كشف الغمة -138- كتاب الصلاة (30) شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 2 )

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كتاب الصلاة (30) شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 2 )

صباح السبت 29 رجب الأصب 1445هـ 

نص الدرس مكتوب:

"وكان ﷺ يقول: "من أحدث في صلاة فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "إذا رعف في الصلاة أو ذرعه القيء فليخرج فليغسل الدم أو القيء ثم يرجع فيبني على ما قد صلى ولا يتكلم". وكان ابن أبي أوفى يبصق الدم في الصلاة فيمضي فيها، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "من رأى في ثوبه دمًا وهو في الصلاة فلينصرف يغسله ويتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم، فإن تكلم استأنف الصلاة". 

وكان ﷺ يقول: "إذا أحدث الرجل وقد جلس لآخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته"، وفي رواية: "إذا أحدث الإمام في آخر صلاته حين يستوي قاعدًا فقد تمت صلاته وصلاة من ورائه على مثل صلاته" وكان ﷺ يتنزه عن الصلاة في لحف نسائه وشعرهن ثم رخّص فيه بعد ذلك فكان ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه ويعرق فيه، وتقدم في باب إزالة النجاسة أنه ﷺ كان تارة يحك المني إذا وجده في ثوبه ثم يصلي فيه، وتارة كان يغسله ويخرج به للصلاة وأثر الغسل باق، وصلى النبي ﷺ في جبة شامية من نسج المشركين، وكان عمر -رضي الله عنه- يصلي في ثياب تأتي من اليمن قيل فيها إنها تصبغ بالبول ويقول : نُهينا عن التعمق وقد لبسها من هو خير منا، يعني رسول الله ﷺ. 

قال أنس رضي الله عنه : "وصلى رسول الله ﷺ بالناس مرةً فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا ، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما، فإن لم يمسحهما فليحذفهما ويتم صلاته".

وصلى ابن عمر -رضي الله عنهما- مرةً فوجد في ثوبه دمًا فوضعه ومضى في صلاته، وكان ﷺ يقول : "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فيكونا عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه أو ليصلِّ فيهما". قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "ولقد رأيت رسول الله ﷺ يدخل كثيرًا المسجد ونعلاه في رجليه ثم يصلي وهو ما خلعهما". وكان عليّ -رضي الله عنه- يخلعهما ويضعهما في كمه ثم يصلي، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ فعل ذلك. وكان -رضي الله عنه- يخوض في طين المطر ثم يدخل المسجد يصلي ولم يغسل رجليه، وكان بعض الصحابة يحمل كثيرًا معه الإداوة في يوم الوحل فإذا وصل المسجد غسل أقدامه وصلَّى".

آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان عبده الذي جمع فيه الحسن جميعه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هو ومن اتبعه في قوله وفعله ومقصده وإرادته ووجهته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الرّحمن من خلائقه وصفوته على آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

ويواصل الشيخ -عليه رحمه الله تبارك وتعالى- ذكر الأحاديث المتعلقة بالطهارة في الصلاة، وكان آخر ما تقدم معنا من صلاته عددًا من الفرائض بوضوء واحد، وذكرنا أن تجديد الوضوء يسن عند أكثر أهل العلم فيكون على الاستحباب أو السُّنية كما جاء، واشترط الشافعية: أن يكون قد صلى بالوضوء السابق أي صلاةٍ كانت  فرضًا أو نفلًا ولو ركعتين، كذلك يقول المالكية: إنما يستحب تجديد الوضوء إذا فعل به عبادة من صلاةٍ وطوافٍ ونحو ذلك، ويقول الأحناف: يفصل بين الوضوئين بمجلس أو صلاة فإن لم يكن فصل فلا معنى للتجديد ولم يشترطوا حدوث صلاةٍ، وفي الحديث: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات". 

ثم إنه أيضًا تكلم الآن في هذا الحديث عن من أحدث في صلاته؛ فإذا بطل وضوؤه في أثناء الصلاة وجب عليه الخروج من الصلاة بالاتفاق.

قال ﷺ: ةمن أحدث في صلاة فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم".

فجاءت هنا مسائل منها:

  • أن من كان محدثًا لا تنعقد صلاته بالاتفاق وبالإجماع من البداية؛ إذا لم يكن متطهر عند إحرامه فالصلاة لا تنعقد باتفاق المذاهب والأئمة كلهم. 
  • كما أنهم قالوا: إذا تطهر وأحرم متطهرًا ثم أحدث عمدًا متعمدًا فتبطل صلاته باتفاق كذلك.

إنما الخلاف إذا سبقه الحدث وهو في الصلاة:

  •  فهذا الذي قال به الحنفية وما أشار إليه هذا الحديث: من أن الطهارة تبطل والصلاة لا تبطل فعليه أن ينصرف إلى أقرب مكان يستطيع الوضوء فيه؛ حتى لا يكثر الأفعال وأن لا يعمل شيء مناقضًا للصلاة غير قصد الطهارة، فلا يتكلم مع أحد ولا يعمل أي مبطل من مبطلات الصلاة، وينظر أقرب مكان يمكن أن يتطهر فيه فيتطهر ويخفف الأفعال ما قدر، ثم يرجع ويبني على صلاته من حيث وقف فهذا هو المقرر في مذهب الحنفية، وفي قول كذلك عند المالكية. 
  • والقول الثاني عند المالكية كما عليه أهل الشافعية والحنابلة أنه: تبطل صلاته… تبطل صلاته وإن سبقه الحدث، وعليه أن يعيد الصلاة من أولها ويكون الماضي قد بطل؛ بسبب طروء الحدث. 
  • وبذا قال أيضًا الحنفية: أن الأولى أن يستأنف الصلاة؛ للخروج من الخلاف لأجل الخروج من الخلاف، وجاء في هذا عدة روايات فكأنهم مالوا إلى نسخه. 

ويقول: "ما لم يتكلم" يعني: ما لم يعمل مبطلًا من مبطلات الصلاة عند من يقول بجواز البناء على ما مضى، وفصّلوا إذا كان بإمام أو بغير إمام وإذا كان في جماعة أو منفرد سواء. 

ويقول: "وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "إذا رعف في الصلاة أو ذرعه القيء فليخرج فليغسل الدم أو القيء ثم يرجع فيبني على ما قد صلى ولا يتكلم" وهذا موافق للمذهب الذي أشرنا إليه

"وكان ابن أبي أوفى يبصق الدم في الصلاة فيمضي فيهاويعفى عن الدم اليسير، وكذلك ما كان يخرج من غير اختيار من بثر أو جرح الإنسان فيُعفَى عنه قلَّ أو كثر ما لم ينتقل، فإن انتقل فإنما يُعفَى في المنتقل عن القليل دون الكثير.

ويرى المالكية أن الرعاف لا يفسد الصلاة، يجوز للراعف البناء على صلاته، وأخذوا بحديث: "مَن أصابه قَيْءٌ أو رُعَافٌ أو قَلْسٌ أو مَذْيٌ، فلْينصرِفْ فليتوضَّأْ، ثمَّ لْيَبْنِ على صلاتِه، وهو في ذلكَ لا يتكلَّمُ"، فالدم من النجاسات التي يجب أن يتنزه عنها المصلي، ويُعفَى عن اليسير منه في الثوب، وقدَّره الشافعية بمقدار دورة درهم البغل، فهذا المقدار يُعفَى عنه وما زاد عن ذلك لم يُعفَى عنه. 

يقول: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "من رأى في ثوبه دماً وهو في الصلاة فلينصرف يغسله ويتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم، فإن تكلم استأنف الصلاة" لعذره في البداية عنده أنه لم يرى ذلك من قبل. 

"وكان ﷺ يقول: "إذا أحدث الرجل وقد جلس لآخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته"، وفي رواية: "إذا أحدث الإمام في آخر صلاته حين يستوي قاعداً فقد تمت صلاته وصلاة من وراءه على مثل صلاته"، فمن الواجبات في الصلاة كما هو معلوم التشهد الأخير، والقعود للتشهد الأخير، ولهم نظر في تفصيل وجوب هذا الركن والذي يُعبَّر عنه ما بين الفرض وما بين الواجب عند الأحناف، القعدة الأخيرة قبل السلام، ومعنى قوله: "وقد جلس لآخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته " يعني: إذا قد قعد قَدْرَ التشهد؛ ثم طرأ عليه الحدث بعد ذلك، على كلٍّ فالجمهور يقول: أنه أيضًا بطلت صلاته وأن عليه أن يعيد الصلاة.

"وكان ﷺ يتنزه عن الصلاة في لحف نسائه وشعرهن ثم رخَّصَ فيه بعد ذلك فكان ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه ويعرق فيه، وتقدم في باب إزالة النجاسة أنه ﷺ كان تارة يحك المني إذا وجده في ثوبه ثم يصلي فيه، وتارة كان يغسله ويخرج به للصلاة وأثر الغسل باق".

  • وقال الشافعية: إن المني طاهر. 
  • وقال غيرهم: إنه نجس. 
  • ولكن كما قال الحنفية: إن كان جافًّا يطهر بحكِّه، وإن كان رطبًا فلابد من غسله.

"وصلى النبي ﷺ في جبة شامية من نسج المشركين، وكان عمر -رضي الله عنه- يصلي في ثياب تأتي من اليمن قيل فيها إنها تصبغ بالبول ويقول: نهينا عن التعمق -أي: ما من ذاك حقيقة ولا يظهر أثر- وقد لبسها من هو خير منا، يعني رسول الله ﷺ". 

"قال أنس رضي الله عنه: "وصلى رسول الله ﷺ بالناس مرة فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا ، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما، فإن لم يمسحهما فليحذفهما ويتم صلاته" أي: يبعدهما عنه ويتم صلاته. فحكمها كحكم غيرها مما يحمله المصلي يجب أن يكون طاهرًا، وفيه أيضًا قول الحنفية: بأن النجاسة تطهر بالحكَّ، وبأي نوع من أنواع الإزالة، كما أشار إلى ذلك وحمله جمهور الفقهاء على أن المراد به: النجاسة الجافة اليابسة فيكفي إخراجها من النعل، بخلاف لو كانت رطبة أو مائعة فلا بد من الغسل.

"وصلى ابن عمر -رضي الله عنهما- مرة فوجد في ثوبه دماً فوضعه ومضى في صلاته" -أخرجه في أثناء الصلاة وكان الثوب مثل الرداء- "وكان ﷺ يقول : "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فيكونا عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه أو ليصل فيهما". أي: يرتاد للنعلين موضعًا مناسبًا ولا يجعلهما عن يمينه، قال: "ولا عن يساره" قال: إذا كان عن يساره يمين غيره، إلا إن كان ما عاد أحد عن يساره؛ محل فاضي؛ وإلا الجدار وحده يمكن أن يضع عن يساره، أما دام واحد ثاني، فقد وضع نعليه عن يمين الثاني وإن كان عن يساره هو.

"وكان عليّ -رضي الله عنه- يخلعهما ويضعهما في كمه ثم يصلي، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ فعل ذلك" وهذا فعل ابن مسعود بنعليْ رسول الله، إذا دخل إلى مجلس في النعل، فكان ابن مسعود يحملهما فيضعهما -يلبسهما ذراعه- يحطهما في الذراع حقه، حتى يخرج ﷺ يقدمها له.

 "وكان عليّ -رضي الله عنه- يخلعهما ويضعهما في كمه ثم يصلي، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ فعل ذلك . وكان -رضي الله عنه- يخوض في طين المطر ثم يدخل المسجد يصلي ولم يغسل رجليه، وكان بعض الصحابة يحمل كثيراً معه الإداوة في يوم الوحل فإذا وصل المسجد غسل أقدامه وصلى" ومن هنا قالوا: أن طين الشارع يُعفَى عنه، فلا يضر أن يمشي في الشارع وإِن تيقَن نجاسة الطين ما لم يعلق به عين النجاسة، ما دام لم يعلق برِجله عين النجاسة، فَيُعْفَى عن طين الشارع يمرُّ فيه.

 وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ، نَقَّانَا اللَّهُ عَنِ الشَّوَايِبِ، وَرَفَعَنَا عَلِيِّ المَرَّاتِبِ، وَنَظَمَنَا فِي سِلْكِ الْأَطَايِبِ، وَسَقانَا مِنْ أَحْلَى الْمَشَارِبِ، وَخَتَمْ لَنَا رَجَبٍ بِخَيْرٍ، وَلَا جَعَلْهُ آخِرَ الْعَهد مِنْهُ، وَأعَادَ لنا الْأَمْثَالِ فِي إصِلَاحِ القُلُوبِ والْقُوَالِبِ، وَإصِلَاحِ أحوَال الْأُمَّةِ، وَبَارَكَ لَنَا فِي شَعْبَانٍ وَإِقْبَالُهُ ومَجِّيئه، وَيَجْعَلُهُ مِنْ أَبْرَكِ الشُهُورِ عَليْنَا وَعَلَى أُمَّةَ حَبِيبِه الْأعَظَمِ ﷺ، وَيُقبل بوجهه الْكَرِيمِ عَليْنَا، وَيعَامْلنَا بِأَلطَافِهِ الْجَمِيلَةِ، ويبلغنا جميعًا رمضان، ويجعلنا من أهل صيامه المقبول، وأهل قيامه المقبول، وأهل تلاوة القرآن بالتدبر والتأمل والوصول لله والتحقق بحقائقه والأدب مع القرآن، والاغتراف من بحر علمه، والعمل بمقتضاه في عافية. 

 

بسرّ الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

01 شَعبان 1445

تاريخ النشر الميلادي

10 فبراير 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام