شرح كتاب الأدب في الدين للإمام الغزالي -40- آداب المرأة مع زوجها
الدرس الأربعون من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب الأدب في الدين لحجة الإسلام الإمام محمد بن محمد الغزالي، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1445هـ، آداب المرأة مع زوجها.
فجر الأحد 5 شوال 1445هـ.
يتضمن الدرس:
- حكمة خلق الذكر والأنثى
- فساد النظريات حول الذكر والأنثى
- خصائص الذكر والأنثى
- وعي التنوع بين الجنسين
- ادعاء حقوق المرأة ونتائج ذلك
- حقيقة الأفكار التي تدعو لحقوق المرأة وحريتها
- خير متاع الدنيا المرأة الصالحة والرجل الصالح
- انتشار الفتن من مفسدات النساء
- أدب طيب الرائحة
- العطور الطاهرة والنقية
- أدب تعهد الفم
- لتتحول حياتنا إلى عبادة
- أدب إظهار القناعة
- أدب استعمال الشفقة
- حال زواج والدي الحبيب عمر بن حفيظ
- زواج سيدنا علي بسيدتنا فاطمة
- قصة سيدتنا فاطمة وتقديمها الخبز لأبيها ﷺ
- قصة سيدنا إبراهيم ومروره على زوجة إسماعيل
- أدب شكر أهل البيت
-
أدب إظهار السرور عند رؤيتها له
آداب المرأة مع زوجها
"دوام الحياء منه، وقلة المماراة له، ولزوم الطاعة لأمره، والسكون عند كلامه، والحفظ له في غيبته، وترك الخيانة فى ماله، وطيب الرائحة، وتعهد الفم ونظافة الثوب، وإظهار القناعة، واستعمال الشفقة، ودوام الزينة، وإكرام أهله وقرابته، ورؤية حاله بالفضل، وقبول فعله بالشكر، وإظهار الحب له عند القرب منه، وإظهار السرور عند الرؤية له."
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله على الشريعة الكاملة، والمناهج الفاضلة، والبيانات الواضحة، والدلالات الصريحة، بما أوحى على عبده المصطفى خير الخليقة؛ سيّدنا محمّد الهادي إلى أقوم طريقة، فهو عروة الله الوثيقة. أدِم اللهمّ صلواتك على المصطفى المختار عين الحقيقة؛ سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الأكرمين، ومن والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
فقد تطرّقنا عند ذكر الآداب لما يتعلّق بالخِطبة للمرأة، والمرأة إذا خطبها الرجل، وآداب الرجل مع الزوجة، ويتحدّث أيضًا الآن عن آداب المرأة مع الزوج.
وفي هذا أيضًا بيان النظرة الصحيحة إلى نوع الإنسان، وجعل الذكر والأنثى (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) [الذاريات:49] وهو ما أفاده خطاب الله تعالى لنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات:13].
وجعل خلق الأنثى من أبينا آدم، أو من ضلعٍ من أضلاعه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1]. فما جاء هذا التنوع إلا لاستكمال المهمة، وقد جعلها الله تعالى كتنوّع الزمن وأصله شيءٌ واحد، ما بين ليلٍ ونهار، لمهام تُؤدى بالليل، لا يسهل ولا يتيسر أداؤها بالنهار، ومهام تُؤدى بالنهار، لا يسهل ولا يتيسر ولا يحسن أداءها بالليل؛ وهكذا.
وبذلك لا عداوة بين الليل والنهار؛ بل كل منهما مؤدٍ للدور الذي يحصل به الاكتمال لحياة الناس، فقد سُخّر الزمان كما سُخّر الشمس والقمر لهذا الصنف من الخلق وهم الناس، فجميع النظريات والأفكار القائمة في العالم على التخالف بين المرأة والرجل على أساس التضادّ، وعلى أساس الظلم، وعلى أساس الاستعلاء، وعلى أساس الاستبداد، وعلى أساس تعالي أحدهما على الآخر؛ كلها نظريات كفرية فسقية جاهلية، لا حقيقة لها في الواقع، ولا صلة لها بالشرع والدين.
فمن حين كَوّن الله أبانا آدم ثم خلق أمّنا حواء، أسكنهما الجنة، ثم أنزلهما إلى الأرض لأداء المهمة، وهي الخلافة التي أشار إليها (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:30] وما نزل إلى الخلافة ذكرٌ بلا أنثى، ولا أنثى بلا ذكر، بل نزل الذكر والأنثى معًا، آدم وحواء عليهما السلام.
بعد ذلك نجد ما جعل الله تعالى من الخصائص لكل فردٍ منهم، وما جعله مشترَكًا بين الجميع في أصل الإنسانية وأصل الفطرة، ثم جعل بعد ذلك خصائص تتوفّر في هذا، وتتوفّر في هذا؛ ليقوم كلٌّ بمهمته، ويكتمل معاني الخلافة عن الله -تبارك وتعالى- في أرضه. ثمّ إنه لا يمكن أن يتّجه إلى الأصول أي إنسان، سواءً كان ذكر وأنثى إلا ويجد أصله ذكر وأنثى، سواء من عند أبيه المباشر وأمه التي خرج من بطنها، أو إلى آدم وحواء، فهل يمكن لبشر أن يجعل له أصولًا إناثا خلّص؟ أو ذكورًا خلّص؟ هذا ما لا يُعقل ولا يتأتى!
ثم بعد ذلك لا يأتي في مسألة الزواج إلا ولا بد من الذكر والأنثى، وهل يمكن لزوجٍ أن لا تكون له زوجة أنثى؟ أو تكون زوجة غير أنثى؟ أو لامرأة أن يكون لها زوج غير ذكر؟! هذا الذي يخرج عن الفطرة، ويخرج عن المقتضى، ويخرج عن المقصود والحكمة.
إذًا، كذلك أخٌ وأخت، كذلك يحصل هذا التقابل بين الذكر والأنثى، وإذا بكلٍّ منهم له آداب، وأيّ أخٍ ذكرٍ لا يوجد في الشرع حقوقٍ لأخته الأنثى؟ وأي امرأة لا يوجد في الشرع حقوقٌ لأخيها الذكر؟! ما يتأتى، (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) [الأنفال:75]. ورتّب على ذلك النسب، ثم رتّب على ذلك النفقة، ثم رتّب على ذلك الإرث.. من خلال ذكور وإناث مختلطين، إذًا فالوعي لهذا التنوّع لأجل التكامل هو الذي حمله الأنبياء، وبلّغوه الخلق عن الله -جلّ جلاله-، واجتهد إبليس يصلّح مائتي فلسفة عن الذكر والأنثى، وذا ظلم، وذا أول، وذا آخر، وذا كذا، وقد لعب ألاعيب!
هؤلاء الآن الذين يدّعون حقوق المرأة والدفاع عنها، هم الذين عاشوا في قرونهم السابقة أقصى درجات الظلم للمرأة، وكان المثقّفون بينهم يدور النقاش بينهم على هذه المرأة هل هي إنسان أو شيطان؟! هل لها علاقة بالإنسانية أصلًا؟!
هكذا كانوا في الأيام التي بُعث فيها نبينا ﷺ، وبعد بعثته، وجاء بكرامة الوالدين، وأحقّ النّاس بحسن صحبتك أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك، وجاء بحقوق الأخوات والبنات والبنين، وما إلى ذلك، وهؤلاء لا زالوا في هذا الظلام عايشين، وعلى قرونٍ بعد ذلك، وجاءوا اليوم يقولون: نحن سننتصر للمرأة! أنتم ستنتصرون للمرأة؟؟ يعني فقدت خالقها الذي ينتصر لها حتى تنتصرون لها! خابت وخسرت إذًا، ولن تنتصر.
وإذا بالتأمّل لشأنهم ما وجدنا انتصارهم إلا تسخيرًا لها لشهواتهم، ثم في واقع أمرهم -إلى اليوم- المرأة مظلومة ومنتهكة حرماتها في جوانب كثيرة، حتى فيما يُدّعى أنه في صالحها، مما يؤدّي إلى التفكك بين الرجل والمرأة، أو ما يجعلون الحق فيه للمرأة أمام الرجل، في شيءٍ من القوانين؛ ولكن هذا كله في حدود ما تمسّ أغراضهم من تبرجّها، أو من تسخيرها، أو من سقوطها في الرذيلة.. في هذه القوانين أيضًا هم يضرّونها، يضرّونها أسريًا، يضرّونها اجتماعيًا، مباشرةً أو على مدى، ومن حيث تشعر، ومن حيث لا تشعر، وشواهد الأحوال والواقع بذلك قاضٍ وحاكم بحقيقة هذه المسألة.
ففي تلك البلدان مسكينة المرأة التي اتُخِذت بضاعة، وفقدت كثير من معاني الأسرية مع الأب ومع الأم، اللاتي انصعنَ لهذا الفكر مع الزوج، فلا في معاني الزوجية تتكرّم ولا معاني الأسرة، وحتى معاني البنوّة دخلوا عليها، إما داخل، وكانوا في قوانينهم، -وهم كل يوم قانون- أنه إلى ثمانية عشر سنة الحكم للأب للأم، ثم قالوا لا فقط خمسة عشر سنة، والآن خلاص من سبع سنين، ثمان سنين أي بنت تتفضل تشتكي على أبيها، تشتكي على أمها، يُقمع الأب، تُقمع الأم، هي تحب تتحوّل ذكر خلّها، وعليها ثقافة في المدرسة تدرسها مسكينة، بنت سبع سنين ثقافة الجنس، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
ماذا ينفع هذا؟ ماذا يؤثر هذا؟ ماذا يكسب هذا؟ إلى ماذا يؤدي هذا؟ خبط عشواء في تبعية لإبليس الرجيم لإفساد المجتمع، وتحويل الإنسان أخس من الحيوان، وأخبث من الحيوان، وأقوى شهوة من الحيوان، هذا الذي يعملون عليه بقيادة إبليس الرجيم، عدوّ الله وعدوّهم من حيث لا يشعرون، فهم أولياءه وهو عدوّهم (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئسَ للظّالمينَ بدلَا) [الكهف:50].
وستظهر الحقيقة، ويتعادون هم بينهم البين، ويتعادون مع قائدهم إبليس، (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي) سخّرتم حكوماتكم، وسخّرتم أنظمتكم وقوانينكم تبع أفكاري، والآن تقولون أنت أنت!! إيش أنت؟! من قال لكم تتبعوني؟! دعوتكم فاستجبتم لي، وسخرتوا الدول كاملة تبعي في الدنيا، تركتم الأنبياء وتركتم الأولياء، واليوم تقولون أنت!! (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ) [ إبراهيم:22]. ابن عباس لمّا يقرأ الآية قال: ضحك عليهم في الدنيا، وضحك عليهم في الآخرة! وهم رضوا لأنفسهم بذلك، الله أرسل إليهم الأنبياء ينصحون، أبَوْا واتبعوا كلام الذي يضحك عليهم الخائن، الذي هو عدوّ لهم والعياذ بالله تبارك وتعالى.
إذًا، هذه الأفكار من أولها إلى آخرها عبارة عن جهالات وضلالات، وفسق وكفر يُزيّن بزخارف من القول، ويقولون: حقوق المرأة.. وبعدين؟ وحقوق الرجل؟ ويتشدّقون، وبعدين لا إمرأة أُكرمت في مجتمعاتهم، ولا حيوان أُكرم في مجتمعاتهم، ولا إنسان لا ذكر ولا أنثى أُكرِم في مجتمعاتهم والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وصار الناس يستغلّون بفرض الضرائب، وما يسمّونه نظام وقانون يفرضونه على خلق الله -تبارك وتعالى- يستعبدونهم به، مُستعبدون في صورة واسم الحرية، واسم التقدّم، والواقع كبت تام واستعباد كامل، فقط جوانب الشهوانية والحيوانية مفتوحة، من أجل هذه الحرية عندهم، نعوذ بالله من غضب الله!
وتعتمد دولهم على الضرائب التي تأخذها منهم، ثم ما كفتهم، فاعتمدَت على سلب ونهب الثروات من بلاد الإسلام، والشرق والغرب، ومع ذلك، فالدّيون أيضًا عليهم موجودة، واقتصادهم ما كمُل، فشل في كل نواحي الحياة، مع دعاوي:
-
(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51].
-
(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24].
-
(مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38].
نفسها الدعاوى حق فرعون يتشبثون بها أو يقومون بها مبطنة تحت أيّ خطاب، الله يوقظ قلوب العالمين، يوقظ قلوب الخلق الذين رحمهم وأرسل إليهم سيد الخلق وأنزل عليهم الكتب (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [الإسراء:89] والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ويثقون بنظرية علمية، وفكرة تقدّمية، من عند فاسق ساقط هابط، ويعظّمونها ولا يرضون بآيات الله ووحيه وتنزيله وبلاغ نبيّه ورسوله ﷺ، ولا كلام الصالحين، فأيّ قومٍ هؤلاء! (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227].
ذكر هنا آداب المرأة، وقد تقدّم آداب الرجل مع الزوجة، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة:228]، يقول: "دوام الحياء منه، وقِلّة المماراة له، ولزوم الطاعة لأمره"؛ لأن بذلك تستقرّ النفوس والأسر في المجتمعات. "والسكوت عند كلامه، والحفظ له في غيبته"؛ وهذه المرأة الصالحة التي هي خير ما يوجد في هذه الدنيا، خير متاع الدنيا، "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"، كذلك خير متاع الدنيا للمرأة الرجل الصالح؛ إذا وجدت الرجل الصالح فهذا خير متاع لها في الدنيا، وهو كذلك لا يجد متاعًا في الدنيا خيرًا من امرأة صالحة:
-
إن أمرها أطاعته.
-
وإن دعاها أجابته.
-
وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله وولده.
فهذه المرأة صالحة، قال تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ) [النساء:34]، وكما أنه لا أضرّ على الرجال من المرأة الفاسدة، فلا أصلح للرجال من المرأة الصالحة، ولا أحسن ولا أنفع، والنساء كذلك أعظم ما يأتيهنّ من الضرر من فاسدي الرجال، فلولا المفسدون من الرجال ما بلغ مبلغهن في الإضرار بأنفسهن وبمجتمعاتهن وبالبشرية، مع كونهن هُنَّ الأصل هنَّ الأصل نعم؛
-
إذا تحفّظن فمفسدو الرجال يخيب سعيهم، أمام متحفظات من النساء، وأمام صلاح النساء.
-
ولكن مفسدات النساء يضعف أمامهنّ ما يكون من الرجال؛ يعني: تنتشر بسببهنّ الفتنة انتشارًا ذريعًا، لا يقدر الرجال على أن يقوموا بهذا الدور، إلا بحسب ما يستجيب من النساء، ويقُمنَ هنّ بالدور هذا، ولهذا "ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ".
في ضمن هذه الدائرة كانت أعمال إبليس التي أبرزها في منتجات العصر، واختراعات العصر من البداية كانت بالأصوات والتسجيلات، انتقلت بعد ذلك إلى الكلام المباشر بعد التسجيل، وانتقلت بعد ذلك إلى الصورة، وانتقلت بعد ذلك إلى صوت وصورة واضحة، وانتقلت إلى تكوين مؤسسات تعمل برامج مفادها إضرار البشرية وإفسادها فيما يتعلق بقيَمها وعلاقتها مع الرب؛ حتى لا تقوم لها قائمة من القيَم، والهدوء والسكينة في المجتمعات، وتشتت الأسر وتتفكك، وعملوا هذه الأعمال منتشرة تجدها في قوالب متنوعة ومتعددة، والأصل فيها واحد والرأس فيها واحد؛ فحسب المؤمن أن يفقه حكمة الله في هذا الخلق، وهذا التكوين، وهذا التنويع، وأن يغنم العمر القصير فيما يفيد ويوصل إلى السعادة، ويقطع به مراحل هذا العمر على ما يبيّض وجهه، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وعلى ما ينال به العِزّة والشرف والكرامة، يوم يُهين الله أهل المعصية وأهل الذل وأهل الفسق وأهل الكفر، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فالأصل والمنطلَق والأساس والقاعدة الصحيحة عندنا للقيام بالأمر (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ) [الحجرات:7]، حيث يوجد هؤلاء فالرشد يوجد، والهدى يوجد، والخلافة عن الله توجد؛ وهذا وصف رعِيلنا الأول، (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ):هنا سر نجاحهم وفوزهم وارتقائهم (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ)؛ يمشي وراء آرائكم ستتعبون؛ لأن كثير من آراء الإنسان وقراراته يتخذها تعود عليه بالمضرة، القريبة أو البعيدة الطويلة أو القصيرة، ترجع عليه والعياذ بالله (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)؛ أصابتكم المشقة، لكن يعقلكم ويعدّلكم ويمنعكم عن ذا ويحامي عليكم ويحدُوكم وكما قال: كالفراش يتهافت في النار وأنا آخذٌ بحجزكم ﷺ. (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)؛ لكن الله جنّبكم الوقوع في هذه المشقّات والخزيّ الدائم والبلاء بطاعتكم لهذا الرسول، وبما أوقع في قلوبكم ماذا؟ (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ)، فصرتم تتركون أهوائكم وشهواتكم عند توجيهاته وتعليماته ففزتم، خلاص جاوزتم العقبة، ونجوتم من الشر، "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لما جئتُ بهِ".
-
(حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) فصرتم تستحسنون الحسن من حيث حقيقته، من حيث أنزل الله على رسوله؛ تبيّن لكم وجه الحسن أو لم يتبيّن بعد، ولكنه الحُسن في الحقيقة؛ فلذلك صرتم مزيّن عندكم الإيمان، حبب مزينه في قلوبكم، (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)
-
(وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ) بكل معانيه؛ ما ظهر لكم قبحه، وما لم يظهر لبعضكم أو في في بعض مراحل بعضكم، لم يظهر، لكنه هو قبح في حقيقته، ويرجع إلى القبح إلى الأبد؛
ولكن بسبب:
-
هذه المحبة لله ورسوله.
-
وزينة الإيمان وكره الكفر.
نجوتم وسرتم غير مغرورين، ولا مخدوعين بإملاءات أنفسكم المختلطة بالأهواء والشهوات، ومدّ يد إبليس إليها، نجوتم منها بهذا السِرّ؛ سِرّ التعظيم للحقّ والرسول، والمحبة للإيمان، حتى وإن ما بدا الوجه لكم في شيء من القضايا.. تطيعون وتنفذون (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور:51-52]. اللهمّ اجعلنا منهم، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم) اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
يقول: "والحفظ له في غيبته، وترك الخيانة فى ماله" فإذا تصدقّت بشيءٍ من مال الزوج؛
-
فإن كانت تعلم بذلك رضاه فلا حَرَج عليها.
-
وإن كان بإذنه تضاعف الأجر له، ونالت هي الأجر كذلك بسبب ذلك.
"وطيب الرائحة" التي هي سُنّة من السُّنن على العموم، و وفي أحوال مخصوصة؛ مثل: الصلاة ومثل الجمعة، واجتماعات المسلمين، ومثل ما بين الزوجين، ومثل مقابلة الوالدين ونحوهم، طيبُ الرائحة مشروعٌ في الدين؛ لأن الدين عبارة عن منهج خالق يستوعب حاجات الخلق، ومهامهم كلها، من حيث علمه المحيط بكل شيء -جلّ جلاله- جسمًا وروحًا وعقلًا، وسلوكًا وفكرًا، وأخذًا وعطاءً، وبيعًا وشراءً، وكل ما في الوجود منهج رباني منهج خالق أعلم بخلقه، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14] حتى ما يتعلق بالرائحة والطيب.
وهذا أيضًا كل جانب من جوانب الخير، يحاول الشيطان يتدخّل فيه ويصرفه؛
-
إما بالنية
-
وإما بالمعاملة
-
وإما بالغش
وإلى غير ذلك مما يفعله، لكن الأصل فيه أنه جاء مناسبًا للفطرة، حتى أن الأرواح الطيبة من الملائكة، والأرواح الطيبة الباقية، تحبّ الرائحة الطيبة، وتجتمع عليها؛ بخلاف أرواح الشياطين فإنهم تلذُّ لهم الروائح الكريهة الخبيثة، ولهذا يكثر تواجدهم عندها والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وفي الحديث "من تطيَّب للهِ"؛ يعني: كان يستعمل الطيب والروائح لله، كيف لله؟ لأجل الصلاة، لأجل الذكر، لأجل إكرام المسلمين، لأجل اتّباع النبي.. هذه يتطيّب لله "جاء يومَ القيامةِ وريحُه أطيَبُ من المِسكِ"، قال: "ومن تطيَّب لغيرِ اللهِ جاء يومَ القيامةِ أنتنَ من الجِيفةِ"، يجيء يوم القيامة النيات حقه هذه، إذا كان يتطيّب للتفاخر، يتطيّب للكبر، يتطيّب للإفساد والإغراء، أو لجلب الشهوات المحرّمة، يجيء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- نتيجة أعماله.
فهكذا حتى جاء في بعض الآثار مضاعفة الصلاة لمن يتطيّب بالطيب؛ يتطيب ويتعطّر للصلاة يتضاعف أجر الصلاة وهكذا. فالطيب من خيره المسك، الذي كان يحبه ﷺ، وقاموا يأخذون حتى الآن هذه العطورات المنتشرة والفائقة بالدعايات من جانب، ويأخذون أكثر زهورها من بلدان يسمونها اليوم فقيرة في العالم؛ يأخذون الزهور منها ويصلحونها؛ لأنهم كانوا مستعمرينها، ولا يزالوا معنا مستعمرين وينسبونها لهم، ويقول لك العطر الفرنسي، العطر الفلاني!! والزهور كله الذي صنّعوا منه العطور لا شيء منها من بلدهم، يأخذها من جزر القمر أو من غيرها، يتركهم أولئك يعيشون في الفقر وهو يتفاخر بعطورهم! ثم دخلوا عليها أيضًا الإفساد، وجاؤوا لها بمواد أخرى وبعضها كيماوية، وبعضها فيها نجاسات وحطّوها وسط العطور، وجاءوا بها للناس وخبّطوا على خلق الله -تبارك وتعالى- ولكن الأصل في الطيب النقي الطيب إنه سُنّة من سُنن النبي محمد ﷺ، وشرعٌ شرعه الله تبارك وتعالى.
"وتعهّد الفم"، تعهّد الفم أيضًا مهم عندنا للصلوات وللوضوء، وشُرع لنا السواك عند النوم، وعند دخول البيت أيضًا، كذلك فيما يتعلق بالزوجين، فتعهّد الفم سُنّة من السنن، و لهذا ينبغي أن لا يسوك المسلم أسنانه سواءً بفرشاة أو معجون، أو بالأراك أو بغيره إلا ويقصد السُنّة، ويقصد الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، فتعهد هذا الفم لأن "طيّبوا مجاري الذكر"، هذا مجرى الذكر فمك طيّبه، الأسنان وما حولها والحنك واللسان، اجعلها طيبة، طيبة بواسطة السواك وبواسطة هذه النظافة فهي مشروعة لنا، تحتاج الأمور منا إلى فقه وإلى نية صالحة، وإذا بحياتنا كلها تتحوّل عبادة، وتقوم بها أركان الخلافة الشريفة التي نُوّه بشأنها من قبل خلق أبينا آدم (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ) [البقرة:30] يعطونك مكان في دار الخلافة الكبير هذا العظيم؛ رؤوسه الأنبياء والمرسلين، ومعهم الصادقون والمخلصون، ستدخل فيه من خلال هذه الأعمال هذه:
-
إذا فقهت في الدين.
-
وصدقت.
-
وأخلصت النية لوجه الله.
وتدخل وبشاهد قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) هذه بطاقات الدخول إلى مبنى الخلافة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) ندخلك إلى كَراسي الخلافة في وسط مبنى الخلافة؛ إيمان وعمل صالح، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) خُذ لك لام توكيد، خذ لك نون توكيد، وبعدين من قِبل من؟ ربّك الرحمن (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) قال أنا أرسلت أنبياء وجعلت لهم أتباع، من منهم ما أعطيته كرامة الخلافة إذا آمنوا وعملوا الصالحات؟ فقُم بحق الإيمان والعمل الصالح، وكما استخلفتهم أستخلفك (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ)؛ يعني: هو يعطي بعد ذلك عطاء من غير حساب (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:55-56].
هذه عناصر بيان الإيمان وعمل الصالحات، قال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النور:56]؛ انظروا أمامكم ما قال حبيبي، خلاص امسكه، امسك بالحبل وادخل، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور:56]؛ تأتيكم رحمتي والعطايا الواسعة بغير حساب.
وقال بعدها في الكفار أنهم: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ)؛ مهما صادفتم، في أي مرحلة جئت، في أي عصر، وأحسست أمامك زمجرة كفر، وتقول لك: أنا بيدي الأمر وأطلّع وأنزِّل وأعطي.. لا تصدق، (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) [النور:57]. قال في الآية الأخرى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) [الأنفال:59]؛ وفي هذه الآية يقول لك: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ)؛ والنهاية في المستقبل الكبير؛ (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [النور:57]؛ هذا مستقبلهم، يضحكون عليك بالمستقبل، شوف هذا مستقبلهم، إذا أردت معهم؟ لا يحفظون لك هؤلاء المستقبل، ولا يضمنوه لك، لكن في واحد: ضامن قوي قادر، يقول لك: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2-3]؛ امسك به هذا الذي سيحفظ لك مستقبلك القريب والبعيد، القصير والدائم، سيحفظه لك وهو قادر، أما هؤلاء شوف مستقبلهم واضح أمامك:
-
(وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [النور:57].
-
(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران:196-197].
صدق الله، والقول قول الله، والحكم حكم الله، والأمر أمر الله، وصدق الله، (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:95].
( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ)؛ صدق الله وصدق رسوله، صدق الله وصدق رسله، آمنا بالله ورسله وما جاؤوا به عن الله.
"وإظهار القناعة"؛ وكان الصالحات من النساء يقلن لأزواجهن إذا خرجوا لكسب المال: اتقِّ الله فينا، لا تأتي لنا بشُبهة ولا حرام، فإنه يمكننا الصبر على الجوع، يمكننا الصبر على العُري، لكن لا يمكننا الصبر على النار؛ النار ما نقدر نصبر عليها، إن جئت بشيء أنت مسؤول بينك وبين الله، لا تدخل لبيتنا إلا الحلال.
هكذا عقليات المؤمنات، وأما مَن تقول: هات لي الحُلِي الفلاني وإلا الفلاني من حيث ما جبت، حتى تطلع الأرض وإلا تطلع السماء وإلا تنزل، هات لي كذا وكذا، وأريد كذا كذا، أنا أريد كما آل فلان في مناسبة كذا وإلى غير ذلك… اختلاف النظر والعقل والفكر باختلاف التربية؛
-
أولئك أُسلِمنَ لتربية ربّانية وقرآنية ورحمانية ونبوية ومحمدية فظهرن بالمظهر الشريف الأعلى.
-
وهؤلاء أُسلِمنَ لتربية سفلية، لأفكار غربية وشرقية، كفرية فسقية، ماذا تأتي منها؟ فيا رب احفظ علينا الإسلام، واحفظ علينا الإيمان، واحفظ علينا الاستسلام لأمرك.
قال: "واستعمال الشفقة"؛ وهكذا عرفنا من أمهاتنا مَن كُنَّ أشفق على بيوتهن وأزواجهن وأرحم بهم، وكنّ يستعملن مع القناعة حُسن التدبير، وكَوَنّ بيوت متكاملة من قِلْ، لكن بحسن التدبير، وحسن التدبير نصف المعيشة، وفوقه قناعة، وفوقه نية صالحة، تباركت الأمور وجاءت شيء فشيء.
وهكذا، لمّا تزوج الوالد بالوالدة ما كان عنده من المتاع للأُسرة والحياة الزوجية إلا قِدر واحد وملعقة واحدة طرفها مكدوم، كان يستعملها عنده في العُزلة في الرباط وجاء بها إلى البيت، هي ملعقة وقدر واحد وغطاء له واحد وفراش واحد، هذا الذي معه، بدأ يُكوِّن به الأُسرة، وبدأ يكوّن به البيت، بالقناعة، بالصبر، بالاقتصاد، وبتلطّف أهله كذلك في كيفية التصريف للأمور وتسييرها، مشت السنين وجاء الأولاد وقامت الأسرة على حال طيّب وجميل إلى أن اختُطِفَ -عليه رحمة الله-، وهذا مثل ونموذج وغيره كثير، كان هذا المسلك هو السائد في أُسر المجتمع لأثر التربية.
والأصل فيه والقدوة كان: زَفَّ النبي ابنته فاطمة -أحب أولاده إليه- إلى سيدنا علي بن أبي طالب، وجلب الرّحى من أجل أن تطحن عليها، وجلب الوسادة حشوها ليف -وسطها ليف-، وكذلك فَرش من جلد وسطه ليف -حشوه ليف- جلبوه لهم، ومَطهرة من أجل الوضوء، وبدأوا به بيت الذرية النبوية، بدأ من هذا، وفوقه عناية الحق ودعوات الحبيب ﷺ والرعاية والصدق والإخلاص، وجاءوا بعد ذلك للحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ومحسن مات صغير، وانتشر بهم نور الله في شرق الأرض وغربها، وحفظوا أسرار النبوة والإرث النبوي وكانت بركات كبيرة وبداية من مثل هذا.
و لما جاءت له يوم جاء لها سيدنا علي ببعض الطعام، اشتغل وجاب بعض الطعام، طحنته السيدة على رحاها وخرّجت الطحين وعجنته وأوقدت التنّور، خبزت قرصين أو ثلاثة هذه مقدار ما جاء به سيدنا عليّ، تركت قرصين وحملت قرص، وراحت خرجت من بيتها إلى بيت أبيها تدق، قام لها قال لها: ما هذا يا فاطمة؟ قالت: خبز، طحين جاء به علي لي وخبزته فما طابت نفسي أن أطعَم ولا أُطعِم الحسن والحسين حتى أُطعِمك شيء منه، تناوله منها، قال: لها يا فاطمة أما إنه أول طعام يلج بطن أبيك منذ ثلاث! أول طعام يلج بطن أبيك منذ ثلاث… وهي خاطرها هناك تحرّك ما قدرت تأكل، كأنها تحس بجوع أبيها من هناك، تركت الأقراص التي خبزتها وأخذت منها قرص إلى عند أبيها.
وتكرّر بعد ذلك، وصار لها من المسلك من مسلك أبيها. لمّا خرج ولقي سيدنا أبو بكر وعمر قال: ما أخرجكما في هذه الساعة؟! وقت الناس في ديارهم وقت غداء.. قالوا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا قد وجدت بعض ذلك، تعالا، فذهب بهما إلى مزرعة أبي الهيثم بن التيهان وهو أحد الذين بايعوا في العقبة، بل كان من النقباء في العقبة أبو الهيثم بن التيهان. وصل المزرعة، زوجته رأت النبي وأبوبكر وعمر فرحت، مرحبًا وسهلًا.. أين أبو الهيثم؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، يأتي لنا بماء عذب لنشرب، ادخلوا أهلًا ومرحبًا، دخل ﷺ إلى الحائط والبستان، جلس تحت شجرة، أقبل سيدنا أبو الهيثم حامل الماء رأى النبي ﷺ قال: الحمد لله ما على وجه الأرض اليوم أكرم أضيافًا منّي، مرحبًا.. علّق قِربة الماء، وجاء يرحّب بالنبيّ ﷺ وتناول المدية يريد أن يذبحها، قال ﷺ: لا تذبح ذات اللبن ولا تذبح كذا وكذا.. وذبح لهم عناق، وخرّج لهم رطب، وأمر أم الهيثم تخبز، وقدّم لهم الخبز والتمر واللحم، رفع النبي ﷺ أيضًا بكِسرة من الخبز ووضع فوقها التمرات من الرطب وقال له: اذهب بهذا إلى بيت فاطمة، يقول له: فإنّ لها ثلاثة أيام لم تذق طعامّا.. فإن لها ثلاثة أيام لم تذق طعامّا.. ابنته، ذلك مسلكه، قال له: أرسله إلى بيتها، الخبز وفوقه بعض الرطب
وأكل هو وصاحباه، ثم: قال لهما: أخرجكما الجوع؟ طعمتُما وشربتُما ورويتُما؛ إنّ هذا من النعيم، (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر:8] قال بعض أهل الذوق في هذا سؤال المِنّة؛ سؤال المنة يمنّ عليهم سؤال مِنّة لا سؤال عتاب ولا سؤال عقاب، سؤال مِنّة، (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) الحمد لله على نعيمه الكبير، وفضله الجزيل، هو جعلنا مسلمين، وفي هذه الأمة، ولا نزال تشرق بيننا أنوار الوحي والتنزيل بتلاوة أخبار وأحوال وآيات حملها صاحب الرسالة، وصلت إلينا بأوثق الأسانيد وأعزّها؛ فنحن نتروّى بها، ونترقّى بها، ونتزكّى بها، وبلّغنا رمضان وكمّلناه، ومرّت لنا أيام الست من شوال، والآن اليوم بنكمّل الثلثين من أيام الست، فالله يبارك لنا في ذلك وينعم علينا بالنتائج الطيبة في تنوير القلوب وتنقيتها وقوة الصلة به وبرسوله، ووعي خطابه، والعمل في الحياة القصيرة على ما يوجب سعادة الأبد، وشرف الأبد، وكرامة الأبد، ومرافقة النبي محمد ﷺ.
قال: "واستعمال الشفقة، ودوام الزينة، وإكرام أهله وقرابته"؛ أهل الزوج؛ كما يكرم أهلها كذلك تكرم أهله وقرابته، تحثّه على برّ والديه. "ورؤية حاله بالفضل" ولمّا مرّ سيدنا إبراهيم عليه السلام مكة المكرمة وسأل زوجة سيدنا إسماعيل ولده، قال: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب في عمل كذا، قال: كيف حالكم؟ شكت له أن في حال كذا وفي حال كذا، فرأى هذا التضجّر وشكوى لا يليق بصلاح الأسرة والبيت، قال: إذا أتى إسماعيل فقولي له أنّ رجل وقف ببابك يقرئك السلام ويقول: غيّر عتبة بابك! فلما جاء، قالت جاء رجل وسألني وشكوت له وأننا في شدة وقال كذا… قال: ما وصف الرجل؟ ذكرته، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، ألحقي بأهلك؛ أنتِ عتبة الباب. بعد مدة جاء يتفقّد ويزور، عندما يأذن الله له بزيارة جاء، أيضًا لم يجد إسماعيل، فوجد امرأته قالت له: تفضّل أيها الشيخ -عادها ما تعرفه ما لقيته من قبل- تفضل يا شيخ، قال: أين إسماعيل؟ قالت: ذهب أيضًا في حاجة كذا، قال: كيف حالكم؟ قالت: في خير وفي فضل من الله وفي إحسان؛ تذكر الفضل والإحسان..
يقول لنا في الآداب: "رؤية حاله بالفضل". فأعجبه كلامها، قالت له: تفضل يا شيخ قال: أنا أمشي، قالت: أغسل عن قدميك، غسلت عن قدميه، مشى، قال: إذا جاء إسماعيل فقولي له مر رجل يقرؤك السلام ويقول لك ثبّت عتبة بابك، ثبّت عتبة بابك؛ يعني: هذه المرأة الصالحة التي تصلح لبيت النبوة، وتكوّن بها مهمتك في الحياة للقيام ببلاغ الرسالة، مشى فجاءت فقالت له: وصل علينا شيخ بهيّ سنيّ عليه وقار وقال كذا، وصفته عرف أنه أبوه، قال له قال سألني عن حالي وقلت له أننا في خير حال، سألني ما طعامكم؟ قلت له: اللبن، وسألها عن الإدام وقالت: اللحم، قالت: فدعا لنا ودعا بالبركة، حتى قالوا إلى اليوم البركة الكثيرة في اللبن واللحم في مكة المكرمة، حتى أن الذي يضرّه أكل اللحم مرّتين في أي مكان، في مكة ما يضرّ؛ إذا أكل اللحم في الليل والنهار ما يضرّه هذا اللحم، ومبارك في لبنها ولحمها أكثر. وقالت إنه يُقرؤك السلام ويقول لك ثبّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي إبراهيم خليل الله، وقد أمرني أن لا أفارقك، فالشاهد تلك شكت فرأى أنها غير صالحة، وهذه شكرت على النعمة، شكرت على الفضل، فعلم أن الأمر الحمد لله في صلاح.
"وقبول فعله بالشكر"، وهكذا يذكر بعض الأسر أنه لما يجيء عنده ضيوف أو غيرهم، يجهّزون أهله الطعام لهم، وحين ما يُدخله أو قبل ما يُدخله أو قبل ما يرجعون يجيء يشكر أهل بيته، وجزاكم الله خير.. وكان على مثل هذا الخلق الحبيب سعد بن علوي العيدروس -عليه رحمة الله- من المتأخرين، فكان أهل البيت ينشطون ويتحركون بشكره لهم، من قبل ما يخرج الضيوف، أو يجيء ينظر ما أعدّوه ويشكرهم من قبل، ويقدّم للضيوف، فتعيش الأسرة معيشة توادّ وتراحم (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم:21] وكما تشكره على ما يقدّم من خير يشكرها كذلك.
"وإظهار الحب له عند القرب منه، وإظهار السرور عند الرؤية له." فأجور كبيرة تكتسبها المرأة، إذا المؤمن من ابتسامة في وجه أخيه صدقة وينال ثواب، ولكن إذا ابتسم في وجه صالح يكون له ثواب أكبر، ابتسامه كذلك في وجه أهله، ابتسامة المرأة في وجه زوجها ثواب كبير عظيم؛ لأنها تثبّت صلاح المجتمع، وتثبّت قواعد الهدوء في المجتمع بابتسامتها في وجه زوجها؛ لهذا يعظُم ثوابها لها عند الله تبارك وتعالى.
وبعد ذلك ثواب الحمل إذا حملت، ثواب الوضع والولادة مع تعبها، ثواب الرضاعة؛ كلّما مصّ منها الابن أو البنت مصّة من ثديها كُتب لها وكُتب لها… خيرات كبيرة تحصلها، والحاصل إنها تتاجر لآخرتها ويصلح أمر دنياها بعملها بالسُّنن واتباعها للسُنّة والمعاملة الكريمة، و "حُسن تبعّل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله"؛ يعني: الجمعة والحج والجهاد يعدل هذا، حسن تبعّلها لزوجها به تحصّل ثواب أهل الجماعات والجمعات والحجاج والمجاهدين في سبيل الله، تحصّله من وسط الدار، والله يوفق من يشاء.
الله يأخذ بأيدينا، الله يشرح صدورنا، الله يثبّت أقدامنا، الله يرعانا بعين عنايته، الله يكتب لنا الاستقامة، الله يصلح ذكورنا وإناثنا، صغارنا وكبارنا، أبنائنا وبناتنا، وإخواننا وأخواتنا، أعمامنا وعماتنا، أخوالنا وخالاتنا، ويجزي عنا آبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجدّاتنا بخير الجزاء وأفضل الجزاء، ويجمعنا بهم في دار الكرامة والهناء من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، ويجعل حياتنا على حسن استقامة وتحفّ بالكرامة وأمن واستقرار وطمأنينة وسكينة ووقار، واتباع للنبي المختار، نظفر بسعادة الدارين، ونحوز من الله تبارك وتعالى كرامة الحياتين، مع عطايا كبيرة ومنن وفيرة، اللهم بارك للأمة في عيد فطرهم هذا، وعُد عليهم عوائد الإفضال وجزيل النوال من حضرتك يا وال في كل حال، وأصلح لهم جميع الأحوال، وادفع عنهم كيد الكائدين، واعتداء المعتدين، وغصب الغاصبين، وظلم الظالمين، وعدوان المعتدين، وشر كل ذي شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وحرّر قلوبهم وعقولهم وأفكارهم من ظُلمة فكر الشيطان، ومسالك الشيطان، وتلبيس الشيطان، وتدليس الشيطان، وأعوان الشيطان من الإنس والجان، واجعلنا في حصونك الحصينة وحروزك المتينة بسرِّ الفاتحة وإلى حضرةِ النبي ﷺ.
05 شوّال 1445