شرح كتاب الأدب في الدين للإمام الغزالي -6- أدب المؤمن بين يديّ الله تعالى (5)

الدرس السادس من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب الأدب في الدين لحجة الإسلام الإمام محمد بن محمد الغزالي، متابعة الحديث عن أدب المؤمن بين يدي الله تعالى، الجزء الخامس.
فجر السبت 7 شوال 1438 هـ.
متابعة أدب المؤمِن بَين يَدي الله تعالى
"واليأس من جميع الخلق، وإخلاص العمل، وصدق القول، وتنزيه الاطلاع، وإحياء القربات، وقلة الإشارة، وكتمان الفائدة، والغيرة على تبديل الاسم."
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله ربنا الرحمن الكريم المنان، مكوّن الأكوان مُنزل القرآن، بعث إلينا عبده المصطفى محمد خاتمًا للأنبياء والمرسلين، مبيّنًا عن الله بأحسن التبيين. اللهم أدِم الصلوات على عبدك الأمين، الأمين في الأرض والأمين في السماء، أكرم من ائتمنت من عبادك على أسرارك في بريّتك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن والاهم واقتفى الآثار على مدى الأعصار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادِن الأنوار، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
في آخر الأيام الستة من بعد يوم عيد الفطر من هذا الشهر، نواصل الحديث فيما يبيّن الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تعالى- من أدب المؤمن بين يديّ الله تعالى في علاه. وكان آخر ما ذكر لنا من هذه الآداب: أن يتأدب القلب مع الرب بخروج الطمع والرغبة والالتجاء إلى شيء من الكائنات. وذلك أن الله خلقها لنا اختبارًا، ويجري أقداره فيها سبحانه وتعالى اعتبارًا، وهي آثار فعل الفعّال لما يريد. كل من افتتن بها وظنّ أن لها استقلالاً في تقديم أو تأخير، أو إعطاء أو منع، أو إحياء أو إماتة، أو أي شيءٍ من حقائق صفات الحي القيوم -جلّ جلاله- صارت عليه هذه الكائنات حجابًا يحجب عن إدراك الحقيقة، وعن القرب من رب الخليقة.
ومن أدرك حقيقةً فتأدّب قلبه مع الله فاستمسك بالعروة الوثيقة، وعَلِمَ ما قال ﷺ لابن عباس: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك"، "تجده أمامك"، "تعرّف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم ان الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك بشيء إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصُحف". يترتب على تصحيح هذا الاعتقاد وهذا الإيمان اليأس مما في أيدي الناس.
قال: "واليأس من جميع الخلق" أن يستقل أحد منهم بشيء. وقد ارتقى ذروة هذا المعنى العليا ساداتنا الأنبياء. ولذا لما خاطب سيدنا جبريل عليه السلام خليل الله إبراهيم وقد رُمي بالمنجنيق، فهو في الهواء، لحظات ويصل إلى النار: ألك حاجة؟ قال: يا جبريل أما إليك فلا.- يعني يئستُ من جميع الخلق-، قال: فارفع إليه حاجتك، قال: علمه بحالي يُغني عن سؤالي.. وفي اللحظات قال الجبار الأعلى للنار: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم.
اليأس من جميع الخلق له حقائق ومراتب، وتحققات ومنازل. لكن النصيب الأدنى عند كل مؤمن أن يوقن أنه لا يستطيع أي أحدٍ كان - ملك ،انسي، جني، شيء من الكائنات - أن يعطي أو يمنع إلا بأمر المعطي المانع، أو يقدم أو يؤخر إلا بأمر المقدم المؤخر، أو يضر أو ينفع إلا بأمر الضار النافع.
والمجازات التي جعلها الله محل افتتانات لكثير من العقول فيما يُنسب من الضرّ والنفع والتقديم والتأخير وما الى ذلك اختباراتٌ يختبر بها العباد ويُسلّط ويُسخّر. هو الذي يسلط ويُسخّر، .فلا المُسلَّط بقدرته تسلط عليك، ولا المسخّر بمجرد رغبته وإرادته تسخّر لك.
-
لكن سُلطت الدواعي على هذا فسُلِّط عليك وامتلأ بالغيظ عليك وأراد أن يستعمل قواه الموهوبة له من القوي في الإضرار بك في المقدار الذي أذِن له القوي أن يتصرّف فيه ثم يسأله عن ذلك.
-
والمسخّر سلّط الدواعي على قلبه، فاجتمع ليرحمك أو يرأف بك أو يُعظّمك، فهو يريد أن يُكرمك بالقُوى التي آتاه القوي الى المقدار الذي أراد الله تعالى أن يمدّ لك هذا الإنسان قواه إليك في مجالات النفع ثم يسأله عن ذلك وعن نيّته، ويسألكَ كذلك.
فهي مجازات تترتب عليها شؤون عظيمات والفعّال هو الله (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23].
"اليأس من جميع الخلق"، ومع هذا اليأس من جميع الخلق فقد شرع لك بما آتى وأعطى، وسلط وسخّر، وأقدر وقدّر، أن تبرّ هذا، وأن تُكرم هذا، وأن تواليَ هذا، وأن تحب هذا، وأن تبغض هذا، وأن تعرف قدر هذا، وأن تُنزل الناس منازلهم. وشرع لك شريعة حتى مع الحيوانات، حتى مع الجمادات.. وقال لك هذا من الحيوان يجوز قتله وهذا ما يجوز قتله، وحيوانات أبحتُ لك أن تصيدها فإذا دخلت حرمي كُفّ عنها لا تصدها. إذا أحرمت لي بحجٍ أو عُمرة لا تصدها، متعلق حتى بالحيوان والنباتات والجمادات وإلى غير ذلك، ما أعظم ذلك!
ثم المرجع إليه، هذه الحقائق التي يعيش المغترون في جزءٍ من ظلّها ثم تغيب عن أذهانهم الأبعاد والأعماق وما وراء هذه التدبيرات ويدّعون في ذلك الجزء الذي انحصروا فيه أنهم المدرِكُون والفطِنون والمتقدّمون والمتطورون والمبدعون إلى آخر ذلك. ثم تمضي مدة الاغترار اليسيرة القصيرة، وإذا بالستارة كُشِفت ورأى نفسه على غير شيء.. ورجع يقول: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:90-91] آلآن يا مغرور!.
"اليأس من جميع الخلق"، لمّا قامت قلوب عامة المؤمنين من الرعيل الأول على هذا المعنى، سُخِّر لهم أصناف الخلق وقامت الخلافة ودولة الإسلام على هذا المعنى، سُخّرت لها جميع الدول وذلّت؛ لأنهم يئسوا من الخلق ولم يروا لهم تأثيرًا مستقلاً قطّ، واتصلوا بالفعّال الخالق وبذلك أعزّهم سبحانه وتعالى.
"اليأس من جميع الخلق"، وكم يترتب على هذا الخُلق من أخلاق حميدة، ولا عاد تسب أحد، ولا تقول أعطاني ولا منعني ولا طلعني ولا نزلني، الخافض الرافع عرفته من؟! المعطي المانع عرفته من؟! المقدم المؤخر عرفته من؟! خلصت المشاكل بينك وبين خلق الله ما صرت عنصر تُحدث فوضى ولا بلبلة ولا مشكلة لا في البيت ولا في المجتمع ولا في البلدة التي أنت فيها. وإلا فصاحب مشاكل كل يوم، هذا قال لي، هذا نزلني، هذا أعطاني هذا منعني، هذا حال بيني وبينك، هذا قدمني هذا أخرني، هذا أكرمني هذا أهانني، يا هذا… إما يُسخر وأما يُسلط والأمر له.. اتصل به، واصدق معه واعرفه، هو الذي سيكرمك هو الذي سيعزّك هو الذي سيعطيك هو الذي سيتفضل عليك هو الذي سيشرفك لا إله إلا هو.
ثم أوجد الحق لهم في هذا العالم كثيرًا من المظاهر لتبيّن لهم هذه الحقيقة، واقتضت سنّته أن تمشي الأمور على تفعيل الأسباب بقدرته وإرادته، لكن حتى لا يتحكم الافتتان بها ولا يجد ذو عقل وبصيرة عذرًا في الافتتان بها.. يخرقها من وقت إلى وقت ومن زمان إلى زمان ومن موقف إلى موقف وإذا بها غير فعّالة ليعلم أنها ليست هي التي تفعل.
وهكذا هذه النار تحرق بقدرته وبما جعل فيها، (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) [الواقعة:71-73]. خلقناها بهذه الصورة وبهذه الخصوصية تذكرة بنار الآخرة، (وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) المسافرين، لكم مصالح فيها في الدنيا (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة:74]. أوقد دولة كفر في الأرض متحدية للخليل إبراهيم في وقت لم يكن على ظهر الأرض مؤمن موحد إلا هو من بني آدم، واجتمع القوى على ماذا؟! على أن تشعل النار.. (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)[الأنبياء:68]. أوقدوا النار، وجمعوا لها الحطب الكبير والمواد التي تشتعل ويطول اشتعالها، حتى من كثرة ما أشعلوا لم يقدروا هم من القرب منها ليرموه فيها من أثر لهبها! وقالوا لو نرميه من بعيد سيكون في طرفها نريده أن يدخل إلى داخل.. وجاء إبليس لهم بفكرة المنجنيق؛ يضعونه وسطه ويطلقوا إلى بعيد يرميه ويدخل إلى داخل النار.
فرحوا ووضعوا خليل الله في المنجنيق، ووصل الى النار، وأنت تعلم أن في قدرة الله لما شعلوا نارهم سحابة واحدة تنزل المطر وروّحت النار، لكن سيظلوا معلقين بالأسباب مغرورين و ما تقوم الحجة والمعجزة على وجهها، فيقولوا لو ما جاءت مطر كنا حرقناه، لا لا ما نزل مطر والنار تشتعل، وهو يقدر أنها ما تشتعل، لكن خلّاها تشتعل وخلّاها قوية، يمر بعض الطير في الهواء فتقشبه وتحرقه من اشتعال لهبها في الفضاء، ولا مطر يجيء، ومسكوا بسيدنا إبراهيم ما جعل جبريل يطلعه ولا واحد يوديه مكان ولا يخفيه ولا شيء، خلوه عندكم مسكوه، نحطه وسط المنجنيق حتى يروح الى داخل النار؟! نعم ضعوه داخل المنجنيق، ثم انظروا كيف قدرتي…
ولما وصل الى داخل النار قام يصلي! هل هم أدخلوه غرفة أو ادخلوه منتزه أو أدخلوه بستان؟! قام يصلي والنار ملتهبة من بعيد. عدّى اليوم الأول والثاني والثالث والرابع… أسبوع وفي بعض الروايات 40 يوم، والاشتعال قائم .
لما بدأ يخف الاشتعال بدأوا يشاهدوه يتحرك، إبراهيم يتحرك إبراهيم يقوم إبراهيم يركع إبراهيم يسجد، حتى القميص الذي عليه خرج أبيض ما مسّه شيء. آية من آيات الله.. (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:69-71]. صلى الله على نبينا محمد والنبي إبراهيم وجميع الأنبياء والمرسلين.
هكذا استمر الأمر إلى أن وقع بعد عهد النبوة بعد نبينا ﷺ والأسود العنسي لما ادعى النبوة وجاء له سيدنا أبو مسلم الخولاني يقول له: أتشهد أن محمد رسول الله ﷺ قال: نعم، أشهد أن محمد رسول الله. قال له: وتشهد أني رسول الله قال: في أذني صمم عمّا تقول.. فاغتاظ عليه قال: أوقدوا له نار، فأوقدوا له نار ورموا أبو مسلم الخولاني فيها، دخل الخولاني وسط النار فإذا بها بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم. فقال بعضهم أخرجه من بلادك بيفسد الناس عليك بيصلّح كرامات بيصلح خوارق. قاله اخرج فخرج. توجه نحو المدينة، ووصلت الأخبار إلى المدينة المنورة سيدنا أبو بكر سيدنا عمر هناك. وبينما سيدنا عمر يمشي في أطراف شوارع المدينة وإذا هذا مقبل، انتظره وسلم عليه قال: من أين أنت؟ قال: من اليمن. قال: ما فعل أبو مسلم الخولاني؟ قال: ما بلغك عنه يا ابن الخطاب؟ قال: بلغني أن الأسود العنسي أدخله النار وأن الله نجّاه، قال: هو كذلك. قال: أين هو؟ قال: هو هذا. أنت؟!! التزمه سيدنا عمر ومسك بيده وأدخله معه إلى المسجد وأجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي أراني في أمة محمد من جعل عليه النار بردًا وسلامًا كما جعلها على إبراهيم بردًا وسلامًا. إيش هذا! ليعلم الناس أن النار لا تستطيع بنفسها أن تحرق إلا أن يأذن لها الله، وليس شيء يستطيع أن يفعل شيء إلا بإذن الله جلّ جلاله.
وهكذا عجب بعض التابعين، دخل عند سيدنا أنس بن مالك معه منديل يمسح به وجهه. ثم دفعه إلى جارية وقال لها: يا جارية نظفي هذا المنديل، وكان عندها نار توقده يطبخون فيها شيء. حملت المنديل رمته في النار المنديل وهو خرقة وذا يتعجب ستحرق المنديل حق الصحابي! وإذا بالنار تأكل كل ما علق به من الأوساخ ويخرج نظيف، جاءت بعود خرجته خرج نظيف ثم برّدته وأعطته سيدنا أنس وذا يتعجب، قال له سيدنا أنس: مالك تعجب؟ قال: كيف هذا منديل تضعه وسط النار ويخرج نظيف؟! قال: إن هذا المنديل لرسول الله ﷺ كان يمسح به وجهه، وإن النار لا تمس شيئًا مسّ وجوه الأنبياء. وإني كلما أردت أن أنظفه دفعته إلى الجارية فعملت به هكذا. قال له: ليس هذا المرة، بل كل مرة أريد أنظف المنديل أعطيها إياه وهي تضعه في النار.
نظائر هذا من غير ذلك من تخلف الأسباب والمسببات عن الأسباب كثير في حياة الناس، حتى في شؤونهم العادية وفي محاولات بعضهم البعض، وفي حِيَلهم، وفي استعمال الأجهزة الحديثة وغير ذلك، تحدث لهم أمور خارجة عن الترتيب عن التدبير تمامًا. ولكن الاعتبار يقل، والادّكار كذلك، والاغترار مكانه وراء. وفوق الأشياء قوي قادر متين مدبّر جلّ جلاله (وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) كما قال جل جلاله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)[القمر:49-50].
"اليأس من جميع الخلق"، وهكذا كم رَوَت لنا كتب السيرة سيدنا أبو العلاء ابن الحضرمي يمشي في ثلاث آلاف منهم كان أبو هريرة، ثلاثة آلاف فوق الماء عند دخولهم إلى البحرين، يروحون ويرجعون فوق الماء، معهم خيلهم، معهم جمالهم، معهم أمتعتهم. لمّا يصلون إلى الساحل يقول ما ابتل لنا خُف ولا حافر. لا أخفاف الجمال ولا حوافر الفرس فيها بلل، ما فيها بلل حق الماء. قال الله لسيدنا موسى: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا) [طه:77]، ما يحصل بلل. قدرة الله جلّ جلاله وتعالى في علاه. وهكذا إذًا؛ الفعال واحد هو الله، يُجري الأمور بترتيب من عنده؛ فعلى الكل أن يخضع لجلاله، وأن يأخذ شريعته.
"اليأس من جميع الخلق، وإخلاص العمل"، نصّ عليه بعد أن قال لنا: "دوام الإخلاص"، رجع يبيّن أن من الأدب مع الحق أن كل عمل نعمله يجب أن ننزّهه عن ملاحظة الغير، وإرادة الغير، والمكانة عند الغير، والمنزلة عند الغير، لا غير؛ المقصود بالعبادة واحد أحد. (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5]، ليراجع المؤمن نفسه في كل عمل؛
-
فقد يبدأ العمل بإخلاص ثم يطرقه إرادة غير الله في الأثناء أو في الآخِر.
-
وقد يطلب إرادة غير الله بعد أن أنهى العمل، بعد ما مضى، يرجع يقول قد عملنا وقد قلنا ونحن ونحن.. إلى غير ذلك.
-
أو يطلب أن يكون له بذلك العمل منزلة عند الخلق أو أي غرض من الأغراض.
"إخلاص العمل"، بحيث لو لم يكن على ظهر الأرض موجود إنسي ولا جنّي، لا أحد إلا أنت وحدك تؤدي هذا العمل، تعبّدَك الله به فتؤدّيه كما شرع لك، لا يوجد أحد في الأرض، الأرض كلها ما فيها أحد إلا أنت وحدك، لأن الذي تقصده هو الموجود، هو المقصود.. فلو فرضنا أنه لا يوجد أحد على ظهر الأرض وتعبّدَنا الله، بأن أمسك الكتاب هذا الذي بلغني على يد نبيّه فأمسكه وأتأمل ما فيه وأشرح ما فيه وما أحد يسمع. لو كنت أعمل ذلك ولا يوجد ناس ولا جن ولا تلفزيون ينقل، ولا إنترنت.. ما يوجد شيء.. كنت أفعل ذلك، إذا علم منه أنه لو شرع لي ذلك فأفعل ذلك ولا يوجد على ظهر الأرض أحد غيري قاصدًا وجهه؛ كتبني مخلصًا له. وما عَلِم مني أن هِمّتي تفتُر وتنقص في أمرٍ ذكر لي ثوابه، وذكر لي محبّته له، ولكن لعدم وجود الخلق تفتُر هِمّتي، فمقدار ما تفتر هِمّتي فهو مقصود به غير الله ومُراد به غير الله؛ ما يصح فيه الإخلاص لوجه الله -جل جلاله- تعرف؟ لهذا كرر الكلام قال: "وإخلاص العمل"، تعمل له، تعمل له، تعمل له.
وسمعتم قصة من كان يصلي في المسجد سمع حركة عند الباب فحسّن هيئته فسمع نداء يقول: لو لا أن أول صلاتك لوجه الله لأخرجك إلى ديوان الأشقياء إلى الأبد! شفع فيك أن أول صلاتك له، وإلا ينظر إليك نظرة غضب تشقى بها إلى الأبد والعياذ بالله. فاللهم ارزقنا الإخلاص لوجهك الكريم، اللهم ارزقنا الإخلاص لوجهك الكريم. قالوا لبعض الصالحين والعارفين أن الثوب هذا يحتاج إلى تبديل، قال: لا، أنا هذا لبسته لله لن أبدله للناس .
وهكذا مراتب في الإخلاص ودرجات، مراتب ودرجات، والله يرزقنا نصيب من سر الإخلاص ونور الإخلاص يا رب. اجعل من جوائزك التي تهبها لمن شئت من عبادك في ختام رمضان واستقبال هذا الشهر اجعل من جوائزك لنا أن تقذف في قلوبنا نور الإخلاص لوجهك يا رب.
"وصدق القول"؛ لأنه المفتاح لصدق العمل، ولصدق الحال. فالصدق في القول هو الأساس إذا تَصدُق من أجل رب الناس وهو دليل الإيمان. أيكذب المؤمن؟ قال نبينا: لا.. انظر الخطورة كيف.. خطورة في الكذب الذي تساهل به الناس.
-
والصدق في القول: أن لا تخبر إلا بالواقع.
وهو المفتاح للصدق في العمل. والصدق في الحال مراتب، قال نبينا: "ولا يزال الرجل يصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدّيقًا".
-
"صدق القول"؛ فما يُرى تقوى إنسان في لسانه إلا رؤي ذلك على جميع أعضائه وأركانه وجميع شأنه.
-
"صدق القول"؛ في قولك: أحب وأشتاق… وما إلى ذلك؛ لا تنطق به كذب.
-
في قولك: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) اصدُق..
-
في قولك: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) اصدق..
"صدق القول"؛
-
الحذر من الكذب؛ بداية الطريق في الصدق
-
ثم الارتقاء إلى الصدق في الأعمال
-
والصدق بعد ذلك في الأحوال.
والصدق يقتضي اجتماع جميع قوى الظاهر والباطن على المطلوب، والصادق لا عُجُبَ له؛ كما أن المخلص لا رياء له. فالصادق لا عُجب له -الصادق ما يعجب-. والصدق يحتوي الإخلاص وغيره. فهو الشأن العظيم الذي به تُفتح الأبواب وتُكشف الحُجُب.
الصدق.. الصدق في الوجهة، الصدق في النية، الصدق في الأدب نفسه، الصدق في القول، الصدق في الفعل. تصوم.. تصوم بصدق، تصلي.. تصلي بصدق. توجد صلاة صدق وصلاة كذب نعم.. وصوم صدق وصوم كذب..موجود. حضور درس ومجلس علم صدق، وحضور كذب.. كله موجود.
إذا تعلمت الصدق وتحريّت الصدق ارتقيت في المراقي إلى أن تصل مرتبة الصدّيقية؛ والصدّيقون أفضل الخلق بعد الأنبياء. ولهم مراتب، ومراتبهم العُلى يسمونها: الصديقية الكبرى. نفعنا الله بأهلها وألحقنا الله بهم.
يقول: "وصدق القول، وتنزيه الاطلاع"؛ أن ترعى اطّلاع ربك عليه، تنزهّه في اطّلاعه المحيط بك، لا كاطّلاع المخلوقين ولا كاطّلاع الكائنات ولا كقُربها ولا كإحاطة شيء منها. ثم تنزّه ما يطلع منك عليه. وأول ذلك قلبك. "إن الله لا ينظر الى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم" .
فمن أدبنا مع ربنا ننزّه ما يطّلع عليه منه؛ فلا يرانا حيث نهانا ولا يفقدنا حيث أمرنا. ونزيّن له بواطننا؛ نتزيّن لربنا بالبواطن بانتزاع الغل والحسد والكبر والعُجُب والرياء والغرور وما الى ذلك، بالاتصاف بالتواضع والزهد والصدق والمحبة والإنابة والخشوع وما الى ذلك، ثم دوام الحضور معه؛ فهذه زينة الباطن.
ودوام الحضور مفتاحه: أن تستشعر اطلاعه عليك وإحاطته بك، هذا مفتاح؛ فنزّه الاطلاع حتى لا يطّلع ربك منك على ما يكره، ولا على ما لا يحب.
"تنزيه الاطّلاع"؛ ولا تتطلع الى عورات الناس ولا الى معايبهم. ولا تتطلع ولا تحب أن تطّلع إلا على ما يقربك إلى الله، ما يفيدك، ما ينفعك، ما أباح لك أولًا، ثم ما يقربك إليه من باب أولى؛ يدخل في معنى "تنزيه الاطلاع".
"وإحياء القُربات" وأنواع الطاعات، "ومن أحيا سُنّتي عند فساد أمتي كان له أجر شهيد". "كان له أجر سبعين شهيدًا" "كان له أجر مائة شهيد"؛ على الروايات؛ فيمن أحيا سُنّتي عند فساد أمتي.
ما يميت الناس من السنن من الطاعات من القربات أحيها أنت.. دعهم يقولون انت عادك بترجعنا الى زمان اول! . قل زمان اول ولا زمان آخر، برجع إلى الأول الآخر. أحيي القربات.. قال ﷺ: إن هذا الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يُحيون ما أمات الناس من سُنّتي.
"إحياء القربات". ما أماته الناس من الآداب، من الأخلاق،… إذا جئت عند قوم أماتوا سُنة السلام ويقولون صباح الخير، أو مساء الخير أو كيف حالك وحتى Good morning... قل: السلام عليكم، وأفضل منها: السلام عليكم ورحمة الله، وأكملها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أحيي القربات، أحيي السنن. سُنن محمّد ما تضيع للّعب الأباطيل والضالين.. هذه السنن الكبيرة.
وهكذا؛ سمع بعض أهل العلم وهو يمشي واحد يعطس هناك بعيد، حرّك دابته أو المركوب الذي عليه حتى وصل عنده وقال له: الحمد لله، يرحمك الله.. ورجع. فلما نام بُشّرَ في المنام. قيل له: بفعلك هذه السنة غُفِر ما كان منك، وأُثبِت عملك في المقبولين والصديقين وأدركت السنة.. سنن نبوية.
"إحياء القربات" قدرها عظيم وشأنها كبير. تجيء لنا بتقاليد وأعراف عظّمها الجماعة الفلانية أو الجماعة الفلانية… فهذه القربات عظيمة عند رب العرش؛ سُنن محمد عظيمة عند رب العرش، عظِّمها فهي أعظم من كل ما يعظمه ذا وذا وذاك.
قد سمعت قصة سيدنا خالد بن وليد -عليه رضوان الله- في مقابلته لبعض زعماء كبار الكفار، فقدّموا الطعام، وبينما كان يأكل سقطت لقمة من يده فأماط ما بها من أذى و أكلها، بعض المرافقين الذين كانوا معه لما خرج قالوا: يا خالد أمام الكفار هؤلاء تفعل هكذا سيحتقروننا! قال: هذه سُّنة، أأترك سنة النبيّ لأجل هؤلاء الحمقى؟! وكان هو الفاتح، وعلى يده جاء الفتح. كان معظّمًا لسنة محمد وليس معظم لأعراف الكفار!. سنة محمد هي المعظّمة.. قال أترك سنّته من أجل هؤلاء الحمقى؟!. مجنون أنا؟ إيش مقدارهم ومقدار ما يعظمون؟! وإيش مقدار محمد عند رب محمد وسنته؟! ﷺ.
وهكذا؛ يقول: "إحياء القربات، قلة الإشارة"؛ قلة الإشارة؛ أولها ما يرجع الى الحركة في غير موضعها. لكن ترجع قلة الاشارة؛ معنى:
-
أنه بين يدي ربه يكون ساكن في مختلف العبادات، وعليه الخشوع واحد.
-
بعد ذلك "قلة الإشارة"؛ تزكية للنفس أو ادعاءً.
-
"قلة الإشارة" إلى إدعاء المعرفة به، وإدعاء المكانة عنده.
وهذه يجب أن تنعدم؛ فإن من رأى لنفسه قدرًا فلا قدر له، ومن رأى لنفسه فضلًا فلا فضل له. وكل الذين لهم عند الله أقدار وإفضال رأوا فضل الله ولم يروا لأنفسهم قدرًا ولا فضلًا. قال سيّدهم: "إنما أنا عبد"، "إنما أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد؛ وأجلس كما يجلس العبد". فإذا تحدثوا تحدثوا عن نعمة الله وعن إفضاله لا عن أنفسهم ولا عن ذواتهم، وهم الممكّنون في ذلك.
"قلة الإشارة"؛ وأكثر ما يضرّ في هذا دعوى المعرفة، ودعوى الأحوال، وهو من أقوى أسباب سوء الخاتمة عند الموت؛ أن يدعي الإنسان ما ليس له، ويتزيّا بزيّ القوم ويدّعي أنه من أهل أذواقهم ومن أهل أحوالهم ومن أهل مراقيهم، ويحصل لكثير من الذين لم ترتبط صِلاتهم بشيوخٍ مربّين. فإذا أحسّوا بشيءٍ أشاروا إليه، ثم لُـبِّس عليهم أنهم يريدون هداية الناس أو إرشادهم فيما يقومون به من بناء الثناء على النفس والتزكية للنفس والثناء عليها من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
"قلة الإشارة"؛ بل كلما قويت المعرفة بالله قلّت الإشارة اشتغالاً بعظمة هذا الإله. فتجد كلامهم قليل، بعيدين عن التطاول، لكن قلوب ملآنة، وأحوال عالية شريفة، بعيدين عن الدعاوى وكثرة الكلام، لكن ملآنين بالأذواق والوجدان والأحوال. فتسري سِراياتهم وهم سكوت بمشاهدة آثارهم فضلاً عن ذواتهم، تحسّ السراية فيك تسري، ما هُم أهل بلبلة ولا قلقلة، لكن أهل ذوق ووجدان وحال.. وفي صنفٍ منهم جاء الحديث: "رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه".
قال: "وقلة الإشارة، وكتمان الفائدة" -من الأمور الذوقية- عن غير أهلها، وإنما يُسمح بما يكون في حدود التشويق أو الترغيب أو التبيين؛ ليحصل حُسن الطلب والتشوق من الراغبين. ثم مَن مَنَع الحكمة أهلها فقد ظلمهم، ومن أعطاها غير أهلها فقد ظلمها. وساروا على ميزان: "كلموا الناس على قدر عقولهم، أتحبّون أن يَُكذّب الله ورسوله؟"؛ يعني: إذا حدثتموهم بما لا تبلغه عقولهم؛ لذا قال: "كتمان الفائدة".
"والغيرة على تبديل الاسم"؛ فيما يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، ثم فيما يتعلق بالخوف على العبد أن يُستبدل به غيره، و أن ينقلب من حالٍ لحال أدنى "وأعوذ بك من الحَور بعد الكور"، "وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي".
هذه مجامع مما أورد إلينا الإمام -عليه رحمة الله- في آدابنا مع الله. وهذا الفصل الأول ما انتهينا إلى آخره، ولكنّا تذاكرنا جُملا مما أورد علينا، عسى أن تكون سُلّمًا لأذواقنا ومواجدنا ومعارفنا وقلوبنا وأرواحنا وأسرارنا، ترتقي به إلى مراتب قُرب مع الله، فالقُرب على حسب الأدب، ومن أدبه أكثر قُربه أكثر، ومدده أكثر، والنظر إليه أعظم، وقد قالوا: إذا شئت تبغى السلامة: تأدب، تأدب، تأدب.
وصلى الله على من أدّبه الرّب، وأدّب أصحابه بأحسن الأدب، وقال: "أدّبني ربي فأحسن تأديبي". اللهم أدِّبنا بآداب نبيك، وخلّقنا بأخلاق نبيك، واقبلنا وأحبابنا هؤلاء الحاضرين والسامعين قبولًا تامًّا حسنًا؛ تُشرق به في قلوبنا أنوار الإخلاص لوجهك، وحقائق الصدق معك، وحُسن الوفاء بعهدك، وصدق الوجهة إليك. اللهمّ لا تحرمنا خير ما عندك لِشَرّ ما عندنا. اللهم إنا نعترف بإفلاسنا، وأننا ننقل من كلام أهل حضرتك وأهل الحق ما هو حقٌّ وخيرٌ ونورٌ، وَرَد عليهم مما أوردت في كتابك، وبلّغ سيد أحبابك، وما اتصلت به قلوبهم بك في كل حركةٍ وسكون، اللهم مع افلاسنا عن التحقق بالحقائق والأذواق التي ذاقها أولئك المقرّبون، فنسألك أن ترحمنا رحمةً تُلحقنا بها بهم، وتدخلنا في دائرتهم، وتحشرنا في زمرتهم. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لِشَرّ ما عندنا، ولا تجعله آخر العهد بهذه المناسبات، أعِدنا إليها في صلاح أحوالنا والمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وعجّل بتفريج الكروب لأهل اليمن ولأهل الشام ولأهل الشرق ولأهل الغرب، اكشف عنّا وعنهم وعن الأمة كل كرب، وحوّل الأحوال إلى أحسنها، و ردّنا إليك مردًّا جميلًا، وهب لنا من لدنك عطاءً جزيلًا، واسلك بنا سبيلًا قويمًا صادقًا مستقيمًا في الوجهة إليك، والإقبال عليك، والأدب معك، والاتباع لحبيبك ﷺ ظاهرًا وباطنًا بِسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ .
08 شوّال 1438