(639)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 485 - كتاب البيع: 33 - فصل: ضمان الدرك، وباب التفليس والحجر
صباح الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"فصل: وكان ﷺ يرى أن ضمان درك المبيع على البائع إذا خرج مستحقاً ويقول: "من سرق له متاع أو ضاع منه شيء، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: لزم رجل غريمًا له بعشرة دنانير فقال: ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل فتحمل لها رسول الله ﷺ فأتاه بها من وجه غير مرضي فقضاها رسول الله ﷺ عنه وقال: "الحميل غارم"، وكان الوجه المذكور هو أنه أصابها من معدن كما في رواية أخرى، فلما قال له ﷺ: "من أين هذا الذهب؟" قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيه ليس فيها خير ثم قضاها رسول الله ﷺ، والله سبحانه وتعالى أعلم".باب التفليس والحجر وبيان فضل إنظار المعسر
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، يعني شكايته وحبسه. وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ: تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه، وقال لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ومن وجد سلعة باعها من رجل عند ذلك الرجل وقد أفلس فهو أحق بها من غيره"، وفي رواية: "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا فهو له"، وفي رواية: "أيما رجل باع متاعًا أفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، وكان سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- يقول: إياكم والدين فإن أوَّله هم وآخره حرب".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرِمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يتحدث الشيخ -رضي الله عنه- في هذا الفصل عن ضمان الدَّرَك، وذلك أن يضمن ضامنٌ لبائع إذا باع ثمن المشتري لو خرج الثمن مستحقًا ليس من حقه وليس من مُلكه أن يسلِّم له الثمن، أو يضمن للمشتري إذا أخذ البضاعة من البائع أن البضاعة لو خرجت مستحقة -أي: ليست للبائع- أنه يردُّ إليه ثمنه.
"وكان ﷺ يرى أن ضمان دَرَكَ المبيع على البائع إذا خرج مستحقًا"، بحيث إنه الضامن يؤدي ولكن لا تبرأ بذلك ذمة من خرج المال مستحقًا الذي في يده، سواء كان البائع أو المشتري.
ويقول: "من سرق له متاع أو ضاع منه شيء فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن"، إذا أخذ السارق المتاع وباعه على واحد، وقد يبيعه الواحد على الثاني والثالث؛ فإذا وجد صاحب المتاع متاعه بعينه فهو أحق به -أي: مالكه-، ويرجع الذي اشترى على المشتري ويرجع المشتري على البائع الذي باع عليه، وإن كان الثاني البائع أيضًا اشترى فيرجع على البائع، حتى يستقر الحال على الذي اختطفه أو سرق ذلك المال، وصاحب المال أحق بماله ما دام موجودًا بعينه.
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: لزم رجل غريمًا له بعشرة دنانير فقال ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، -يعني:كفيل لك- فتحمل لها رسول الله ﷺ فأتاه بها من وجه غير مرضي، -كما فسَّره- قال: "من أين هذا الذهب؟ قال: من معدن: قال لا حاجة لنا فيه ليس فيها خير، أي: في ضم هذا الذهب والفضة ونحوها وإنما الخير في إخراجها، وقضاها رسول الله ﷺ من عنده- فقضاها رسول الله ﷺ عنه وقال: "الحميل، -أي: الكفيل- غارم".
فيقول الشافعية: إن ضمان الدَّرَك يُشترط له:
ثم ذكر بعد ذلك "باب التفليس والحجر وبيان فضل إنظار المعسر"
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ليُّ الواجد ظلم"، الواجد: الذي يجد ما يستطيع الوفاء به وما يستطيع به قضاء دَين وأداء الحق، ويجد ذلك ولكنه يَلْوِي ويتملص ويراوغ ويؤخر القضاء، "ليُّ الواجد ظلم"، كما جاء في الرواية الأخرى: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ"، أي: مماطلته ومراوغته ظلم. "ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، يعني؛ شكايته، وعقوبته يعني: حبسه.
"ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، يشير إلى أن للنفوس البشرية آفات وتتشبث بالمال ويثقل عليها أداء الحق الذي عليها، فحذَّر ﷺ وزكَّى هذه النفوس بوضع هذه التنبيهات والأحكام.
وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثُرَ دينه فقال رسول الله ﷺ: تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه، وقال لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك، ومن وجد سلعة باعها من رجل عند ذلك الرجل وقد أفلس فهو أحق بها من غيره"، وفي رواية: "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا فهو له"، ما دامت موجودة بعينها، فصاحبها أحق بها دون بقية الغرماء.
يقول: فيما تقدم معنا من حبس أيضًا الكفيل إذا امتنع عن الوفاء، مثل الواجد الذي لا يؤدي ما عليه يُحل عرضه وعقوبته لَيُّه في ذلك؛ فكذلك الكفيل بمال المستحق إذا لم يُوفِ المكفول ما عليه أو مات معسرًا؛ لتخلُّفِه عما التزمه، وذمته مضمومة إلى ذمة المكفول بالمطالبة، فجاز حبسه كما يجوز حبس الأصل، كما قال لنا: "الحميل غارم".
وجاء عن شُريح القاضي قال: لا يُحبس الكفيل إذا غاب المكفول حيث لا يجب عليه إحضاره.
ثم إن الإفلاس معناه في الاصطلاح: أن يكون الدَّين الذي على الرجل أكثر من ماله، سواء لم يكن له مال أصلًا أو له مال إلا أنه أقل من مقدار دَينه، مَن غَلَب دَينُه مالَه سُمِّي مُفْلِسًا؛ لأنه مهما كان عنده مال كثير والدَّين أكثر منه فهو مستحق الصرف في جهة دَينه فكأنه معدوم، فيُسمَّى لذلك مُفْلِسًا، فيجعل الحاكمُ المَدينَ مُفْلِسًا بمنعه من التصرف في ماله، وليقوم به الحَجْرُ على المُفْلِس.
يقول: "أيما رجل باع متاعًا أفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، شأنه شأن واحد من الغرماء.
"وكان سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- يقول: إياكم والدين فإن أوَّله هم وآخره حرب"، فلا يكون إلا لما ذكرنا من ضرورة وحاجة أو مقصد حسن مع نية الوفاء، وإلا فالدَّين لغير ذلك شَيْن الدِينِ.
وتقدم معنا أنه ﷺ حذَّر من وفاة المرء وعليه دَين، وأخبر أنه تُحبس روحه حتى يُقضى عنه دينه، إلى غير ذلك مما ورد من التحذير، وأنه ﷺ قال في الذي يأخذ الدَّين وهو ينوي ألا يفي به إنه سارق، إنه عند الله -سبحانه وتعالى- يُعدُّ سارقًا ما دام له نية أن يماطل في القضاء وألا يقضي الذي عليه.
فإذا وجد الغريم عين ماله فهو أحق به إذا وقع الحَجْر على المُفْلِس، فوجد أحد أصحاب الدُّيون نفس المال الذي أعطاه إياه، عين المال التي باعها لهذا المُفْلِس وأقبضها له، فإذًا هنا قول العلماء:
وقال رضي الله عنه وعنكم:
"فصل: وكان ﷺ يحجر على المدين ويبيع ماله في قضاء دينه: "وحجر النبي ﷺ على معاذ بن جبل -رضي الله عنه- في ماله وباعه في دين كان عليه، وكان معاذ شابًّا سخيًّا وكان لا يمسك شيئًا فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه فكلمهم رسول الله ﷺ فأبوا فباع رسول الله ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء". وكان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- يستحلفان من ادعى الإعسار بالله -تعالى- إنه لا يجد ما يقضيه من عرض ولا ناضٍّ ولئن وجدت من حيث لا تعلم لتقضيه ثم يخليان سبيله، وكان عثمان وعلي -رضي الله عنهما- يحجران على المبذر في ماله ويمنعانه من التصرف حتى ينصلح حاله، وكان ﷺ يقول: "لا يُتْمَ بعد احتلام"، وكان ﷺ يرى البلوغ بالاحتلام أو ببلوغ خمسة عشر سنة، وكان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- يقول: احتلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، وكان الحسن بن صالح -رضي الله عنه- يقول: أدركت جارة لنا كانت جدة ولها إحدى وعشرون سنة".
وقال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول للصحابة يوم قريظة "من أنبت يعني عانته فاقتلوه ومن لم ينبت خلوا سبيله"، وفي رواية: "من كان محتلمًا أو أنبت عانته قتل ومن لا ترك"، وكان ﷺ يقول ذلك اليوم كثيرًا: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم"، والشرخ الغلمان الذين لم ينبتوا".
لأن سيدنا سعدا حكم فيهم بقتل مقاتلتهم؛ وهم البالغون من رجالهم، فكان يتعذر في بعض الشباب أنه لم يبلغ بعد، فجعل علامة البلوغ الإنبات.
"وكان يحجر على المدين ويبيع ماله في قضاء دينه" حتى جاء لسيدنا معاذ -عليه رضوان الله- كان شاب سخي لا يمسك شيء، وينفق ينفق، يتديَّن يتديَّن، ينفق ينفق، "حتى أغرق ماله كله في الدين، وأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه"، وليساعدوا ويحطوا عنه شيئاً، كلّمهم فأبوا إلا أن يردون حقهم كامل، "فباع عليه الرسول ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء"، وهكذا إذا أعسر ولم يستطع الوفاء بالدين.
وما تقدم معنا من المسألة: أن من وجد عين المال في مال المفلس فهو أحق به من غيره؛ إنما يكون ذلك بشروط:
وكذلك ألا يكون هذا المبيع زاد زيادة متصلة، كيف؟ مثل السِّمَن والكِبَر، وكذلك تجدد الحمل ونحو هذا:
يقول -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-: "وكان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- يستحلفان من ادعى الإعسار بالله" ، يقول: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ)[البقرة:280]، "أنه لا يجد ما يقضيه"، لا هناك "عَرَض ولا نَاض" يعني: دنانير ولا دراهم، "ولئن وجدت من حيث لا تعلم لتقضيه ثم يخليان سبيله" إذا حلف على ذلك.
وكان "سيدنا عثمان وعلي -رضي الله عنهما- يحجران على المبذر في ماله"، الذي ينفقه إنفاقاً زائداً على المعتاد وفي غير المصلحة، يمنعانه من التصرف حتى ينصلح حاله.
و يقول: "لا يُتْمَ بعد احتلام"، فإنما اليتيم الصبي غير البالغ، فإذا بلغ انتقل إلى حد الرجولية وانتفى عنه اليُتم.
وذكر علامات البلوغ بعد ذلك: إما "بالاحتلام، أو ببلوغ خمس عشرة سنة" كما عليه الجمهور، وفي قول عند الحنفية أنه بثماني عشرة سنة، وقيل: إن ذلك سِنُّ الرُّشد، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء:6].
"وكان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- يقول: احتلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، الحسن بن صالح -رضي الله عنه- يقول: أدركت جارة لنا كانت جدة ولها إحدى وعشرون سنة" كيف هذا؟ يقول: إنها بلغت صغيرة وهي بنت تسع فتزوجت فحملت، فجاءت أيضاً ببنت بلغت وهي في تسع، فتزوجت وجاءت ببنت، فصارت ذيك جدة وعاد سنّها إحدى وعشرون سنة، تسع حقها وتسع حق بنتها ثماني عشرة، وفي خلال حَمْل ذي وحَمْل ذيك، وعادها بنت إحدى وعشرين سنة وقدها جدة، ومعها بنت وبنت بنت، وهذا يحصل نادراً.
يقول" وقال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول للصحابة يوم قريظة: "من أنبت.."، فجعل ذلك علامة.
وقال الشافعية إنما العلامات:
رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وفرّج كروبنا وكروب المسلمين في المشارق والمغارب، ودفع الأسواء عنا وعن أهل لا إله إلا الله، وألهمنا الرشد في الحركات والسكنات، وأعاذنا من كل موجب حَزَنٍ وندامة في الدنيا والبردخ الفضل ويوم القيامة، وأصلح شؤون الأمة، وكشف الغمة عنا وعنهم، وجلا كل ظلمة، ودفع كل نقمة، وعاملنا بمحض الجود والفضل والرحمة، وختم لنا بالحسنى في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 ربيع الثاني 1448