سواهم بما كملهم 

……………… *** وإيفاء حق وجب في سابق القدر

إذا سبق ذاك فأرجعني إليك كما *** دخلت منها مصون السر والنظر.

 

رضي الله عنكم إلى أن قال:

"إِلَـٰهِي؛ ذُلِّي ظَاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَحَالِي لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَيْكَ، وَبِكَ أَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِنِي بِنُورِكَ إِلَيْكَ، وَأَقِمْنِي بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك"

"إِلَـٰهِي" بمعنى العزيز في قربه، والقريب في عزِّه، واللطيف في عظمته، والعظيم في لطْفه، والمعبود بالاستحقاق على سائر العباد "ذُلِّي ظَاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَحَالِي لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَيْكَ، وَبِكَ أَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِنِي بِنُورِكَ إِلَيْكَ، وَأَقِمْنِي بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك".

الذل: هو صفة العبد بين يدي السيد العزيز، والمتفضِّل الكريم، وهو روح العبودية لله، وبمثل هذه المناجاة تحسن عند المفاجاة، وبها تقرع خزائن العطاء، فإذا أراد الله إعزاز عبدٍ .. عرفَّه ذلَّ نفسه، وذبول حسِّه، وغيَّبه عن رؤية أبناء جنسه، حتى تحلو له المناجاة، وتصفو له المفاتحة.

وإذا أراد الله إهانة عبدٍ .. حجبه عن ذل نفسه، وأراه الحسن منها، وغطى عنه عيوبها، وسلَّط عليه الخلق؛ ليشغلوه عن الله بالقيل والقال، ووعَّر عليه مسالك الوصال، وزيَّن له طرق الضُّلَّال، ومخالطة الجهَّال وأهل القسوة والضُّلَّال، وحرمه مجالسة الأبدال، وحقَّرَ إليه أهل الله أهلَ الكمال، نعوذ بالله من هذا الحال، وجنَّبنا طريق الجهَّال، والغواة الضُلاَّل.

"مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ"؛ إذ لا يُطلب الوصول إليه إلا به، وهذا حال العارفين؛ لا يجدون سببًا يوصل إليه سواه، ولا وسيلة يتوسل بها إلا إياه؛ لأن نظرهم لا يسبق إلى غيره، بل مطالبهم وهممهم وقفٌ عليه، "وَبِكَ أَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ" إذ لا دليل عليك أظهر منك، فكيف يستدل بغيره وهو الذي أظهره، وبباهر قدرته قدَّره، وبمشيئته دبَّره؟!

"فَاهْدِنِي بِنُورِكَ إِلَيْكَ"، وهذا النور هو نور الإيمان الكائن في داخل الجَنان، وهو في القلب كالإنسان من العيان، ويعبر عنه بالإيقان.

والإقامة بصدق العبودية لا تكون إلا بتأييد من الله لعبده، وإلا لم يخلص من شوائب وآفات، وإذا حصل التأييد والإقامة من الله كما ذكر.. حصل على الأدب ظاهرًا وباطنًا، فاستسلم للأمر باطنًا، وانقاد للأحكام ظاهرًا، ولي في ذلك:

ذلي له ظاهر والحال بادية *** لديه لم يخف حال العبد مولاه

فمنك نطلب ما نرجو ولا حرج *** لأنَّ ما ثَمَّ غير الله نرجاه 

 

جل جلاله وتعالى في علاه.

يقول: "إِلَـٰهِي؛ ذُلِّي ظَاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ". اللهم حققنا بحقائق الذلة لك. "وَحَالِي لَا يَخْفَى عَلَيْكَ"، فسامحنا واعفُ عنا وأصلحنا وجمِّل حالنا، وتقبل منا واعف عنا واغفر لنا وصلنا وقربنا إليك زلفى. "مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَيْكَ"، فإنه مهما عملنا، ومهما اجتهدنا، ومهما تصفينا، ومهما تنقينا، ومهما تهذبنا، ومهما حضرنا، لا نقدر على الوصول إليك، ولا نستطيع الوصول.. إلا منك؛ أن تكرم أنت بكشف الحجاب، أن تكرم أنت بشريف الاقتراب، أن تكرم أنت بطيِّ المسافة وإبعاد الآفة حتى نصل إليك.

قال: "الذل: صفة العبد بين يدي سيده العزيز والمتفضل الكريم، وهو روح العبودية لله". الله أكبر! قال: "بمثل هذه المناجاة"، التحقق بالذلة والانكسار والافتقار، "تحسن عند المفاجأة، وبها تُقرَع خزائن العطاء". يقول الرب: أنا عند المنكسرة قلوبهم من؟… من أجلي. قال: "إذا أراد الله إعزاز عبد" من عبيده عرفه ذل نفسه، فتذلل لسيده، ويعرفه "ذبول حسه، ويغيبه عن رؤية أبناء جنسه"، وأن لا لأحد منهم مع الله تقديم أو تأخير أو رفع أو خفض أو عطاء أو منع. قال: "حتى تحلو له المناجاة" في ذلته للمولى جل جلاله، "وتصفو له المفاتحة". قال الله في الملأ الأعلى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26]، غاية الذلة للرحمن سبحانه وتعالى. 

قال: "تحلو له المناجاة وتصفو له المفاتحة"، يفاتحه الله بمعاني وأسرار وأذواق ومعارف كثيرة. قال: هذا إذا أراد الله إعزازه؛ من أراد الله يعزه يسلك به هذا المسلك، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8] المتذللين الخاشعين الصادقين المنيبين الأوابين لهم العزة.

"وإذا أراد الله إهانة" أي "عبد" من العباد، يحجبه "عن ذل نفسه"، ما يشاهد لنفسه ذل، يقول: أنا قوي! من بيقوم قبلي؟ …..، وبعدين لو جاءت له قليل مغصة بيسقط محله، مسكين، لو آلمته عينه بيقعد محله، لو آلمه سنه يصيح…، أين القوة حقك؟ لكنه مسكين مغتر بنفسه، ينحجب عن معرفة حقيقة نفسه وذله. "إذا أراد الله يهين عبد حجبه عن ذل نفسه وأراه الحُسن" من نفسه، أنه مقتدر، قوي، يرتب، مخطط، عارف تمام، ما يخلي حد يزيد عليه، تمام!... إذا أراد الله ذله يسلك به هذا المسلك أعوذ بالله من غضب الله. 

قال: ويغطي عنه عيوب نفسه، ويسلط عليه الخلق ليشغلوه عن الله بالقيل والقال. إيش تقول؟ بتشوف إيش بصلِّح، بعد أنا بجي لك بتشوف ثاني يوم، وبطلِّع وبنزِّل وبجي.. إن هو والخلائق في مراجمة ومضاربة بلا معنى ولا حس -لاحول ولا قوة إلا بالله- ليشغلوه عن الله بالقيل والقال، ووعَّر عليه مسالك الوصال، وزيَّن له طرق الضُّلَّال، ومخالطة الجهال"؛ من هم مثله مقطوعين عن الله، يسمع كلامهم ويشاورهم ويروح عندهم ويميل إليهم -لا حول ولا قوة إلا بالله- "ومخالطة الجهال وأهل القسوة والضُّلَّال، ويحرمه مجالسة الأبدال" والصالحين والأتقياء، بل يحقِّر إليه أهل المراتب العلى والشرف الأفخر عند الله تعالى. يقول: مساكين هؤلاء، مساكين إيش؟! مساكين لله نعم، هم الأعزاء بالله، أنت مسكين للنفس وللهوى وللخلق يا غافل! فيحتقر أهل الله وأهل المراتب عند الله تعالى. لا إله إلا الله. 

"نعوذ بالله من هذا الحال، وجنبنا طريق الجهال والضلال". فخلاص إذا أراد الله ذله يعيش هذا حياته هكذا حتى يفاجئه الموت، تنكشف الستارة، يجد نفسه على غرور وزور، وأنه ضائع وبعيد عن الله محروم يلتفت يمين شمال ما عاد له منقذ ولا له مغيث، ولا له…. ويستمر في الإهانة والذل إلى الأبد والعياذ بالله تبارك وتعالى. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ) [الزمر:60-61]. 

يقول: "مِنْكَ أَطْلُبُ الْوُصُولَ"، "إذ لا يطلب الوصول إليه إلا به. وهذا حال العارفين"، يقول سيدنا عبد القادر الجيلاني في الأعمال الصالحة وإحسانها وإتقانها: بكِ لا نصل، ولا بد منكِ! لا بد منكِ، لكن الوصول ما هو بكِ، لابد واجبنا وحق عبوديتنا نتقنكِ ونقوم بالأعمال، ولكن الوصول إنما من عنده، فمهما اجتهد ومهما جاد فهي إقامة للعبودية وتحبُّب إلى الرب، ولا وصول إلا به ومنه سبحانه وتعالى. لا إله إلا الله. 

"إذ لا يطلب الوصول إليه إلا به. هذا حال العارفين، لا يجدون سببا يوصل إليه سواه، ولا وسيلة يتوسل بها إلا إياه، لأن نظرهم لا يسبق إلى غيره، بل مطالبهم وهممهم وقف عليه" سبحانه وتعالى. قال الشيخ ابن الفارض:

وقفٌ عليه محبتي ولمحنتي *** بأقل من تلفي به لا أشتفي

ما أشتفي بأقل من تلفي، أن أضمحل تمامًا من أجله.

ولإن رضي غيري بطيف خياله *** فأنا الذي بوصاله لا أكتفي

لا إله إلا الله. 

قال: "وَبِكَ أَسْتَدِلُّ عَلَيْكَ"، "إذ لا دليل عليك أظهر منك، فكيف يستدل بغيره وهو الذي أظهره، وبباهر قدرته قدره، وبمشيئته دبره"، هذا الظاهر الحق الذي أظهر هذا ودبَّره، وتستدل بالمُظهَر المدبَّر على المظهِر المدبِّر؟! هو أظهر منه جل جلاله. لا إله إلا الله. قال: "والإقامة بصدق العبودية لا تكون إلا بتأييد من الله لعبده"، اللهم أيدنا بتأييدك، "وإلا لم يخلص من شوائب وآفات". لا إله إلا الله. فالله ينظر إلينا وإليكم نظرة رحمة يلحقنا بها بالصادقين الأئمة. آمين.

ذلي له ظاهر والحال باديةٌ لديه *** لم يخفَ حال العبد مولاه

فمنك نطلب ما نرجو ولا حرجٌ *** لأن ما ثم غير الله نرجاه

لا إله إلا هو.

 

رضي الله عنكم إلى أن قال: 

"إِلَـٰهِي، عَلِّمْنِي مِنْ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ، وَصُنِّي بِسِرِِّ اسْمِكَ الْمَصُونِ؛ الَّذِي إِذَا قُلْتَ بِهِ لِلشَّيْءِ: "كُنْ".. فَيُكُونُ"

"إِلَـٰهِي" بمعنى العالم بتفاصيل العلوم، والمحيط بكل معلوم، الوهاب أنوار الفهوم؛ لمن اختصه من العموم "عَلِّمْنِي مِنْ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ، وَصُنِّي بِسِرِِّ اسْمِكَ الْمَصُونِ؛ الَّذِي إِذَا قُلْتَ بِهِ لِلشَّيْءِ: "كُنْ".. فَيُكُونُ"

والعلم المخزون في خزائن: (ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم:1]، فمن علم ذلك العلم الذي هو كهيئة المكنون الذي ينطق به العلماء بالله، وينكرهم عليهم أهل الغِرَّة بالله، هو العلم بما لا يدخل تحت ظروف اللفظ والقول، ويتعالى مشهده على ما فوق الحول والطول، ولا يتناهى فيه إلى الوصول.

وهو مفاتح خزائن الغيب في أسرار الصفات لمعاني الذات، الذي تفنى عند التحقق به سائر اللذات، حتى يغيب نعيم الجنات، ولا يذوقه إلا الذائقون من عباد الله، الذين شربوا صِرف شراب شهود نور الذات، الممزوج من شرابهم لأهل صفو الحالات، أهل مقام الشهادات، ويعبِّرعن أنموذج من ظهوره في الدنيا بالعلم اللدني، الذي يلقيه الله لخواصِّ عباده من غير تعلُّمٍ ولا دراسة، فيكشف مدخور ما ادّخره حرف  من كلامه، فينكشف ما وراء الغيوب الخمسة؛ وهو: 

الغيب العرشي، والغيب الكرسي، والغيب السماوي، والغيب الملكوتي، والغيب الجبروتي. 

فعند انكشاف هذه الغيوب.. تطلع فجر الشموس الوصفية، والمعاني الذاتية، وبها يخرج عن مضيق دائرة الحسِّ، ولم يشَمُّ رائحة الكشف، بل في تماويه وخيالات وغرور، ودعاوي كاذبة وزور.

والصيانة بالاسم المصون: هو أن يصون سرَّه عن الالتفات إلى الأغيار، والاعتماد على الآثار، والانقهار تحت كثيف العادات، ورذائل الشهوات؛ فمن انصان تحت صوان الاسم الأعظم من هجوم بيان نعتات المهمات.. فيكون له حافظًا، وعليه محيطًا وافيًا، ولي في ذلك:

علمني العلم ذي من كان يعلمه ***  تعده عالمًا في السادة الأمنا

فعلمك لي إليك انضاف جانبه *** هو ما ادخر تحت صون الغيب واكتمنا

وسر إسمك كينان فعالمه *** لم يخش ريبًا ولم يعبث به الزمنا"

 

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. 

يقول:

"إِلَـٰهِي، عَلِّمْنِي مِنْ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ، وَصُنِّي بِسِرِِّ اسْمِكَ الْمَصُونِ؛ الَّذِي إِذَا قُلْتَ بِهِ لِلشَّيْءِ: "كُنْ".. فَيُكُونُ"

يقول: يا عالم بتفاصيل العلوم والمحيط بكل معلوم، الذي تهب الفهوم لمن اختصصته أنت من العموم. يقول: علمني من علمك المخزون. قال: "والعلم المخزون في خزائن (ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)"، جعل الله تعالى من نتائجه بروز سيد العلماء به: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وسيرجع الكل إلى إدراك الحقيقة.. (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) [القلم:1-8].

 قال: "فمن علم ذلك العِلم الذي هو كهيئة المكنون، الذي ينطق به العلماء بالله، وينكره عليهم أهل الغِرَّة"؛ المغرورون الغرة "بالله، هو العلم بما لا يدخل تحت ظروف اللفظ والقول، ويتعالى مشهده على ما فوق الحول والطول، وما يتناهى فيه إلى الوصول". 

قال: "وهو مفاتح خزائن الغيب في أسرار الصفات"؛ أي: صفات الحق تعالى، "لمعاني الذات". مفتاح خزائن الغيب في أسرار الصفات لمعاني الذات، "الذي تفنى عند التحقق به سائر اللذات." عند التحقق بهذا تفنى سائر اللذات، حتى أنه عند ذوق هذا يعرفون معنى قوله تعالى في: أفلا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟، يعني نعيم الجنة تذوب عندهم، ..أفضل، يعطيهم أفضل من ذلك؛ سر رضوانه والنظر إلى وجهه أعظم من نعيم الجنة، فاللذات كلها هذه الحسية تتلاشى عند هذه اللذة الروحية السرية. 

سمعت؟.. 

قال: "ولا يذوقه إلا الذائقون من عباد الله الذين شربوا صرف شراب شهود نور الذات" -جل جلاله- ومن شرابهم هذا يُمزَج شراب أهل صفو الحالات أهل مقام الشهادات كما حالهم في الجنة، عبر الله عنه، قال سبحانه وتعالى في سورة المطففين مبينًا هاتين الحالتين في مزج الشراب للأبرار من الشراب الخالص للمقربين، يقول جل جلاله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) مزاج هذا الشراب الذي يشربونه (مِن تَسْنِيمٍ) أين التسنيم؟ قال: عند من هم فوق: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) الذي هم فوق يشربون من عين التسنيم مباشرة، ويوصلون لهم مزاج لباقي الأبرار الذين في الجنة: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:22-28]. اللهم ألحقنا بالمقربين في عافية.

 يقول: "ويعبر عن الأنموذج من ظهوره في الدنيا بالعلم اللدني". اللهم إنا نسألك العلم اللدني والمشرَب الصافي الهني يا وهاب يا غني. اللهم إنا نسألك العلم اللدني والمشرَب الصافي الهني يا وهاب يا غني. اللهم إنا نسألك العلم اللدني والمشرَب الصافي الهني يا وهاب يا غني. فاجعل لنا في خاتمة هذه الأيام للدورة منك نظرة، تقسم لنا بها بنصيب من العلم اللدني يا الله، يا الله نسألك العلم اللدني والمشرَب الصافي الهني.

قال: "الذي يلقيه الله لخواص عباده من غير تعلم ولا دراسة. فيكشف مذخور ما ادخره حرف من كلامه جل جلاله، فينكشف ما وراء الغيوب الخمسة" 

  • غيب العرش
  • والكرسي
  • والسماوات
  • والغيب الملكوت (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75] وما يخرج عن إدراك الحواس الخمس من أسرار السماوات والأرض. 
  • والغيب الجبروتي وهو ما بين عالم الملكوت وعالم اللاهوت: عالم الجبروت، وتظهر فيه أسرار عظمته -جل جلاله- وكبريائه وجلاله. 

قال: "فعند انكشاف هذه الغيوب تطلع فجر الشموس الوصفية والمعاني الذاتية، وبها يخرج عن مضيق دائرة الحس ولم يشم رائحة الكشف بل في تماويه وخيالات وغرور ودعاوي كاذبة وزور".

قال: "والصيانة بالاسم المصون هو: أن يصون" الحق -تعالى- سر الإنسان "عن الالتفات إلى الأغيار، والاعتماد على الآثار، والانقهار تحت كثيف العادات ورذائل الشهوات، فمن" حُفِظ "وانصان تحت صوان الاسم الأعظم من هجوم بغتات المهمات، فيكون له حافظًا وعليه محيطًا واقيًا". فالله يكرمنا وإياكم.

 

"إِلهِي؛ حَقِّقْنِي بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بِي مَسَالِكَ أَهْلِ الْجَذْبِ."

"إِلهِي"؛ بمعنى الولي بتدبيري في سائر إراداتي، الواهب لمن يشاء الكنز الأعظم، وهو التحقق بالمقام الأنهى "حَقِّقْنِي بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بِي مَسَالِكَ أَهْلِ الْجَذْبِ" التحقق بالحقائق القربية في منتهى نهاية الفناء في المحبوب، والظفر بالمنى ونيل نهاية المطلوب، وهو البقاء المحقق الذي من وصل إليه.. لم يجد وجودًا لغير الملك الحق، فيُغنى  به عن تدبيره لنفسه، فضلاً عن أن يكون له إلى الأغيار استناد في جلب نفع أو دفع ضر، وتخرق حجب الأكوان ببصيرته، فيراها كشفًا محققًا، فلا يعبأ بالخيالات الوهمية، ومسالك أهل الجذب هم المؤهلون للمحبة في سابق العلم، فهم المحبون المخطوبون للوصال، الذين اختطفوا من الحضيض الأدنى، إلى بحبوح القرب الأنهى، من غير تعب ولا عناء، بل محمولون في محفة المنة، فالسابق إلى قلوبهم وجود محبوبهم، فلا يدخلون في الأشياء إلا به، ولا يخرجون عنها إلا به؛ لأنه السابق لهم بمحبته، والمتولي لهم برعايته، فهم أهل الفتح المبين، ولي في ذلك:

يا من تحقق أسراراً بما وهبت *** من منة القرب حتى طاب مثواها

 في حضرة الحق من توحيده امتلأت *** وكان في قاب قوس القرب مأواها

 اسلك بنا مسلكاً فاقت مراتبه *** بجذبة منك وأتحفنا برؤياها

 

ثم ذكر دعوة بعد ذلك: "إِلهِي؛ حَقِّقْنِي بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بِي مَسَالِكَ أَهْلِ الْجَذْبِ"؛ أي: الذين تجذبهم إليك وتُنَحِّي عنهم الحجب، لأنه من دون جذب إليه ما يصل الواصل مهما كان، حتى يجذبه الحق -تبارك وتعالى- إليه. يقول: ""إِلهِي"؛ بمعنى الولي بتدبيري في سائر إراداتي، الواهب لمن يشاء الكنز الأعظم، وهو التحقق بالمقام الأنهى". قال: "حَقِّقْنِي بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ، وَاسْلُكْ بِي مَسَالِكَ أَهْلِ الْجَذْبِ". "التحقق بالحقائق القربية في منتهى نهاية الفناء في المحبوب" وهو الله تعالى، "والظفر بالمنى ونيل نهاية المطلوب" في رفيع من المعرفة به "والبقاء المحقق"؛ وهو الرجوع إلى الخلق بالله، "الذي من وصل إليه لم يجد وجودًا لغير الملك الحق، فيُغنى به عن تدبيره لنفسه، فضلًا من أن يكون له إلى الأغيار استناد في جلب نفع أو دفع ضر، تخرق حجب الأكوان ببصيرته فيراها كشفًا محققًا، فلا يعبأ بالخيالات الوهمية". قال: "ومسالك أهل الجذب هم: المؤهلون للمحبة في سابق العلم" (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54]. 

"فهم المحبون المخطوبون للوصال، الذين اختُطِفوا من الحضيض الأدنى إلى بحبوح القرب الأنهى من غير تعبٍ ولا عناء، بل محمولين في محفة المنة. فالسابق إلى قلوبهم وجود محبوبهم، فلا يدخلون في الأشياء إلا به، ولا يخرجون عنها إلا به". (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) [الإسراء:80]. 

"لأنه السابق لهم بمحبته والمتولي لهم برعايته، فهم أهل الفتح المبين."

يا من تحقق أسرارًا بما وهبت *** من مِنة القرب حتى طاب مثواها

في حضرة الحق من توحيدهم ثملت *** وكان في قاب قوس القرب مأواها

اسلك بنا مسلكًا فاقت مراتبه *** بجذبةً منك أتحفنا برؤياها

يا أكرم الأكرمين.

قال: وبعد ذلك 

  • من كانت بدايته السلوك ثم لحقته الجذبة.. يصل، 
  • ومن كان بدايته الجذبة فلا بد أن يلحقه السلوك. 

فلا بد لكل مجذوب من سلوك، ولا بد لكل سالك من جذب، وإلا لم يصل لا هذا ولا هذا، ولكن بالجذب إليه -تعالى- يكشف الحجاب ويوصل إلى حضرة الاقتراب. 

ونسأل إلهنا الكريم الوهاب بسيد الأحباب الذي أنزل عليه الكتاب أن لا يجعل فينا من خاب، لا يخيب منا أحدًا من أولنا وآخرنا وصغيرنا وكبيرنا. اللهم أكرمنا بالعلم اللدني والمشرَب الصافي الهني يا وهاب يا غني. اللهم أكرمنا بالقرب إليك، واسلك بنا مسالك من جذبتهم إلى حظيرة قدسك والأنس بطاعتك من خيار بريّتك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

يصلِحْ لنا الشؤون، ويقربنا إليه زلفى، ويجعلنا فيها أهل الصدق والوفاء وأهل النقاء وأهل الصفاء، ويصلح أحوال أمة الحبيب الأعظم ﷺ، ويدفع عنهم البلايا والهموم والغموم والآفات، وكل ما يوجب للغم والهم والندامة في الدنيا ويوم القيامة، ويجمع شملهم على ما يحب، ويجعلنا وإياكم في خواص من يحب، ويقربنا إليه زلفى، ينظِمنا في سلك الصالحين من عباده أهل محبته وأهل قربه وأهل وداده، وأن لا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا. وينظمنا في سلك الذين سبقت لهم منه الحسنى، وأن يختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

03 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

14 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام