(640)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 489 - كتاب البيع: 37 - بيان بعض حقوق الجار
صباح الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
في بيان بعض حقوق الجار
"كان ﷺ يحث على إكرام الجار بطلاقة الوجه واحتمال الأذى وإعارته الماعون وافتقاده بالطعام كلما عمل ولو بالمرقة كما سيأتي ذلك مبسوطًا في الباب الجامع آخر الكتاب إن شاء الله، وكان ﷺ يقول: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في حائط جاره"، يعني وإن كره الجار ذلك، وكان ﷺ يقول: "أربعون دارًا جار"، وكان ﷺ يرخص في إخراج الرواشن وميازيب المطر إلى الشارع.
قال أنس -رضي الله عنه-: وكان للعباس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى المسجد فلبس عمر -رضي الله عنه- ثيابه يوم الجمعة فلما وافى ميزاب العباس -رضي الله عنهما- صب عليه ماء ممزوج بدم، وكان أهل العباس قد ذبحوا له فرخين وغسلوا الدم عنهما وصبوه فأمر عمر -رضي الله عنه- بقلع الميزاب ثم رجع عمر إلى بيته فطرح ثيابه ولبس ثيابًا غيرها ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: يا أمير المؤمنين والله إنه للموضع الذي وضع رسول الله ﷺ الميزاب فيه، فبكى عمر -رضي الله عنه- وقال للعباس: أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك العباس -رضي الله عنهما-.
وقال أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في دارنا وكان لنا غرفة وبيت أسفل فقلت: يا رسول الله أصعد الغرفة فإني لا أقدر أن أسكن بأم أيوب في موضع أعلى من موضعك، فقال رسول الله ﷺ: إن الأسفل أرفق بنا لكثرة من يأتينا من الوفود، فلما رأى ما بنا صعد لأجلنا بمتاعه، وكان شيئًا خفيفًا فلما رأينا مشقة ذلك على رسول الله ﷺ فبتنا تلك الليلة لا يأخذنا نوم أنا وأم أيوب مخافة أن ننقلب في الليل فينزل الغبار على رسول الله ﷺ، وانكسرت منا جرة الماء فصرت أنا وأم أيوب ننشف الماء بالكساء الذي كان علينا، -رضي الله عنهم- أجمعين.
فرع: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم"، وكان ﷺ يقول: "لا تسكنوا الكفور فإن ساكن الكفور كساكن القبور".
فرع: وكان ﷺ يقول: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بخير البيان على لسان عبده سيد الأكوان، من أنزل عليه القرآن بما يصلح به الشأن، ويدفع به آفات التباعد والشنآن، اللهم أدِم صلواتك على حبيبك المختار محمد صلى الله وسلم وبارك عليه الذي شَيَّدت به البنيان، وعلى آله وصحبه الأعيان، وعلى من تبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفعت لهم القَدْر والمنزلة والمكان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الفصل بعض ما أشار إليه ﷺ من شأن الجار وحقوقه ورعايته، والحذر من إيذائه، ونفي الإيمان عمَّن يؤذي جاره، ومن لا يأمن جاره بوائقه، وقال: فصل في بيان بعض حقوق الجار.
"كان ﷺ يحث على إكرام الجار بطلاقة الوجه واحتمال الأذى، وإعارته الماعون" إذا احتاج إلى قِدْر أو إلى شيء من الأدوات، "وافتقاده بالطعام كلما عمل ولو بالمرقة"، "إذا طبختُم اللحمَ فأكثروا المرقَ فإنَّه أوسعُ وأبلغُ للجيرانِ".
قال:" كما سيأتي ذلك مبسوطاً في الباب الجامع آخر الكتاب إن شاء الله، وكان ﷺ يقول: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في حائط جاره"، أي: من باب الإرشاد والحث على البر، وإلا فذلك ليس بواجب؛ ولكنه مندوب إذا طلب منه الجار أن يضع خشبته في حائط جاره وعلى جدار جاره، وهو من المنفعة التي تُباع عند الشافعية وغيرها إذا أرادوا بيعها، وحق منفعة وضع الخشب على جدار الجار، وحث ﷺ على أن يكون ذلك عن طيب نفس بينهم البين من غير مقابل ولا بيع. وأما قوله يعني: "وإن كره الجار ذلك"، ففيه نظر من حيث إنه -كما عليه الجمهور- لا يكون ذلك لازمًا وإنما يكون مستحبًّا.
وكان ﷺ يقول: "أربعون دارًا جار"، كما أخرجه البيهقي في السنن،
وهكذا، واستأنسوا أيضًا بما جاء عن سيدنا علي بن أبي طالب يقول: من سمع النداء، من يسمع النداء لو ناديت من بيتك يسمع النداء فهذا جار. إذًا فالجار يشمل هذا وإلى أربعين دارًا من الجوانب الأربع، وكل ما كان أقرب فهو آكد حقًّا وأعظم شأنًا.
"وكان ﷺ يرخص في إخراج الرواشن"، وهو أن يجعل في طابق أعلى أخشاب ونحوها من الحديد في الهواء ويبني عليها، فهذه الرواشن جمع رَوْشَن، "وميازيب المطر"، الميازيب التي تخرج من سطح البيوت إلى الشارع، فيجعلون ميزابًا لذلك، فذلك جائز ما دام بحسب العرف لا يتأكد ولا يشتد منه ضرر على أحد من المارَّة ونحوهم.
وهكذا كمثل بناء دَرَج للدخول إلى باب البيت من الشارع، فيجوز بمقدار الحاجة إذا كان الشارع قد اصطُلح على جعله شارعًا وتوافقوا على ذلك، فما عاد يأخذ منه شيئًا إلا بمقدار، وما زاد على ذلك فلا.
وذكر موضوع الميزاب وموضوع الرَّوْشَن الذي يسمونه باللغة التي دخلت عليهم -بلكونه- وما إلى ذلك، فهذا أيضًا جائز ما دام ما يُضيِّق على المارَّة ولا يضر أحدًا.
وذكر لنا قصة الميزاب لسيدنا عمر، وهو ميزاب في بيت سيدنا العباس، وكان على طريق سيدنا عمر إلى المسجد، والميزاب في سطح سيدنا العباس، صادف في يوم ذبحوا فرخين للعباس أهله، ثم غسلوهما فنزل الماء فيه أثر الدم حق ذبح الفرخين، فصادف مرور سيدنا عمر إلى المسجد، ويوم الجمعة ولبس ثياب الجمعة، صادف اللحظة التي عدَّى فيها صُبَّ فوقه الماء وفيه الدم، فرجع إلى البيت وطرح ثيابه ولبس ثياب أخرى، ثم جاء صلى بالناس، أمر بالميزاب هذا قال: هذا يضر المارَّة أخرجوه، فأمر بذلك فقُلِعَ الميزاب، وجاء سيدنا العباس قال: ما الميزاب؟ قالوا: أمير المؤمنين أمر بقلعه، جاء إلى عند سيدنا أمير المؤمنين، قال: يا أمير المؤمنين، أنت أمرتَ بقلع هذا الميزاب؟ قال: نعم، لا يضر أحدًا من المارَّة، قال له: أتدري من وضعه في هذا المكان؟ قال: من؟ قال: إنه للموضع الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ بيده، حطه في هذا المحل. رسول الله؟! وعمر يجيب اجتهاده وعقله! بكى سيدنا عمر وتأثر تعالَ.. اطلَعْ فوق ظهري ورُدَّ الميزاب محله كما كان، وجاء جلس.. وقال: وطلَعَ فوق ظهري هذا. فهذا انصياعه للانقياد لرسول الله ﷺ وتعظيم شأنه وسُنَّته وما جاء عنه، ويعلمون أن عقولهم وعلومهم كلها ما تساوي شيئًا أمام نص يأتي من الحق ورسوله ﷺ، فما مهمة هذه العقول والعلوم والمعارف إلا خدمة النصوص وتُحسِن تطبيقها، لا أن تبتكر شيئًا ولا أن تخرج بشيء من هواها. فهكذا عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
قال: "فبكى عمر -رضي الله عنه- وقال للعباس: أعزم عليك لما صعدت على ظهري" اطلَعْ فوق هذا الظهر حق هذا المتجرِّئ، الذي تجرَّأ على شيء وضعه النبي بيده، حتى تضعه في موضعه، قال له: يا أمير المؤمنين دون ظهرك، قال له: لا، أبدًا عزمتُ عليك تطلع على ظهري، فصعد العباس على ظهر سيدنا عمر وردَّ الميزاب في موضعه.
وفيه أنه كما يقول علماء الأصول: لا اجتهاد مع نص، -إذا شي نص ما شي اجتهاد لأحد- إذا جاء نص واضح عن الله ورسوله ما شي اجتهاد لعالِم ولا لصحابي فمن دونه، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36]، لا إله إلا الله.
"وقال أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في دارنا"، والدار هذه تتوارث، والعجيب أنه أيضًا كان في باطن الأمر لرسول الله ﷺ وذلك أنه بناه تُبَّع لما دخل المدينة وعرف أنها مُهاجَر نبي، وبنى البيت ليسكنه النبي عند الهجرة، فمرَّت السنين فتوارثوه الناس وتبايعوه حتى اشتراه سيدنا أبو أيوب الأنصاري، وأيضًا صادف أنه من أخوال جده، من أخوال جده عبد المطلب، أخواله من بني النجار، كان منهم. ولما جاء إلى المدينة تنازعوا على.. كل واحد يطلبه إلى بيته إلى منزله ليكون له الشرف، فقال على ناقته: "دَعُوها فإنها مأمورة"، ووضع خطامها على رقبتها وقال: "دَعُوها"، فصارت تمشي تمشي حتى جاءت عند دار أبي أيوب جلست، ثم قامت تمشي ورجعت عند دار أبي أيوب فجلست ووضعت جِرانها على الأرض، ففرح أبو أيوب، وخرَّج المتاع من ظهر الناقة وأدخله البيت، وخرج الجواري حقهم والبنات في الشوارع يقُلْن:
نحنُ جَوارٍ من بَني النَّجّارِ *** يا حَبَّذا مُحمَّدٌ مِن جارِ
ودخل ﷺ إلى بيته، فجلس في الأسفل وفي طابق فوقه، فقال سيدنا أبو أيوب: "نزل في دارنا وكان لنا غرفة وبيت أسفل فقلت: يا رسول الله أصعد الغرفة فإني لا أقدر أن أسكن بأم أيوب، -زوجته- في موضع أعلى من موضعك، فقال رسول الله ﷺ: إن الأسفل أرفق بنا لكثرة من يأتينا من الوفود"، الناس الآن مع وصولنا المدينة يأتونا، فيكون الأرفق الطابق الأرضي هذا أجلس أنا فيه وأنت اجلس..
فكانوا إذا طلعوا الغرفة يتنحُّون عن الموضع الذي يكون فيه رسول الله ﷺ، ويجلسون إلى جانب الجدار هو وأم أيوب، أم أيوب وأبو أيوب، ويخافون أنه إذا مشوا بأرجلهم أن يتحات شيء من التراب يسقط فوق رسول الله ﷺ، فكانوا ما يدخلون الغرفة إلا على حذر وبجانب يختاروه بعيدًا من الموضع الذي فيه مجلس رسول الله ﷺ وفراشه تحت، أدب الصحابة -عليهم رضوان الله تعالى- وما فعل الإيمان في قلوبهم من تعظيم الله ورسوله ﷺ!
