(368)
(637)
(484)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الثلاثاء 5 ربيع الأول 1448 هجري.
"كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا، وَحَالَةٍ شَيَّدْتُهَا، هَدَمَ اعْتِمَادِي عَلَيْهَا عَدْلُكَ، بَلْ أَقَالَنِي مِنْهَا فَضْلُكَ."
"إِلَـٰهِي؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلًا وَجَزْمًا.. فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْمًا"
"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْقَاهِرُ؟ وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!"
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا، وَحَالَةٍ شَيَّدْتُهَا، هَدَمَ اعْتِمَادِي عَلَيْهَا عَدْلُكَ، بَلْ أَقَالَنِي مِنْهَا فَضْلُكَ."
"كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا"، والطاعة: هي صفة قيام ظاهر العبد بالفعل المأمور به؛ من قول أو فعل: جازم وغير جازم، فالجازم: هي الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة؛ كفرائض الإسلام، وغير الجازم؛ كنوافل الطاعات.
وبنيتها: هو الإتيان بها على وجه الاستقامة، وحفظ سائر حدودها؛ من أركان وشروط وسنن، واجتناب منهياتها حرمة وكراهة، وفعل ما هو الأولى فعله، وترك ما الأولى تركه، وغير ذلك من وجوه الحفظ، وتحري المحافظة.
والحالة التي شيدتها: هي حالات القلب من تخليته من رذائله، وتحليته بمحاسن صفاته، وإمعان النظر بغاية الجهد في دقائق خطراته، ولطائف حركاته، حتى بلغت ما هو المقدور من جهدي في ذلك، فاعتمدت على ذلك، واستندت إلى ما هنالك، وطال لديَّ ذلك.
فلما انكشف لي عن نعوتك العلية، وصفاتك السنية، وتجليّاتك الأزلية التي لا تعلَّلُ بعلة، ولا تُكتسب بحيلة، وظهر من أسمائك الجلالية اسمُكَ العدل الذي لا يُرَدُّ حكمه بسبب طاعة أو حسب أو نسب، تعذب من تشاء وإن كان طائعًا، وتغفر لمن تشاء وإن كان عاصيًا.. هدم ذلك اعتمادي على ما كنت معتمدًا عليه دونك، فهربت منها إليك، ومن كل شيءٍ دونك، ورأيت أن الاعتماد على الأسباب دون مسببها ممَّا يوجب العقاب، فاستقلْتُك مما كنت عليه معتمدًا دونك، فأقالني فضلُكَ الذي هو معتمَدُ الهاربين، ومنتهى رغبات الآملين، ولي في ذلك:
كم طاعة كنت أحسنت القيام بها *** وكنت فيها كثير الهم مجتهدا
وحالة طال ما كنت اعتنيت لها *** بتزكيتها مع الأنفاس مرتصدا
لمّا تجلى ظهور العدل عطَّلها *** حتى علمت أن ما غير الإله سدىٰ
لا إله إلا الله وحده الفعال لما يريد، الله أكبر.
(إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)،وتريد صورة أمامك في الحس عن حقيقة قيوميته وهيمنته على الوجود؟
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) أين هم؟ ما نهايتهم؟ (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ) [البروج:13-20]، جل جلاله وتعالى في علاه. وهذه من حقائق التوحيد التي يختص بها أرباب الوجهة الصادقة، ممن اشتهر بالتصوف، ومن اشتهر بالتزكية؛ يوحّدون ربهم ويشهدون أنه الفعال لما أراد، ولا وجود حقيقي لسواه أصلًا؛ بل هو الموجود الحق، وما سواه وجوده مستعار، يوجِده متى شاء ويعدمه متى ما شاء، ويعلمون حِكَمه فيما آتى العباد المكلفين، ويفرّقون بين ما جعل لهم وخلق وأعطى لاختيارات، وما لم يؤتهم فيه اختيارًا ولا مرادًا ولا قدرةً، ففرقٌ بين هذا وهذا.. وبهذا قامت الحجة: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام:149]، فقامت البيِّنات.
فيقول هذا في مناجاته لربه:
"كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا"، قال: أنواع من الفرائض وبعدها النوافل والسنن مما ألزمتني به وندبتني إليه، طاعات ظاهرة كثيرة بنيتها، يعني: أقمتُ بنائها، أي: أتيتُ بها على وجه صحيح، وجه الاستقامة، وحفظتُ حدودها وأركانها وشروطها وما فيها، واجتنبتُ منهياتها وكراهاتها وما كان محرمًا، وفعلتُ ما هو الأولى وتركت ما الأولى تركه… هذا بناء، بناء طاعة.
ومع ذلك أيضًا وراءه: "حَالَةٍ شَيَّدْتُهَا"؛ حالة تواضع، حالة إخلاص، حالة شهود منا لك، حالة صبر، وحالة شكر في القلوب والصفات.
"والحالة التي شيدتها: هي حالات القلب من تخليته من رذائله، وتحليته بمحاسن صفاته، وإمعان النظر بغاية الجهد في دقائق خطراته"، هذا القلب ومايخطر عليه، تنزَّهت من الخواطر السيئة، "حتى بلغت ما هو المقدور من جهدي في ذلك"؛ ثم رأيت نفسي ما شاء الله بنيت.. بنيان طاعة، وشيدت قصور أحوال، فتكرمت عليّ، "لما انكشف لي عن نعوتك العلية"، وعظمتك وقدرتك، "وصفاتك السنية، وتجلياتك الأزلية".. "وظهر من أسمائك الجلالية اسمُكَ العدل الذي لا يرد حكمه"؛ فانهدم كل اعتمادي على ما كنت أراه من طاعاتي، كنتُ أعتد بها وأعتمد عليها وأستند لها، روَّح الاعتماد.. معي أنت، إما تقبلني وتفيض علي وإلا ما معي شيء.
يارب ما معنا عمل *** وكسبنا كله زلل
لكن لنا فيك أمل…………..
قال: "هدم ذلك اعتمادي على ما كنت معتمدًا عليه دونك، فهربت منها إليك"، وتحققت بامتثال أمرك: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات:50]، تَفِر من أيش؟ من أي شي، حتى من نفسك؛ من نفسك، ومن عملك، ومن كل ما سواه، فِر إليه هو؛ لأنه هو خالق نفسك وخالق العمل، ومختبرك بذلك، ومبتليك فانتبه، كن صادقًا معه.
لا إله إلا الله! سمعت؟..
قال: "هَدَمَ اعْتِمَادِي عَلَيْهَا عَدْلُكَ"، لمَّا تجلى لي وصفك العدل، "بَلْ أَقَالَنِي مِنْهَا فَضْلُكَ"، لمَّا هربت منها إليك واستقلتك واستغفرتك مما كنت قلت يا رب مضى علي وقت وأنا معتمد على عملي وأحوالي، وأنا الآن راجع إليك، قال: فأقلتني وسامحتني عن كل التقصير الذي كان عندي وكل الالتفات.
قال: "بَلْ أَقَالَنِي مِنْهَا فَضْلُكَ"، تفضلت علي وأحسنت إلي، "فأقالني فضلُكَ الذي هو معتمَدُ الهاربين، ومنتهى رغبات الآملين" الراغبين، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].
يقول الشيخ علي:
"كم طاعة كنت أحسنت القيام بها *** وكنت فيها كثير الهم مجتهدا"
"وحالة": من حالات القلوب.
وحالة طال ما كنت اعتنيت لها *** بتزكيتها مع الأنفاس مرتصدا
لما تجلى ظهور العدل عطَّلها ……………………..
عطلها أي عطل اعتمادي عليها والتفاتي إليها.
…………………………*** حتى علمت أنما غير الإله سدىٰ
قال نبينا محمد ﷺ: "أصدَقُ كَلِمةٍ قالها الشَّاعِرُ كَلِمةُ لَبيدٍ: ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ" ماذا تريد من الباطل؟ خلَّك مع الحق، ابقَ مع الحق، الحق الله، "ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ".
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلًا وَجَزْمًا.. فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْمًا"
"إِلَـٰهِي" بمعنى معبودي العالم بتفاصيل أحوالي، وجريان أفعالي، قبل مظهر صورتي وصور أعمالي "إِنَّكَ تَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلًا وَجَزْمًا.. فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْمًا" كما أوجدت فيَّ، وطبعت عليه جبلتي.. علمتُ -لا محالة- أنك تعلم ذلك مني؛ إذ لا تخفى عليك تفاصيل أحوالي وجريان أعمالي.
وأنا أجد أني وإن لم تدُم الطاعة مني فعلاً وجزمًا؛ كما هو شأن الدائبين على عبادتك، والعاكفين في حضرة قدسك، الذين لا يسأمون، ولا يستكبرون عن خدمتك، فأنا وإن كنت لستُ كذلك فعلاً وجزمًا.. فأنا دائمٌ محبةً وعزمًا، أي: محب لها وللعاملين بها، وقد ورد على لسان نبيك ﷺ: "المرء مع من أحب"، وأنا أحبُّ أن أعمل بها وأحب العاملين، وعازمٌ على فعلها في كل آنٍ، فأكون بنية القصد والعزم عليها في زمرة العاملين، وذلك غير مستنكرٍ ولا مستبعد؛ كما وردت بذلك الأخبار الدالة على أن العازم على فعل الطاعة في طاعة.
والعزم: هو عقد القلب على فعل ذلك؛ فهو في ديوان الطاعات إن كان طاعة، وفي ديوان المعاصي إن كان معصية؛ لأن العزم هو تصميم القلب على الفعل، فما بقي إلا عزم تقدير الحركة فيه، والعجز عن الإتيان به، ويبقى كذلك حتى يجد مساعدة القدر له فيفعل، ومتى وجد ذلك ولم ينهض له .. فليس بعازم، ولي في ذلك:
فأنت تعلم أني فيك مبتغيًا *** لطاعتكْ يا عظيم الفضل والمِنَنِ
حبًا وعزمًا لذاك السِّر مرتقيًا *** إليك يا منتهى الآمال والسنَنِ
لا إله إلا الله.
يقول في مناجاته لرب العالمين: "إِلَـٰهِي؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلًا وَجَزْمًا.. فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْمًا".
يقول: "إِلَـٰهِي" بمعنى معبودي العالم بتفاصيل أحوالي"، "إِنَّكَ تَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي"؛عملًا وجزمًا في أحوالي كلها، لكنك أوجدت في وطبعتها في جبلتي.. محبة الطاعة والعزم عليها، فأحوالي هذه ما تخفى عليك، "وأنا أجد أني وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً وجزمًا؛ كما هو شأن"، الملائكة المقربين وخواص المقربين الصديقين من عبادك، "الدائبين على عبادتك، والعاكفين في حضرة قدسك، الذين لا يسأمون، ولا يستكبرون"، (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20]؛ ولهذا هذا العزم ضرورة لكل مؤمن صادق، كل مؤمن صادق يحب دوام عبادة ربه، ما تساعده عليها القوى والقدرة والتقدير في كل الأوقات، لكن العزم ما شيء يقطعه، ما يقطع العزم والنية شيء، لهذا قال ﷺ: "نِيَّةُ المُؤمنِ خيرٌ مِن عمَلِه"، يعمل على قدر القوة التي عنده والمستطاع، لكن نيته فوق هذا، نيته تدوم دائمًا في كل عبادة، وكل من صدق مع الله وذاق لذة العبادة يحب أن يكون عابدًا ليل نهار ولا ينقطع عن العبادة أبدًا، فيعزم عزم وينوي نية.
لهذا يقول لهم إذا أراد دخولهم الجنة: ادخلوا الجنَّةَ برحمتي: واقتسِموها بأعمالِكم، واخلدوا فيها بنياتكم. يعني: اجعل سبب تخليدكم هنا ما كنتم تنوونه؛ أنكم تدومون على طاعتي ولو أبقيتكم في الدنيا ما أبقيتكم. لهذا يقول ﷺ عن عبادة العزم هذه: "أنتم في صلاةٍ ما انتظَرْتُم الصَّلاةَ"، ترون أننا نتأخر أحيانًا عليكم في إقامة الجماعة، وترددون التسبيح كثير، لكنكم منتظرين الصلاة، فأنتم في صلاة، كم مقدار صلاتنا إذا كانت صلاتنا مقدار سبع دقائق؟ جلستم تسبحون أربعة عشرة دقيقة؛ لكم ثلاث صلوات، ثنتين حق التسبيح وثالثة التي صليتموها بسبع دقائق مثلًا، "أنتم في صلاةٍ ما انتظَرْتُم الصَّلاةَ" يقول ﷺ؛ وهكذا كل عازم على شيء ما يمنعه منه إلا التمكن والقدرة؛ يعد عاملًا به، من فضل الله على عباده.
قال: "لا يسأمون، ولا يستكبرون عن خدمتك" وعن عبادتك، (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20]؛ ولذا يكرم الله أهل الجنة لما كان هكذا في الدنيا نيتهم، يكرمهم في الجنة، "يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والْحَمْدَ، كما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ"، تسبيح الحق تعالى وذكره مثل الأنفاس، مالذي يقطعك عن النفس في اليوم والليلة؟ ما شاء الله، شغال على طول أربع وعشرين ساعة ولا تنقطع، ولا تحس بها ولا تنقطع عنها، فهم يلهَمون التسبيح والتقديس لحضرة القدوس كما تلهمون النفس في الدنيا، مثل الأنفاس، تمشي على طول مُسَبِّح مقدِّس في كل لحظة، في كل نفَس.
في بعض زيارتنا للشيخ نوح حاميم كلر -أطال الله في عمره في عفو وعافية-، فقال لي: ادع الله لي يديمنا في عبادته إلى الأبد، يديمنا في عبادته إلى الأبد أن نعبد على طول.
وهكذا، كل من أقبل بصدق وتذوق العبادة، يحب العبادة على طول في كل وقت، لكن قدرات العبد محدودة، وتقوى بأسباب، فالخواص يدومون في الاستغراق في شهود حضرة الرحمن -سبحانه وتعالى- وغيرهم… لكنهم يعزمون ويحبون هؤلاء الدائمين في الطاعة والعبادة ويوادونهم في الله تعالى، فيصيبهم من أثر نفحاتهم وبركاتهم بسبب محبتهم لهم.
قال: "فأنا دائمٌ محبةً وعزمًا، أي: محب لها وللعاملين بها، وقد ورد على لسان نبيك ﷺ: "المرء مع من أحب"، وأنا أحبُّ أن أعمل بها وأحب العاملين، وعازمٌ على فعلها في كل آنٍ، فأكون بنية القصد والعزم عليها في زمرة العاملين، وذلك غير مستنكَرٍ ولا مستبعَد".
"والعزم: هو عقد القلب على فعل" الأمر "فهو في ديوان الطاعات إن كان طاعة، وفي ديوان المعاصي إن كان معصية"، وإن ما فعلها، لكنه عازم مصمم فهو عاصي، ويدوم في المعصية بدوام عزمه؛ ولهذا كان ركن التوبة: الإقلاع والعزم ألا يعود إلى المعصية، فإذا عزم قَبِل الله منه ذلك، ولو قُضي عليه أن يعود، لكنه كان صادق العزم ألا يعود لم تنتقض توبته الأولى، ويحتاج إلى توبة جديدة حتى يكمل صدقه فيرفعها الله عنه ويدفعها، ولا يعود يوقعه في ذنب، ما عاد يذله بشيء من الذنوب.
قال: "فما بقي إلا عزم تقدير الحركة فيه، والعجز عن الإتيان به، ويبقى كذلك حتى يجد مساعدة القدر له فيفعل، ومتى وجد ذلك" -وتهيأ وتراخى- "فليس بعازم"، ذاك إلا محدث نفسه، حديث نفس؛ وصاحب العزم إذا تيسر الأمر يبادر ويقوم به ويعمله.
فأنت تعلم أني فيك مبتغيًا *** لطاعتكْ يا عظيم الفضل والمِنَنِ
حباً وعزمًا لذاك السِّر مرتقيًا *** إليك يا منتهى الآمال والسنَنِ
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"فالعزم: مقتضى شهود العبد لأمر سيده، والقهر: مقتضى فناء العبد عن سائر أفعاله؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْقَاهِرُ؟ وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!"
"إِلَـٰهِي" القاهر لمن سواه، المعبود مستحق الامتثال ممن عداه "كَيْفَ أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْقَاهِرُ؟ وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!" هذا مقامٌ يشير إلى النهاية والتمام؛ إذ شهود القهر الذي هو وصف الحق يقتضي من العبد ألَّا يكون له حركة ولا سكون في كليات أفعاله وأحواله، ولكن من وقف على ذلك دون شهود أمره.. وقع في التعطيل والجبر.
"وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!" لأن شأن العبد المبادرة لامتثال أمر سيده إلى ما ندبه إليه، وانزجاره عما زجره عنه، فإذا كان على ما ذكرنا ممتثلُ الأمر ومنزجرًا عن النهي مع شهود فنائه عن سائر أفعاله، واضمحلاله عن كليات أحواله.. فقد قام بحق العبودية ظاهرًا، وتأدَّبَ للربوبية باطنًا، وهذا غاية مطلب العلماء؛ إسقاط سائر الأحوال والقوى منهم باطنًا، والاستقامة على حد الأمر ظاهرًا، وبذلك وصلوا إلى صِرْفُ الحرية، ووقفوا على حقيقة الأمر، ولي في ذلك:
فكيف أعزم وأنت القاهر الأحد *** وكيف لا وأنت حقًا الآمر الصمد
هذا الشهود مقام العبد بالرصد *** يكون فانٍ وباقٍ طالب المدد"
الله أكبر.
وأهل باب الكمال يجمعون؛ يؤدون حق العبودية ظاهرًا، ويشهدون شأن الربوبية باطنا، قال الله لحبيبه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) [الأنفال:17]، لا إله إلا الله.
فقيل له: لم تلكّف نفسك طول القيام وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ؟! فقال: "أَفلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"، ومع ذلك يشهد أن الله هو الذي وفقه وأعطاه وأقامه سبحانه وتعالى.
قال في مناجاته للرب:
أنت الآمر بذلك أو لا؟! فكيف لا نقوم بذلك؟ فإذًا نقوم به، لا بأنفسنا ولا باستقلالنا، ولكن بفضلك وجودك علينا، فنحن نعزم ونقوم، (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران:159] ليس على عزمك، توكل على الله؛ اعزم أنت وتوكل عليه هو سبحانه وتعالى.
قال: "إِلَـٰهِي" القاهر لمن سواه، المعبود مستحق الامتثال ممن عداه، "كَيْفَ أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْقَاهِرُ؟ وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!" هذا مقامٌ يشير إلى النهاية والتمام؛ إذ شهود القهر الذي هو وصف الحق يقتضي من العبد ألَّا يكون له حركة ولا سكون في كليات أفعاله وأحواله، ولكن من وقف على ذلك دون شهود أمره.. وقع في التعطيل والجبر"، وادَّعى أنه غير مخيّر أصلًا، وأنه مُسيَّر وأنه ما يقدر على شيء، والحق تعالى قد أعطاه: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29]، قد أعطاه الله هذه المشيئة، فينكرها، يقع في التعطيل.
ولكن لا؛ يقول: نعم؛ لا يكون لي عزم إلا بقدرتك وإلا بأمرك، لا يكون لي عزم مستقل، ولكن نعم أختار بإرادتك وفضلك عليّ، وأعزم بتوفيقك لي، هذا صحيح، (وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)، لم يعزموا ولا خرجوا، والعياذ بالله تبارك وتعالى.. فهم مؤاخذون بذلك. (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) -لأنه أعطاهم قدرة- (وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) [التوبة:46].
لذلك قال بعض الأنبياء لربنا: يا رب، دلني على علامتك فيمن تحب حتى أحبه، ومن لا تحب حتى لا أحبه؛ فأوحى الله إليه: إذا رَأيتَ عَبدي يُكثِرُ مِن ذِكري فأنا أذِنتُ له فإني أحبه، وإذا رَأيتَ عَبدي لا يَذكُرُني فاعلم أني لم آذن له وأني لا أحبه.. لأني لو كنت أحبه سأعلقه بي وأجعله في حضرتي… لكن يظل يذكر نفسه، ويذكر الفانيات، ويذكر الحيوانات والنباتات، ولكن لا يذكر الله، لا يذكره، مسكين ضيّع عمره، مسكين، في ذكر غير الذي بيده الأمر جل جلاله.
قال: "وَكَيْفَ لَا أَعْزِمُ وَأَنْتَ الْآمِرُ؟!" لأن شأن العبد المبادرة لامتثال أمر سيده إلى ما ندبه إليه، وانزجاره عما زجره عنه، فإذا كان على ما ذكرنا ممتثلُ الأمر ومنزجرًا عن النهي مع شهود فنائه عن سائر أفعاله"؛ يعني: يعلم أنه غير مستقل بذلك، "واضمحلاله عن كليات أحواله"، بأن يعلم أنها فضل من الله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
أما إذا قام بحق الأمر والنهي، ويشهد أن ذلك من فضل الله عليه؛ "فقد قام بحق العبودية ظاهرًا، وتأدَّبَ للربوبية باطنًا، وهذا غاية مطلب العلماء؛
وبذلك وصلوا إلى صِرْفُ الحرية"؛ يعني: خالص الحرية، "ووقفوا على حقيقة الأمر".
فكيف أعزم وأنت القاهر الأحد *** وكيف لا وأنت حقًا الآمر الصمد
هذا الشهود مقام العبد بالرصد *** يكون فانٍ وباقيٍ طالبًا للمدد
اللهم أمدنا بواسع الإمداد، وأسعدنا بأعلى الإسعاد، وتولّنا في الخافي والباد، وخُذ بأيدينا إليك يا كريم يا هاد، وكن لنا بما أنت أهله في الدنيا والمعاد، يا أجود جواد يا أرحم الراحمين.
يملأنا بالإيمان واليقين، ويجمعنا بحبيبه الأمين، ويدخلنا في حِماه، ويسقينا من حُميَّاه، ويسعدنا ويكرمنا بالنظر إلى مُحيَّاه في الدنيا والآخرة، ويجعلنا من أهل الوجوه الناضرة التي هي إلى ربها ناظرة، ويكشف عنا الشدائد وعن أمة النبي محمد، ويدفع البلايا عنا وعن أمة النبي محمد، ويختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
19 ربيع الأول 1448