(639)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 486 - كتاب البيع: 34 - بيان فضل إنظار المعسر
صباح الثلاثاء 18 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
وكان ﷺ يرغب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه ويقول: "من سرَّهُ أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه"، يعني يترك شيئًا مما له عليه، وكان ﷺ يقول: "إن رجلًا ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه فقال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم قيل له انظر قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا فانظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فقال الله -تعالى-: أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي وأدخلوه الجنة فأدخل الجنة"، وفي رواية: "كان رجل يداين الناس فكان يقول لغلامه خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فقال الله: قد تجاوزت عنك".وكان ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة، وذلك قبل أن يحل الدين فإذا حلَّ فأنظره فله كل يوم مثليه صدقة"، وكان ﷺ يقول : "من فرج عن مسلم كربة جعل الله له شعبتين من نور على الصراط يستضيء بضوئهما عالم لا يحصيهم إلا رب العزة"، وكان ﷺ يقول: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر"، وكان ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا إلى ميسرة أنظره الله بذنبه إلى توبته ووقاه من فيح جهنم وأظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وكان ﷺ يقول: "من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، والله أعلم.
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرِمنا بشريعته الغرَّاء، وبيانها على لسان خير الورى، الذي بُعث مبشرًا ونذيرًا، ومؤدِّبًا ومُبصِّرًا، ومُصفِّيًا ومنوِّرًا، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن بمجراهم جرى، واتَّبعهم سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتحدث الشيخ -رضي الله عنه- في هذا الفصل عما ورد في الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره، وذلك إذا كان عليه دَين فصَعُب عليه أن يقضيه؛ ولم يقصر في السعي إلى القضاء، وأداء الدَّين بكل ممكنه ولكنه صادف إعساره؛ فهذا الذي يجب إنظاره، وفي قوله تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ) [البقرة:280]، ثم في مدة الإنظار هذه لا يُلازمه -الدائنُ- الغريمَ، ولا يخاطبه ولا يشدِّد عليه. وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يلازمه مع وجوب الإنظار؛ ينظره ولكن يبقى مُذكِّرًا له بالدَّين الذي عليه، ومنبهًا له على سرعة التوصل إلى أدائه.
قال: "وكان ﷺ يرغب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه ويقول: "من سرَّهُ أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه"، يعني يحطُّ عنه شيئًا من الدَّين الذي عليه، "يعني يترك شيئًا مما له عليه".
ولما سمع ﷺ صوت صحابيين تقاضى أحدهما دَينه من الآخر فارتفعت أصواتهما، فخرج ﷺ وأشار إلى الدائن قال: "ضَعْ عنه"، وأشار إلى النصف، فوضع عنه النصف، قال: "قُمْ فاقْضِه". فهذه المكارم كل من طابت نفسه بها وقصد وجه الله فآثارها وثمارها غالية وكبيرة وعزيزة وعالية.
"وكان ﷺ يقول: "إن رجلًا ممن كان قبلكم أتاه الملك، -أي: ملك الموت- ليقبض روحه فقال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم قيل له انظر قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا فانظر الموسر وأتجاوز عن المعسر"، يعني: ما يتابع حتى الموسر، يتركه بحريته متى ما جاء له بالدَّين يستلمه، أما المعسر فيتجاوز عنه، "فقال الله -تعالى-: أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي وأدخلوه الجنة فأدخل الجنة"، بسبب حسن المعاملة وإنظاره الموسر وتجاوزه عن المعسر؛ الحق تجاوز عنه.
"وفي رواية: "كان رجل يداين الناس فكان يقول لغلامه خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فقال الله: قد تجاوزت عنك". كما جاء في رواية النسائي، وكذلك عند الإمام أحمد في المسند، وعند الحاكم في المستدرك، هذا الحديث. وفيه أن الجزاء من جنس العمل، وأن من أراد أن يتجاوز عنه ربه فليتجاوز عن الخلق فيما يتعلق به؛ فذلك أدعى لأن يتجاوز الحق -تبارك وتعالى- عنه وأن يسامحه.
"وكان ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة"، مثل المبلغ الذي عليه، الدَّين الذي عليه مثله كأنه تصدَّق به، واليوم الثاني كأنه تصدق به؛ وهكذا إلى أن يحل موعد الدَّين، إذا حل موعد الدَّين ثم لم يُسلِّم، "فإذا حَلَّ فأنظره فله كل يوم مِثلَيْه صدقة". كم لك؟ قال: مليون، كل يوم تُنظره لك ثواب مليون صدقة، فإذا حلْ محل الدَّين وأنظرته فلك كل يوم مليونين، كل يوم ثواب مليونين تتصدق بها وهكذا، "فإذا حل فأنظره فله كل يوم مِثلَيْه صدقة" سمعتَ؟ هكذا عند الإمام أحمد في المسند، وعند ابن ماجه.
وكان ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة، وذلك قبل أن يحل الدين فإذا حل فأنظره فله كل يوم مثليه صدقة"، وكان ﷺ يقول : "من فرج عن مسلم كربة جعل الله له شعبتين من نور على الصراط يستضيء بضوئهما عالم لا يحصيهم إلا رب العزة" جل جلاله وتعالى في علاه، في رواية الطبراني في المعجم الأوسط، والديلمي في مسند الفردوس. ويقول: "من فرج عن مسلم كربة"، وفي الحديث الآخر الصحيح: "مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، و"من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"، نعم.
يقول: "من فرج عن مسلم كربة جعل الله له شعبتين من نور على الصراط، -عند المرور- يستضيء بضوئهما عالم لا يحصيهم إلا رب العزة"، وإنما يكون النجاة من النار وأيضًا سرعة المرور على الصراط بالنور؛ بالنور الذي يؤتيهم الله إياه هو الذي يحول بينهم وبين أن تمسهم النار وبين أن تنالهم (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) [الحديد:12].
قال: "وكان ﷺ يقول: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرِّج عن معسر"، فإن لرحمة العباد مكانًا قويًّا عند الرب جل جلاله العظيم. "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ -تبارك وتعالى- ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ". والحديث في الوعد باستجابة الدعاء وكشف الكرب لمن يُفرِّج عن المعسر جاء بأسانيد صحيحة عند أبي يعلى، وعند الإمام أحمد، ورجاله ثقات، وكذلك عند عبد بن حُميد في مسنده، يقول: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر".
"وكان ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا إلى ميسرة أنظره الله بذنبه إلى توبته ووقاه من فيح جهنم وأظلهُ في ظله يوم لا ظل إلا ظله" جل جلاله. وهذا جاء عند الإمام أحمد وعند الإمام الترمذي: "من أنظر معسرًا إلى ميسرة أنظره الله بذنبه إلى توبته ووقاه من فيح جهنم وأظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
وكان ﷺ يقول: "من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وقال: إنه رواه الإمام مسلم -عليه رحمة الله تعالى- في صحيحه وكما هو عند الترمذي وأبي داود: "من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة".
وهكذا، واطلب خلاصك ونجاتك، ومسامحتك والعفو عنك بمسامحتك للعباد وتجاوزك عنهم، ومن كفَّ شرَّه عن الناس كفَّ الله شرَّ الناس عنه، واطلب السلامة من شرهم بكفِّك شرَّك عنهم؛ إذا كففتَ شرَّك عنهم فإن الله يكفُّ شرَّهم عنك -جل جلاله وتعالى في علاه- بعجائب من ألطافه تأتي من حيث تحتسب ومن حيث لا تحتسب، وما أردتَ من كرمه وعفوه ومغفرته فأكرمهم واعفُ عنهم واغفر لهم ما يتعلق بك، فالحق يعاملك كذلك -جل جلاله وتعالى في علاه- وعفوه فوق عفوك، وكرمه فوق كرمك، ومن أنت ومن كرمك؟! وإذا أكرمك هو أكرمك بشيء لائق بعظمته سبحانه وتعالى وجلاله وعفوه كذلك.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا يا كريم، يا أرحم الراحمين.
وفي هذه المسألة: مسألة وجوب إنظار المعسر وسُنِّيَّة التجاوز عنه:
فإبراؤه سُنَّة ولكن إنظاره فرض؛ وهنا النفل يزيد على الفرض، وإلا الفرض سواء كان فرض عين أو فرض كفاية أفضل من التطوع والتنفُّل "مَا تَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ" يقول الله جل جلاله وتعالى في علاه. والأمر بالفرض جازم، يتضمن الثواب على فعله والعقاب على تركه؛ بخلاف النفل لا عقاب على تركه، فالفرض كالأساس والنفل كالبناء على هذا الأساس، فكان الفرض أكمل وأحبَّ إلى الله -سبحانه وتعالى- وأشدَّ تقربًا من النوافل، إلا في مسائل مُستثناة منها:
وهكذا في مسائل محدودة يكون فيها النفل يزيد على الفرض، وإلا ففي غالب المسائل الفرض سواء كان عينًا أو كفاية أفضل من النوافل.
رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، وأتحفنا بمنِّ الله علينا بالهداية والكرامة، وفرَّج كروبنا وكروب المسلمين في المشارق والمغارب، ودفع عنا وعنهم جميع المصائب والنوائب، وحوَّل الأحوال إلى أحسنها، واختم لنا بأكمل حُسنى وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 ربيع الثاني 1448