وهكذا، قال: واستمروا مدة، وفي ليلة وكان أيضًا برد، سقطت الجرة حقهم فيها ماء عندهم في الغرفة افتكَّت عليهم، قاموا وجابوا حقهم الأغطية والثياب وينشِّفوا الماء؛ خشية أن ينزل منه شيء من السقف إلى الغرفة التي فيها رسول الله ﷺ. فشكى بعدين للنبي ﷺ، قال: يا رسول الله، حالنا كذا فوق، والبارحة ما عاد قَدَرنا ننام، قال: فلما رأى ما بنا، وقال له: قد خَفَّ المترددون عليه من المدينة، فصعد.
قال: "فلما رأى ما بنا صعد لأجلنا بمتاعه، وكان شيئًا خفيفًا" قال: فلما رأينا مشقة ذلك على رسول الله ﷺ فبتنا تلك الليلة لا يأخذنا نوم أنا وأم أيوب مخافة أن ننقلب في الليل فينزل الغبار على رسول الله ﷺ، وانكسرت منا جرة الماء"، الجرة التي يضعون الماء فيها: الزير، "فصرت أنا وأم أيوب ننشف الماء بالكساء الذي كان علينا"، الذي يَتَغَطُّون به من البرد نَشَّفوا الماء به، -رضي الله عنهم- فلما رأى ﷺ حالهم رضي أن يطلع إلى الغرفة العليا، وهم ينزلون يسكنون في الأسفل ﷺ.
قال: وكنا نُقَدِّم إليه العشاء، فإذا رَدَّه إلينا نتبادر أنا وأم أيوب إلى مواضع أصابعه، مواضع أصابعه ﷺ، وقدَّمنا إليه عشاء ليلة فرجع إلينا ما عليه أثر، ما أكل منه شيئًا. قال: فخِفْت، قلت: يا رسول الله، لم تأكل من عشائنا الليلة؟ قال: "إني وجدتُ فيه من هذه الرائحة -من الثوم-، كُلُوه أنتم، فإني أُناجي مَن لا تُناجون". قال أبو أيوب: فما دخل الثوم بيتنا بعد تلك الليلة، خلاص ما عاد دخلنا الثوم أصلًا -رضي الله تعالى عنه- وهكذا كانت مشاعرهم وأحاسيسهم نحو رسول الله ﷺ.
قال: فرع: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم" أي: في أماكن تقربون منهم وتعيشون معهم، أي: قصدًا لذلك منكم وإيثارًا لهم، "فمن ساكنهم"على هذا الوجه "أو جامعهم فهو منهم".
ولهذا أمر الله -تعالى- سيدنا موسى وهارون أن يتخذوا ومَن معهم بيوتًا مستقلة، ويخرجوا من بين الكفار، ويجعلوا لهم مكانًا وبيوت حارة مستقلة، يقول سبحانه وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) [يونس:87]، محلًا يُقصد من أجل الاستفتاء، ومن أجل الاستنارة، ومن أجل الإكرام، قِبلة يعني: يقصده الناس يأتون إليه يجدون فيه التعليم، ويجدون فيه الإكرام، ويجدون فيه الأخلاق والمقابلة، (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، فلهذا كل من استطاع أن يجعل جيرانه أخيارًا وصالحين فهذا أفضل، الجار قبل الدار، ويحذر أن يقصد مجاورة أحد من الكفار والفجار ويفرح بذلك ويقرب منه، فمن قصد ذلك فقد وقع في الوعيد والتهديد؛ فهو منهم. وإنما من كان ذلك لضرورة أومصادفة ليست عن قصد، فإن الجار الكافر أيضًا له حق؛ الجار الكافر له حق، والجار المسلم له حقان، والمسلم القريب له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة. أيضًا فليس ذلك على إطلاقه بمحرَّم، ولكن قصدُ ذلك والحرص على مجاورتهم والدخول بينهم هو الذي حذَّر منه ﷺ، ولذا جاء في وصف الصحابة أنهم كانوا يحبون ألا تمس أبدانهم أبدان الكفار لغير حاجة ولا ضرورة، ولا ثيابهم ثياب الكفار؛ فإن الصاحب ساحب، كما يقولون، والطباع تسرق الطباع.
قال: وكان ﷺ يقول: "لا تسكنوا الكفور"، أي: الأماكن النائية البعيدة البادية التي ليس فيها علم ولا قريبة من أهل العلم، "فإن ساكن الكفور كساكن القبور"، شَبَّه المواطن البعيدة عن العلم والتلاوة والأعمال الصالحة بأنها قبور، كأنها قبور قال، فلا تؤثِر سُكنى المكان البعيد عن العلم وتَيسُّر الجماعات والأعمال الصالحة من الأماكن.
كَفْر، جمع كفر يقول: كُفور، يعني: مكان ناءٍ بعيد عن أهل العلم وعن أهل المعرفة في الدين. وفي الحديث الآخر: "مَنْ بَدا فقد جَفا"، أي: آثر البادية البعيدة عن أهل العلم فقد جفا. ومع ذلك ففي بعض أيام الفتن جعل ﷺ أن سُكنى البوادي خيرًا للناس من دونها في أيام الفتن، إذا كان المدن تجرُّهم إلى أنواع من الفساد أو أنواع من الشر أو القتال بغير حق، فالبادية خير للإنسان. وفي الحديث أيضًا: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ". فأما إذا تيسر في مدينة إقامة الجماعات ومجالس الأذكار والعلوم والخيرات فهذه أفضل، فإذا لم يتيسر ذلك فاستوت مع البادية، فإذا كانت المدينة محل كثرة الملاهي والغفلات واللعب والأفكار الشاذة وظهور الإلحاد، فالبادية خير من المدينة وأفضل، ومن معه غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر خير له، فالأمور دائرة على ذلك وعلى المقاصد.
ويقول: فرع: وكان ﷺ يقول: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع". وسيأتي في الباب بعده. والعجيب تحديده ﷺ بسبعة أذرع، مع أن الحاجة التي كانت من مرور الدواب من الحمير والجمال وغيرها ما تحتاج إلى سبعة أذرع، أقل من ذلك يكفيها، ولكن سبعة أذرع حتى السيارات الكبيرة تمر فيها؛ كل ما يحدث وما يحتاجه الناس في الأمة إلى يوم القيامة قد شرَّعه وبيَّنه ﷺ وعيَّنه، هو مُشرِّع لا لأهل زمانه وحده، ولكن مُشرِّع للأمة إلى أن تأتي الساعة، فقال: إذا اختلفتم في الطريق اتكها سبعة أذرع، تمر جهتان من السيارات الكبيرة، تمُرُّ هنا وتمُرُّ هنا، ما تتضايق، ﷺ، مع أنهم لما كانوا يمشون هم وأحمالهم وعندهم جِمال ما يُحتاج إلى شارع سبعة أذرع، ولكنه المُشرِّع للأمة إلى أن تقوم الساعة، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4].
يا رب صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، وسِر بنا في دربه، واسقنا من شُربه، ولا تفرِّق بيننا وبينه، واحشرنا في زمرته بمحض فضلك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
وارزقنا معرفة حق الجار والقيام به وأداءه على الوجه الذي ترضاه يا حي يا قيوم. وأصلح شؤوننا والأمة، بما أصلحت به شؤون الصالحين من عبادك، وادفع البلاء عنا وعن أهل لا إله إلا الله، وحوِّل الأحوال إلى أحسنها، وانظر إلى يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا نظرة تزيل العناء عنا، وتُدني المُنَى مِنّا، وكل الهنا نُعطاه في كل حين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 ربيع الثاني 1448