تفسير سورة الشورى -08- من قوله تعالى: { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..} الآية 23 - 24

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثامن من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الشورى، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1446هـ ، تفسير قوله تعالى:

{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) }

الأربعاء 19 رمضان 1446هـ 

 

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله، مُكرمنا بالآيات، وتنزيلها على قلب خير البريات، وبيانها على لسانه العذب بخيرِ التبيينات، اللهم أدِم صلواتك على مفتاح باب الرحمات، عبدك مُحمد خاتم النبوة والرسالات، وعلى آله وصحبه القَادات، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورُسلك أهل الدرجات الرفيعات، وعلى آلهم وأصحابهم وأتباعهم، وعلى ملائكتك المُقربين، وجميع عبادك الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا مُجيبَ الدعوات.

وبعدُ،،،

فإننا في مِنَنِ تأمُّلنا لكلام ربِّنا وخالقنا الحق الواحد جل جلاله، وصلنا في سورة الشورى إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ..)؛ هذا جزاءُ الإيمانِ والعمل الصالح، وهذه نتيجته وثمرته، كما أنه ذكر صِنف المُعرضين والمُبدِّلين لأحكام الله تعالى والمستبدلين بها ما يخالفها مما تشرَعُ لهم أهواؤهم وشركاؤهم، قال: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ..)، وروضةِ الجنةِ أزهى مكان فيها وأطيبه؛ حيث هم في هذه الروضات من الجنات لا شك أنه في عالم الآخرة في دار الكرامة، وحيث ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 وعلِمنا أنهم في الدنيا ينالون من نتيجة الإيمانِ والعمل الصالح؛ روضات جنات المعرفة والقُرب والمُواصلة من حضرة الرب؛ فيُذيقهم لذة مُناجاته وحلاوة رحماته وبردَ عطفه ولطفه وملاطفاته -جل جلاله-، فهم فيما يفهمون ويعرفون ويُدركون ويشاهدون ويذوقون في روضات جنات، ثم مصيرهم في الآخرة إلى تلك الجنة التي أعدها الله للمتقين.

(لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ) الجزاءُ والعطاءُ (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(22))، فيا ذا الفضل الكبير هب لنا منك الفضل الكبير، واجعلنا عندك من أهل الفضل العظيم وأهل الحظ العظيم، يا من يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.

قال الله: (ذَٰلِكَ)، هذا الجزاء الذي أشرنا إليه، فجاء بعلامة التعظيم من حيث اللام (ذَٰلِكَ)، مُشيرًا إلى رفعةِ الأمرِ؛ وبُعدِ اعتلاء الشأن.

 (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ)، وفي قراءة: (ذَٰلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وهؤلاء هم: 

  • المتحققون بالعبودية له. 

  • البريؤونَ المُنزهون عن العبودية للنفس والهوى وللشيطانْ. 

فما يستعبدهم الشيطان ولا زهرة الحياة الدنيا، ولا شيء من زخارفها ولا أهوائهم ولا نفوسهم ولا شهواتهم؛ بل عِبادُ الله.

 (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)؛  (في قراءة: يَبْشُرُ) وهذه بِشارة رب الأرض والسماوات، فتكون البِشارة على قدر المُبشِّر، فما أعظم هذه النتيجة للإيمان والعمل الصالح.

فخيرُ ما كسبنا في حياتنا على الحقيقة:

  • زيادة الإيمانُ.

  • وحسنُ العملُ الصالح. 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2].

  • بالإيمان والعمل الصالح؛ تُدرك غايات المصالح وما لا تنتهي إليه الآمال والمطامح.

  • الإيمان والعملُ الصالح، مَركِزُ العملُ الصالح؛ القلب، وهو موطن الإيمان. 

هذا الجزاء الكبير العظيم الذي لا يُمكن أن يُبلغ قدره ولا يُحاط بما فيه من النفائسِ والنعيم، هذا يُبشر رب العالمين به عباده الذين تمحَّضوا للعبودية له، من هم؟

  • (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، آمنوا إيمانًا لا ريب فيه، إيمان اليقين.

  • (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) في اقتداءٍ بخيرِ البريات ﷺ، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31].

ولما حَمَل لهم هذه الحقائق، وقام بالإرشادِ والإنقاذ من السوءِ والآفات والعوائق، وموجبات الطُرد والحرمان والعذاب، وحمَلَ البُشارات للمؤمنين والعاملين بالصالحات، ربما يتَوهم كثير من النفوس أنه يريد أجرًا مقابل ذلك؛ فإن المُبشِّر غالبًا يأتي بالبشرى ويطلب مقابل هذه البشرى شيء؛ لكن سادتنا الأنبياء وسيدهم محمد ﷺ يقولون لأممهم وأقوامهم: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء:145].

 وهكذا يقول الله لحبيبه مُحمد: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، (لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ):

  • على هذا البلاغ والبيان للحقيقة.

  • والدعوة إلى الرب.

  • وتوضيح السبيل.

  • والهِداية إلى الحق.

(لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، لكن أُذكركم بالمودة في القربى، فرسول الله ﷺ بين أهل مكة مِن قُريش؛ فهو مِن قرابتهم، والذين آمنوا به مِن السابقين الأولين في مكة أكثرهم أيضًا مِن قريش، وما مِنْ بطن مِن بطون قريش إلا وله فيهم قرابة مِن جهة الأمهات وما إلى ذلك، قال: 

  • فترعَوا حق القرابة.

  • وتكفَُوا الأذى.

  • ولا تفتروا بنسبة الكذب والافتراء إليه.

(لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، قائلون يقولون بهذا المعنى من أهل التفسير.

وأبعد منه مَن يقول: 

  • (إِلَّا الْمَوَدَّةَ) أي: مودتكم لله تعالى ومحبتكم له. 

  • بـ(الْقُرْبَى) يقصد: بالتقرب بالأعمال الصالحة. 

ولكن (الْقُرْبَى) قد جاءت في القرآن في موضع آخر وبيِّنها 

  • (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ) [الأنفال:41]. 

  • (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ) [الحشر:7].

ففي الآيتين فسَّره ﷺ مباشرة بأنهم قرابته الذين حُرموا الصدقة أي: الزكاة  مُنِعوا الزكاة، فهؤلاء قربى. 

وها هنا يقول: (فِي الْقُرْبَىٰ)، ففي القربى الثالثة ما تخرج عن الإثنتين المذكورتين في الآيتين؛ بذلك قال جماعة مِن الصحابة والتابعين وتابعيهم: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) أي: أذكركم أن تكسبوا المكانة عند الله في أمر يتصل بي بمودتكم لقرابتي.

وليس هذا بأجرٍ؛ لأنه هم المنتفعون به كبقية الأوامر، ولهذا يقولون الاستثناء منقطع: (لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، (لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) كما جاء في الآيات الأُخر: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، وبين في آيةٍ أن هذا الذي قد تظنونه أجرًا إنما هو شيء عائد إليكم خيره ونفعه: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) [سبأ:47]؛ ما تتفضلون عليه بشيء، ولا تعطوني شيء مِن قِبلكم صلى الله عليه وصحبه وسلم؛ فهو لكم. 

وإنما أشار الحق إلى هذا لكون الصدق في الإيمان به:

  • يقتضي محبته.

  • ثم محبة المحبوبين عنده مِن أجله ولا أحبَّ مِن محمد.

  • وتقتضي محبته ومحبة أقرباؤه وأهل بيته على وجهٍ مخصوص.

  • كما تقتضي محبة أصحابه كما تقتضي محبة أهل الصلة به الأقرب فالأقرب، والأقوى صلةً فالأَقوى.

وبذلك كان يقول بعض أهل المعرفة: إن الله جعل ثمن الدين مودة أقرباء سيد المرسلين؛ (لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)،  ويقولون: مَن لم يُسلِّم الثمن لم يستلم المُثْمَن، يعني: ما يقوم بحق الإيمان، ولا يتحقق به، ولا يعرف حقائق الرسالة حتى يؤدي الثمن.

(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، ثم أن أنواع أهل الأقوال مِن المفسرين هم في جانب آل بيته ﷺ مجمعون على أن لهم فضائل ومزايا ووجوب محبتهم كلهم مجمعون في ذلك، مَن يقول: أن المعنى كذا وكذا وكذا ذلك ثابت بنصوص أُخر وكثيرة في الكتاب والسنة الغراء؛ بذلك جاء مسلك السابقين الأولين مِن المهاجرين والأنصار، فكان واضح بينهم حمل المودة لقُربائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كأمثال: 

  • سيدنا أبي بكر الصديق يروي البخاري عنه: "لقرابةُ رسول الله أحب إلي أن أصل مِن قرابتي"، ويقول: "أرقبُوا محمدًا في آل بيته". 

  • يقول سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا العباس -عليه رضوان الله-: "لإسلامُك يوم أسلمت كان أحب إلي مِن إسلام الخطاب أبي لو أسلم -أبوه- ولماذا إسلام العباس أحب إليك مِن إسلام أبيك هذا؟ أبوك الذي خرجت من صلبه؟! قال: لأن إسلامك أحب إلى رسول الله، لأنك عم رسول الله، وإسلامك أحب إليه فهو أحب إلي أنا من إسلام أبي أنا"، رضي الله عن عمر بن الخطاب.

وهكذا جاء مسلك أهل الهدى مِن بعدهم، ومِن مبالغين في الأمة ادَّعوا في القرابة العصمة أو شيئًا مِن ذلك، ومِن مهملين مقصرين ينكرون الشرف والميزة لهم، وكلا الفريقين خارج عن مسلك الصحابة والتابعين وعن مسلك المصطفى  ومسلك خيار الأمة. 

وبقي أهل السنة في اعتدالهم ووزنهم: 

  • يعرفون معاني هذه المودة، ويضربون فيها الأمثال لآلهِ وَلصحابته، ثم لخيارِ أمته على مدى القرون، فيرعون حق الله ورسوله في القربى، والصحابة وخيار الأمة وصلحاءها. 

  • كما يرعونه على العموم في كل مَن يحمل لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله في دوائر: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة:71]، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة:55].

وألَّف كثير مِن أئمة أهل السنة؛ كما حشوا كتبهم التي ألَّفوها في السُنة بما ورد في مودة قُربى النبي ، وفي فضل موالاتهم، والإحسان إليهم، ومحبتهم وما إلى ذلك، مثل الإمام مالك، ومثل الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، ومثل الإمام البخاري، ومثل الإمام مسلم، وغيرهم مِن المحدثين، ومن أئمة الدين مِن أهل السنة، مَن ألَّف كتبًا مخصوصة في الفضائل التي وردت في آل البيت أو في الصحابة الكرام -عليهم رضوان الله-.

(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا..(23)) 

  • (وَمَن يَقْتَرِفْ): يعمل ويكسب ويغنم. 

  • (حَسَنَةً): والحسنة كل ما أحبَّ الله مِن الأقوال والأفعال والأوصاف، والمعاملات، هذا حسنة.

(وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)، والحسنة على وجه العموم ما ذكرنا، ولما اقترنت بقول:  (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) قال الإمام السُدِّي عليه رحمة الله من المفسرين، وغيره من المفسرين: (مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً)، وهي مودة آل بيته ، (نَّزِدْ) قال: كأبي بكر الصديق (نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)، وزيادة الحُسن:

  • سواءٌ في مودة آل بيته أوْ صحابته.

  • أو بقية الحسنات مضاعفتها ومضاعفة الجزاء والثواب عليها.

  • ورفعة صاحبها في إيمانه ويقينه. 

  • وإمداده بإدراك المعاني والمعارف والأذواق.

  •  ثم ما ينازله من حضرة الرحمن من اللطائف. 

(نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا):

  • حتى قال بعض المفسرين: الحُسن مالا يبلغه العباد باجتهاداتهم، ولا بأعمالهم شيء فوق ما يتصورون! حُسْن مِن عند الله تعالى (نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا). 

  • ولذا يلاحظ في الذين ثبتت أقدامهم على عمل الصالحات، ورسخت قلوبهم وأقدامهم في محبة آل البيت تجد معاني الحُسن في أحوالهم وشؤونهم وآثارهم في العالم وفي الوجود واضحة.

(وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)، فما يحصل لهم مِن انكشاف كثير مِن الحقائق، ومن ذوق كثير مِن المعارف، ومِن منازلات كثير مِن اللطائف واضح؛ حتى أن عامة مَن عظم النفع به في العلوم والسلوك في الأمة تجدهُ كان مغموسًا في آثار هذه المحبة والمودة، ونفع الله بكتبهم، ونفع الله بمؤلفاتهم، ونفع الله تعالى بما قاموا به وهكذا.

ويقول سبحانه: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)، يا ما أعجب حُسن الله الذي يهبه لمن يقترف الحسنات.

(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ)، عظيم التجاوز والستر على الذنوب والسيئات.

ومع ذلك زيادة (شَكُورٌ(23)) يعطي زايد فوق الغَفَر والستر ويهب من إفضاله: 

  • (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) [البقرة:261].

  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا). 

  • وعاد زائد (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ) [النساء:40].

(غَفُورٌ شَكُورٌ (23)):

  • (غَفُورٌ) نعمه كبيرة.

  • قال: (شَكُورٌ) عاد سأعطيك فوق وأعظم:

    • ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19].

    • وقال في الآية الأخرى: (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)، شاكر هو، قال: الله بيشكره! أي: بيزيده مِن فضله -جلَّ جلاله-، (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة:158] جلَّ جلاله.

(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23))، له الحمد، له المنِّة، يا غفور يا شكور اغفر لنا واجعلنا في الشاكرين المشكورين عندك.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا..(24)) يعني؛ أوَ يصل بهم الحد إلى أن يجترؤا عليك في حُسن مسلكك؟ وقويم هديك، وصدق قولك ولسانك، منذ نشأت بينهم، وصباحة وجهك، ينسبون إليك الكذب وينسبون إليك الافتراء؟! والافتراء على العلي الكبير مِن فوق، وأنت ما كذبت على أحد منهم، وينسبون لك تفتري الكذب على الله.

وقال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قبل ما يجي بالنبوة والرسالة وعاش بينكم، هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ قال: ما جربنا عليه كذب. قال: ما كان ليدَّعِ الكذب على  الناس، وإذا كبر يكذب على الله، هذا كلام بعيد، واحد ما كذب على الناس وهو صغير، لما يكبر بيكذب على ربه، -جلَّ الله-جلَّ الله- هو أعظم من ذلك.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) يتجرؤون على هذا القول وأنت أمامهم في المسلك السوي، والمنهج القويم، والخلق العظيم؛ وإنما يُنسب إلى الافتراء سقطة الناس، وسفلة الناس، وأنت مِن خيرهم هديًا ومسلكًا مِن صغرك، والكل يعرف ذلك عنك، ولقبوك بالأمين، واليوم يقولون: (افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ..) بمعنيين:

  1. المعنى الأول: إنما يكون الكذب فيمن ختم الله على قلوبهم، وأين هذا الوصف مِن مسلكك، وخلقك، وما يتيقنونه فيك؟! فإذًا بعيد، لا أنت ممن نختم على قلبهم حتى تكون ممن يفترى الكذب.

  2. المعنى الثاني(فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ) لو افتريت على الله الكذب فلا يترك الجبار الأعلى من يكذب عليه بالحجج، والبراهين، والفصاحة، والقوة سنة بعد سنة، فلِلْحَق يغار، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:44-47]، مَن يَمنعهُ مِنَّا؟ 

ولكنْ يستمر ويدوم معجزة بعد معجزة.. بعد معجزة!! يا جماعة أين العقول؟ هذا الأصدق.

(فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ) ومن الغريب بالتَّفسير؛ أنَّ بعض المُفسرين يقول: (فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ) معنى: يُذهب عنك معنى التَّعب والتَّشوش بكذبهم ونَسبَتَك الكذب، وافتراءهم عليك وسَبَّهم وشتمهم.. هذا بعيد.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ) ولا تقدر على تلقّي هذا الوحي، ومتابعته، ومعجزة بعد معجزة وطول السنين، ثُمَّ ابتدأك: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ..(24))؛ وقال: هذه سُنَّتي -سُنَّتي في الحياة- وبالنسبة لكم يا ابن آدم مِن أيّام أبيكم آدم:

  •  كُلَّما جاء باطل مَحَوتُه. 

  • وأحقَقْتُ الحقّ بما أُنزِل من كتب، وأُرسِل من رسل.

فأوّل باطل جاء من ابن آدم لصُلبه؛ قتله لأخيه (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) [المائدة:31]:

  • ومحونا ذلك الباطل.

  • ورفعنا قدر ذلك المظلوم.

  • وعاقبنا ذلك الظالم عقابا؛ لا تُقتل نفسًا ظلمًا إلى يوم القيامة إلّا كان عليه وزره منها، -والعياذ بالله تعالى-؛ لأنَّه أوّل من سَنّ القَتْل.

(وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) وكل ما ادِّعِيَ بعد ذلك -ما بين سيدنا آدم إلى قريب وقت سيدنا نوح- لمّا كانت المعاصي والذُّنوب وليس فيهم مَنْ يَدَّعي مَعَ الله شريك؛ ولكن كانوا يُخالفون أوامر الله ويَعصونه ويُعاقبون، وتَهلَك أُمَم بسبب ذلك في أمّة شيث وأُمّة إدريس ومَن بينهم من الأنبياء، إلى عهد سيدنا نوح؛ وقَدِر الشّيطان يَحرِف عقل ابن آدم إلى ادّعاء الشريك مع الله؛ وعبدوا الأصنام من دون الله، فجاء سيدنا نوح -عليه السلام- يدعوهم إلى التّوحيد والإيمان بالله وحده، لا يعبدوا غيره.. لهذا قالوا في إطلاق قولهم: إنّه أول الرّسل -يعني: بالتّوحيد- وإنّما على الفطرة من أيّام آدم كُلُّهم ناس مُوَحّدون، وإنّما كانت تحصل منهم المعاصي فيُعاقبون عليها.

قال: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ)، وجاء باطل قوم نوح؛ من دعوى الشرك وعبادة الأصنام، وقام سيدنا نوح صَبَر، وتسعمائة وخمسين سنة وهو يُبلّغهم ويُبيِّن لهم، ويدعوهم.. حتى أوحى الله إليه:

  • (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ) [هود:37].

  • (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26].

 فأهلكهم الله كُلّهم عن -بكرة أبيهم- ولم يَبْقَ منهم أحد، بِمَا فيهم ولَدَهُ الذي ضَلّ وشَذ (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود:42-43]؛ لا جبل ولا بر ولا بحر ولا أرض ولا سماء ما أحد يَعصِم من أمر الله، (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) [هود:43] ومحى الله الباطل، ثُمَّ مرَّت أيَّام ليس في الأرض إلَّا نوح وأهل السفينة ممن معه، ومنهم جاءت بَقيّة ذُرِّيَّة بني آدم.

 يقول ماذا؟ (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ..(24)) بما يُنزل من الوحي، ومن أسرار الوحي، وبإرادته القاهرة الغالبة..

  • ويريد الله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال:8].

  • يقول سبحانه وتعالى: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) [الأنفال:7].

  • وقال: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81].

  • (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) [ الأنبياء:18].

وهكذا الباطل في كُلِّ أُمَّة؛ يُمحى بِبِعثة نَبيّ ورسول، وما يَحدث من بعدهم كذلك وعلى أيدي خُلفائهم..

وكُلَّما انتشر باطل في فكر وغيره ما تمر السُّنون؛ إلَّا ويظهر عوارُه -عيبُه- وكذبُه، وخِداع أصحابه أنَّهم كذّابين. وتحت أيّ شعار يُصلّحون لهم باطل بعد ذلك يَظهر أنّه..؟! لا.. كذب هذا ولا له حقيقة! وإن قالوا ديمقراطية؛ وإن قالوا عدل؛ وإن قالوا تَقدُّم: وإن قالوا أمن؛ وإن قالوا حقوق إنسان؛ لكن بباطل يزهق الباطل.

 (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) كل ما يَدَّعونه مِن تَطاوُلٍ على الأنبياء، على المرسلين، من استخفافٍ بعباد الله الصّالحين المُقرّبين؛ يَبْطُل في الدُّنيا بتعاقبِ ظهورِ الحقّ من وقت إلى وقت بإذن -الله تعالى- (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9]، ثُمَّ الأمر في الآخرة أوضح.

(وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)؛ ولهذا يبعثُ الله في هذه الأُمّة على رأس كل مئة عام مَن يُجَدِّدُ لها دينها.

 (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)) ما هو بما في الصّدور (بِذَاتِ الصُّدُورِ) هو الصّدور نفسُه خالقها، والذي يجري بها.

(عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): أَعْلَم بِكَ مِنْ نَفْسِك، وأَعلَم بما في صدرِك منك؛ هو أعلم ما الذي في صدرِك، أعلم بهِ مِنْكَ -جل جلاله-.

  • (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].

  • (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [المائدة:7].

فهكذا يبين لنا -جل جلاله- شأن الفضلَ الكبير، والله يَهَبنا إيّاه؛ (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..(23))، (في قراءة: يَبْشُرُ) اللهم اجعلنا منهم، وألح على الله يجعلك فيهم ومنهم؛ خصوصًا في ما بقيَ من الليالي معك من هذا الشهر.

 (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)).

اللهم يا عليمٌ بذات الصدور؛ انظر إلى صدورنا وصدور أهل مجمعنا ومن يسمعنا ويتابعنا ويشاهدنا نَوّرها وطهّرها وصفّها، ولا تجعل فيها غير الإيمان بك وغير حبك وغير معرفتك يا الله.

 يا عليمًا بذات الصدور صَفّ لنا الصُّدور، ونقِّ لنا الصُّدور، ونَوّر لنا الصٌّدور، واجعلنا يا مولانا مِن أهل الصُّدور المشحونة بالإيمان بك، واليقين بما أتحفت به نبيّك، والمحبة منك ولك برحمتك يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين.

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد ﷺ

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه

 الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

20 رَمضان 1446

تاريخ النشر الميلادي

19 مارس 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام