(639)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 478 - كتاب البيع: 26 - باب معاملة العبيد
صباح الإثنين 18 ربيع الأول 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب
معاملة العبيد
"كانت الصحابة -رضي الله عنهم- يرسلون عبيدهم في تجارتهم وقبض ديونهم ونحو ذلك لا يرون به بأسًا، وتقدم قوله ﷺ أوائل باب البيوع: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ على شريعته الغرَّاء، وبيان أحكامه على لسان عبده خير الورى، سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله مَن حُبُوا به طُهرا، وأصحابه الكرام مَن نالوا به قدرًا، وعلى من والاهُم واتبعهم بإحسان سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الفضائل والشمائل الكُبراء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقرَّبين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ما كان من الصحابةِ في استعمال مَمْلوكيهم وأرِقَّائهم في التجارات وقبض الديون ونحوها مما يكلفونهم به.
وذلك أنَّ المُقرَّر في المذاهب أن المملوك هو لسيده -هو وما يملكه- فلا يجتمع مُلْكٌ تحته مُلك؛ ولكن يمكن للمالك السيِّد أن يأذن لمملوكه في التجارة ليتَّجر له.
وقرأنا أيضًا في الحديث الثاني أمرَهُ ﷺ أنَّه مع إيكالهم المملوكين والأرقَّاء في التجارة ونحوهم، ينبغي ألا يتكاسلوا هم وهم يقدرون، ولا يتخلَّفوا ويتركوا أمثال هذا الكسب الطيِّب على مواليهم، وقال: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة"؛ أي: لا تتركوها لهم وأنتم تتركون القيام بهذا المكسب المشروع، ونوع من أنواع المكاسب الذي يترتَّب عليه خير كثير في المجتمعات، ويجعل الله لأهل الصدق فيه بركة، وهو التجارة.
فإذا كان هذا أتى لموالينا المملوكين، فكيف أيضًا تُترك للكفّار ونحوهم هذه الأمور ويتركها المسلمون! فتمتد أيدي الكفار إلى شيء من الانبساط على واقع المسلمين وعلى حالهم بسبب ما بأيديهم من الحِرَف والتجارات وما إلى ذلك. بل لا ينبغي أن يغلبوننا على ذلك، ويكون من بيننا من يتولَّى القيام بهذه الحِرَف وبشؤون التجارة حتى يكون ذلك أدعى لجمع شمل المسلمين، ولقوَّتهم وقوة كلمتهم في الواقع والمجتمع.
ثم أنه إذا أَذِن المالك والسيد لرقيقه ومملوكه أن يتَّجر:
جازت له التجارة. فيجوز للسيد يأذن لرقيقِه بالتَّصرف والمُتاجرة. وهذا أيضًا متفقٌ عليه بين الأئمة؛ لأن الحَجْر عليه إنما كان لحق سيده؛ فإذا سيدهُ أذِنَ له في شيء من هذا، ارتفع عنه الحَجْر فيما أذِنَ له فيه.
أما لو رأى مملوكه يتصرف مثلًا في التجارة ولم ينكر عليه؟
إلا أنهم فرَّقوا بين الإذِن المقصود وبين قصد الاستخدام:
ولكن إذا دلت القرينة على الإذن عندهم وإن لم يتكلم، فعندهم يدخل في المأذونية ويصير مأذونًا له بإقرار سيده له على ذلك، أو جاء له ببضاعة وحطَّها في يديه وقال له: اقعد بِع! فهذا إذن.
ثم أنه إذا أذِن له أو ملَّكه سيده شيئًا، فهل يملك الرقيق شيئ؟
إذا لم يُملِّكه السيد فلا يملك باتفاق، لكن لأن سيده يملك عينه ومنافعه؛ فما حصل بسبب ذلك يجب أن يكون لسيده.
لكن إذا ملَّكه سيده مالًا، فهل يدخل ذلك المال في ملك المملوك؟
وهكذا إذا قلنا أنه يملك كما هو القول عند المالكية ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل وعليه زُفَر: إذا قلنا إنه يملك فهل عليه زكاة؟ أو مُلكه ليس بتام؟ وهل يُضحي ويُسَنُّ له الأضحية؟ وهل تكون كفارته باليمين ونحوه بالإطعام لأنه قادر؟
وعلى القول بأنه يملك، فالمُلك بما ملكه سيده غير تام؛ وهو لا يملك أصلًا عند الحنابلة والشافعية، هو ما يملك أصلًا فلا يجوز شيء من ذلك.
ثم انتقل إلى باب السَّلَم ويُقال له: السَّلَف، يأتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى.
فقهنا الله في دينه، ورزقنا حُسن متابعة عبده وحبيبه وأمِينه، وأصلح لنا جميع الشؤون للمؤمنين والمؤمنات في الظواهر والبطون، وفرَّج الكروب، وأصلح القوالب والقلوب، وجعلنا ممَّن يهدون بالحق وبه يعدلون، واثبَتنا في ديوان المصطفى، وجعلنا في أهل الصدق والوفاء، وأصلح لنا سبحانه الظاهر والخفاء، وتولَّانا بما هو أهله، وأصلح لنا وللأمة الشأن كله في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
21 ربيع الأول 1448