شرح كتاب الأدب في الدين للإمام الغزالي -32- آداب المُهْدي والمهدى إليه، وآداب اصطناع المعروف، وآداب الصيام

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثاني والثلاثون من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب الأدب في الدين لحجة الإسلام الإمام محمد بن محمد الغزالي، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1444هـ، آداب المُهدي، والمهدى إليه، وآداب اصطناع المعروف، وآداب الصيام. 

فجر  الأحد 3 شوال 1444هـ.

 

يتضمّن الدرس:

  • الفرق بين الهدية والصدقة، وهل كان يقبَلها النبي؟
  • رؤية الفضل للمُهدى إليه
  • قصة امرأة اهدت شعير للشيخ أبي بكر بن سالم
  • آداب المُهدى إليه: إظهار السرور والشكر
  • تجنب المن بالهدية
  • الدعاء لصاحب الهدية إذا غاب
  • البشاشة والمكافأة والثناء
  • ترك الخضوع للهدية وللغني
  • التفقد قبل السؤال
  • اصطناع المعروف يقي مصارع السوء
  • قصة امرأة من بني إسرائيل (لقمة بلقمة)
  • الحذر من انقطاع المعروف
  • صوم الست من شوال وثوابه

     

نص الدرس مكتوب: 

 

آداب المُهدي

"رؤية الفضل للمهدى إليه، وإظهار السرور بالقبول منه لها، والشكر عند رؤية المهدى إليه، والاستقلال لها وإن كثرت."

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله على مِنَحِه وهداياه، ومِننه وعطاياه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعالى في عُلاه، أفلح كل من آمن به واتّقاه، وخابَ وخَسِر كل من أعرض عنه وصدَّ عن سبيل هداه، ونشهد أن سيّدنا ونبيّنا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه الهداة، وعلى من والاهم واتّبعهم بإحسانٍ إلى يوم لِقاه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة خلق الله، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقرّبين وجميع عباد الله الصالحين.

ونتذكر بعض الآداب فيما يعرِض للمؤمن من شؤونٍ في حياته، وقد ذكرنا بعض آداب الغَنِيِّ والفقير، وممّا يجري في هذه الدنيا ما يحصل من الصدقة ومن الهدية واصطناع المعروف، ولكلٍّ آداب. فذكر في هذه الرسالة المنسوبة للإمام الغزالي: "آداب المُهدِي وآداب المُهْدَى إليه"، وذلك أن الإيمان الراسخ في قلب المؤمن: أنّ الله -على الحقيقة- وحده المعطي والمانع، وأنّه الذي يُسدي والذي يوصل ما شاء لما شاء، على أيّ سبب، وعلى يد من شاء كما شاء -جلّ جلاله وتعالى في علاه-؛ فلا معطي ولا مانع في الحقيقة غيره، وجعل الله حُكْمًا للأسباب التي يجري على أيديها العطاء، وجعل لها آدابًا حين تُعطي، وكذلك كل من وصل إليه عطِيَّةٌ وهدية من الله بأيّ سببٍ من الأسباب:

  • فله آداب

  • وعليه مسؤولية في قبول تلك الهدية أو ردّها.

 فيجب أن يكون المؤمن محرّرًا في أخذه وعطائه؛ يأخذ لله ويعطي لله، و "من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل حقيقة الإيمان". 

وهكذا، سمعنا قول بعض الصالحين الأكياس، وهو يهدي هدية إلى أخٍ له أو إلى عبدٍ صالح آخر؛ فمازحه وهو يهدي إليه فقال: خُذ لا لك! خذ هذه الهدية لا لك، ما هي لك، يقصد إنما أعطينَاكها لأجل الله تعالى والقرب منه، خذها لا لك؛ ليست لك؛ إنما دافِعنا طلب رضوان الله تعالى والقرب منه، خذها لا لك، وفطِنَ لها الآخذُ الصالح الآخر قال: وهاتِها لا منك، وأنت هاتها ما هي منك! هو الذي سلّّط على قلبك الدوافع حتى توصلها إلي وتأتي بها، فهي منه، فهي ليست لي، وآخذها وليست منك، بل له ومنه جلّ جلاله وتعالى في علاه. 

وكنّا نسمع العوام عندنا يقولون فيما تعلموا من أدب؛ قالوا في الحقيقة هو ما أحد يعطي أحد إلّا: يا عبدي أعطِ عبدي! يا عبدي أعطِ عبدي؛ فإن الله يقول لعبده أعطِ العبد، فلو لم يُسَلِّط دواعي على أي معطٍ كان أن يعطيَ الآخر ما أعطاه، وأن يبعث إليه دوافع وبواعث في قلبه يعطيه فيُعطيه، يا عبدي أعطِ عبدي، والملك لواحد وهو الله جلّ جلاله.

وكان في وصف نبيّنا: "يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة". وما أُعطِيَ على سبيل الإكرام والإجلال فهو هدية؛ للإكرام والإجلال والمودّة. وما أعطِيَ على سبيل التفضّل وملاحظة الحاجة فهو الصدقة. وما أعطي فرضًا فهو الزكاة؛ سواءً كان زكاة فطرة أو زكاة مال.

 فالصدقة تكون مفروضة ويقال لها: زكاة، وتكون متطوّع بها، وغيرها الهدية، وإنما يَحْكُمُ فيها قصد ونيّة المعطي؛ فمن نواها زكاة كانت زكاة، ومن نواها صدقة كانت صدقة، ومن نواها هدية صارت هدية.

  • فإذا قصده الإكرام والإجلال وعلى سبيل المودة والاحترام فهذه: هدية.

  • وإذا قصده المساعدة على وجْه التفضّل والإحسان لمحتاجٍ فهذه: صدقة.

  • وإن كانت لأمرٍ فرضه الله عليه فهي: زكاة، من زكاة المال أو زكاة البدن.

قال: "في آداب المهدي: رؤية الفضل للمهدى إليه"، لماذا؟ لأنه لو لم يوجد مُهدى إليه لم يتمكّن من الإهداء وفاتَه ثواب الإهداء، وبوجود المُهدى إليهِ، يُحصِّلُ هذا الثواب، ويكسب صاحبه المُهدي من الله تبارك وتعالى مثوبةً ودرجات، فصار له الفضل؛ لولاه لما كسب هذه الدرجات ولا هذه المثوبة. ولهذا جاء في أنّ الفقير هدية الله تعالى لخلقه، من شاء قَبِل ومن شاء رد! هدية من الله؛ أهداه إليك حتى يُثيبك، ومن أجل -كما سمعتم- يحمل زادك إلى الآخرة، يحمل لك الزاد إلى الآخرة، فهي هدية الله تبارك وتعالى. فالمُهدي ينبغي أن يُلاحظ الفضل للمهدى إليه.

 "وإظهار السرور" قال سبحانه وتعالى:  (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة:264-263]، (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:265]. ولهذا جاء في الأحاديث فيمن يؤدي الزكاة أو فيمن يعطي الزكاة: "طيّبةً بها نفسه"، وقال سيدنا سعد بن معاذ للمصطفى ﷺ: "خذ من أموالنا ما شئت واترك ما شئت، والذي تأخذ أحب إلينا من الذي تترك"، نحن نفرح بالذي تأخذ أكثر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عن أصحابه. 

قال: "رؤية الفضل للمُهدى إليه وإظهار السرور بالقبول منه لها"، وقد أعطى بعض الناس يسيرًا من الطعام لمحتاجَ كان من المقرّبين لدى الرحمن والأصفياء، فلما ناوله الطعام، قال له: حرّرك الله من رِقِّ المعصية كما حرّرتني من رِقِّ الجوع، فتنوَّرَ قلب الرجل، وأقبل بكلِّيَتِه على الحق، وحُفِظ من عامّة المعاصي والذنوب، فارتقى فصار من خواصّ الأولياء وأكابِرِهِم! ولما سألُه بعضهم: بمَ نِلْتَ الولاية؟ قال: بدعوة ذاك المسكين! أعطيته لقيمات وقال لي: حرّرك الله من رِقِّ المعصية كما حرّرتني من رِقِّ الجوع، فتقبل الله الدعوة وحرَّرُه وارتقى، فمن الذي استفاد من صاحبه أكثر، إيش أعطاه هذا؟ لقيمات! وإيش حصّل من ورائه؟… لا إله إلا الله!

 وهكذا كان في تهذيب نفوس الناس المؤمنين وتنقية قلوبهم، نسمع العوام عندنا يقولون: كم من دعوة خير من عَطْوَة! تُحَصَِل لك دعوة من إنسان صالح أحسن من عطايا وهدايا يهديك إياها، أو مَبالغ تجيك من فلان وفلتان، دعوة صالحة أحسن؛ لأنها تكسبك خيرات في الدارين، ومراتب كبيرة ما تحصّلها بشيءٍ آخر.

قال: "وإظهار السرور بالقبول منهُ لها، والشكر عند رؤية المهدى إليه، والاستقلال لها، وإن كثرت." يراها قليلة؛ لأنه أنفقها من أجل من؟ فأي شيء يكبر أمام الله؟! مالك كلُّه، وأموال الدنيا لو ملكتها وأنفقتها يسيرة عند الله مالك الملك -جلّ جلاله- فيستقلّها وإن كانت كثيرة، كما أنّ المُهدَىٰ إليه والمُعطى إليه يستكثرها ولو كانت قليلة، فيكون هذا أدبه؛ لأنها جاءته من الله على يد هذا الإنسان، وأوحى الله إلى النبي داود: لو سقت إليك حبّة -حبّة من الطعام- مسوّسة، فاعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها. هي إنما حبّة ومسوسة، لكن من أين  جاءتك؟ قال: أنا ذكرتك، ما وصلت إليك إلا لما ذكرتك بها، فاشكرني عليها. لا إله إلا الله! اللهم لك الحمد شُكرا ولك المن فضلا، اللهمّ ما أصبح بنا من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.

وقد جاءت امرأة تحمل نصف مُدٍّ من شعير إلى الشيخ أبو  بكر بن سالم، وصلت إلى عند داره، تقول للقائم بالخدمة: أين الشيخ؟ قال: الآن وقت قيلولته، قالت: أيقظه، قال لها: لماذا؟ قالت: لأعطيه هذا، قال: من أجل هذا الكف من الشعير تريديني أن أنبّه الشيخ، وأقوّمه من نومه! فكأنه انكسر خاطرها واستقلَّت ما معها، وقال لها شوفي عندنا المطبخ حق الشيخ، نطبخ كل يوم سبعمئة قرص، ثمانمئة قرص للضيوف، وإيش يساوي حقك هذا؟! فكأنه انكسر خاطرها، ما درى إلا بحركة في الدرج وإذا به الشيخ نفسه، وقال: مرحبا مرحبا، من جاء؟ قالت: العفو أنا جئتكم بهذا هدية، قال: الله! بارك الله فيك، من أين جئت؟ قالت: من القرية الفلانية، قال: كم خطوات خطوتيها من أجل الله، وتعطين لنا هذه الهدية! ما شاء الله، كم فيها حبات؟ الحبة كم فيها ذرّات؟ وكل ذرة حسنة لك عند الله تعالى، بارك الله فيك، حملها، قبَّلها، فرحت، دخّلها وراح جاب لها هدية وأعطاها،  والتفت إلى الخادم  يقول: ايش قلت لها؟  قالت لي أنبهكم وأقومكم لأجل كذا…!  قال: أما تدري أنا لو لم نشكر على القليل ما جاءنا الكثير؟ إنما يرسل الله إلينا الكثير وييسِّرُه لأننا نشكر، نشكر على القليل، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]، ما دريت من أجل من جاءت وقطعت هذه المسافة؟ من أجل الله.. تزورنا وتهدي لنا هذه الهدية، وأنت تجيب لها كلام يكدّرها! احذر مرة أخرى أن تكسر خاطر أحد، ومن جاء بقليل أو كثير فاقبله واشكره عليه، واعلم أن الله هو الذي أرسله إليك، فعلى هذا الحال كانوا، وعلى هذا الحال مضوا، رضي الله عنهم.

 

آداب المُهدى إليه

 

آداب المُهدى إليه

"إظهار السرور بها وإن قلت، والدعاء لصاحبها إذا غاب، والبشاشة إذا حضر، والمكافأة إذا قدر، والثناء عليه إذا أمكن، وترك الخضوع له، والتحفظ من ذهاب الدين معه، ونفي الطمع معه ثانيًا."

 

قال: "آداب المهدى إليه: إظهار السرور بها وإن قلّت"؛ لأنها مهدية من الله تعالى جاءته على يد هذا، وبهذا أثنى ﷺ على بعض الصحابة، ولقي سيدنا عمر بعض الخارجين من عنده ﷺ، فقالوا له: إن رسول الله ﷺ أعطانا كذا، جزاه الله خيرًا، وشكروه، فدخل على النبي وقال له: إن فلان خرج من عندك يقول كذا ويشكر، فقال: لكن فلان يعني آخر أعطيناه أضعاف ذلك ولا يشكر ويتسخط! يعني: فرق نفسيات الناس وطباع الناس وأذواق الناس مختلفة، وهذا المحمود عند الله والمقبول عند الله؛ الذي يقبل ما تيسّر ويرى أنه فضل عليه من الله -تبارك وتعالى- وإن قلّ، ويشكر على تلك النعمة.

ولهذا جاء عنه في الحديث أنه قال: أنّ رجل أهدى إلينا لقحة، قال: وكافئتُه ست بَكَرات، لقحة واحدة من الجمال، و ولدت ذات لبن، قال: وهو يتسخّط! أعطاه ست بكَرات جمال بدلها، وهو واحدة، ومع ذلك متسخّط! قال: فهممتُ ألا أقبل صدقةً إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ؛ يعني: ما يمنَّون بهداياهم، ولا يرون أنفسهم قد أعطوا، هؤلاء يصلح قبول الهدية منهم، وأما الذي يشوف نفسه أعطى وأعطى.. ولهذا كان من الذين لا يجدون ريح الجنة في القيامة: المنّان بالصدقة؛ الذي يمُنّ بالصدقة والعطية، تمنّ بشيء من مال الله ومن حق الله تعالى يسرُّه لك! تشكرُه عليه تقوم تمُن كأنك أنت الذي خلقت، وأنت الذي رزقت، وهو من فضله سبحانه وتعالى. 

"إظهار السرور بها وإن قلّت، والدعاء لصاحبها إذا غاب"؛ أي: يدعو له بظهر الغيب، لا فقط أمام وجهه يقول: جزاك الله خير والله يطول عمرك وخلاص! ولا عاد يدرى به ولا حتى يذكره، لكن في ظهر الغيب يدعو له. وكانت السيدة عائشة إذا أرسلت لأحد بهدية أو صدقة تقول للذي ترسله: احفظ ما يقول، إذا قال: جزاه الله خير وعافاه الله وطول عمره يرجع، تقول له: ما قال؟ قال: جزاه الله خير.. وجزاه الله خير وأطال عمره وعافاه، ترد عليه نفس الدعاء، قالت: دعنا نرد دعاءهم لهم، ودعْ الصدقة خاصة لنا عند الله تعالى، والذي دعوا به نردُّه لهم، ندعو لهُم  كما دعوا لنا. الله! لا إله إلا الله. "والدعاء لصاحبها إذا غاب، والبشاشة إذا حضر"؛ فإن سرور القلب وطلاقة الوجه عند العطاء أعظم من العطاء، "والمكافأة إذا قَدَر"، وكان يقبل الهدية ويكافئ عليها ﷺ.

 "والثناء عليه إذا أمكن" ماذا معنى أمكن؟ 

  • يعني: عنده صفات حسنة يثنى عليه بها واقعة، ولا يغترّ بالثناء عليه؛ هذا أمكن الثناء عليه.

  • وأمّا ما عنده صفات حسنة تثني عليه بماذا؟ أو عنده ولكن إذا أثنيت عليه ينتفخ؛ فتضرُّه، فهذا ما يمكن الثناء عليه.

 ولكن من عنده صفات حسنة ولا يغترّ بالثناء عليه تُثْني عليه.  

"وترك الخضوع له"، كما ذكر في آداب الفقير؛ يعني: يترك التضعضع للغنيّ،  ومرَّ معنا "من تواضع لغنيٍّ لأجلِ غناه ذهبَ ثُلُثَا دينه" والعياذ بالله! "والتحفظ من ذهاب الدين معه"، كيف ذهاب الدين معه؟ 

  • يُقِرُّه على معصية

  •  يقوم معه على باطل؛ لأنه أهداه له هدية

  • يسكت عن نصحه لأنه أعطاه هدية 

حتى يعيب عندنا العوام صاحب الأسلوب هذا يقولون له: أعطِ البطن يستحي اللسان! فما يتكلم عليك، ولا يقول عليك شيء بعدين! كيف هذا؟ ولكن الهدية ما تحملك على أن تُقِرُّه على ذنبه، ولا على معصية ولا تقوم معه على باطل ولا تداهنُه في دين الله تبارك وتعالى. 

"والتحفظ من ذهاب الدين معه نفي الطمع معه ثانيًا"، لا تمد عينك له وتقول هذا يعطينا ومرة أخرى سيعطينا، وبعد غد سيعطينا! انظر إلى المعطي الحقيقي، هو يُعطيك -سبحانه وتعالى- واطلب منه ما تشاء.

فهكذا الآداب التي تجعل حال الناس في الحياة مصبوغًا بصِبغَةِ الإيمان، وصبغة الصدق مع الرحمن -جلّ جلاله- والتعامل معه جلّ جلاله؛ فتنكشف حُجُب الانقطاع بالتعامل مع الخلق لذواتهم، ويبقى هو بين الخلق ومع الخلق يتعامل مع الخلق لكن لا لذواتهم؛ لله ومن أجل الله جلّ جلاله، حتى ترتقي به الدرجة ويقول ما قال بعض العارفين: لي عشرون سنة يظنّني الناس أتكلّم معهم؛ وأنا ما أتكلم إلا مع ربي! يعني: ما أكلِّم أحد منهم، ولا أجاوب على سؤال أحد منهم، ولا أسلم على أحد منهم؛ إلا وأنا مستشعر حضوري مع الله وبين يديه، ومن أجله أقول ما أقول.

 

آداب اصطناع المعروف

 

آداب اصطناع المعروف

"البداءة به قبل السؤال، والمبادرة به عند الوعد، والتوفير له عند العطاء، والستر له بعد الأخذ، وترك المِنّة بعد القبول، والمداومة على اصطناعه، والحذر من انقطاعه."

 

يقول في: "آداب اصطناع المعروف: البداءة به قبل السؤال"، ولما جاء بعض الإخوان في الله إلى بيت أخيه في الله؛ لم يجده في البيت، فقال للجارية: أخرجي صندوق أخي، هاتي الصندوق حقه الذي يضع فيه دراهمه، خرّجت له، فتحه وأخذ منه مبلغ وردّه، فزعت الجارية الآن إيش بيقول سيدها لمّا يجيء، ولمّا جاء، قالت: أخوك فلان جاء طلب صندوقك وأنا استحيت منه خرَّجْت له الصندوق فأخذ منه، قال: إن كان حقًّا ما تقولي فأنت حرّة لوجه الله! لأنك بشرتني بسقوط الكلفة بيني وبين أخي في الله، وأنّنا متحابّون في الله حقًّا! أعتقها، صارت عتيقة بسبب هذا.

 وجاء أحدهم إلى أخيه في الله فعرض عليه؛ كان محتاج مدين بأربعمئة درهم، فدخل وخرَّجْها إليه وأعطاه إيّاه، رجع يبكي، قالت له زوجته: لو اعتذرت إليه...؟!، قال: يا هذه، ما أبكي أني أعطيته، أبكي أني لم أتفقّد حال أخي حتى أحتاج إلى سؤالي! ولو كنت نبيه وصاحب وعي من قبل ما يسأل أنا سأعرف حاجته وأعطيه الحاجة، فأنا الآن أبكي لأنني أخَّرت تفقد حاله حتى اضطر إلى أن يسألني. 

ولذلك قال: "البداءة به قبل السؤال"، ولذا تجد ما من عبد مخلوق إلا بعد ما ابتدأه الله بالخلق بعد الإيجاد، ما يسأل السؤال ويرى أثر الإجابة إلا ويرى أن ما أعطيَ قبل السؤال نِعَم لا تحصى ولا تُعد ولا تُحد، كبيرة أكبر مما سأل وأُجيب فيه، كل سائل من الخلق، الحقّ ابتدأهم قبل أن يسألوا بنِعَم كبيرة وكثيرة، الكثير منها بل الأكثر ما يخطر على بالهم ولا تصوّرهم فضلًا عن أن يسألوه! وأعطاهم إياه -جلّ جلاله- وركبّهم بأحسن تركيب، ونفخ فيهم الروح، وأوجدهُم بأسماع وأبصار، وجعل لهم هذا الهواء الطلق، وجعل لهم هذه الأرض الممهدة، وهذا من أين جئت بها؟ وكلها عطايا منه مبتَدَأَة من قبل السؤال، فهذا خُلُقُ الرحمن، يبتدئ خلقه قبل السؤال، ثم إن له محبوبين يتفقّد شؤونهم هو بعلمه المحيط من قبل أن يسألوه، ومن قبل أن يحتاجوا يبادئهم -جلّ جلاله- بعجائب من حُسن التدبير والتقدير، ومع ذلك يقيمون العبودية بكثرة السؤال والتذلّل للكبير المتعال جلّ جلاله.

 قال: "والمبادرة به عند الوعد"، إذا وعدت بالمعروف خلاص انتبه! في أوّل وقت بادر به وبكِّر، وإن كنت ممّن يغلب عليه النسيان فاجعل لك مذكرات، واطلب من أحد يذكرك عليَّ وعد لفلان، عليَّ وعد لفلان، ولهذا عندما تأتي الفتوحات للنبي يقول: من له عندنا وعد؟ من له عِدَه؟ يجيء.. وهكذا. ولما جاء مال البحرين وهو مال كثير، جاء له سيدنا العباس، قال له: أنت وعدتني، أول ما يجيء مال البحرين أن الله أنزل عليك في شأني: ( قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ) [الأنفال: 70]، قال: خُذْ، خُذْ من هذا الذهب ما تستطيع، وكان جَلْد وحمل كثير، أكثر منهم، قال: دع أحد يساعدنا، قال: لا، ما يساعدك أحد، أنت خذ فقط الذي تستطيع؛ فصار ينزّل منه وينزّل حتى قدر على حمله، فأتبعه ببصره ﷺ إلى أن خرج يتعجّب من الحرص! لا إله إلا الله.

ولهذا أول ما جاءت بعض الفتوحات في عهد سيدنا أبو بكر قال: من له عِدَةٌ عند رسول الله؟ من معه وعد من النبي ﷺ يجيء،  فجاء له واحد قال: يا خليفة رسول الله قال لي ﷺ: إذا جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، قال: خُذ هكذا، شُف كم؟ طلعت خمسمائة، قال: بس خذ خمسمائة وخمسمائة وخمسمائة!  ثلاث مرات، هكذا وهكذا وهكذا. فإذا وعد أعطى، وكان بعض الأكابر مثل سيدنا جعفر الصادق إذا وعد أحد بوعد ما يأكل ولا يشرب ولا ينام حتى يفي بالوعد أوّل، وإلّا يمتنع عن الطعام والشراب والنوم إلى أن يكمل الوعد، ثم يرجع.

قال: "والمبادرة به عند الوعد" وأن يكون المعروف ابتداءً من دون وعد أحسن، "والتوقير له عند العطاء"، يعني: يكون لمن تصنع إليه المعروف توقِّرُه، وترى أن الفضل له، "والستر له بعد الأخذ" وليس: أعطينا فلان، وأعطينا فلان، هذا مَنّ! المَنْ بالصدقة يحبطها ويبعد صاحبها عن الله تبارك وتعالى.

 "وترك المِنٍّة بعد القبول، والمداومة على اصطناعه" اصطناع المعروف ما دمت تقدر عليه، فإنّ اصطناع المعروف يقي مصارع السوء. مصارع السوء: الحوادث والهدم والزلازل وموت الفجأة؛ كلها مصارع سوء يقيك إيَّاها، تُحفَظ بها بسبب الصدقة، بسبب اصطناع المعروف، اصطناع المعروف يقي مصارع السوء، فما يكون مصرعك مصرع سوء لا بحادث سيارة ولا طيارة ولا دراجة، ولا يكون موتك بسقطة من شاهق، ولا بزلزلة، ولا بهدم ولا بشيء من هذه المصارع السيئة، اصطناع المعروف يقي مصارع السوء. 

وجاءنا في الحديث أيضًا: أنّ امرأةً من بني إسرائيل، كانت تطْعَمْ طعامًا لها، بقيت آخر لقمة ترفعها إلى فِيها وإذا سائل وَقف، فردَّتْها من عند فمها، قبل أن تدخلها فردّتها وأعطته إياها، فسدَّتْ مَسَدْ عنده، بعد أيام عدَى ذئب على طفلها وأخذه، خرجت تجري وراءه: ابني.. ابني.. وإذا بشخص أوقف الذئب، أخرج الطفل من فم الذئب، مسحه، فإذا لم يكن به شيء أبدًا، راح الأثَر، وجاء يناولها، جزاك الله خير، من أنت الذي أنقذَ الله بك ابني؟ قال: أنا مَلَك، كنت في السماء الرابعة حين عدى الذئب على ابنك، فناداني الله وقال: إلحق فلانة واستخرج ولدها من فم الذئب وامسح عليه يبرأ بإذني، وقُل لها: يقول لك الله لقمة بلقمة! يعني: أنتِ ردّيتي لقمة من أجله، والآن أعطيناك اللقمة هذه الثانية، ردّينا لك هذه اللقمة كما ردّيتي لقمة من عند فمك لأجل ذاك السائل؛ فرجّع اللقمة -الطفل حقها- من فم الذئب، وردُّه لها، وعاش عيشة طويلة بعد ذلك.

 اصطناع المعروف يقي مصارع السوء. "والحذر من انقطاعه" ما دام يقدر على اصطناعه، فإن ذلك من المكارم التي يحبّها الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، ولا يزال أهلها محبوبون لديه جلّ جلاله.

 

آداب الصيام

 

آداب الصيام

"طيب الغذاء، وترك المِراء، ومجانبة الغيبة، ورفض الكذب، وترك الأذى، وصون الجوارح عن القبائح."

 

ثم عرَّجَ الشيخ على ذكر: "آداب الصيام"، قال: "طيب الغذاء" لا تصم ثم تفطر على شبهة فضلًا عن أن تكون حرام، لذا كانوا يتحرّون ويرون أموال بعض المساجد المأخوذة من الحلال الخالص، وأموال المساجد من النخيل التي يملكها المسجد وغيره ما تلزم فيها الزكاة، فلا شُبهة فيها، فيذهبون في وقت الفطور يفطرون في تلك المساجد من تمرها؛ رجاء الحِلْ حتى يكون للصوم قبول عند الرب؛ لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا. "طيب الغذاء" الذي تفطر عليه والذي تتقوّى به على الصوم من السحور، ما هو تشبع بطنك من شبهة وتصبح صائم! ترك الشبهة أحسن من مجرد الصوم.

وهكذا، قال: "طيب الغذاء وترك المراء"؛ لأن من مقاصد الصوم أن ترتفع درجتك في ترك المراءاة والمجادلة والمخاصمة بأصنافها، وتتمرّن وتتهيأ لأن تكون مرِنًا باردَ الطبع، ساكنًا، بعيدًا عن أن تُسْتَثار، فالصوم في هذا يعطيك جرعات، يعطيك دورات في تهذيب نفسك، وفي كفّها عن الغضب وعن المخاصمة، وأمّا إذا تصوم وتماري، تصوم وتجادل؛ سر الصوم وبركاته روّحت من عندك، ذهبت عليك؛ لأن الصوم مقصوده أنك ترتقي في مراتب التقوى، ومنها:

  • ترك المراء 

  • وترك الجدال 

  • وترك الخصام 

فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يسخط، ولا يفسق، فإن جادله أو قاتله أحد أو خاصمه فليقل: إني صائم.

 قال: "ومجانبة الغيبة"، "الصوم جُنّة ما لم يخرقها"، قالوا: بمَ يخرقها يا رسول الله؟ قال: "بكذبٍ أو غيبة"، فهي وقاية وجُنّة تحرسك من النار، مثل الجُنَّة من السيف، ولكن إذا خُرِقَت هذه الجُنَّة تدخل منها النار كما يدخل السيف من محل الخرق في الجُنَّة.

"ورفض الكذب"، "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". "وترك الأذى"؛ لأن من مقاصد الصوم أن يتنمّى فيك الرحمة للعباد، ما تؤذي أحد، قالوا لسيدنا يوسف: لماذا أكثرت الصوم بعد أن وُلِّيت خزائن الأرض؟ كان يصوم لكن بعد ما تولّى على خزائن الأرض كان يصوم أكثر، فقال: أخشى أن أشبع فأنسى الجائع! قال حتى أتذكر بالجوع حال الجائعين فأتفقدهم؛ أخشى أن أشبع فأنسى حال الجائع، سيدنا يوسف عليه السلام.

  قال: "وصون الجوارح عن القبائح"؛ فهذا سرّ الصوم (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فإذا أُكرِمِت بصوم رمضان نعمة الله عليك، فإذا أُكرِمِت بعده بصوم ست من شوال، فقد تهيَّأ لك كسب ثواب صوم السنة كلها فرضًا، كأنك صمتها فرضًا لا نفلًا، وثواب الفرض يزيد على النفل بسبعين درجة، فكأنك صُمت السنة فرضًا، نعمة كبيرة من الله تعالى! وكذلك وَرَدت فيها فضائل أخرى في صيام ست من شوال بعد صوم رمضان.

والحمد لله الّذي أتم لنا صيام رمضان، والله يتمّ لنا صيام ستٍّ من شوال، ويجعلنا من الراقين إلى المراتب العوال، ويصلح لنا كل حال في الدنيا والمآل، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ويدفع عنّا شرور نفوسنا، وشر كل ذي شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، ويجعلنا في حصونه الحصينة وحروزه المتينة، ويجعل العيد من أبرك الأعياد علينا وعلى أمّة حبيبه خير هاد ﷺ في الخافي وفي الباد، ويدفع جميع البلايا والأنكاد، ويحوّل الأحوال إلى أحسنها في لطف وعافية، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.

 

 

تاريخ النشر الهجري

03 شوّال 1444

تاريخ النشر الميلادي

23 أبريل 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام