عظمة الرسالة وحسن الدلالة وسر الفرار إلى الرحمن بأجنحة الإنابة والاستجابة للنداء

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ألقاها عبر اتصال مرئي، ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 19 جمادى الأولى 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان: 

عظمة الرسالة وحسن الدلالة وسر الفرار إلى الرحمن بأجنحة الإنابة والاستجابة للنداء

 

نص المحاضرة:  

الحمدُ للهِ على إشراقِ أنوارِ الإيمانِ بهِ في قلوبِ المؤمنين، بما تقدَّمَ لهم في سابقِ الأزلِ مِن فضلِ الإلهِ القويِّ المتين، الرحمنِ الرحيم، المنعمِ المتفضِّلِ العظيم، لا إلهَ إلا هو وحدَهُ لا شريكَ له. 

رقَّانا اللهُ في مراقي التوحيدِ له إلى حقائقِ التوحيد، مع خيارِ العبيدِ مِن أهلِ التفريدِ والتمجيد، إنَّهُ الكريمُ المجيد، إنَّهُ الكريمُ المجيدُ الفعَّالُ لِما يُريد. 

أرسلَ إلينا خيرَ العبيد، سيِّدَ أهلِ حقيقةِ التوحيد، وإمامَ أهلِ المزيد، مُحمَّدَ بنَ عبدِ الله، الرحمةَ المهداة، والنعمةَ المسداة، والسراجَ المنير، فأشرقَ بهِ نورُ الإيمانِ في قلوبِ المؤمنين، وسمعوهُ يُناديهِم لذاكَ الإيمانِ فلبَّوا واتَّبَعوا.

سمعنا مناديًا ينادي للإيمان

قال تعالى عن أُولي الألباب، يقولونَ في ندائهِم لربِّ الأرباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، سَمِعنا فآمنَّا، ونتيجةُ الاستماعِ لأقوالِ اللهِ ورُسلِه، وإذا جَرَت على ألسُنِ أصحابهم أو آلهم أو ورثتهم، كانت أقوى. 

مُجرَّدُ الاستماعِ لها يجلبُ الإيمانَ وحقائقَ الإيمان، ويقوِّي الإيمان (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا).

(قل أذن خير لكم): كمال خلق النبي ﷺ 

وقد وَصَفَ الحبيبَ ﷺ ربُّنا في كتابهِ بأنَّهُ رحمةٌ لنا، وأنَّهُ يُؤمِنُ للمؤمنين، ورحمةٌ للذين آمنوا، وقال عن هؤلاءِ الذين بقيَت أمراضُ قلوبهِم تحجبهُم عن إشراقِ هذا النورِ والاهتداء، وعن مسلكِ الاتِّباعِ والاقتداء، بما يتسلَّطُ عليهم مِن أهواءٍ وإراداتٍ دنيئات ساقطاتٍ، للفانياتِ وما إليها؛ يقولونَ عن رسولِ اللهِ ﷺ: (هُوَ أُذُنٌ)، يعني يقصدونَ أنَّهُ يتأثَّرُ بكلامِ أيِّ واحدٍ ويستمعُ له، وهو أعلى وأجلُّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأفضلُ وأكمل.

ولكن خُلُقَهُ الكريمَ الذي كان به يستمعُ إلى الصبيِّ وإلى الضعيفِ وإلى الفقير، كما يستمعُ لغيرهم مِن غنيٍّ وكبيرٍ وأمير، لا ينقصُ حُسْنَ خُلُقِهِ مع أحدٍ صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه وسلم. 

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) مِن المنافقين، (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)، قال الرحمن: اكشفوا هذه الغشاوةَ عن مدارككم، وعن شعوركم، وعن إحساسكم، وانظروا الحقيقة: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) ﷺ.

(يُؤْمِنُ بِاللَّهِ)، ومَن يؤمنُ باللهِ مثلَه؟ ومَن أعرفُ باللهِ منه صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبِه وسلم (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)، فإيمانُ المؤمنين مُعلَّقٌ بإيمانِهِ ﷺ، ومُتفرِّعٌ عن إيمانِهِ ﷺ. 

(وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)، وأَعظِمْ بها مِن رحمة! يا ربِّ وفِّر حظَّنا مِن هذه الرحمة، يا ربِّ وفِّر حظَّنا مِن هذه الرحمة. 

نتيجةَ هذه الرحمة، وإيمانَ الحبيبِ ﷺ الذي تنتشرُ أنوارُهُ في قلوبِ المؤمنين؛ وفَّرَ اللهُ حظَّنا مِن ذلك، والاستجابةَ لهذا المنادي والداعي: (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا).

معاني الفرار إلى الله

نتائجُ ذلك كلِّهِ أن تقتضيَ في هذا المؤمنِ فرارًا إلى الله، فرارًا إلى الله! وما أوسعَ معاني الفِرارِ إلى اللهِ جلَّ جلاله! وما أعجبَها وأطيبَها! وما ألذَّها عند مَن عرفَها وظفِرَ بشيءٍ منها! ومراقيها لا تزال يرتقي إليها أهلُ الدرجاتِ العوال، مِن أهلِ الكمالِ في الدنيا وفي دارِ المآل، لا يزالونَ يرتقونَ في سرِّ الفرارِ إلى مولاهُم جلَّ جلالُهُ، عن أنفسهم، فضلًا عمَّن سواهُم مِن جميعِ الكائنات. 

(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)، وأعطاهُم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مِن الحقِّ تباركَ وتعالى، وبإذنِ الحقِّ جلَّ جلاله، أجنحةَ هذا الفِرارِ إلى الرحمنِ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه، مِن مثلِ قوله: (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ)، ومِن مثلِ قوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

فإذا جاءت الاستجابة، وقامت الإنابةُ في القلبِ إلى الإلهِ الخلَّاق، قَدرَ أن يفرَّ هذا المؤمنُ إلى الله، إذا فرَّ إلى اللهِ تباركَ وتعالى لم تَنَلهُ آثارُ سهامِ إبليسَ بخواطِره، ولم تَقدِر نفسُهُ أن تهويَ به، ولا أن تقطعَهُ عن عبوديتِهِ للرب، بإشراقِ أنوارِ الربوبيةِ حتى تستغرقَ كلَّ فكرِ هذا المؤمنِ وكلَّ إحساسِه. 

حينئذٍ لا يُتَّخَذُ مطيَّةً لهوى نفس، ويتكلَّمُ باسمِ الدِّينِ بغيرِ اسمِ الدِّين، مُربِّيًا هوى نفسِه، مُلبِّسًا على نفسِه، مُلبِّسًا على غيرِهِ تلبيسًا، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، ويهوي بذلك مع الهاوين، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى؛ إمَّا مِن الذين يسكتونَ عن الحق، وإمَّا مِن الذين يُلبِّسونَ في أقاويلهم، أو يبالغونَ في التظاهُرِ ببلاغتها، وما إلى ذلك مِن المتفيهقينَ المذمومينَ على لسانِ الحبيبِ الأمينِ صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلِه.

تزكية النفوس بالنبي ﷺ 

وأمَّا الذين صَحَّ لهم الفِرارُ إلى الله، ما تلحقهُم شرورُ هذه النفوس، بل يُزكِّيهم عنها القدُّوسُ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه، ويُطهِّرهُم مِن آفاتها وشرورها، ولمَّا تسبَّبوا في نيلِ هذا سمَّاهُم الحقُّ سبحانَهُ وتعالى مُزكِّين، وما هم بمُزكِّين، وإن كانوا سببًا بوجهتهم وإنابتهم، فالسببُ الأقوى رسولُ اللهِ ﷺ، ولهذا قال: (ويُزكِّيهم).

ثم يرجعُ الأمرُ كلُّه، سواءً مِن إقبالهم وتوجُّههم وإنابتهم وإسلامهم وإيمانهم واتِّباعهم، إلى نورانيةِ المصطفى وتربيتهِ وتزكيتهِ؛ ترجعُ كلُّها إلى إرادةِ واحدٍ أحد، وفضلِ كريمٍ صَمَد، عليه في كلِّ حالٍ مُعتمَد. 

وبذلك سمعناهُ ينسِب، لمَّا نتسبَّبُ بالاستجابةِ والتلبيةِ لنداءِ هذا الرسولِ للتزكية لأنفسنا، يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى.. وهل نحنُ نُزكِّيها؟ قال: أسبابٌ أقيموها، والمُزكّي أرسلتهُ إليكم: (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).

أمَّا الصحابةُ الذين في وقتهِ بالمباشرةِ يُزكِّيهِم ﷺ، وهو في القالَبِ الدنياويِّ والعالَمِ الجسماني، وروحُهُ بينهم، وأمَّا بعد انتقالهِ فبأدواتِهِ هذه، وأياديهِ المباركةِ مِن الصحابةِ والآلِ الأطهارِ وخلفائه، يُزكِّي الأمةَ صلَّى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِه، يتلو عليهم آياتِهِ ويُزكِّيهم. 

وبعد ذلك يجيء هو ويقول: "اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنتَ خيرُ مَن زكَّاها"، فلا سبيلَ لنا إلى مجاهدتِنا إلا بتوفيقِه، وما كانت مِنَّةُ محمدٍ ﷺ علينا إلا منهُ جلَّ جلالُه، فالأمرُ عائدٌ إليه سبحانَهُ جلَّ جلالُه، اللهمَّ آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنتَ خيرُ مَن زكَّاها، أنتَ وليُّها ومولاها.

صدى النداء النبوي

مِن مِنَنِ اللهِ عليكم هذه الاجتماعاتِ للقلوبِ في الوجهاتِ إلى علَّامِ الغيوب، للتنقِّي عن العيوب، ولغَفرِ الذنوب، ولنيلِ الأمنِ في يومٍ تُقلَّبُ فيه القلوب، وللحشرِ مع الحبيبِ المحبوب، ولمرافقتِهِ ﷺ في دارِ الكرامة، المترتِّبةِ على اقتفاءِ أثرِهِ وموافقتِهِ ومتابعتِهِ في هذا العالَم، في خِلالِ هذه الحياةِ الدنيا التي تمتلئُ بكثيرٍ مِن الشواغلِ ومِن النوازلِ ومِن الآفات.

والمؤمنُ المتَّصلُ بصاحبِ الرسالةِ على حُسنِ دَلالة، في كلِّ حالٍ وفي كلِّ حالة، لا يَعدَمُ مِن نورانيةِ ربِّهِ في توجيهِ نبيِّهِ ﷺ هُدًى وإرشادًا، قال عنه سبحانَهُ وتعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ).

فيا مالكَ الآخرةِ ويا مالكَ الأُولى، أسعِدنا في الآخرةِ وأسعِدنا في الأُولى، وهَبْ لنا خيرَ الآخرة، وهَبْ لنا خيرَ الأُولى، وادفع عنَّا شرَّ الآخرة، وادفع عنَّا شرَّ الأُولى، واجعلنا مِن ضنائنِ عبادِكَ الذين تُحييهِم في عافية، وتتوفَّاهُم في عافية، مُترقِّينَ إلى الدرجاتِ العالية، مُلبِّينَ للنداء، (سَمِعْنَا مُنَادِيًا)، ونِعمَ المنادي، واللهِ نادى بسرِّه، نادى بروحِه، نادى بقلبِه، نادى بلسانِهِ الشريفِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وما نسمعُ إلا صدى ندائه؛ إن قرأنا آيةً، أو سمعنا حديثًا، أو سمعنا واعظًا، أو سمعنا عالمًا، أو سمعنا كلامًا مِن كلامِ الصالحينَ منثور أو منظوم ما هو إلا صدى ندائه، ونِعمَ النداء! ويا خيرَ مُنادٍ، أحسنَ النداءَ صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه.

ثم بيَّنَ مِن حقائقِ هذا النداءِ وفضلِ اللهِ عليه فيه، قال: "تركتكم على المحجَّةِ البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالك"، ويقول: "ما تركتُ بابًا مِن أبوابِ الخيرِ إلا دللتكم عليه وأمرتكم به، ولا تركتُ بابًا مِن أبوابِ الشرِّ إلا حذَّرتكم منه ونهيتكم عنه". صدقتَ يا رسولَ الله.

فارزقنا يا مَن أرسلَهُ رحمةً حُسْنَ اتِّباعِهِ في كلِّ مُهمَّة، ارزقنا يا مَن أرسلَهُ إلينا رحمةً حُسْنَ اتِّباعِهِ في كلِّ مُهمَّة، ورقِّنا به إلى أعلى قِمةٍ في حقائقِ الإسلام، وحقائقِ الإيمان، وحقائقِ الإحسان، وحقائقِ الصدقِ معك في كلِّ شأن، حتى نُدرِكَ الحظَّ الوافرَ مِن المعرفةِ الخاصةِ والمحبةِ الخالصة، يا أكرمَ الأكرمين، ويا أرحمَ الراحمين.

بعددكم هذا في مُصلَّى أهلِ الكساءِ بدارِ المصطفى، معكم مِن قلوبِ الملائكة، ومِن الذين يتابعونكم في هذه البلدةِ وهذه البلدة، وهذه الدولةِ وهذه الدولة، وكلُّها وِجهةٌ إلى واحد، والإمامُ والقائدُ فيها واحد، واحد، واحد، اسمُهُ محمد ﷺ، هو المنادي، ونِعمَ المنادي.

والحقُّ تعالى يُنعِمُ على هذه الأمةِ ببقاءِ هذا الخير، ببقاءِ وانتشارِ نورِ هذا الصدى للنداءِ النبوي، وتستجيبُ له القلوبُ بما قدَّرَ علَّامُ الغيوبِ سبحانَهُ وتعالى، وبما رتَّبَ مِن مراتب، فتختلفُ الاستجابات.

سؤال مرافقة الحبيب ﷺ

واللهُ يجعلُ استجابتنا قويةً لخيرِ البريَّةِ في كلِّ نداءٍ نادى به، وفي كلِّ دلالةٍ دلَّها، وفي كلِّ توجيهٍ وجَّهه، وفي كلِّ تنبيهٍ نبَّهه. 

افتح يا ربِّ آفاقَ قلوبنا لوعيِ خطابِه، ووعيِ بلاغِه، ووعيِ تنبيهِه، ووعيِ توجيهِه، ووعيِ تأديبِه، ووعيِ تزكيتِه، واجعلنا مِن أسعدِ أُمَّتِهِ بتزكيتِه، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بتربيتِه، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بمتابعتِه، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بنصرتِه، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ برؤيتِه، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بمرافقتِهِ يا رب، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بمرافقتِهِ يا رب، ومِن أسعدِ أُمَّتِهِ بمرافقتِهِ يا رب، اكتب لنا هذا الخير، وهَبْ لنا هذا الوَهْب، وأعطِنا هذا العطاء، يا مُعطي، يا كريم، يا منَّان، يا وهَّاب.

وإن كان مِن أعظمِ ما يتوجَّهُ به إليكَ الطالبونَ والراغبون، ولسنا بأهلٍ له، ولولا ما علَّمتنا مِن فضلِك، وأنَّنا وجميعَ ما معنا، سواءً مِن الصالحاتِ أو مِن السيئات، ما نساوي شيئًا أمامَ ذرَّةٍ مِن فضلكَ إذا تفضَّلت، أو ذرَّةٍ مِن عدلكَ إذا عدلت، فعامِلنا بفضلك. 

وقد جرَّأتنا تعرُّفاتُكَ لنا ومِنَّتُكَ علينا بأن نطلبكَ ونسألك، ونحن نُلِحُّ عليكَ أن تُسعِدَنا بمرافقةِ هذا الحبيب، وأن تجعلنا مِن رفقائه، يا قريب، يا مجيب، يا مَن يُعطي ولا يُبالي، وسائلُهُ لا يخيب. 

نِعمَ المجيبُ القريبُ أنتَ يا رب، ونِعمَ المعطي الوهَّابُ أنتَ يا رب، ونِعمَ السميعُ الجوادُ بما لا يحدُّهُ حَدٌّ ولا يعدُّهُ عَدٌّ يا رب، فجُدْ علينا يا جواد، وأدخلنا في خيارِ العباد، ووفِّر حظَّنا مِن الإمداد، واجعلنا مِن رفقاءِ خيرِ العباد، واجعلنا مِن رفقاءِ خيرِ العباد، واجعلنا مِن رفقاءِ خيرِ العباد.

تمتدُّ معاني مرافقتِهِ ونحن في الدنيا مِن خلالِ صدقِ محبتكَ ومحبتِه، والقيامِ بطاعتكَ وطاعتِه، وحُسنِ المتابعةِ له وإحياءِ سُنَّتِه، وتعلُّقِ قلوبنا به، ورؤياهُ في المنامِ واليقظة. وتمتدُّ المرافقةُ عند الوفاة، وفي البرازخ، بأعلى ما يُرافقهُ المقرَّبونَ مِن أهلِ البرزخ، والمحبوبونَ لك وله في ذلك المقام.

اللهمَّ والمرافقةَ في مواقفِ القيامةِ كلِّها، والمرافقةَ عند المرورِ على الصراط، والمرافقةَ في دارِ الكرامة، وأعلى المرافقةِ في ساحةِ النظرِ إلى وجهِكَ الكريمِ يا كريم.

 يا الله سألناكَ، ورجوناكَ وأمَّلناك، فهيِّئنا لذلك، كلُّ ما يَعرِضُ ممَّا يقطعنا عن وصولِ ذلك المقامِ فاقطعهُ عنا، وأبعدهُ منا، وحُلْ بيننا وبينه، ووفِّقنا فيما تحبُّ منا وترضى به عنا في بقيةِ أعمارنا، حتى نُتوفَّى على عهدِك، وعلى وِدِّك، وعلى حبِّكَ وحبِّ هذا الحبيب. 

لا يُنازعنا في محبتكَ ومحبتِهِ أرضٌ ولا سماء، ولا دنيا ولا آخرة، ولا إنسٌ ولا جن، ولا صغيرٌ ولا كبير، ولا ظاهرٌ ولا باطن، نعيشُ ونموتُ وأنتَ ورسولُكَ أحبُّ إلينا ممَّا سواكما. 

ثبِّتنا على ذلك، وثبِّت على ذلك قلوبَ أهالينا، ثبِّت على ذلك قلوبَ أبنائنا وبناتنا، ثبِّت على ذلك قلوبَ أقاربنا وأصحابنا وجيراننا وطلابنا وأحبابنا فيكَ يا ربَّ العالمين، يا مُقلِّبَ القلوبِ والأبصار، ثبِّت قلوبنا على دينك، وعلى حبِّكَ وحبِّ رسولِكَ صلى الله عليه وعلى آلِه وسلم. 

وبارك في المجتمعينَ والاجتماعات، وأعظِمْ بها لهم ولأهاليهِم وللوجودِ الانتفاعات، وعظيمَ العطايا مِن حضرتك، يا مَن يُعطي ولا يبالي، يا مولى الموالي.

التحقق بالافتقار: قد كفاني علم ربي 

يَلَذُّ لنا ويحلو سؤالُكَ وطلبُكَ ودعاؤكَ ونحن العبيدُ الفقراء

ودعائي وابتهالي شاهدٌ لي بافتقاري 

فلهذا السرِّ أدعو في يساري وعساري 

قال المتحقِّقون: "أنا عبدٌ صار فخري"، فكما حقَّقتهُم فحقِّقنا.. 

أنا عبدٌ صار فخري ضِمنَ فقري واضطراري 

قد كفاني عِلمُ ربي مِن سؤالي واختياري 

يا إلهي ومليكي أنتَ تعلم كيف حالي 

وبما قد حلَّ قلبي مِن همومٍ واشتغالِ 

فتداركني بلطفٍ منكَ يا مولى الموالي 

يا كريمَ الوجهِ أغِثني قبل أن يفنى اصطباري 

قد كفاني عِلمُ ربي مِن سؤالي واختياري 

يا سريعَ الغوثِ غوثًا منكَ يدركني سريعا 

يهزمُ العُسرَ ويأتي بالذي أرجو جميعا 

يا قريبًا يا مجيبًا يا عليمًا يا سميعا 

قد تحقَّقتُ بعجزي وخضوعي وانكساري 

قد كفاني عِلمُ ربي مِن سؤالي واختياري 

ونظرةٌ منكَ إلى مَن يسمعنا، وإلى مَن في جمعنا، وإلى مَن يوالينا فيك، تُثبِتنا بها في التحقُّقِ بالافتقار..

قد تحقَّقتُ بعجزي وخضوعي وانكساري

حقِّقنا بذلك يا الله، فإنَّ المتحقِّقينَ به مِن عبادكَ قليل، ونِعمَ أولئك القليلُ أهلُ المقامِ الجليل، فألحِقنا بهم يا رب، وأكرِمنا بالتحقُّقِ بذلك. 

قد تحقَّقتُ بعجزي وخضوعي وانكساري

وبذلك تكونُ الرِّفعة، بل والعِنديَّةُ مِن الله، "أنا عند المُنكسرةِ قلوبهُم مِن أجلي"، "أنا عند المُنكسرةِ قلوبهُم مِن أجلي"، يقولُ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه. 

وتلكُم مواهبُ يهبُها الواهب، انفتحت لنا على يدِ أطيبِ الأطايبِ صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله، فاللهُ يُحقِّقنا بها، ونُرزَق الإنابةَ والاستجابةَ والإسلامَ والإيمان، والتحقُّقَ بحقائقِ الإحسانِ في متابعةِ سيِّدِ الأكوان، حتى نرقى أعلى مراتبِ العرفان، مع خواصِّ أهلِ المعرفةِ الخاصةِ والمحبةِ الخالصة، اللهمَّ لا تحرمنا خيرَ ما عندكَ لشرِّ ما عندنا.

غزوة مؤتة ووصايا النبي ﷺ

أولئك الذين استجابوا وطبَّقوا، مثلَ ما سمعتُم في كلامِ إخواننا، ذكَّروكُم بوقعةِ مؤتةَ وما كان فيها، سمَّاها أهلُ السِّيَرِ غزوة، وأنه ما يُسمُّونها سرايا، ولكن سمَّوها غزوة، وأطلقوا عليها اسمَ الغزوة؛ لأنَّ حضورَ الحبيب فيها كان بَيِّنًا، وإن كان في كلِّ السرايا حاضرًا مع أصحابه، ولكن حضورهُ في هذه الغزوةِ كان يشاهدُها وهو في المدينة المنورة.

ويقول: الآن، الآن، الآن.. الآن حَمَلَ الراية، الآن قُتِلَ زيدُ بنُ حارثة، الآن حَمَلَ الرايةَ جعفرُ بنُ أبي طالب، الآن قُطِعت يدُه، حَمَلَ الرايةَ باليُسرى، الآن قُطِعت يدُهُ اليُسرى.. ويُتابعُ صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله، لِما كانت بوابَةً للفتحِ الإسلاميِّ كلِّهِ سمَّوها غزوة، غزوةَ مؤتة، ورضيَ اللهُ عن أولئك. 

ذكَّروكُم بهذه الوصايا، ذكَّروكُم بإقامتِهِ للأسُسِ والقواعدِ - صلَّى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِهِ- لأُمَّتِه، في هديهِم القويمِ والصراطِ المستقيمِ الذي بُعِثَ به الحبيبُ العظيمُ صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه وسلم. 

وأمرهم أن يعتزلوا مَن كان في صومعته، ومَن كان شيخًا كبيرًا، ومَن كانت امرأة، ومَن كان طفلًا ووليدًا، وأمرهم أن لا يقربوا النخيل، ولا يقطعوا الأشجار، ولا يهدموا بناءً، إلى غيرِ ذلك مِن هديِه، مِن مسلكِه، مِن وحيِ ربِّه، ممَّا ارتضاهُ اللهُ للمؤمنينَ به. جعلنا اللهُ وإياكم مِن خواصِّ المؤمنينَ الملبِّينَ لنداءِ الحبيبِ الأمين.

الدعاء للأمة بكشف الغمة

والحمدُ للهِ الذي أكرمكم بهذا الاجتماع، وهذه الخيراتِ الوِساع، وهذا العطاءِ المتواترِ مِن حضرتِهِ العليَّةِ جلَّ جلالُه، ونسألُهُ أن يكرمنا وإياكم بالقبولِ التام، ويُبلِّغنا فوقَ المَرام، ويجعلَ لنا فتحًا إن شاء اللهُ في هذا الزمانِ والوقتِ لحقائقِ الإسلام، تنتشرُ في قلوبِ الأمة، وتنتشرُ في بقيةِ الخلائقِ في المغاربِ وفي المشارق. 

يُديمُ لنا حفظَ الحرمينِ الشريفين، ويُخلِّصُ بيتَ المقدسِ مِن اعتداءِ المعتدينَ وظُلمِ الظالمين، ويرفعُ الظلمَ عنا وعن يمننا وعن شامنا وعن شرقنا وعن غربنا، ويُحوِّلُ الأحوالَ إلى أحسنها. 

يا ربِّ تدارَكْ هذه الأمة، يا ربَّنا أغِث هذه الأمة، يا ربَّنا ارحَم هذه الأمة، يا ربَّنا اكشِف الغُمَّةَ عن هذه الأمة، يا ربِّ ادفَع هذه البليَّة، وادفَع كلَّ أذيَّةٍ ظاهرةٍ وخفيَّة. 

يا ربِّ حوِّل الأحوالَ إلى أحسنِ الأحوال، يا مُحوِّلَ الأحوال، وعافِنا مِن أحوالِ أهلِ الضلالِ وفعلِ الجُهَّال، ورُدَّ عنا وعن الأمةِ ظلمَ الظالمين، وإفسادَ المفسدين، وشرَّ الأشرارِ في السرِّ والإجهار، مِن الإنسِ والجنِّ أجمعين، واجعلنا وأهلَ لا إله إلا الله في حِصنكَ الحصينِ وحِرزكَ المتين، يا قويُّ يا متين، برحمتكَ يا أرحمَ الراحمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

18 جمادى الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

29 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية