كشف الغمة - 478 - كتاب البيع: 26 - باب معاملة العبيد
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 478 - كتاب البيع: 26 - باب معاملة العبيد
صباح الإثنين 18 ربيع الأول 1448هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- استعانة الصحابة بمماليكهم في التجارة
- "لا يغلبنكم الموالي على التجارة" توجيه نبوي يحمي اقتصاد الأمة
- أحكام العبد المأذون له بالتجارة وهل ينفك حجره؟
- هل يثبت الإذن في التجارة بالسكوت والقرائن أم يقتصر على القول؟
- "العبد وما ملك لسيده" فهل يملك الرقيق شيئا إذا وهبه سيده؟
- أثر تمليك العبد في الأحكام
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب
معاملة العبيد
"كانت الصحابة -رضي الله عنهم- يرسلون عبيدهم في تجارتهم وقبض ديونهم ونحو ذلك لا يرون به بأسًا، وتقدم قوله ﷺ أوائل باب البيوع: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ على شريعته الغرَّاء، وبيان أحكامه على لسان عبده خير الورى، سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله مَن حُبُوا به طُهرا، وأصحابه الكرام مَن نالوا به قدرًا، وعلى من والاهُم واتبعهم بإحسان سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الفضائل والشمائل الكُبراء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقرَّبين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ما كان من الصحابةِ في استعمال مَمْلوكيهم وأرِقَّائهم في التجارات وقبض الديون ونحوها مما يكلفونهم به.
وذلك أنَّ المُقرَّر في المذاهب أن المملوك هو لسيده -هو وما يملكه- فلا يجتمع مُلْكٌ تحته مُلك؛ ولكن يمكن للمالك السيِّد أن يأذن لمملوكه في التجارة ليتَّجر له.
وقرأنا أيضًا في الحديث الثاني أمرَهُ ﷺ أنَّه مع إيكالهم المملوكين والأرقَّاء في التجارة ونحوهم، ينبغي ألا يتكاسلوا هم وهم يقدرون، ولا يتخلَّفوا ويتركوا أمثال هذا الكسب الطيِّب على مواليهم، وقال: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة"؛ أي: لا تتركوها لهم وأنتم تتركون القيام بهذا المكسب المشروع، ونوع من أنواع المكاسب الذي يترتَّب عليه خير كثير في المجتمعات، ويجعل الله لأهل الصدق فيه بركة، وهو التجارة.
فإذا كان هذا أتى لموالينا المملوكين، فكيف أيضًا تُترك للكفّار ونحوهم هذه الأمور ويتركها المسلمون! فتمتد أيدي الكفار إلى شيء من الانبساط على واقع المسلمين وعلى حالهم بسبب ما بأيديهم من الحِرَف والتجارات وما إلى ذلك. بل لا ينبغي أن يغلبوننا على ذلك، ويكون من بيننا من يتولَّى القيام بهذه الحِرَف وبشؤون التجارة حتى يكون ذلك أدعى لجمع شمل المسلمين، ولقوَّتهم وقوة كلمتهم في الواقع والمجتمع.
ثم أنه إذا أَذِن المالك والسيد لرقيقه ومملوكه أن يتَّجر:
جازت له التجارة. فيجوز للسيد يأذن لرقيقِه بالتَّصرف والمُتاجرة. وهذا أيضًا متفقٌ عليه بين الأئمة؛ لأن الحَجْر عليه إنما كان لحق سيده؛ فإذا سيدهُ أذِنَ له في شيء من هذا، ارتفع عنه الحَجْر فيما أذِنَ له فيه.
- ويقول الشافعية والحنابلة: أن هذا الإذن يتحدَّد بمقدار ما أذِنَ له فيه السيد؛ أي: إن عيَّن له بضاعة معينة، أو عيَّن له وقتًا معينًا، فلا يتصرف إلا بمقدار ما أذِن له السيد، فينفك عنه حَجْره بقدر ما أذن له فقط، ويستمر الحَجْر عليه في كل ما لم يأذن له فيه السيد.
- فإذا دفع إليه مالًا مثلًا ليتّجر به، كان له أن يبيع ويشتري ويتّجر فيه.
- وكذلك إن أذِن له أن يشتري في ذمته جاز.
- وإن عيَّن له نوعًا من المال يتّجر فيه جاز، ولم يكن له الاتجار في غيره؛ أي أنه هذا الذي أذن له فيه سيده.
- ولم يجز له أن يؤجر نفسه كذلك، ولا أن يؤجر مال التجارة مثل دوَّابّها ونحوها، ولا يتوكل لإنسان؛ لأن الإذن ما اقتضي ذلك، فالأمر مُختصٌ بما أذِنَ له فيه.
- ويقول زُفَر من الحنفية وغيره من الأئمة: أنه يتصرف الرقيق المأذون بالوكالة والنيابة عن سيده في كل شيء، والإذِن يكون بالقول.
أما لو رأى مملوكه يتصرف مثلًا في التجارة ولم ينكر عليه؟
- فالجمهور قالوا: ما يكفي هذا ولا يكون بذلك مأذونًا له.
- لكن قال الحنفية: يثبُت الإذن للعبد في التجارة يثبت له أي دلالة تدل على رضا مالكه وسيده، فلو رأى السيد عبده يبيع ويشتري فسكت، صار العبد مأذونًا له.
إلا أنهم فرَّقوا بين الإذِن المقصود وبين قصد الاستخدام:
- فإذا أرسله في حاجة يشتريها له، فهذا الإستخدام ما هو إِذن، فيُحضر له الحاجة ويأتيه بها، فهذه القرينة فيه قائمة له على الإستخدام لا على الإذن.
ولكن إذا دلت القرينة على الإذن عندهم وإن لم يتكلم، فعندهم يدخل في المأذونية ويصير مأذونًا له بإقرار سيده له على ذلك، أو جاء له ببضاعة وحطَّها في يديه وقال له: اقعد بِع! فهذا إذن.
- فقال الحنفية: إن هذا الرجل المأذون ينفكُّ عنه الحَجْر فيما هو من باب التجارة.
- وكذلك المالكية يقولون: إن السيد إذا أذِن للعبد في نوع من التجارة، كان كوكيلٍ مفوضٍ له.
- والحنفية يقولوا: لا، هو مأذونًا له وليس بوكيل ولا نائب عن السيد.
- وقال المالكية: يكون كوكيل مفوض فيما أذن له بل وفي غيره من باقي الأنواع إلا أنه أقعده للناس، إلا أنه لا يسوغ له الإقدام على غير ما عيَّنه له، فإن صرَّح له بمنعه من غير النوع مُنِع في كل ما أشْهرَ فيه المنع، وما لم يُشهر فيه المنع يمضي فيه عندهم، فهم في هذه الناحية قريب من قول الحنفية.
ثم أنه إذا أذِن له أو ملَّكه سيده شيئًا، فهل يملك الرقيق شيئ؟
- والقاعدة المُشتهرة عندهم: العبد وما ملَكَ لسيده.
إذا لم يُملِّكه السيد فلا يملك باتفاق، لكن لأن سيده يملك عينه ومنافعه؛ فما حصل بسبب ذلك يجب أن يكون لسيده.
لكن إذا ملَّكه سيده مالًا، فهل يدخل ذلك المال في ملك المملوك؟
- يقول أبو حنيفة وكذلك هو مذهب الثوري وإسحاق ومذهب الإمام الشافعي وفي رواية عن الإمام أحمد: أنَّه لا يملك وإن ملَّكه سيده؛ فإنه هو وما ملك لسيده، لأنه مملوك فلا يملك. لا يُتصور اجتماع ملكين على الحقيقة والكمال في مال واحد.
- قال الإمام مالك -وهو مذهب الشافعي القديم والرواية الأخرى عن الإمام أحمد بن حنبل رجَّحها ابن قُدامة عند الحنابلة-:
- أنه يملكُ إذا ملَّكه سيده؛ لإنه آدمي حي، حُجْر عليه لحق سيده، فإذا أُذن له في التملك ملك، لأن المقتضي ثابت، وهو الآدمي مع الحياة وزوال الموانع، وهكذا قالوا: قياسًا على مُلكه للنِّكاح بإذن سيده إذا أذن له أن ينكح.
- وأما إذا ملَّكه غير سيده فلا يملك.
- ومَن يقول إنه يملك إذا ملَّكه أيضًا سيده، فلسيده الرجوع في أي وقت شاء عن ذلك.
- فأما إذا مات الرقيق؛ وإن كان قد ملَّكه سيده شيئ؛ يرتفع ملكه عن المال فلا يُورَث عنه، بل يكون ماله الذي ملكه سيده لسيده لا لورثته،؛ فإن الرقَّ مانعٌ عن الإرث.
وهكذا إذا قلنا أنه يملك كما هو القول عند المالكية ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل وعليه زُفَر: إذا قلنا إنه يملك فهل عليه زكاة؟ أو مُلكه ليس بتام؟ وهل يُضحي ويُسَنُّ له الأضحية؟ وهل تكون كفارته باليمين ونحوه بالإطعام لأنه قادر؟
وعلى القول بأنه يملك، فالمُلك بما ملكه سيده غير تام؛ وهو لا يملك أصلًا عند الحنابلة والشافعية، هو ما يملك أصلًا فلا يجوز شيء من ذلك.
ثم انتقل إلى باب السَّلَم ويُقال له: السَّلَف، يأتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى.
فقهنا الله في دينه، ورزقنا حُسن متابعة عبده وحبيبه وأمِينه، وأصلح لنا جميع الشؤون للمؤمنين والمؤمنات في الظواهر والبطون، وفرَّج الكروب، وأصلح القوالب والقلوب، وجعلنا ممَّن يهدون بالحق وبه يعدلون، واثبَتنا في ديوان المصطفى، وجعلنا في أهل الصدق والوفاء، وأصلح لنا سبحانه الظاهر والخفاء، وتولَّانا بما هو أهله، وأصلح لنا وللأمة الشأن كله في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
تاريخ النشر الهجري
20 ربيع الأول 1448
تاريخ النشر الميلادي
02 سبتمبر 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(637)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(32)
(5)
(10)
(6)
(484)