تفسير سورة الزخرف -05- من قوله تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36 } إلى الآية 46

للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الزخرف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1446هـ ، تفسير قوله تعالى:

{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) 
أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) }

5 رمضان 1446 هجري.

 

نص الدرس مكتوب:

الحمدُلله الذي شرَّفنا بوحيه وتنزيله، وبيانهِ على لسان عبدهِ وحبيبه ورسوله سيدنا مُحمد صلى الله وسلم وبارك وكَرَّم في كل لمحة ونفس عليه وعلى آله وأصحابه، وأهل ولائه ومحبته وحضرة اقترابه من أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين؛ صفوة الرحمن -جل جلاله- في بريته؛ العاكفين على بابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،،،

 فإننا في نعمة تأمل لكلام إلهنا وخالقنا -جل جلاله-، انتهينا في تأمُّل آيات سورة الزخرف إلى قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39))، يُبين الحق سبحانه وتعالى لنا خطر الغفلةِ عن ذكره. 

(وَمَن يَعْشُ) أي: يصيبه العَشى وهو ضعفُ النظر، وقد يُطلقُ على العَمى. 

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ)، بمعنى:

  •  يُعرِض ويَتَولّى ويَغفَل.

  •  يَمِل عن ذكرِ الرحمنِ.

  • ينصرف عن ذكرِ الرحمنِ.

 يبتعد عن ذكرِ الرحمنِ -جل جلاله-، القرآن وذكر أسمائه وصفاته وعظمته -جل جلاله- وإحاطته.

 (مَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ(36))، فأصلُ البلايا والآفات؛ الغفلة عن عالِمِ الظواهر والخفيات. 

  • وإنما يُصطاد الإنسان ويُقتاد لأنواع الأسواء والمخالفات في لحظاتِ انقطاعِ قلبه عن ذكر هيبة هذا الإله؛ وعظمته والمصير إليه. 

  • وإلا فما دام القلب ممتلئًا بالحضورِ مع الرب وذكر المصير إليه فلن يُسلط عليه الهوى ولا النفس ولا الشيطان؛ ولكن الغفلة عن ذكر الله هي المصيبة.

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا(36)) 

  • أي: نمكن منه الشيطان ونُسلطه عليه.

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا)،

  •  أي: مُضِلًا بعيدًا عن الله -تبارك وتعالى-؛ 

هذا معنى الشيطان البعيد عن الحق الذي يُبعد الناس عنه.

 قال: (نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ (36)): 

  • لَزيم، مُصاحب، زَميل، مُرافق في أفكاره، في تخيلاته، في تصوراته، فيما يسول له، في عزَمَاته، في إراداته، في حظوظه، في ليله، في نهاره، يصحبه في بيته وفي سوقه وفي الشارع وفي المسجد وحيثما كان ما دام غافلًا؛ فالشيطان مقترنٌ به، مُلازمُ له مُرافقُ له، بئس الرفيق وبئس القرين.

  • (نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ)، والعياذُ بالله  فهو أي الشيطان لذلك الغافل قرين، أو فهو أي ذلك الغافل قرين للشيطان في وجهته وأفكاره وتصوراته وتخيلاته، يصحبه حيثما كان ما دام غافلًا. 

  • فإذا ذكر الله خنس وابتعد عنه، فالوسواس الخنّاس الذي يخنَسُ إذا ذُكر الله، وليس المراد ذكرُ اللسان، ولكن أن يستشعر القلب معاني اسمٍ من أسماء الله أو صفةٍ من صفاته وعظمته -جل جلاله-، عندها يخنس الشيطان فلا يستطيع أن يقرُبَ من الذاكرين لله -جل جلاله-.

إذًا رأس المصائب الغفلة عن ذكر الله:

  • ومن هنا قال العارفون: الذكرُ منشورُ الولاية. 

  • وجاء في خبر أن بعض الأنبياء سأل ربنا: ما علامتك في من أحب حتى أحبه وفي من لا تحب حتى لا أحبه؟ فأوحى الله إليه: إذا وجدت العبد يُكثِر من ذكري فاعلم أني أذنت له وأني أحبه، وإذا رأيت العبد لا يكثر من ذكري فاعلم أني لم آذن له وأني لا أحبه. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك.

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ (36))، فإذا كان الأمر كذلك ما الذي يحصل من هذه المقارنة وهذه المصاحبة وهذه الزمالة وهذه المرافقة؟ 

  • (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ)، وإن هؤلاء القُرناء الشياطين القُرناء للغافلين عن الله (لَيَصُدُّونَهُمْ)؛ يصدون هؤلاء العاشين عن ذكر الرحمن، أي: الغافلين والمُعرضين والمائلين عن ذكر الرحمن.

  • (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ)، يمنعونهم حقيقة السير إلى الله، حقيقة القرب من الله -جل جلاله-، يصدونهم عن سبيل الله -جل جلاله-، يصدونهم عن سبيل الرُشدِ والهُدى ويحولون بينهم وبين الاستقامة على ما يحب عالم ما خفي وما بدا.

(وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37))، ويظنون في أنفسهم أنهم مُثقفون، مُدرِكون، عالِمون، مُتطورون، عارفون.

(وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37))، فإذا لم يُتدارك بعناية من الله ويعود إلى ذكر الرحمن إلى قرآنه، وإلى ذكر صفاته وأسمائه وآياته -جل جلاله- فسيستمرون في هذه الزمالة الوخيمة الخبيثة إلى الموت.

(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا)، في بعض القراءات: (جاءانا)، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا)، وانكشفت الحقائق وتبرأ كل منهم من الآخر:

  • (قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ)، يا ليتني عشت بعيدًا منك وأنت بعيد مني كبعد ما بين المشرق والمغرب من ندامة وحسرة ولا تنفع، يقول: يا ليتني ما عرفتك ولا مشيت معك ولا استمعت إلى ما تُلقي على بالي من الخواطر الظُلمة والشر يا خبيث.

  • (يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ)، لكن كل شيء من هذا ما يفيد، كل شيء من هذا ما ينفع؛ (فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ (38))، يا أخس صاحب، يا أخس رفيق، يا أخس مقارن، يا أخس زميل، وهذه زمالة أكثر الناس على ظهر الأرض.

أكثر الناس على ظهر الأرض في هذه الزمالة وفي هذه الصحبة -فالعياذ بالله تبارك وتعالى- إلاَّ مَن تمكن ذكر الله مِن قلوبهم وأصغوا إلى الذكر المصون الحكيم القرآن واتصلت قلوبهم به وحملوا أنفسهم على العمل بما فيه؛ فهؤلاء لا يُقارنون ويزاملون إلا الملائكة والصالحين مِن عباد الله فحسن أولئك رفيقًا ما هو بئس القرين.

الله قال عن بعض الخلق: بِئْسَ الْقَرِينُ ، وقال عن بعضهم: (وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]، -وحسن أولئك رفيقا- (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]؛ 

  • فتجد مَن صدق مع الله وتمكَّن الذكر مِن قلبه مرافق في فكره، ويقظته ونومه، وذهابه وإيابه، ودخوله وخروجه وأعماله.. نبيين وصدقين وصالحين؛ يتذكرهم، يتذكر كلامهم، يتذكر أخبارهم، يتذكر بلاغهم ليل ونهار وهو معهم والملائكة معه. 

  • والقلب إذا أصغى لخاطر المَلك ولمّة المَلك، أملى عليه ما يزيدُه إيمانًا وطهرًا وتصفية وما يُبصِّر بالحقائق، ثم يلقيه لملكٍ آخر، ثم لملك آخر فيتناوب عليه الملائكة يلقون إليه خواطر الخير وما هو أنفع له؛ لأنهم مأمنون على النصح.

وكل إنسان يولد على ظهر الأرض يوكل به قرين مِن الملائكة وقرين مِن الشياطين -فله قرين مِن الشياطين يولد بولادته ويموت بموته، ويحشر معه يوم القيامة- ..لا إله إلاَّ الله.. فيأتون؛ 

  • فإذا نفخ في الصور ويقال له: (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) [ق:22-23]، يقول قرينه -قرين مِن الملائكة-: هذا حاضر الذي صاحبته في هذه المدة. 

  • يقول: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ) فيقول: يا رب هذا الخبيثَ طول عمري وهو معي  وقاعد يوسوس وأضلني هذا سبب (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا). 

  • لا ينفع خصام (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ)، بينت لكم على ألسُن أنبيائي، ورسلي؛ نسيتم أهملتم، وغفلتم، ورحتم وراء ترهاتكم واليوم بتتكلمون وبتتخاصمون ما ينفع خصام، (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ).

  • وهذا الحال متى يكون؟ قال: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) [ق:24-30]

اللهم أجرنا مِن النار، اللهم أعذنا مِن النار، اللهم نجنا مِن النار، اللهم احرسنا مِن النار، اللهم حرمنا على النار.

قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ) -في القيامة والمصير في الآخرة- (إِذ ظَّلَمْتُمْ) -أيام الاختبار في العمر القصير في الدنيا- (إِذ ظَّلَمْتُمْ) في وقت الفسحة والمهلة التي أعطيناكم في ذاك العمر القصير أعرضتم عن ذكري، وخالفتم أمري، وتعاونتم على الخروج عن شرعي في تلك المدة؛ فاليوم ما عاد ينفعكم شيء: (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)) في وهدرة وفي بهذلة وفي إهانة وفي شدة.

أيام كنتم في الدنيا قد يتسلى بعضكم ببعض والواقع في الشدة يتسلى بالثاني ويتآنس مع الثاني؛ أما نوع العذاب هنا ما هو مِن هذا النوع كل واحد فوقه ما لا يطيق ولا عاد يتسلى بأحد ولا يتخفف؛ لأنه عنده عشرة ولا مئة، ولا مئتين، ولا ألف ولا ألفين كل واحد منهم مشغول بما هو فيه ما يعرف يتسلى بالآخرين قط مِن شدة ما هم فيه. 

(وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39))، قد كانت بعض بلايا الدنيا تتخفف عليكم لما تكونوا مجموعة ولما تكونوا مع بعضكم البعض ويسلي بعضكم بعض وأما اليوم ماعاد شيء مِن هذا الكلام العذاب نوع ثاني (فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26].

(وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)) كنتم مغترون باجتماعكم في الدنيا على خطط تعصون الله بها وفيها، وتنشرون الشر بين الخلق؛ فكنتم مغترون بذاك الاجتماع فنتيجة هذا الاجتماع أن تجتمعوا في بقعة لا ينفع بعضكم بعض، ولا يفيد بعضكم بعض كما كنتم تضرون بعضكم البعض، وأنتم تظنون أنكم تنتفعون فخذوا الحقيقة اليوم، وخذوا نتيجة ما كان منكم في تلك الحياة والأيام المعدودة التي حذرناكم، وأنذرناكم، وذكرناكم فيها فأبيتم إلاَّ الإصرار على نسيان الخلَّاق الذي خلق والمنهج الذي أنزل فويلكم اليوم (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ).

ويبيّن لنا الحق حرص نبيه القوي على الإرشاد والدعوة إلى الله وإنقاذ بما أمكن وكان يبالغ في ذلك كما أخبر لِما جعل الرحمن في قلبه مِن الرحمة القوية حتى قال له في الآيات: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) [الكهف:6] يعني: مُهلك نفسك؛ قد تهلك نفسك وراءهم؛ حرصًا منك على هدايتهم. ويقول له الحق تبارك وتعالى: تسلى فأنك قد أديت الذي عليك وليس عليك هدايتهم؛ (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَن يَشَاء) [القصص:56]، (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ) [الشورى:48].

يقول: (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)، يقول الحق: لا تكلف نفسك، ولا يثقل عليك شأنهم وأمرهم يقول: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا) [الشعراء:3-4]؛ لكن سبقت كلمتنا أن هذا لا يهتدي وهذا لا يهتدي، فلا يهتدون.

  • (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ) مَن جعلناه أصم القلب عن الاهتداء وعن إدراك الحق لا أحد يقدر أن يفتح قلبه  ولا يُسمِّعه. 

  • (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ) إن كان أعمى عن سبيل الحق والهدى فما أحد يقدر أن يُبصِّره. 

الله يهدي مَن يشاء ويضل مَن يشاء، اللهم اهدنا فيمن هديت. 

(أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ((40))؛ 

  • يقول له الله: ليس ذاك إليك ولم تقصَّر يا حبيبي، (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8]، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

  • قال له في أية أخرى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41]. 

  • وقال: (وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف:57]. 

 

ومع ذلك بقي حريصًا مبلِّغًا وشأنه، كما قال الرَّب: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، أي ثقيل عليه عنتم أي مشقتكم يشق عليه وجود العنة فيكم والمشقة، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128]. 

اللهم وفر حظنا مِن رأفته ورحمته وأدخلنا في شفاعته، وأكرمنا برؤيته وأسعدنا بمرافقته برحمتك يا أرحم الراحمين.

(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) -بانقضاء أجلك ولحوقك بالرفيق الأعلى- (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ(41)) لابد تنال النقمة من عاداك ومن خالفك، ويُنزل بهم ما يَنزل مِن أنواع البلايا وأُخِّر كثير مِن الانتقام منهم ونزول الشدائد عليهم لمَّا كان بينهم ﷺ حي وأشار الحق إليه قال (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال:33].

قال: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) -بأن نقبض روحك ونرفعك إلى الرفيق الأعلى- (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ(41))، ولذا قالوا ما مِن نبي قبلهُ إلاَّ وقد نزل بأمته مِن الشدائد والبلايا ورآها فيهم قبل أن يموت وحل بهم هلاك؛ إلّا سيدنا محمد ﷺ -الرَّحمة المُهداة عليه الصلاة والسلام-، وكان يقول في كثير من مواقِفِه -مواقِف عِنادهم وأذاهُم له- : "الَّلهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون".

 (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُون(41))؛ لو نشاء نُعجِّل (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (42)) ما يُعجِزون إنْ نشاء نُنزل عليهم من السَّماء آية، (فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) ولكن لقوة رحمته ﷺ أخَّرَ الله كثيرًا من الانتقام والشدائد عن أُمَّتِه؛ فما كانت إلَّا من بعده! وراعى أيضًا حتى أصحابه من بعده وكان يقول: "أنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعدون" -سبحان الله-.

قال: (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ) فلا خير ولا هدى ولا سعادة ولا فوز لأحدٍ في الحياة الدُّنيا؛ إلَّا باتّباع الوحي الذي أوحينا وانتهاجِه في المنهج الذي ارتضينا، وما من شيء على ظهر الأرض يُصلح النَّاس ولا يُسعدهم غير ذلك. 

 

  • (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ) هذه مُهمَّتك وهذه وظيفتُك في الحياة، وأنت القدوة لعبادي كُلِّهم.

  • (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43)) دربٍ قويمٍ لا اعوجاج فيه، فأنت الأطهر وأنت المعصوم الأنوَر. 

(فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ)؛ إذًا فمن أراد الشَّرف من عبادي؛ فليسمع ما أقول لك، وليكن قَوِيَّ الاستمساك بما أوحيتُ إليك وأنزلت فإنَّ هذا الطَّريق الوحيد؛ لإسعادهم ولنيلهم حقائق الشَّرف والكرامة في الدَّارين. 

(فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ(43))، وإنَّه هذا الذِّكر الَّذي أوحينا إليك (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)):

  • (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ) مُذَكّر تذكيرًا شافيًا كافيًا تامًا. 

  • (لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) وهُم مَنْ أرسلناك إليهم من الإنس والجنّ إلى أن تقوم السَّاعة، فيه ما يَكفيهم وما يَشفيهم وما يُرقِّيهم وما يُصَفّيهم ويُنَقّيهم

(وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ(44)) ماذا قابلتم بِهِ ذِكرَنا ووحيَنا؟ كيف تعاملتُم معه؟ وكيف عَمِلتم بأوامره ونواهيه؟ وكيف فعلتم بدلالاته وإرشاداته؟ (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وهم جميع أُمَّتِك من أوائلهم الذين حواليك؛ من قريش ومن في جزيرة العرب، إلى بقية العرب والعجم من الإنس والجن، إلى أن تقوم السّاعة فإنَّك مُرسلٌ إليهم أجمعين فهم قومك. 

(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44))، قال الحق في الآية الأخرى: (فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ) [الأعراف:6-7]؛ هنا كنتُ شاهد وحاضر؛ ورسلتكم إلى أقوامِكم وشَهِدتُ ما قلتُم وما بلَّغتُم وما ردَّ عليكم أصحابُكُم وأقوامكم، ومن اهتدى ومن لم يهتدي (وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ)، ولكنّي أُقيم الحُجج والبراهين، وأسأل هذا، وأسأل هذا.. أسأل الذين أُرسل إليهم: ماذا عملوا بالرّسالة؟ وماذا عاملوا وقابلوا به المُرسَلين؟ (وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ)، بَلَّغوا أم لم يُبَلّغوا؟ وهو يَعلم أنهم بلَّغوا (يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ) [المائدة:109] -جل جلاله وتعالى في علاه- (وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ). وقال في الآيات الأخرى: (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ) [الصافات:24] الله أكبر.

قال: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(45)) فإنّنا سنجمَعَك بالرُّسل كما جمعهُم في ليلة الإسراء والمعراج، ونجعل لك ولأرواحهم لقاءات؛ فإنْ شئتَ أن تسألهم أسألهم. (أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ) هل أذِنَّا  لأحد أن يعبد شيئًا غيري؟ من حين ما خلقتك بني آدم -من أيام آدم إلى أن تقوم- ما أذِنت لأحد أن يتخذ إلهًا غيري أصلا! (أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ(45)) .. الله. 

وقال له: (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ) [يونس:94]؛ قال: لا أشك ولا أسأل ﷺ، فهو أقوى الخلق يقينًا. 

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسىٰ بِـَٔايَتِنَآ..(46))، ويَذكر -سبحانه وتعالى- مِن هذه القصص في شؤون هذا الوحي، وأحوال الناس على ظهر هذه الأرض، وعجائب اغترارهم وإنكارهم وجحودهم وغلبت الشّهوات والأهواء عليهم، وكيف يَضِلُّ من يَضلّ وهم الأكثر، ويهدي الله لنوره من يشاء (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ) [الزمر:37]، (مَن يُضْلِلِ اللَّه فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ) [الأعراف:186]، اللهم اهدنا في من هديت.

وهي إجابة.. يقول -الحبيب علي الحبشي- عن دعوة الحبيب ﷺ: 

وهي إجابة سبقت بها الأقضية والأقدار ***  تشرف بالسَّبق إليها المهاجرون والأنصار 

عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى- فأكمل الله بهمّة هذا الحبيب وشدّة بأسه وأصحابه هذا الدين، وكَبَت بهم الكافرين والمُلحدين.

 فالحمد لله على نعمة مُحمَّد ونعمة المُرسلين والنَّبيين، ونعمة التَّنزيل ونعمة القرآن المحفوظ الدائم الباقي، كما أنزل الله على رسوله نورًا لنا وهداية ومنهاجًا، أسعِدنا بالقرآن واجعلنا من خواص أهلِه عندك، يا مُنزل القرآن بجاه من أنزلت عليه القرآن وَفِّر حظَّنا منه في رمضانِنا هذا يا رحمن، وأصلِح لنا كُلَّ شأن، وانصرنا بالقرآن وارفعنا بالقرآن وانفعنا بالقرآن واجمعنا بالقرآن واجعلنا من خواص أهله عندك يا واسع الإمتنان. 

 

بسر الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه

وعلى آله وأصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

06 رَمضان 1446

تاريخ النشر الميلادي

05 مارس 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام