تفسير سورة الذاريات، من قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}، الآية: 37

درس الفجر الرمضاني 1444هـ.jpeg
للاستماع إلى الدرس

الدرس الرابع من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الذاريات، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1444هـ ، تفسير قوله تعالى:

{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)}

 

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله مكرمنا بالوحي والتنزيل، والبيان على لسان خير معلمٍ وهادٍ وداعٍ ودليل سيّدنا محمد الهادي إلى سواء السبيل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المجتبى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الوقوف بين يديك يا وليّ يا وكيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين موطن التكريم التفضيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. 

أما بعد: فإننا في نعمة تأملنا لكلام إلهنا وربنا وخالقنا جلّ جلاله وتعالى في علاه، أتينا في سورة الذاريات إلى قوله جلّ جلاله:{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38)} 

 يقول الله تبارك وتعالى: في قُرى قوم لوط المجرمين

{فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ(36)} وهو: النبي لوط وابنتاه يقول سبحانه وتعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا}، في تلك القرية وما جرى فيها والقصة وشؤونها: آيةً علامةً واضحةً بيِّنةً مُذكِّرةً مُنبِّهةً، للذين يخافون العذاب الأليم، فإن من بقي سليم الفطرة، أو اقترن بسلامة الفطرة إيمان، يظل خائفًا أن يُصيبه مثل ما أصاب القوم، وأن يُنازله مثل ما نازلهم من الحيِّ القيُّوم، أمّا من فسدت فطرته ولم يكن له من الإيمان نصيب، فيرى الآيات فلا تكون له آيه ولا يعتبرها آية، ولا يتذكر ولا يَدَّكر ولا يعتبر ولا يُراجع حسابه، بل يراها آيةً بعد آية ولا يُبالي وكأن لم يرَ شيئًا، ذلك الذي قسى قلبه وفسدَ لُبُّه، وبَعُدَ عن ربه جلّ جلاله؛ لذا قال: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)}  أي: من بقوا على أصل الفطرة يوقنون أن ما أصاب الغير يمكن أن يُصيبهم إذا فعلوا ما فعل الغير. 

وفي مصيبة قوم لوط على وجه الخصوص قال الله -جلّ جلاله- في سورة هود: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ}[هود] ثم قال: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}[هود] أي: هذه الغاية والنهاية والمصير ليس بعيدًا عن الظالمين الذين يعملون مثل عملهم أن نفعل بهم مثل ذلك، {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}[هود]. كذلك يقول في هذه الآية: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)}

 فالويل لمن لا يخاف العذاب الأليم وهم: الذين لا إيمان لهم وفسدت فطرتهم والعياذ بالله تبارك وتعالى، فساروا لا تُؤثِّر فيهم الآيات، والحال كما قال الله في من قبلهم: {وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2)}[القمر]. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111]. {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (15)} [الحجر]. وما يفيدهم شي، فالله يجيرنا من الفساد والخروج عن سلامة الفطرة، ومن قلة الإيمان، اللهم ثبتنا على الفطرة السليمة وزدنا إيمانًا في كل لمحةٍ ونفس.

{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)}، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لسادتنا الصحابة، وقد مر بهم في غزوة تبوك إلى أرض قوم نبي الله صالح الذين عقروا الناقة، وتأتي الإشارة إلى قصتهم بعد هذا قال: ''لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون أن يصيبكم مثل ما أصابهم''، أي: خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولما وصل إلى أماكنهم ومواطنهم وقُراهم غطَّى رأسه الشريف وأسرع بالمشي على راحلته حتى خرج من ديارهم، حيث لُعنوا وحلت عليهم الصعقة وهلُكوا في ذاك المكان، َهكذا يعلمنا المقتدى كيف الهدى في الاعتبار بما جرى على ظهرهذه الأرض!

يقول سبحانه وتعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَىٰ} : قصته وما حصل له أيضًا آيات، كما قال في أول الكلام {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ} قال: {وَفِي مُوسَىٰ}، {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَىٰٓ} آيات فآيات الله كثيرة، وقال لله تعالى عن المُعرضين الذين لا يستفيدون من الآيات {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون} [يوسف:105]. يقول-جلّ جلاله-: {وَفِي مُوسَىٰ} أي: في شأن بعثته وما جرى له وقصته والنهاية التي كانت لفرعون الذي كذب واستكبر وعادى.

{وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ} بعظمتنا وجلالنا وربوبيتنا ونحن نختص من نشاء بالرسالة، {للَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِۚ} [الحج:75]، {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38)} بحجةٍ قاهرة و برهانٍ واضح ودليلٍ قاطع، وهكذا يبعث الله الرسل مُؤيَدين بالحجج والبراهين والأدلة الكافية، لكل ذي عقلٍ وكل ذي لبٍّ وكل ذي فطرة سليمة أن يؤمن بهم، ويعلم ويوقِن بصدقهم صلوات الله وسلامه عليهم.

يقول: {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38) فَتَوَلَّى} أعرض وأدبر واستكبر، {بِرُكْنِهِ}: بجانبه و بالقوم الذين معه الذين يركن إليهم،  مصدر قوته ممن يُألِّهون وممن يخدمون ومن الجند الذي معه، {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} وقد سبق معنا قول النبي لوط: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80]، نصير ومؤازر يقومُ معي ويُعاضدني، {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ}: فرعون وأنصاره وجنوده ومن معه، تولَّى بهم وأعرض واستكبر، وأخذ يَسُبُّ العاقل الذي أمامه، والبَرَّ الذي قدامه، {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}، وسيأتي معنا في الآيات في السورة أن هذه القولة يتوارثها الكفار والمشركون، والملحدون كلما بُعِثَ نبي أو رسول، ويأتون بنفس الكلام، وإلى يومنا هذا يتوارثها من يتوارثها من الكفرة، ويقولون عن دعاة إلى هدى وحق وصدق: مجنون أو ساحر، بل ربما أوحَوا ذلك إلى بعض المسلمين، فصاروا يُسمون دعاة هدى وصلاح بينهم سحرة أو مجانين، والعياذ بالله اختلال في الموازين، وانحراف في النظرات لنسبة الشيء إلى غير محله، وإلى غير أهله ووضع الأمر في غير موضعه. 

الرسل أعقلُ الخلايق وأطهرُهم وأحسنُهم سيرة، كيف يكونوا سحرة؟! كيف يكونوا مجانين؟! أخلاقهم باهرة وآياتهم قاطعة وحُجَجَهم دامغة، وين السحر وين الجنون إلى في هذا؟! ومع ذلك يُروَّج هذا القول، ويأتي أتباع المُرَوِّجِين ويقولون ساحر ساحر  مجنون، فيَضِلون بذلك ويخسرون الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، فمهما عشت في أي زمان وفي أي مكان فأقم موازينك على الحق والهدى وميزان ما أوحى الله، ولا تستسلم لما تُحرَف به الموازين عن عدلها وقسطها، من الأفكار ونسبة الأشياء بالباطل إلى غير أهلها، واعلم أن أعقل الناس الأنبياء وأتباعهم ووُرَّاثَهم، فإن كنت مقتديًا أو مهتديًا {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ} [الأنعام:90]، الله أكبر! قال سيدنا عبد الله بن رواحة في رسول الله: 

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقناتٌ أن ما قال واقعُ

 صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وَفِينا رَسولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتابَهُ  إذا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ ساطِعُ 

يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ  إذا اسْتَثْقَلَتْ المشركين المَضاجِعُ 

أَرانا الهُدَى بَعْدَ العَمَى  فَقُلُوبُنا به مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)}  [النجم].

ارزقنا كمال التصديق بنبيك يا رب، ومن تنتخِبُه في زماننا لقوة الإيمان والتصديق والمتابعة فاجعلنا منهم يا رحمن، نتبع حبيبك سيد الأكوان ولا نخضع لنفس ولا ِلهوًى ولا الشيطان. 

يقول: {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39)} وقد يُستعمل ال "أو" بمعنى: الواو، يعني: ساحر ومجنون، قال الله تعالى: فما كانت بعد أن أراهم آيةً بعد آية، وفي تسع آيات وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات، وبعد كل آية يقولون: نحن  بنرجع  وبنؤمن، وتَنكشف عنهم الشدة ويرجعون إلى كفرهم! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! والأخير يرجعون إلى موسى، هو ذا الذي يقول كيف ساحر ومجنون وترجع إليه وقت الشدة؟! 

{يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ} [الأعراف:134]، حتى في عنادهم وكبريائهم وقت حاجاتهم ورجعتهم {يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف:49]. إذ لو ساحر روح وابعِد من عنده إيش تبغى منه هذا؟ {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (135) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (136)} [الأعراف] . 

{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} تعال إنت وحقك اللي تعتمد عليهم أنهم قوة لك على ظهر الأرض، تستند إليهم تعال إنت وإياهم مرة لكم موعد أغرقكم في ساعة واحدة، لا إله إلا الله القويِّ! {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [البقرة:165]. فهو القوي وحده -جلّ جلاله- قال: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ} طرحناهم طرح: مالا يُقدَّر ولا يُحترم ولا يُعبأ به ولا يُكترث به، {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ}  في البحر وهو مُليم، مليمٌ: حامل اللوايم، حامل ما يُلام عليه جاءته الآيات البينات وأصر واستكبر وادَّعى الألوهية وادَّعى الرّبوبية، وابتدأ يقول:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} [النازعات:24]، وبعدين أنكر معاد حد رب إلا هو، ويُقال: ما أعلم لكم من إلهٍ غيري {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي } [القصص:38]. لا حول ولا قوة إلا بالله! ماعاد أحد إلا أنا جاءته الآيات والبيِّنات، وأراه الله -سبحانه وتعالى- عصا تتحول إلى حيَّة وتأكل سحر الساحرين، وعِصِيَّهُم وحبالهم ولا تُبقي منها شيء، ثم بعد أكلها لا تنتفخ ولا تكبر ولا تزيد في وزنها ولا في حجمها ما هذا؟! السحرة بأنفسهم أيقنوا أن هذا ليس بسحر، وهذه آية ربانية، وخرُّوا سُجَّدًا لله تبارك وتعالى، وهذا ما رضي قال: هو مليم اللوم عليه، يقوم يستشير هامان، الهايم في غيُّه وضلاله، ويقول: كيف ترى أصدق موسى أتبعه؟ كيف بدل ما تكون إله تُعبد ترجع عابد تابع! لا خلاص ولا نُصدِّق به ولا نؤمن به، يعلم أنه رسول ويعلم أنه صادق، فكلهم حلَّت بهم المثُلات واللوم عليهم، يلامون على ماكان منهم، وعلى ما كابروا، وعلى ما أصرّوا وعلى ما عاندوا؛ {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)} فما لهم من دون الله من أنصار ما لهم من نصير وما لهم من ولي؛ ولذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: عنه وعن من دخل في دائرته من أهل الإيمان واليقين: الله مولانا، ويقول للكافرين: ولا مولى لكم كذلك بين الله هذه الحقيقة {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد11] . 

 تعرف معنى لا مولى لهم؟ مهما اجتمعوا مهما تكاتفوا مهما تحالفوا، مهما اتفقوا مهما جعلوا من مواثيق وعهود {لَامَوْلَىٰ لَهُمْ}  نهاياتهم: خرابٌ وفسادٌ في الدنيا وعذابٌ في الآخرة مولى ماشي مولى، المولى لمن آمن، الولاية لمن آمن {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم}[البقرة:257]. وهؤلاء لا مولى لهم، خلّه يصَلِّح له موالي هذا والجنود حقه، وأولياؤه بينصرونه ومستعدين يفدونه بأي شيء وهم يُقوُّنوه ودخل وإياهم إلى البحر، وغرقوا وانتهت المسألة، {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ}[محمد:11]. {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}[الشورى:8] ، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}[ال عمران:192]. يا ربُّ تولَّنا فنعم المولى أنت.

يقول الله -جل جلاله-: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}[ البقرة:137}، {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}[الأنفال:38]، أنتم معشر المؤمنين بنا لا تُقاتلوا من أجل مال، ولا من أجلِ أن تتسلطوا على أحد، ولا أن تأخذوا أرض أحد، ولا أن تؤذوا أحد؛ لكن لإنقاذ عبادنا، وإخراجهم من الظلمات للنور،  ومن النار إلى الجنة، لإعلاء كلمتنا {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ}  [الأنفال:39-40] معنى {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ} أي:لا يزعجكم منهم تجمُّع، ولا يزعجكم منهم تكاتف بينهم البين، أنتم إذا صدقتم معنا فوليكم أنا، وهم وكل ما عندهم يخرب وينتهي في لحظة، {وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:40] -جلَّ جلاله-

يا مولانا يا نعم المولى ونعم النصير {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286] {أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

يقول: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ} رميناهم طرحناهم {فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ(40)} وفي غروره لمَّا وصل ووجد الله تعالى قد شَقَّ البحر لموسى {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء:36]. كالجبل الشامخ، تحوَّلت سيولة المياه وليُونتها إلى صلابة الجبال، كأنها جبلٌ صلبٌ قوي، في اثني عشر طريق على عدد القبائل الذين مع سيدنا موسى، فكل جماعة منهم يدخلون في طريق، حتى لمَّا قال نريد أن يرى بعضنا بعض، فتح الله لهم فتحات، نوافذ صَلَّح بين الكَوْمَة من الماء هذا وهذا صاروا ينظرون بعضهم البعض اللي في الشق ذا واللي في الشق ذا يتشاوَفون-ينظرون- حتى انتهوا، ولمَّا وصل عدو الله فرعون قال: تعجَّب آيات باهرات مفروض يؤمن على طول! ومن معه!

ومن شان  اللي معُه لا يشكّوا اللي معه قال أنا الذي شققت لهم هذا البحر، من أول كان يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي} [الزخرف:51]. ذالحين -الآن- بيقولون وينك إنت؟ فين موسى، شرد عليك موسى وقومه، وخلُّوك والبحر! هذا اللي يجري من تحتك وقع لك صلب مثل الجبال وين أنت؟ قال أنا الذي شققت لهم هذا وصيَّرت لهم البحر هكذا ليعلموا أني وراءهم وأني سألحقهم!

طيب هيا ألحق أدخل؟ دخل هو وجنوده، لمَّا استووا وسط البحر ردَّ الله الماء إلى سيولته، فلمَّا أدركه الغرق {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ..} روَّحت كلها حقه الهَنْجَمَة والدعاوي والباطل والربوبية والألوهية {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ..}[يونس:90]. هم ذولاك اللي آمنوا به هو رب صدق، ما عاد شي رب غيره أبدًا مافيه إله ثاني! 

والكلام حقك هذا كله كذب! وبعدين؟ قال الله: {آلْآنَ}! بعد ما قد جاءتك الآيات وعطيناك الفرصة الطويلة ما رضيت تؤمن! ذالحين عندما أشرفت على الموت! ما ينفعك {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[يونس:91].

قال: {وَفِي عَادٍ} في موسى آية وفي عاد آيات، قوم عاد من قبل موسى بقرون طويلة، وهم قوم النبي هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- وعاشوا في هذا الوادي {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ}[الأحقاف:21].

يقول -سبحانه وتعالى-: {وَفِي عَادٍ} آيات لمن يعتبر لمن يدَّكِر.

يقول سيدنا النبي هود في وصف قُوَّاتهم، وقدراتهم وإمكانياتهم المادية والعسكرية والإجتماعية، يقول لهم النبي هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام-: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ(129)وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ(130)}[الشعراء:128-130]. وهم كانوا يقولون: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً..}[فصلت:15]. أليس في كل زمان من يقول هذا القول؟ {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، قال الرحمن في الجواب عليهم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ(16)} [فصلت:15-16]، لا منصور إلا الرسل والمؤمنون.

قال سبحانه وتعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41)} ما معنى عقيم؟ ما فيها خير لهم، ما تَتَوَلَّد لهم بأي خير، في الريح فوائد ومنافع، تحمل السحاب والماء، وتلقّح الأشجار، وتبرِّد الإنسان، ولا فيها شيء من هذا، لا تلقح شي أشجار، ولا تلقح سحاب، ولا تحمل الماء ولا مطر، ولا تأنِّس الإنسان ولا تروِّح عليه، ما شي فيها من هذا {عَقِيمَ} يعني: من كل الفوائد والمنافع التي في الريح ما فيها، هذه الريح ما فيها من الفوائد!

وسبحان الله! الأمر الواحد يجعله ربي منفعة وفائدة، ويجعله في نفس الوقت هلاك ودمار! هو  نفسه! ريح!

كم تحمل من فوائد للناس، إذا أراد يجعلها عذاب ولا عاد شي فائدة، ولا واحدة!

المطر كم تحمل من منافع للناس؟ وفوائد كبيرة وكثيرة؟، وأحيان ينزلها غضب خلاص ولا عاد شي فائدة! بدل ما تنبت الأشجار تقلِّعها! الله الله الله، بدل ما تُنقذ من الظمأ وتُنقذ العطشان إلى الحياة  تموته تموّت! لا إله إلا الله، كل الفوائد ما عاد حد هي، قدها إلا ضر في ضر! وهي شيء واحد، بأمر الواحد!  يجعله كذا يجعله كذا! فسبحان الفعَّال لما يريد.

قال -جَلَّ جلاله-: {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ} ما تترك {مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} مرَّت عليه {إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} البالي المُنهَدِم، المُفَرَّق، المُشَرذَم {جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} رميم الأشجار، رميم العظام، رميم: البالي المنهار الساقط، {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} إنسان، حيوان، شجر، ديار مرت عليها {إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)} قلَّعت أشجارهم، سَقَّطَت ديارهم، ضربت بعضهم ببعض، سقطوا على ظهر الأرض مرميين.

لا إله إلا الله!

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ(8)} [الحاقة:7-8]. هؤلاء الذي كانوا يقولون: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15]. {وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود:60].

وعلى نبينا هود الصلاة والسلام؛ أُعِزّ وشُرِّف وأُكرِم ونجا ومن معه، وذكره جميل إلى اليوم في الدنيا، ونصره في الآخرة مُقبِل.

فإيش الذي حصل عند المغترّين هؤلاء؟ بقوَّاهم وماديَّاتهم وعسكريتهم ما الذي حصل لهم؟ خسروا الدنيا والآخرة!

قال تعالى: {وَفِي ثَمُودَ} آية أيضا في ثمود؟ آيات؟ الله! آيات الله كثيرة، إلا ما يعتبر الناس ولا يدِّكرون!

{وَفِي ثَمُودَ} آيات جعلنا آيات علامات {إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ(43)}، بعث الله إليهم النبي صالح، وقال إنما لكم أعمار معينة وستنقضي، فلكم في هذه المدة فرصة الرجوع والإنابة، وإلا ما تتجاوزون حدودكم،ثم لمَّا عقروا الناقة قال هم: ثلاثة أيام بس باقي، ما عاد شيء إلا ثلاثة أيام من أعماركم في الدنيا، ما عاد شيء خلاص بعدها ما عاد شيء {تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ} حين إنقضاء الأجل، {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65]، وأصبحوا يترقَّبون وينظرون، إيش الذي بيحصل في الثلاثة أيام هذا؟ إيش بعد الثلاثة أيام؟

وإذ به اليوم الأول تَصفَرّ وجوههم، كل واحد يقول ما له الأصفر؟ يقول له أنت أصفر! يقول أوه أنا أصفر؟!

يشوف المرآة كل واحد منهم مُصَفِّر! ذا اللي قال صالح الآن !

ثاني يوم كل واحد منهم أحمر، يشوف الثاني ما لك؟ يلاقي صاحبه في الطريق مالك أصبحت أحمر أنت؟ أنا أحمر؟ أنت الأحمر! أنا أحمر؟ أنت أحمر!

كل واحد يشوف الثاني؟ يشوف المرآة وكلهم حُمران!

اليوم الثالث كل واحد أسود، خلاص الخبر الوعد جاء، كمَّل الثلاث أيام، اليوم الرابع صيحة واحدة صوت مزعج ريح.. أنتهوا ، كلهم في مكانهم، ونجَّى الله صالح، لا إله إلا الله!

{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ(66)وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ(68)} [هود:66-68].

الله! آيات ولا ما هي آيات؟!

يقول تعالى: {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} وقال لهم النبي صالح، اتركوا هذا يوم للماء تشرب الناقة، ويوم لكم، {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} [هود:64]، ما رضوا إلا  عقروا الناقة {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} تكبروا وتعالوا واستعلوا، على أمر الله -تعالى- وخالفوا، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)} يعني أقبلت عليهم في يوم الوعد، وهو يوم  الوعيد ذاك، ريح فيها وسطها صوت شافوا بعيونهم شافوه، صاحت عليهم، ومحلهم سقطوا، وهم ينظرون!

{وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)} قدهم طول الثلاثة الأيام مُترقبين ايش اللي بيحصل هذا؟

وليه تكذِّبون به؟ آمنوا وادخلوا؟ خلاص بيحصل شيء، ما لكم؟! وليش هذا الإصرار وعناد وتكذيب وبعدين خوف؟!

"والمُبطِل متناقض" يقولون، فزعانين -خائفين- ايش بيحصل لهم، {وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)} يعني ينتظرون المصير جاهم.

قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ..} ما عاد أحد يقدر ينهض، كل واحد لما جاءته الصيحة محلّه ولا عاد شيء قَوْمَه، ولا مُقاومة، ولا مُدافعة، ولا محاولة، {فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ..} خلاص سقط كل واحد في محلُّه ولا عاد شيء قومة بعدها، إلى اليوم ماعاد قاموا خلاص.

{وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)}، ما قدروا يردون عذاب الله، ولا أن يقتلوا النبي صالح، ولا أن ينتقموا منه {وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)} ما يقدرون، يعاندون مَن هؤلاء؟ يُكابرون مَن؟ ويقاتلون مَن؟، لا إله إلا الله! 

{فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ..}، {وقَومِ نوحٍ} أيضا على قراءة الكسر، أي: وآية في قوم نوح.

وعلى قراءة: {وقَومَ نوحٍ} أي: وأهلكنا قوم نوح.

{وَقَوْمِ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ..} قبل هؤلاء كلهم قد جاءوا قوم نوح {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)}، فسقوا وخرجوا عن المسلك القويم الصحيح، واستهزأوا بالنبي نوح، وإذا جاء يكلمهم استغشوا ثيابهم يتغطّون منه، ويجعلوا أصابعهم في آذانهم، يقولون لا تتكلم مانريد كلامك أسكت ساكت!

هو يبلِّغهم، ويقومون يضربونه!حتى يُغمى عليه، وإذا أفاق يرجع ثاني مرَّة يذكِّرهم! كم أيام؟ كم أيام! كم أسابيع؟ كم أسابيع! كم أشهر؟ كم أشهر! كم سنين؟ سنين؟! تسع مائة وخمسين سنة!

ايش الصبر هذا؟ سيدنا نوح -عليه السلام-

وما دعا إلا بعد ما أوحى الله إليه أنه {لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ} [هود:36]. ودعا عليهم: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(27)} [نوح:26-27]. فأهلكهم الله -تبارك وتعالى- 

{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)} بالغرق، ولا عاد بقي أحد، ولده الكافر يقول له: ادخل في الإسلام والإيمان وكن معنا واركب في السفينة معنا، قال: لا، ليش سفينة من شان تنجو من الماء؟ أنا بطلع الجبل ولا عاد بيصيبنا الماء {قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ..}[هود:43]. بس وما في السفينة، ومن لا يرحمه الله ما عاد ينفعه لا جبل ولا غير جبل، ما شي يفيد من عذاب الله تعالى {..وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود:43].

لا إله إلا الله!

قال: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)}، ثم بيَّن الحق الحقيقة لنا قال: هذه الأرض سخَّرناها لكم ومهَّدناها، والسماء من فوق نحن الذين بنيناها يا جماعة، لا أصنام ولا أشجار ولا أحجار ولا شمس ولا قمر.. أنا الذي خلقت الكل، وأنا الذي كوَّنته ولا مصانع لكم ولا شركات ولا مؤسسات ولا حكومات..

من الذي رفع السماء من فوق؟ عايشين تحت السماء وتُنكرون باني السماء وخالق السماء ورافع السماء! وتعيشون على ظهر الأرض، وتُنكرون داحيها لكم ومُمَهِّدها ومُوجِدها لكم! ما هذا؟!

لذا كلهم يقولون في القيامة: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10]، هم المتناقضون مع عقولهم، أعظم ألغاز الحياة؛ من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين نصير؟

أجابهم الأنبياء والرسل، وهم يتعامون، ويمشون بس يصَلِّح مصانع وحركات سياسية واجتماعية، تعال قل لي أول من أين جئت؟ ولماذا أنت هنا على ظهر الأرض؟ وتصير إلى فين؟ ولا شيء! رجال مسكين مُتوِّه، مافيه عقل، يمشي هكذا في حاله.

مثال: واحد في بلده وبين أهله دخل نام في سريره، ما يشعر بنفسه إلا وسط سفينة في البحر، وفيها ناس كثير! واجب عليه أول ما يفكر في عقله، الحين ايش الي جابني إلى هنا؟! -يقول ما الذي جاء بي إلى هنا؟!- أنا بِتت وسط بيتي في قريتي، وعند أصحابي وفي سريري؟ كيف أنا في هذا المكان؟ من أين جئت؟ ومن الذي أوصلنا إلى هذا المكان؟ والسفينة تجري بي إلى فين؟ إن كان عاقل أول شيء يقول كذا..!

زهذا وصل السفينة، شافهم يتكلمون يتكلم معهم، شافهم يشتغلون بشيء قام يشتغل! طيب الحين فكِّر من أين جئت؟ ايش الي وصَّلك إلى هنا؟ والسفينة ما أنت داري تمشي بك إلى فين؟!

وهكذا نحن في سفينة هذه الحياة، من أين جئنا؟ كنا عدم، محض، وُجدنا على ظهر هذه الأرض.. من أين جئنا؟ ولماذا؟ وفين تمشي بنا؟

{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ(22)} [عبس:20-22]. هذا حل اللغز وأدلّته فوقه مع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.

فما الإعراض عما جاء به الأنبياء إلا غَبْن وغباء وبلادة وبلاهة، يَعتبر بها مَن كانوا يُسَمّون عبقريين وكانوا يُسمون مفكِّرين يقولون: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ(11)} [الملك:10-11].

اللهم ارزقنا التنوير، ودبِّر لنا بأحسن التدبير، وسِرْ بنا خير مسير، في طريق الهدى والنور، في تبعيَّة عبدك محمد بدر البدور، حتى تُكرمنا في الدنيا والبرزخ ويوم النشور، وتجمعنا به في الجنَّات العُلا، وساحة النظر إلى وجهك الكريم، وأنت راض عنَّا، بالفضل والإحسان والجود والإمتنان، يا رحيم يا رحمن.. بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 

تاريخ النشر الهجري

05 رَمضان 1444

تاريخ النشر الميلادي

26 مارس 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام