(9)
(639)
(489)
الدرس الثاني عشر للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان، للعلامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي
في مسجد الاستقلال، في جاكرتا، إندونيسيا، فجر الإثنين 1 جمادى الأولى 1448هـ
الشعبة 37: ترك قتل آدمي مسلم
الشعبة 38: الاحتراز في الأكل والشرب عن الحرام
الشعبة 39: الاحتراز عن المال الحرام
الحمدلله موفقنا للتعرض لنفحاته، والتلقّي لفائضات إحساناته، وعجائب كرمه وتنزلاته في بكرة يوم الاثنين جمعنا في بيتٍ من بيوته، وقد قال نبينا بورك لأمتي في بكورها، وقد غدونا لصلاة الجماعة وطلب العلم، وقد قال نبينا ﷺ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
وعلى مُرْشِدنا ومُنقِذنا وهادينا نبيِّنا محمد، وآله وصحبه ومَن مَشَى في دربه إخلاصًا ويقينًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أعظمِ خلق الله سبحانه وتعالى يقينًا وتمكينًا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين.
ونتابع شرح المنظومة للعلامة الشيخ أبي عبد المعطي محمد نووي بن عمر الشافعي الجاوي، وقد وصلنا إلى الشعبة السابعة والثلاثين من شعب الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي على منظومة شعب الإيمان للإمام العلّامة زين الدين بن علي المليباري في كتابه "قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان"، نفعنا الله به وبعلومِه وعلومكم في الدّارين آمين، ورضي الله تعالى عنه وعنكم إلى أن قال:
الشعبة السابعة والثلاثون
ترك قتل آدمى مسلم
قال الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)[النساء:93]. وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[الإسراء:33]، وقال رسول الله ﷺ: "أعظم الكبائر عند الله قتل النفس". فمن قتل نفسه بسكين لا تزال الملائكة تطعنه بتلك السكين في أودية جهنم، وإن ألقى نفسه من مكان حتى يموت لا تزال الملائكة تلقيه من شاهق إلى واد في النار، وإن علق نفسه بحبل فمات لا يبرح معلقا في جذوع من نار، وإن قتل غيره بغير حق لا تزال الملائكة تذبحه بسكين من نار وهكذا فالجزاء من جنس العمل. ولحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في صحيح البخاري: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء.
يبيّن الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذه الشعبة خطر قتل المسلم، بل جاءتنا الشريعة بخطر قتل كل نفس لها حرمة ولها حق في الشرع المصون.
وقد جاءت الشرائع من عهد أبينا آدم -عليه السلام- إلى النبي الخاتم بحفظ هذه الكليات الخمس، وهي: النفس، والمال، والعِرْض، والعقل، والدين.
فحرَّم أن تُنتهك حرمة نفس بغير حق ولو كان حيوانًا فضلًا عن أن يكون إنسانًا؛ بل حرَّم إيذاء الحيوان أو ضربه بغير حق، فكيف بحق الآدمي؟! فشرائع الله جاءت لتكميل المعاش والمعاد، ولاستقرار حياة الناس وتهيئتهم للحياة الطيبة بعد الوفاة.
وإنما يُقاتَل:
وجاء في صحيح البخاري عن نبينا ﷺ: "مَن قتل معاهدًا -أو ذميًا- لم يَرَحْ رائحة الجنة" يوم القيامة؛ فإذا كان هذا إثم من قتل الكافر المعاهد والذمي، فكيف بمن قتل المسلم؟!
وفي الحديث: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُسْفَكُ بِغَيْرِ حَقٍّ"
وقال: "لَا يَزالَ المُؤمِنُ في فُسحةٍ مِن دينِه، ما لَم يُصِبْ دَمًا حَرامًاة.
واختلفوا في قبول توبة القاتل متعمدًا هل تُقبل أم لا؟ مع أنهم لم يختلفوا في قبول التوبة ولو من أشد من القتل وهو الشرك بالله والعياذ بالله تعالى؛ لم يختلفوا في قبول التوبة في أي من الذنوب والمعاصي مهما كان ولو كان أكبر الذنوب وهو الشرك؛ إلا قتل النفس بغير حق؛ اختلفوا هل تُقبل توبة القاتل أم لا؟
وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- جالسًا في مجلسه، فدخل سائل فسأله: هل للقاتل توبة؟ فقال: لا. ثم دخل آخر فسأله: هل للقاتل توبة؟ قال: نعم. فعَجِبَ الحاضرون وقالوا: السؤال واحد والجواب مختلف! فقال ابن عباس: إن الأول دخل إلي يعزم على قتل بعض من بينه وبينه خصومة، فقلت: لا توبة للقاتل؛ حتى لا يقع في المصيبة، فأما الثاني فقد وقع وقَتَل بعضًا من المسلمين فأراد أن يتوب، فقلت له: نعم؛ حتى لا يستشري في الأرض فسادًا.
فكان مع الفتوى والإجابة عقلٌ وفِراسة ونورٌ في أمانة دين الله، فتتبع بعضهم حال الرجلين فوجد كل واحد كما قال ابن عباس -رضي الله عنه-؛ فالعلماء أمناء الله على دينه، واسطة بين الخلق وبين ربهم، عليهم أن يتقوا الله في الفُتْيا وأن يكونوا حريصين على حُسن وصْلِ الخلق بخالقهم.
ثم إن الله تعالى برحمته وتكريمه لابن آدم:
ومن هنا اختلفوا في جواز التبرع بشيء من الأعضاء للآخر:
ومن هنا اشتدّ العذاب على من قتل نفسه وتجرأ على ذلك لأجل ألمٍ أو ضيق أو غير ذلك من أي سبب، ثم يُعذَّب بما قتل به نفسه دائمًا في النار. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن سيدنا رسول الله ﷺ: "من قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النار" أو "لا يزال يُعذَّب به في النار أبدًا"، وهو معنى الحديث الذي أورده بلفظِ: "أعظم الكبائر عند الله قتل النفس"، فمن قتل نفسه بسكين لا تزال الملائكة تطعنه بذلك السكين في أودية جهنم، وإن ألقى -يعني: رمى- بنفسه من مكان حتى يموت لا تزال الملائكة تلقيه من شاهق إلى وادٍ في النار، وإن علّق نفسه بحبل فمات لا يبرح معلقًا في جذوع النار، وإن قتل نفس غيره بغير حق لا تزال الملائكة تذبحه بسكين من النار".
فيتجدد عليه ألم القتل من دون أن يموت؛ لأنه لا موت في الجنة ولا موت في النار، وينادي المنادي: "يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت"، اللهم اجعلنا من أهل جنتك خالدين فيها. فيجب علينا أن نرعى حرمات الأنفس التي لم يُبِحِ الحق تبارك وتعالى قتلها، وأن نعمل على توطين ذلك في نفوس أبنائنا وشبابنا حتى يتجنبوا هذا الفساد الأكبر والضُّر الأعظم الذي يقوده إبليس وجنوده.
قال المؤلف رحمه الله ونفعنا به وأفاض علينا من بركاته:
الشعبة الثامنة والثلاثون
الاحتراز في الأكل والشرب عن الحرام
عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام". رواه أبو يعلى وغيره.
(تنبيه) ينبغى للعبد إذا أكل عند أحد من إخوانه أن يقول بعد الفراغ من الأكل ما استعمله الشيخ أفضل الدين الأزهري وهو: (اللهم إن كان هذا الطعام حلالًا فوسِّع على صاحبه واجزه خيرًا، وإن كان حرامًا أو شبهة فاغفر لي وله وأَرضِ عني أصحاب التبعات يوم القيامة برحمتك ياأرحم الراحمين).
وينبغي له أيضًا أن يقول إذا دعى إلى طعام يشك في حله ما استعمله الشيخ الشعراني وهو: "اللهم احمني من الأكل من هذا الطعام الذي دُعيت إليه، فإن لم تحمني منه فلا تدعه يقيم في بطني، وإن جعلته يقيم في بطني فاحمني من الوقوع في المعاصي التي تنشأ منه عادة، فإن لم تحمني من الوقوع في المعاصي فاقبل استغفاري وأَرضِ عني أصحاب التبعات، فإن لم تقبل استغفاري ولم تُرضِهم عني فأصبرني على العذاب يا أرحم الراحمين"، هكذا في الشرح وصية الشيخ الكامل إبراهيم المتبولي. قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ) [المائدة:3] قال تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة:90] وقال: (أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا)[البقرة:168].
وفي هذه الشعبة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يبيّن وجوب الاحتراز في الأكل والشرب عن الشبهة وعن الحرام، وقد قال العارفون: أساس هذا الدين الورع، وهو التحرز من الشبهات فضلًا عن الحرام، وقال نبينا ﷺ: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه".
وقال سيدنا عمر بن الخطاب: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يترك -أو يحذر- مما لا بأس به خشية مما به بأس". وقال بعض الصحابة: "كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام". وفي صحيح البخاري عنه ﷺ: "كل لحم نبت من سُحْتٍ فالنار أولى به". وفي الأثر: "من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، ومن أكل الحلال أطاعت جوارحه شاء أم أبى"؛ ذلك أن الله رتّب قوة هذا الجسد على ما يتغذى به وما يأكله، فإن كان من حرام فالقوة إنما تنصرف في الحرام. وقال الإمام ابن رِسلان في صفوة زُبَدِه:
وَطَاعَةٌ مِمَّنْ حَرَامًا يَأْكُلُ *** مِثْلُ الْبِنَاءِ فَوْقَ مَوْجٍ يُجْعَلُ
أي: لا يستقر ولا يقوم، فكذلك لا تثبت الطاعة ولا تُقبل من آكل الحرام.
وجاء أيضًا عن ابن عمر قوله: "إن ملاك دينكم الورع". وقد لخص الإمام عبد الرحمن السقاف -عليه رحمة الله ورضوانه- سَيْرَ المؤمن إلى الله -تعالى- بالشرع المصون في هذه الكلمات، فقال: "كلُّ علمٍ بلا عمل فباطل، وكلُّ علمٍ وعملٍ بلا موافقةِ سُنّة فمردود، وكلُّ علمٍ وعملٍ مع موافقةِ السنّة بلا نيةٍ صالحة فهباء، وكلُّ علمٍ وعملٍ ونيةٍ وموافقةِ سنةٍ بلا ورع فيُخاف على صاحبه الهلاك عند المُقاصّة".
وقد جاءت امرأة تسأل الإمام أحمد بن حنبل أنها تغزل، وقد يمر السلطان -الذي عُرِف بأخذ المال من غير حق- بشموعه في الطريق، فتغزل بعض الغزل بهذا الضوء، فهل يجوز لها ذلك؟ فقال: ابنة مَن أنتِ؟ فقالت: بنت بِشْر الحافي. قال: أنتم من بيتكم خرج الورع! مثلكِ لا ينبغي لها ذلك.
ولما جاء مريض إلى الحسن البصري -عليه رحمة الله- يشتكي له علّةً عالجها فلم يذهب المرض، قال: اذهب إلى آل فلان فإنهم أهل ورع فكُلْ من طعامهم، فإن الله يشفي الأجساد بالطعام الحلال. فذهب إليهم فقال: أطعموني من طعامكم أستشفي به. قالوا: من قال لك هذا؟ فقال لهم: الحسن أرسلني إليكم لعلّة عندي ما وجدت لها علاجًا، وقال: إنكم أهل ورع وأن أكل الحلال شفاء. قالوا: يرحم الله الحسن، كان يعهدنا من أهل الورع، كنا من أهل الورع؛ أما الآن فقد طرأ علينا شيء خرجنا به عن الورع! قال: ما ذلكم؟ قالوا: إن الثور الذي نحرث عليه الأرض خرج وأرجله مبلَّة بالماء إلى جارنا -في أرض الجار- فحمل في أرجله شيئًا من طينة الجار ووضعها في مكاننا، وقد استحللنا الجار بعد ذلك ولكن ذهب الورع علينا. قال: هل غير هذا؟ قالوا: لا. قال: هاتوا لي من طعامكم، فأكل فشفاه الله.
وقد أرسلت بعض الصحابيات ليلةً إلى رسول الله ﷺ لبنًا، فلما جاء به قال: "اذهب فسلها: من أين جاءت به؟" فأخبرته أنه من غنم لها، فشربه ﷺ. فلقيته في اليوم الثاني وقالت: يا رسول الله، رقّ قلبي لك ورثيتك وأنت في الجوع من طول اليوم فأرسلت إليك بلبن، فأرسلت إلينا تسألنا: من أين جئنا به؟! فقال: "إنّا أُمِرنا معشرَ المرسلين أن لا نأكل إلا طيبًا وما علمنا حِلّه".
وفي الحديث الصحيح: "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:172]، وقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [المؤمنون:51].
وكان يقول بعض التابعين: "لأن يردّ الرجل درهمًا واحدًا من شبهة خيرٌ له من مئة ألف يتصدق بها، ومئة ألف، ومئة ألف، ومئة ألف" أن يردّ درهمًا من شبهة خيرٌ له من أن يتصدق بمئة ألف، ومئة ألف، ومئة ألف.
وأورد حديث أبي يعلى: "لا يدخل الجنة جسدٌ غُذِيَ بحرام"، وقد رواه البزار أيضًا. فينبغي أن يكون لنا تشبّه بأهل الورع في طعامنا وشرابنا ولباسنا ومسكننا.
وكان والد الإمام البخاري من أهل التجارة وكان يجالس عبد الله بن المبارك، وقال في آخر عمره: "إني أرجو أن ألقى الله ولم يدخل في تجارتي هذه درهمٌ من شبهة، فضلًا عن حرام".
وكان الإمام البخاري -عليه رضوان الله- راميًا، فرمى يومًا فأصاب السهم مكان قناةٍ لبعض الناس فأثّر فيها، فتأثر لذلك كثيرًا، وقال: "استحلّوا لنا من صاحب هذه القناة، وانظروا بِكم يسامحنا ونعطيه مقابل ما أصابه من الضرر من سهمي هذا". وتأثر لذلك كثيرًا حتى ذهبوا إلى صاحب القناة وكلموه، فقال: أنا وقناتي لأبي عبد الله، وقد سامحته ولا شيء عليه. فجيء وأُخْبِرَ بذلك فاستنار وجهه وفرح بمسامحته، وأمر له بعطاء، وبرز للناس فحدّث ذاك اليوم أحاديث كثيرة أكثر مما يعتاد، فرحًا بالمسامحة وخوفًا من المطالبة يوم القيامة؛ فهكذا كان أئمة دين الله.
وجاءته بضاعةٌ يومًا -سيدنا الإمام البخاري- فجاءه أناس يعرضون شراءها بأن يربح فيها يسيرًا، فقال: ائتوني في اليوم الثاني. فجاء في اليوم الثاني قومٌ عرضوا عليه خمسة أضعاف ما عرضَ عليه أولئك، فقال: قد سبق مني شبه وعدٍ مع الأولين، وأخاف أن ألقى الله -تعالى- في إخلاف الوعد؛ فما باعها إلا للأولين بثمن أقل؛ لأنه رأى قوله لهم: "ائتوني في اليوم الثاني" شبه وعدٍ أن يبيعهم بذلك، فترك الربح الكثير خوفًا من إخلاف الوعد.
وذكر الشيخ -عليه رحمة الله- أدعيةً عند الطعام، وخلطُ الطعام بالذكر والدعاء والآداب من أسباب وقاية شرّه وشبهته وظلمته.
قال رحمه الله:
الشعبة التاسعة والثلاثون
الاحتراز عن المال الحرام
وذلك كالربا ونحوه، فيجب أن يطلب الكسب الحلال كزراعة وتجارة وصنعة. قال بعض العارفين: ترك الكسب على ثلاثة أوجه، إما كسلًا وإما تقوى وإما خوفًا من العار وحميةً. فمن تركه كسلًا فلا بد له من السؤال، ومن تركه تقوى فلا بد له من الطمع فيما بأيدى الناس والأكل بدينه وذلك حرام، ومن تركه خوفًا من العار وحميةً فلا بد له من السرقة. وقال بعضهم: من اكتسب ليصون وجهه عن المسألة جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر وسلم من منن الرجال التي هى أثقل من الجبال.
وقال بعض العلماء: طلب الكسب لازم كطلب العلم وهو أربعة أنواع فرض وهو كسب أقل الكفاية لنفسه وعياله ودينه. ومستحب وهو كسب الزائد على ذلك ليواسي به فقيرًا أو يصل به رحمًا وهو أفضل من نفل العبادة. ومباح وهو كسب الزائد على ذلك للتنعم والتجمل. وحرام وهو كسب ما أمكن للتفاخر.
كذا نقله بعضهم عن تحفة الملوك. ولحديث عبد الرحمن بن أبي بكرة في الصحيحين عن أبيه رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى فقال إن دمائكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام.
فقول الناظم: تحرم أي: إن احترزت عن المنهي في الطعام والمال فأنت تحرم أي: تعظم عند الله تعالى.
قال الناظم:
وَالزِّيَّ مَعْ ظَرْفٍ وَلَهْواً قَدْ نُهِي * أَنْفِقْ بِمَعْرُوفٍ وَإِلَّا تَأْثَمُ
ذكر الناظم في هذا البيت ثلاث شعب، فيقال بالعطف على العدد السابق.
نعم: تكون حرمتك ومنزلتك عند الله.
يتكلم في هذه الشعبة أيضًا عن خصوص الاكتساب للمال، والاكتساب للمال يأتي ما بين:
بل من فروض الكفاية على المسلمين أن يوجدوا ما يكفي حاجة المسلمين ويغنيهم عن الأخذ من الكفار في كل ما يحتاجون إليه بحكم الفطرة في هذه الحياة، سواء من مطعوم، أو مشروب، أو ملبوس، أو مسكن، أو أدوات، أو صحة، فينبغي للمسلمين بل فرض كفاية عليهم أن يكون فيهم من أرباب الصناعات والحِرف والطب ومعرفة صحة الإنسان ما يكتفون به ويغتنون عن الاستعانة بسواهم.
بل إن التاجر إذا صحَّت نيته، ونوى أن يسقط فرض الكفاية عن المسلمين فيما هو بصدده مما يحتاجه الناس، صحت نيته وأُجر على ذلك. في الحديث: "التاجر الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة"، وفي الحديث أيضًا: "من بات كَالًّا من عمل يده بات مغفورًا له". فوجب على المسلمين أن ينووا النيات الصالحة في حِرَفهم ووظائفهم، وأن يتقوا الله فيها ويقيموها على ميزان الشرع المصون.
فمرّ يومًا شاب خارجًا في العمل، فرآه جماعة من الصحابة كانوا جالسين مع النبي ﷺ، فقال بعضهم: لو كان قوة هذا وصحته في سبيل الله! فقال لهم ﷺ: "أما إنه إن خرج يعفّ نفسه عن المسألة فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن خرج لكفاية أهله وولده فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أرملة أو مسكين فهو في سبيل الله، وإن خرج مكاثرًا مفاخرًا فهو في سبيل الشيطان".
وللكسب أسباب:
وتقوى الله ثم طلب العلم من أسباب الكسب الباطنة.
وكان أحد الصحابة -عليهم رضوان الله- محترفًا، وكان أخوه مفرغ للعبادة وتلقي العلم عند رسول الله صلى الله عليه وصحبه وسلم، فيومًا خطر على المحترف أنه هو الذي يتعب وهذا جالس، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له النبي: "لعلك به تُرزَق"؛ أنت بسبب هذا الأخ الصالح ييسر الله رزقك. فرأى أن هذا أهلٌ لأن يتفرغ للعلم والعبادة، وأخوه يسهل عليه أن يكفيه، فأمر أخاه أن يستمر في ذلك وقال: لعلك ببركته يكون تيسير رزقك.
فذكر قول بعض الصالحين: من اكتسب ليصون وجهه عن المسألة جاء يوم القيامة وجهه كالقمر، وسَلِم من مِنَن الرجال التي هي أثقل من الجبال؛ وذلك أن صاحب الفطرة السليمة يشقّ عليه أن يَمُنّ عليه أحد بشيء يعطيه إياه، فهو أثقل من جبل يقع على رأسه.
ومع ذلك فينبغي له ألا يغفل عن ذكر الله في تجارته، ولا ينقطع بها عن أداء الجماعة في الصلوات الخمس، ولا ينقطع عن قراءة القرآن وشيء من الأذكار في اليوم والليلة.
رزقنا الله اكتساب الحلال.
ومن الدعوات الطيبة المذكورة عن بعض أئمة أهل البيت الطاهر، كسيدنا جعفر الصادق ومحمد الباقر: دعاء يُسمّى بالدعاء الرَّطْب؛ لأنه فيه سؤال خير الدنيا والآخرة، فهو قولهم:
"اللهم إنا نسألك صحة في تقوى، وطول عمر في حسن عمل، ورزقًا واسعًا لا تعذبنا عليه".
ندعو الله بهذا الدعاء:
اللهم ارزقنا صحة في تقوى، وطول أعمار في حسن أعمال، ورزقًا واسعًا لا تعذبنا عليه، في خير ولطف وعافية يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
وقال: إذا فعلت ذلك فأنت تُحْرَم، بمعنى: تُحتَرَم أو تَعظُم حرمتك، ويكون لك قدر عند الله.
نختم المجلس بذكر بعض الأذكار التي وردت عن نبينا ﷺ في اليوم والليلة:
ونبدأ بالإحدى عشر من سورة الإخلاص، ومَن كان له عمل وله ترتيب فليقم، ومَن كان متسع له الوقت فيحضر الذكر معنا.
حَسْبيَ اللهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (سبعاً)
اللهمّ صلِّ على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلِّم (عشراً)
اللهمّ أنتَ ربي لا إله إلاّ أنتَ خلقتني.. وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذ بك مِن شرِّ ما صنعْتُ، أبوءُ لكَ بنعمتكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي فاغفرلي فإنّه لايغفرُ الذنوبَ إلاّ أنتَ.
اللهمَّ أنتَ ربي لا إله إلاّ أنت عليكَ توكلتُ وأنتَ ربُّ العرش العظيم ما شاء اللّه كان .. وما لم يشأ لم يكن .. ولا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم .. أعلمُ أنَّ اللّه على كلّ شيءٍ قدير.. وأنّ اللّه قد أحاطَ بكلّ شيءٍ عِلما .. اللهم إني أعوذُ بكَ من شرّ نفسي، ومن شرّ كلّ دابّةٍ أنتَ آخذٌ بناصِيَتها، إنَّ ربي على صراطٍ مستقيم
ياحيُّ ياقيّوم.. برحمتكَ أستغيثُ، ومن عذابكَ أستجيرُ، أصلحْ لي شأني كلَّه، ولاتَكِلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ من خلقكَ طرْفة عين.
اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الهمِّ والحَزَن، وأعوذُ بكَ من العجزِ والكَسَل، وأعوذُ بكَ من الجُبنِ والبُخل، وأعوذُ بكَ من غَلَبَةِ الدَّين وقهر الرجال.
اللهمَّ إني أسألكَ العافيةَ في الدنيا والآخرة.
اللهمَّ إني أسألكَ العفو والعافية والمعافاة الدائمة في ديني ودنيايَ وأهلي ومالي
اللهم استر عوراتي، وآمِن روعاتي. اللهمَّ احفظني من بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي.. وأعوذُ بعَظَمَتكَ أن أُغتالَ من تحتي
اللهمَّ أنت خلقتني.. وأنت تهديني، وأنت تُطعمني، وأنت تسقيني، وأنت تُميتني، وأنت تُحييني، وأنت على كلّ شيءٍ قدير .
أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآلهِ وسلّم، وعلى ملّةِ أبينا إبراهيمَ حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين
اللهمَّ بكَ أصبحنا وبكَ أمسينا، وبكَ نحيا وبكَ نموت، وعليكَ نتوكّلُ وإليكَ النشور.
أصبحنا وأصبح الملكُ لله.. والحمد لله ربّ العالمين.
اللهمَّ إني أسألكَ خير هذا اليوم، فتحه ونصره ونوره وبركته وهُداه اللهمَّ إني أسألكَ خير هذا اليوم، وخير ما فيه، وخير ما قبله، وخير ما بعده؛ وأعوذُ بكَ من شرّ هذا اليوم، وشرّ مافيه، وشرّ ما قبله، وشرّ ما بعده، اللهمَّ ما أصبح بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقكَ.. فمنكَ وحدكَ لاشريك لك، فلكَ الحمد ولك الشكرُ على ذلك.
سبحان اللّه وبحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته (ثلاثًا).
سبحان اللّه العظيم وبحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته (ثلاثًا).
سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان اللّه عدد ما خلق في الأرض، سبحان اللّه عدد ما بين ذلك، سبحان اللّه عدد ما هوَ خالق. الحمدلله عدد ما خلق في السماء، الحمد لله عدد ما خلق في الأرض، الحمد لله عدد مابين ذلك، الحمد لله عدد ما هوَ خالق.
لا إله إلاّ الله عدد ما خلق في السماء، لا إله إلاّ اللّه عدد ما خلق في الأرض، لاإله إلاّ اللّه عدد مابين ذلك، لا إله إلاّ اللّه عدد ما هوَ خالق.
الله أكبر عدد ما خلق في السماء، اللّه أكبر عدد ما خلق في الأرض، اللّه أكبر عدد ما بين ذلك، اللّه أكبر عدد ما هوَ خالق.
لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم عدد ما خلق في السماء، لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم عدد ما خلق في الأرض، لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم عدد ما بين ذلك، لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم عدد ما هوَ خالق.
لا إله إلاّ اللّه وحدهُ لاشريكَ له، له الملكُ وله الحمد يحيي ويميت وهُوَ على كلّ شيءٍ قدير عدد كلّ ذرّة ألف مرّة (ثلاثًا).
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيدنا محمدٍ مفتاح باب رحمة اللّه، عدد ما في علم اللّه ، صلاةً وسلاماً دائمَينِ بدوامِ ملك اللّه، وعلى آله وصحبه.. عدد كلّ ذرّة ألف مرّة (ثلاثًا).
بارك اللهم لنا في قراءة الأذكار، واقبلها منا، واجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا، واجعلنا من المذكورين عندك بأعلى وأثنى وأجل وأجمل وأفضل ما تذكر به محبوبيك، والمقرببن إليك من أهل أرضك وسماواتك، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأجزل العطايا، وارفع الدرجات لنا ولوالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، ولمؤسسي هذا المسجد والقائمين عليه، ولوالدينا ووالدي الحاضرين خاصة وموتانا وموتى وأحياء المسلمين عامة يوم، ولجامع هذه الأذكار الإمام الحداد ولصاحب هذا النظم زين الدين بن علي بن أحمد الشافعي والشارح الشيخ محمد نووي الجاوي ولوالدينا ووالدي الحاضرين خاصة، والمسلمين عامة، وموتانا وموتى المسلمين وأحيائهم إلى يوم الدين عامة، وأصلح شؤوننا بما أصلحت به شؤون الصالحين، وأصلح أحوال أهل اندونيسيا والمسلمين، وادفع البلايا والآفات والشرور والعاهات عنهم ظاهرًا وباطنًا، وانشر لهم راية الحق والهدى، واعصمنا من كل زيغ وردى، وأصلح لنا ما خفي وما بدا، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
02 جمادى الأول 1448