عجائب الحياة على ظهر الأرض وما يترتب عليها يوم حكم الخالق بين المكلفين

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ألقاها عبر اتصال مرئي، ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان: 

عجائب الحياة على ظهر الأرض وما يترتب عليها يوم حكم الخالق بين المكلفين

تضمنت المحاضرة:

  •   حكمة الله في الأرض وخلافة الأنبياء
  •  أصناف الناس في الاستجابة لدعوة الحق
  •  مراتب المؤمنين وتفاضل الأعمال بالنيات
  •  فضل نفع الخلق وتزكية القلوب
  •  خطر الإيذاء والنفاق وعاقبة المفسدين
  •  التعاون على الخير ووحدة الأمة الإسلامية
  •  مسؤولية الجوارح ومحاسبة النفس
  •  الدعاء بكشف البلايا وحفظ الأمة

لتحميل المحاضرة pdf

نص المحاضرة مكتوب:

حكمة الله في الأرض وخلافة الأنبياء

الحمدُ لله مقلِّبِ القلوبِ والأبصارِ، وجامعِ الأولينَ والآخرينَ ليومٍ يَحكُمُ فيه بين جميعِ المكلَّفين، فيا فوزَ من بلغتهم من المكلَّفين دعوةُ اللهِ تباركَ وتعالى فلبُّوها وأجابوا النداءَ، واهتدوا بكريمِ الهدى في خلالِ أعمارِهم التي قضّوها على ظهرِ هذه الأرضِ التي جعلَ اللهُ فيها العجائبَ والغرائبَ.

جعلَ فيها أسرارَ الخلافةِ عنه، ورؤساؤُها النبيون، ووزراؤهم وأتباعُهم من آلِهم وصحبِهم، والورثةُ لهم كثيرون، اختارتهم حضرةُ الألوهيةِ والربوبيةِ، وأمدَّتهم بعظيمِ المزيَّةِ، وجعلتهم مصدرَ الهدايةِ والدلالةِ على الحقِّ والهدى، والارتباطِ بالإلهِ الحقِّ العالِمِ لما خفيَ وما بدا، والحاكمِ غدًا على الأولين والآخرين: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.

أصناف الناس في الاستجابة لدعوة الحق

وفيها يوجدُ المخالفون للأنبياءِ، ويوجدُ من لم تبلغه الدعوةُ فيعذرهم الربُّ جلَّ جلالُه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا)، ويجعلُ فيمن استجابوا للدعوةِ ثابتين، صادقين، مخلصين إلى الوفاءِ، وفيهم مَن يتغيَّرُ ويتبدَّلُ، ومن يحيدُ ثم يرجعُ، والعبرةُ بالخواتيمِ؛ والسوابق عليها كلُّ الأعمال تُختَم.

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسنِ الخاتمة

وفيهم من يضلُّ ويزيغُ، ويبقى في الضلالِ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، ويحيا على ذلك ويموتُ على ذلك. 

وفيهم المعادون للأنبياءِ، والمعادون لِما جاؤوا به عن الملكِ الأعلى جلَّ جلالُه وتعالى في علاه من إيمانٍ ومن أخلاقٍ وأعمالٍ، وهم مع ذلك أصنافٌ كثيرةٌ، ولكنها ترجعُ الجميع إلى الفريقينِ، لا ثالثَ لهما: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).

وإنما أُعِدَّت الجنةُ لهؤلاءِ الرُّسلِ ومن اتَّبَعهم، كما قال اللهُ تباركَ وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ).

مراتب المؤمنين وتفاضل الأعمال بالنيات

ثم إنّ هذه الأرضَ بالنسبةِ للمؤمنين، مع كونِها موطنَ الخلافةِ والاتصالِ بالحقِّ جلَّ جلالُه، والوفاءِ بعهده، والتنفيذِ لأمرِه سبحانَه وتعالى، على مراتبَ وعلى درجاتٍ في إيمانِهم ويقينِهم، وفي أعمالِهم وأخلاقِهم، وفي نيَّاتِهم ومقاصدِهم.

والحقُّ ينظرُ إلى ما في القلوبِ من إيمانٍ ويقينٍ، ومن نيةٍ وإخلاصٍ ووجهةٍ وقصدٍ له تعالى، وعليها تتفرَّعُ الأعمالُ، والأعمالُ تابعةٌ لهذه النياتِ والإيمانِ، فمن صدقَ في إيمانِه وأخلصَ في مقاصده ونياتِه، زكت أعمالُه وتضاعفت أجورُها وعظمت خيورُها، وآتاه اللهُ تباركَ وتعالى من الفضلِ الجزيلِ والعطاءِ الجليلِ ما لا يقفُ عند حدٍّ، ولا يعدُّه من الخلقِ عادٌّ قط، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه. و (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).

(سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

وكانت هذه الاختلافاتُ والمراتبُ في الإيمانِ والنيةِ والعملِ الصالحِ مُترتِّبةً عليها جميعُ درجاتِ الجنةِ، من أولِ درجةٍ إلى أعلى الدرجاتِ: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).

وكان مختلفًا أيضًا الكفرُ والتكذيبُ والنياتُ الفاسدةُ، وإرادةُ نشرِ الفسادِ والضرِّ بين الناسِ، ومعاداةُ الأنبياءِ، على مراتبَ مختلفةٍ ودركات، والعملُ بمعصيةِ اللهِ وإرادةُ مخالفتِه، وعليها تترتَّبُ الدركاتُ في نارِ جهنمَ، والعياذُ باللهِ تعالى، مِن أولِ دركةٍ إلى أسفلِ دركةٍ في النارِ، كلُّها تترتَّبُ على هذا الكفرِ والنياتِ الخبيثةِ والإفسادِ على ظهرِ الأرضِ.

فضل نفع الخلق وتزكية القلوب

وأكبرُ وأعظمُ ما يرفعُ درجاتِ المؤمنين نفعُهم لعبادِ اللهِ تباركَ وتعالى مِن أجلِ اللهِ، مخلصين لوجهِ اللهِ جلَّ جلالُه، ومن المنافعِ المختلفةِ، ولو مِن سقيَةِ ماءٍ أو إطعامِ لقمةٍ، و "في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ".

إلى ما يكونُ من تفريجِ الكروبِ والأحزانِ، ومِن مداواةِ المرضى، ومِن إعدادِ الأعمالِ الصالحةِ، ومِن إعدادِ المهنِ والحِرَفِ للمؤمنين ليكفُّوا أنفسَهم عن المسألةِ، ويخرجوا من البطالةِ إلى القيامِ بأمرِ اللهِ سبحانَه وتعالى في كسبِ الرزقِ الحلالِ وإنفاقِه في محلِّه، إلى جانبِ إدخالِ السرورِ على القلوبِ، إلى جانبِ ما هو أعظمُ من الدلالةِ على الهدى، ومن التعليمِ، ومن الإرشادِ إلى طريقِ الخيرِ.

ورأسُ ذلك ما يكونُ مِن تنقيةِ القلوبِ عن الشوائبِ، وما يكونُ مِن جمعِها على الربِّ الخالقِ، وما يكون تهيئة لِئن يتعرَّفَ الرحمنُ إلى هذه القلوبِ المخلصةِ الطاهرةِ النقيةِ، فتُدرِك من المعارفِ واللطائفِ ومعاني أسماءِ اللهِ وصفاتِه وعظمتِه وجلالِه ما لا يُعبَّرُ عنه، وما لا يتأتَّى ذكرُه في ألفاظٍ بأيِّ لغةٍ من اللغاتِ، ولكنها تعرُّفاتُ ربِّ الأرضِ والسماواتِ إلى القلوبِ الطاهراتِ، النقياتِ الصافياتِ.

وهذا أعلى ما يمكنُ أن يحصلَ من النفعِ، رأسُ الفتحِ لأبوابِه أنبياءُ اللهِ ورسلُه، وسيدُهم خاتمُهم نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي كنا به خيرَ أمةٍ. 

وكان هذا النفعُ لعبادِ اللهِ تباركَ وتعالى هو الأمرُ الذي تُنالُ به الدرجاتُ في هذه المعارفِ واللطائفِ، وفي المنزلةِ عند الكريمِ اللطيفِ سبحانَه وتعالى، "الخلقُ كلُّهم عيالُ اللهِ، وأحبُّهم إلى اللهِ أنفعُهم لعيالِه".

خطر الإيذاء والنفاق وعاقبة المفسدين

وكذلك ما بعد الشركِ باللهِ تعالى في الذنوبِ والمعاصي أعظمُ من إيذاءِ الخلقِ، ومن إفسادِ الخلقِ، ومِن غشِّهم، ومِن خداعِهم، ومِن إيصالِ السوءِ إليهم بأيِّ نوعٍ من الأنواعِ. 

هذا أعظمُ ما يُلقى به أصحابُه في سافلِ الدركاتِ في النارِ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، فهي مِن أشدِّ ما يكونُ في الإبعادِ عن اللهِ تباركَ وتعالى والحجابِ عنه، وفي نزولِ غضبِه وسخطِه، وفي التسفُّلِ في الدركاتِ السفلى في نارِ جهنمَ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

ولمَّا كان مِن أعظمِ الكذبِ والإيذاءِ والضرِّ بالناسِ أن يُظهِرَ الإيمانَ ويُبطِنَ الكفرَ -والعياذُ باللهِ- في النفاقِ، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى؛ لأنهم أضرُّ الخلقِ على الخلقِ -والعياذُ باللهِ سبحانَه وتعالى- مع أنواعِ فئاتِ الكفارِ، ومَن يدعو إلى الفسادِ، ومَن يدعو إلى الضرِّ، ومن يدعو إلى الأذى، أذى الناسِ ببعضهم البعض، والعياذُ باللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.

فهذه مهلكاتٌ وموبقاتٌ كلُّها تجري على ظهرِ الأرضِ، ويومُ العرضِ إنما هو حُكمٌ فيما جرى، فيما جرى على ظهرِ هذه الأرضِ، فما أعجبَ هذه الأرضَ وما يجري عليها من حينِ خلقَها اللهُ! ثم ما أعجبَ وأعجبَ وأعجبَ ما جرى فيها من حينِ خلقَ آدمَ إلى وقتِ النفخةِ في الصورِ!

فهذا أعظمُ ما كان من عمرِ هذه الأرضِ، وما جرى فيها من الوقتِ الذي قضاه اللهُ لها حتى (تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ)، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ).

التعاون على الخير ووحدة الأمة الإسلامية

ونحن في خلالِ أعمارِنا القصيرةِ نستطيعُ أن نرتقيَ وأن نعتليَ في هذه المراتبِ بتحقيقِ الإيمانِ وقوَّتِه، وإخلاصِ القصدِ لوجهِ اللهِ، ونبذلُ وسعَنا في نفعِ عبادِ اللهِ تباركَ وتعالى.

وإذا كان الأجرُ حتى في الحيواناتِ، وحتى في غيرِ الحربيِّ من الكفارِ، يُؤجَرُ المؤمنُ بإيصالِ المنفعةِ إليه، بإيصالِ الحسنةِ إليه، بإطعامِه، بسَقيِه، بكسوتِه، بتفريجِ كَربِه، بقضاءِ دَينِه، إلى أيِّ شيءٍ من الأشياءِ التي ينتفعُ بها الآخرون، فكيف بالمؤمنين؟ وكيف بالمسلمين؟

وبارك اللهُ في إخوانِنا هؤلاءِ الذين أتوا من إندونيسيا من الدكاترةِ، وقاموا بعددٍ من العملياتِ خلالَ هذا الأسبوعِ في تريمَ وما حواليها في وادي حضرموتَ، في محلِّ حاجةٍ من حاجاتِ المسلمين الموزَّعةِ في كثيرٍ من الأقطارِ.

والمسلمون بأطبائِهم ومهندسيِهم، وبأربابِ الحِرَفِ فيهم، وأربابِ الأعمالِ المختلفةِ، فيهم مَن يكفي فقيرَهم، ومن يكفي محتاجَهم، ومن يكفي من أهلِ القلوبِ والوجهةِ إلى اللهِ، إذا بذلوا الأمرَ في محلِّه ووضعوه في مكانِه.

وهذه وحدةُ المؤمنين التي رضيَها اللهُ وأمرها وأمر بها وكتبها، والتي تشقُّ على إبليسَ عدوِّ اللهِ، والذي يدعو إلى تفتيتِها، وهِمَّتُه أن يُحرِّشَ بين المسلمين، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، ويُباعدَ بين المؤمنين، ويضربَ بعضَهم ببعضٍ. 

دفع اللهُ شرَّه وشرَّ أوليائِه من الإنسِ والجنِّ عنا وعن المسلمين، عن يمنِنا وعن شامِنا، وعن الحرمين الشريفين، وعن الشرقِ والغربِ، وعن المسلمين في جميعِ أقطارِ الأرضِ، اللهم ادفعْ عنا كيدَ الشيطانِ وجندِه، واجمعْ شملَ المسلمين.

مسؤولية الجوارح ومحاسبة النفس

وعلى المؤمنين أن يبذلوا وسعَهم في كلِّ ما قدروا أن يتنافعوا به، وأن ينفعوا مَن نفعُهم يُقرِّبُهم إلى الربِّ جلَّ جلالُه، حتى من الحيواناتِ؛ فإنّ المؤمنين في العالمِ رحمةٌ على الخلائقِ؛ لاتِّباعِهم نبيَّ الرحمةِ الذي ما بُعِث ولا أُرسل إلا رحمةً للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

كذلك يجبُ أن نكونَ، وكذلك يجبُ أن نتخلَّصَ من أهوائِنا، ومن شرِّ نفوسِنا، ومن سيئاتِنا، وأن نصدقَ مع اللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في علاه، ونتجنَّبَ الظلمَ، ونتجنَّبَ العدوانَ، حتى بالنيةِ وبالخاطرِ وبالتصوُّرِ الباطنيِّ، فضلًا عن الكلامِ، فضلًا عن الفعلِ؛ فإنها مسؤوليات! (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، يقولُ ربُّنا جلَّ جلالُه.

مسؤولية أمامَ مَن؟ والذي إليه المرجعُ والحُكمُ سيسألُك عمَّا كان مِن سمعِك وبصرِك وفؤادِك. 

فاللهُ يُسيِّرُ أسماعَنا فيما يحبُّه منا، وأبصارَنا فيما يحبُّه منا، وأفئدتَنا فيما يحبُّه منا ويرضى به عنا، حتى لا نتعرَّضَ إلى الخزيِ يومَ القيامةِ، ولا إلى الندامةِ، وبِئست الندامةُ ندامةُ يومِ القيامةِ، ولا إلى الفضيحةِ، ولا إلى العارِ في ذلك اليومِ.

واجتماعاتُكم بما فيها مِن كسوةِ الاتصالِ بالحقِّ وبرسولِه ﷺ، وبسندِ الأكابرِ عن الأكابرِ، في مثلِ هذه البلدانِ التي رُوعيَت بعينِ اللهِ سبحانَه وتعالى، مِنَّةٌ عليكم من اللهِ، يجبُ أن تصطبغوا بصبغتِها من شكرِ اللهِ تباركَ وتعالى، والأدبِ معه، والخضوعِ لجلالِه جلَّ جلالُه وتعالى في علاه. 

وهيَّأ اللهُ لكم سبحانَه وتعالى ما تنالون به العبادةَ والطاعةَ على قدمِ الاقتداءِ والاهتداءِ، وأنتم في لطفٍ وفي عافيةٍ وفي طمأنينةٍ.

الدعاء بكشف البلايا وحفظ الأمة

والنوازلُ والبلايا يكشفُها اللهُ عنا وعن المسلمين، كلُّ ظالمٍ، وكلُّ معتدٍ، وكلُّ معاندٍ، وكلُّ طاغٍ، وكلُّ مبعود عن اللهِ، وكلُّ مؤذٍ لعبادِ اللهِ، يصرفُ اللهُ شرَّهم عنا وعن يمنِنا وعن شامِنا وعن شرقِنا وعن غربِنا. 

يحفظُ الحرمينِ الشريفينِ، ويُخلِّصُ بيتَ المقدسِ ويحميه ويجعلُ فيه أهليه، ويُخلِّصُ المسلمين في غزةَ والضفةِ وفي الشامِ وفي اليمنِ وفي الشرقِ وفي الغربِ، من جميعِ البلايا والآفاتِ، ومن شرِّ المعتدين والظالمين والغاصبين والمفترين والمجترئين.

ولكنّ هذه الأمةُ إذا وجَّهت نظرَها إلى اللهِ، ورأى اللهُ في قلوبِها صِدقًا معه واعتمادًا عليه، كشفَ الشدائدَ عنهم ودفع البلايا عنهم، (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ)، قل هو من عندِ أنفسِكم، (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ).

وهذه التي قد أشارت النبوةُ إلى ظهورِها، وكثرةِ الهَرْجِ: القتلِ القتلِ.. والمؤمنُ الصادقُ المخلصُ يشقُّ عليه حتى يسمعَ أنّ مسلمًا أصابته شوكةٌ في رجلِه، يشقُّ عليه ذلك، ويُحبُّ ألَّا يصيبَ المسلمين شيءٌ، فكيف بانتهاكِ الحُرماتِ؟ وكيف بسفكِ الدماءِ؟ والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، كلُّ ذلك من المصائبِ التي حلَّت بالأمةِ.

فاللهُ يردعُ ويقطعُ كلَّ ضالٍّ ومُفسدٍ، وكلَّ معتدٍ وظالمٍ، وكلَّ غاصبٍ، وكلَّ مجترئٍ، وكلَّ مخالفٍ للهِ ولرسولِه صلى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلم، ومخالفٍ لما جاء به شرعُ اللهِ وشرع رسوله ﷺ، ويدفع شرَّهم عن جميعِ المسلمين، ويُديمُ لنا في يمنِنا وشامِنا الإيمانَ والبركةَ التي دعا بها سيدُ الأنامِ ﷺ، وفي جميعِ أقطارِ الأرضِ، وفي هذه الأمةِ التي هي خيرُ الأممِ.

البركة في الأمة والدعاء للحاضرين والسامعين

ومهما كثرَ فيها من ضلالٍ ومن فسادٍ ومن انتشارِ شرورٍ، فلا ينقطعُ الخيرُ عنهم، ويختارُ اللهُ لهم من يشاءُ من القلوبِ، ويختارُ اللهُ لهم من يشاءُ من الأفئدةِ وأهلِ الوجهةِ إليه جلَّ جلالُه، واللهُ يجعلنا وإياكم منهم. 

ويبارك في الجَمع، ومن حضرَ عندكم من أستراليا ومن غيرِها من أقطارِ الأرضِ، وكل ما يريدون به نفعَ أنفسِهم وعيالِهم ونفعَ المسلمين في المشارقِ والمغاربِ. فالمؤمنون كالجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمى.

ويُسهِّلُ اللهُ الطريقَ لهؤلاءِ في ذهابِهم إلى العمرةِ وزيارةِ المصطفى ﷺ، ويُعيدُهم إلى بلدانِهم في سرورٍ وأُنسٍ وحبورٍ، وينظرُ إلى الجَمعِ ومن فيه، وينظرُ إلى المستمعين وإلى المشاهدين في كلِّ مكانٍ نظرةً ربانيةً يُنوِّرُ بها قلوبَهم، ويُصفِّيها، ويُنقِّيها عن جميعِ الشوائبِ، ويُرقِّيها في قوةِ الإيمانِ واليقينِ، حتى يزدادون في علمِ اليقينِ وعينِ اليقينِ وفي حقِّ اليقينِ، نصيبًا في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ليلةٍ.

ويزدادون بالصحةِ في النياتِ وإخلاصِ الوجهِ لعالمِ الظواهرِ والخفياتِ، ربِّ الأرضِ والسماواتِ، (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، كما قال جلَّ جلالُه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).

ويُسخِّرُ بعد ذلك أعضاءَهم لطاعاتِه، فيعمرُ جسدَ كلِّ حاضرٍ، وكلِّ سامعٍ، وكلِّ مستمعٍ، وكلِّ متعلِّقٍ بالمؤمنين، يعمرُ جسدَ كلِّ واحدٍ بأنوارِ طاعتِه من رأسِه إلى قدمِه، ولا يجعل العيونَ إلا طائعةً، والآذانَ طائعةً، والألسُنَ طائعةً، والفروجَ طائعةً، والبطونَ طائعةً، والأيديَ طائعةً، والأرجلَ طائعةً، ويعمرُ القلوبَ بأنوارِ معرفتِه، ويعمرُ سبحانَه وتعالى الأرواحَ بأنوارِ محبتِه، ويعمرُ الأسرارَ بأنوارِ مشاهدتِه.

ابتهال ومناجاة

يا ربِّ اجعلنا مِمّن يعبدُك كأنَّه يراك، يا من يرانا، يا مَن يطَّلعُ على خفايانا، يا مَن هو أعلمُ بما في ضمائرِنا منا، لا إله إلا أنت، نحن بين يديك، والحالُ لا يخفى عليك، انظر إلينا يا كريمُ، جُد علينا يا رحيمُ، أصلحْ هذه القلوبَ ونقِّها عن كلِّ شوبٍ، واسقنا من أحلى مشروبٍ، واكشف جميعَ الكروبِ عنا وعن أمةِ حبيبِك المحبوبِ.

يا اللهُ، يا أكرمَ مَن يُدعى وأعظمَ مَن يُجيبُ، يا أعظمَ مَن يُسألُ وأكرمَ من يُعطي، لا إله إلا أنت، والعطاءُ عطاؤُك، والأمرُ أمرُك، والحُكمُ حكمُك، والمملكةُ مملكتُك، والأرضُ أرضُك، والسماءُ سماؤُك، والعِبادُ عبادُك.

يا من لا إله إلا هو، نستغيثُك بمحبوبِك محمدٍ، وما أنزلتَ عليه، أن تُغيثَ أمتَه، وأن تُدرك أمتَه، وأن تُصلح أمتَه، وأن تكشفَ كربَ أمتِه، وأن تجعلنا في خيارِ أمتِه، وأن تجعلنا في أنفعِ أمّتِه لأمّتِه، وأبركِ أمتِه على أمتِه، يا حيُّ يا قيومُ، وأن تنفعنا بأمتِه عامةً وبخاصَّتِهم خاصةً. يا محوِّلَ الأحوالِ، حوِّلْ حالَنا والمسلمين إلى أحسنِ حالٍ.

أنتم بين يديه فتوجَّهوا إليه، وتذلَّلوا له، واسألوه واطلبوه بقلوبٍ يعلمُ صدقَها، ويعلمُ طُهرَها ونقاءَها، يا رب، ومن كان في قلبِه شائبةٌ، فمَن نسألُه أن يُطهِّرَه منها؟ مَن نسألُه أن يُصفِّيَه منها؟ ما لنا غيرُك يا ربِّ.

انظر إلى كلِّ قلبٍ منا أجمعين، ومن يتابعُنا، وصَفِّ قلوبَهم يا مُصفِّي القلوبِ، ونقِّها يا مُنقِّي القلوبِ عن كلِّ علةٍ، وعن كلِّ غلٍّ، وعن كلِّ شوبٍ، يا حيُّ يا قيومُ تداركنا، يا حيُّ يا قيومُ أغِثنا، يا حيُّ يا قيومُ أصلح شأنَنا.

اللهم وجهتُنا إليك، والحالُ لا يخفى عليك، فتداركنا وأمةَ النبيِّ محمدٍ، أصلِح اللهم شأنَ اليمنِ، وشأنَ الشامِ، وشأنَ الشرقِ، وشأنَ الغربِ، يا مُصلح الصالحين، واكفنا البلايا والرزايا، وأرِنا في الأمةِ وأسمعنا ما تقرُّ به عينِ نبيِّك، وما يُسَرُّ به قلبُ نبيِّك.

يا حيُّ يا قيومُ، أغِثنا يا مغيث، برحمتِك نستغيث، ومن عذابِك نستجير، أصلح لنا شأنَنا كلَّه، ولا تكِلنا إلى أنفسِنا ولا إلى أحدٍ من خلقِك طرفةَ عينٍ، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

يا أرحمَ الراحمين يا أرحمَ الراحمين ** يا أرحمَ الراحمين فرِّجْ على المسلمين

عطاك ربِّ جزيل وكل فعلك جميل ** وفيك أملنا طويل فجدْ على الطامعين

يا أرحمَ الراحمين يا أرحمَ الراحمين ** يا أرحمَ الراحمين فرِّجْ على المسلمين

يا ربّ ضاق الخناق من فعل ما لا يُطاق ** فامنن بِفَكِّ الغلاق لمن بذنبه رهين

يا أرحمَ الراحمين يا أرحمَ الراحمين ** يا أرحمَ الراحمين فرِّجْ على المسلمين

واغفر لكل الذنوب واستر لكل العيوب **واكشف لكل الكروب واكفِ أذى المؤذيين

يا أرحمَ الراحمين يا أرحمَ الراحمين ** يا أرحمَ الراحمين فرِّجْ على المسلمين

 

تاريخ النشر الهجري

11 جمادى الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

22 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية