(640)
(489)
الدرس الحادي عشر للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: قامع الطغيان على منظومة شعب الإيمان، للعلامة محمد نووي بن عمر البنتني الجاوي
في مسجد الاستقلال، في جاكرتا، إندونيسيا، فجر الأحد 30 ربيع الثاني 1448هـ
الشعبة 34: حفظ اللسان عما لا ينبغي.
الشعبة 35: حفظ الفرج عما نهى الله عنه.
الشعبة 36: أداء الأمانة عن مستحقها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله جامِعنا على الخيرات، ومُوفِّقنا لهذه المبرَّات والتَّعرض للنَّفحات، والتَّبكير في طلب العلوم النَّافعات، ذلك من فضل الله علينا ربّ الأرض والسَّماوات. وقد كان يقول بعض أصحاب نبيِّنا صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: "مَنْ لَمْ يَرَ أَنَّ الْغُدُوَّةَ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لَيْسَ بِجِهَادٍ، فَقَدْ نَقَصَ فِي رَأْيِهِ وَعَقْلِهِ"، فالله يقبلنا وإيَّاكم.
ونُواصل الاستفادة مما كتب الشيخ العارف العلَّامة زين الدين بن علي بن أحمد الشافعي الكوشي المِليباري -عليه رحمة الله-، وما شرحها وبيَّنها الإمام العلَّامة الشيخ عبد المُعطي محمد نووي بن عمر الشَّافعي عليه رحمة الله تعالى. فنستمع إلى قراءة حيث وقفنا، يبدأ الأخ الحاج ضياء الدين ضياء المقدسي ابن الشيخ مهاجرين بن أَمسار الدَّاري:
قال المُصنِّف -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وبعلومه وببركته في الدَّارين، آمين:
الشعبة الرابعة والثلاثون
حفظ اللسان عما لا ينبغي
قال الله تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119]. وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [يونس: 69]. ولحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في الصحيحين: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار، وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا. وقال النبي ﷺ: قيم الدين الصلاة وسنام العمل الجهاد وأفضل أخلاق الإسلام الصمت حتى يسلم الناس.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، وقال الشافعي: إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر. ومن كلام الحكماء: من نطق في غير خير فقد لغا، ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها. وقال حكيم: إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
في هذه الشُّعبة من شُعب الإيمان يذكر الشيخ -عليه رحمة الله- أمرًا مُهمًّا عظيمًا تترتَّب عليه أمورٌ كبيرة في الدنيا والبرزخ والآخرة، وذلكم: حفظ اللِّسان عمَّا لا ينبغي أن تتكلم ولا أن تتلفظ به. وقد جاء في الحديث، وقد سئل نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عن أكثر ما يُدخِل الناس النار، فقال: "الأجْوَفَانِ: الفَمُ -أي: اللسان- والفَرْجُ". وسُئل عن أكثر ما يُدخِل الناس الجنة، فقال: "تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ".
وقد كان يقول بعض السَّلف الصالحين: ما رأيت تقوى إنسان في لسانه إلا رأيت ذلك على جميع جوارحه.
وذلك معنى ما جاء في الحديث أنه: "إذا أصبح ابنُ آدمَ -في يوم- فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللَّسانَ فتقولُ: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنَّما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا".
ومن التَّنبيه على وجوب أن يُحافظ المؤمن على لسانه ويتأمل ما يصدر منه، جعل الله تعالى في التركيب والخلق لها حجابين اثنين: الأسنان والشَّفتان؛ فلا تخرج منك كلمة بل ولا حرف إلا بعد فتح البابين الاثنين، فانظر بما تفتحهما؟
وقد جعل الله الكلام سهلًا على الإنسان ويسترسل في الكلام من دون أن يشعر بالتَّعب، ثم رتَّب على صلاحه واختيار الألفاظ الطيبة مكرمات ودرجات وخيرات ومنافع للناس ظاهرة وباطنة. بهذا اللسان:
فما أعظم خير اللسان وما أشدَّ شره!
وقد أورد الشيخ -عليه رحمة الله- عددًا من الآيات تُتأمل في هذه المسألة، فذكرقوله تعالى: "(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)" [ق: 18]. وقبل هذه الآية قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) [ق:17].
مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119]. وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [يونس: 69]. و
ورقيب وعتيد: اسمان للمَلَكين اللذين وكَّلهما الله تعالى بكتابة الحسنات والسيئات لكل مُكلَّف، من حين أن يُكلف إلى أن يموت.
فقد كان سيدنا عثمان بن عفان إذا أراد قضاء الحاجة فرش رداءه وقال يُخاطب رقيبًا عتيدًا: اقعدا هاهنا أكرمكُما الله. فانظر في كل كلمة تتكلم بها أنها تُكتب: إما مِن مَلَك اليمين مَلَك الحسنات، وإما من مَلَك الشمال مَلَك السيئات، ثم تُعرض على ربِّ الأرض والسماوات.
فالعجب كل العجب ممن يستحي أن يقول بعض الكلمات أمام عزيز عليه أو مُهابٍ من الخَلْق، وهو يوقن أن رقيبا وعتيد يكتبان ما يقول، وأنه يُعرض على ربِّ العرش العظيم، ولا يستحي من ذلك!
وقد صحَّ في الحديث: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ". وما جاء أيضًا في الحديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً يُرفع بها في الجنة درجات، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد من الثريا"
"وإنَّ الرجَلَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ ما يُلقي لها بالًا، يرفعُه اللهُ بها في الجنةِ" درجات، و"إنَّ الرجلَ لَيتكلَّمَ بالكلمةِ ما يُلقي لها بالًا، يهوِي بها في نارِ جهنمَ" وفي رواية: "يَهْوِي بِهَا مِنْ أَبْعَدِ مِنَ الثُّرَيَّا". وفي رواية: "سَبعينَ خَريفًا -عامًا- في النارِ"؛ وكم من كلمة كانت سببًا لحسن الخاتمة، وكم من كلمة كانت سببًا لسوء الخاتمة!
فهؤلاء لُعنوا وطُردوا من الرحمة بما قالوا، والأَّولون أدخلهم الله الجنة وأثابهم بما قالوا.
وآفات اللسان كثيرة، وذكر الإمام الغزالي في -الإحياء- عشرين آفة للّسان، أكبرها الكذب "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا".
ولمَّا سُئل النبي ﷺ: أيكذب المؤمن؟ قال: "لا" وتَلا قوله تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النحل:105]. ولذا كان الصحابة لا يتوقَّعونه أبدًا ولا يتهمون به إلا مُنافقًا، وإذا علم ﷺ من أحدٍ كذبًا تغيَّر عليه، فلا يعود إليه بَتَّه حتى يعلم أنه أحدث توبة صادقة.
ومنها السَّبُّ للمسلمين، بل لأحدٍ من خلق الله تعالى ولو كان حيوانًا أو جمادًا، وفي الحديث الصحيح: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، وورد أيضًا: "لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِه". ولا يجوز أن يلعن شيئًا من خلق الله -تعالى- إلا من تيقَّن موته على الكفر من المُكلَّفين ولا يقْطَعَ بذلك بنص صحيح. ويُروى في الأثر: "مَا لَعَنَ الْأَرْضَ أَحَدٌ إِلَّا قَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِلَّهِ"، الذي هو أعصى له اللعنة؛ فالأرض ما عصت ربها ولكن هذا الإنسان هو الذي يعصي.
وأورد الآية: "وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119]" والصِّدق:
والصدق أن تجتمع جميع قوى الإنسان الظَّاهرة والباطنة على الأمر الذي يتوجه إليه، فيُحسنه ويُتمّه ويُتقنه لوجه الله تعالى؛ فهو أعم وأشمل من الإخلاص؛ فالإخلاص جزء من الصدق، وكل صادق مخلص وليس كل مخلص صادق. وكما أن المخلص لا رياء له، فالصَّادق لا عُجُبَ له أيضًا. قال أهل المعرفة بالله: والرياء في الأمة أخفى من دبيب النمل، والعُجْب أخفى من الرياء.
وفي الآية أيضًا دليل على أن الله -سبحانه وتعالى- يُبقي الصادقين في هذه الأمة على مدى القرون ويجعل لهم علامات يُعرفون بها، وبذلك يطبق أمره: "(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)." فلو لم يكن هناك صادقون لتعطّل الأمر، ولو لم يكن للصَّادقين علامات يُهتدى بهم إليها لتعطّل الأمر، ولكن يبقى في الأمة صادقون. وكل مخلص متوجِّه يعرف علامة الصدق في:
ومن كان مع الصادقين هيّأه الله لأن يكون من الصادقين، فكان من لُطف الله ورحمته بنا أمرنا أن نكون معهم لا أن نكون منهم مُباشرة؛ لأن ذلك أمر عظيم وكبير، ولكن إذا كنَّا معهم انتقل نور صدقهم إلينا فتعلَّمنا منهم الصدق فلحقنا بالصادقين.
فمن كان يحب الصادقين من أهل زمنه وبلده وممن قبلهم ويُواليهم ويحب الاقتداء بهم ويستمع لآرائهم وأفكارهم، فلا تمر به الحياة إلا وأدخله الله دائرة الصدق. ومن كان يميل قلبه إلى الكاذبين ويسمع أخبارهم ويأخذ برأيهم، فيُخشى ألَّا تمر عليه مدَّة إلا وقد رُمي بينهم وجُعل من الكاذبين.
ويعظم إثم الكذب إذا كان فيه يمين وحلف بالله تعالى؛ فإن ترتب على هذه اليمين أن يستحلَّ مال غيره وحقَّ غيره بغير حق باليمين الكاذبة أدخله الله النار. وقد صحَّ في الحديث عنه ﷺ: من حلف كاذبًا يمينًا يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق أدخله الله النار قالوا: ولو كان ذلك يسيراً يا رسول الله؟ قال: "ولو كان قضيباً من أراك". لو كان عود من أراك حلف عليه بِكذب، يدخل النار بسببه!
ثم أورد -عليه رحمة الله- قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [يونس: 69]. وذكر قول النبي ﷺ: "قيم الدين الصلاة وسنام العمل الجهاد وأفضل أخلاق الإسلام الصمت حتى يسلَم الناس"؛ أي: من شرِّ لسان هذا المتكلم، وهذا الحديث ذكره ابن المُبارك في كتاب الزُّهد عليه رحمة الله. كما ذكر حديث الصحيحين في قوله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
وذكر قول إمامنا "الشافعي: إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر". نقله عنه الإمام النووي في كتاب الأذكار. وجاء أيضًا عن إمامنا الشافعي أنه سُئل عن مسألة فسكت، فقال بعض الجلساء: ما لك لا تُجيب يا إمام؟ فقال: اصبر حتى ننظر أخيرٌ لنا عند الله أن نجيب أم أن نسكت؟ فإن كان الخير لنا بالجواب أجبنا، وإن كان الخير في السكوت سكتنا.
فقال الشاعر:
قد أفلحَ الساكتُ الصَّموتْ *** كلامُه قد يُعدُّ قُوتْ
ما كلُّ نُطْقٍ له جوابٌ *** جوابُ ما تَكْرَهُ السكوتْ
وذكر لنا كلام بعض أهل الحكمة: "من نطق في غير خير فقد لغا"، واللغو أمرنا الله بالإعراض عنه: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) [المؤمنون:3].
وقال: "ومن نظر في غير اعتبار فقد سها"، والسهو حجاب عن الارتقاء والقرب من الحق. "ومن سكت في غير فكر فقد لها". وذكر قول الحكيم: "إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم." مُشيرًا إلى أن النفس تهوى الكلام لأجل المنزلة عند الناس ولأجل غرضٍ لها، فإذا هوته فاعلم أن لها غرض غير صالح، فاسكت! وإذا ثَقل عليها فإنما يثقُل عليها الكلام الحقّ الصَّريح والنَّافع والذي لا غرض لها به، فحينئذٍ تكلَّم!
كما كان يقول بعض العارفين -الحارث المُحاسبي أو غيره- يقول: إنما منعني أن أُحَدِّثَ شهوةُ الحديث، ولو لم أشتهِ الحديث لحدّثتُ؛ قال أنا سكتُّ عن رواية الحديث للناس لأن نفسي تشتهيه، ولو لم تشتهِهِ نفسي لحدّثتُ.
رضي الله عنكم وعنا بكم. وقال رضي الله عنه:
الشعبة الخامسة والثلاثون
حفظ الفرج عما نهى الله عنه
فمِن ذلك الزنا واللواط والمساحقة والمفاخذة، فاللواط: هو إدخال الذكر في الدبر والمساحقة هو: أن تفعل المرأة مع مثلها في فرجها، والمفاخذة هي: أن يفعل الرجل مع مثله في الفخذ. قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: 32]. وقال تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: 165]. وقال تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) [الأعراف: 81]. وقال النبي ﷺ: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن". أي: إنَّ الله لا يأمر بالاستحياء من بيان الحق. وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن".
فقول الناظم: تغنم بتقدير المبتدأ وهو في موضع جزم جواب الأمر، والمعنى: إذا حفظت لسانك وفرجك فأنت تحصل الربح في الدار الآخرة".
ما شاء الله لا قوة إلابالله.
ثم ذكر الشعبة هذه: حفظ الفرج عما نهى الله عنه، وقد قال لنا تعالى في كتابه: (وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) [المؤمنون:5]. فحفظ الفرج عن الفواحش من أعظم أسباب القُرب من الله والظَّفَر بجنته والنجاة من عذابه. فإنَّ من أعظم ما يفرح به عدو الله -إبليس- من المؤمن أن يقع في شيء من هذه الفواحش والتي لا يُباشِرها وهو في نفس الحال مُتحقِّق بالإيمان: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن" كما جاء في الحديث.
وقد سلّط الله هذه الشهوات على الإنسان اختبارًا له، وأمره بإيمانه وعقله أن يصرفها عن السوء، ولا يصرفها إلا فيما أباح له. وقال فيما أورد لنا من الآيات قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) فجعل القُرب من الزنا محرمًا فكيف بالزنا نفسه؟! وهو كبيرة من الكبائر، ولكن القرب منه حرام، والقربُ:
وحرَّم على النساء أن يُظهرن زينتهن لأحد من الأجانب غير المحارم المذكورات في قوله تبارك وتعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)[النور:31] -يقول جل جلاله- إلى آخر الآية الكريمة.
ولما قال ﷺ: "وَفِى بُضْعِ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أيَأتِى أحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ: "أرَأيْتمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلالِ كَانَ لَهُ أجْرٌ".
والحلال ما ذكره الله في قوله: (إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)[المعارج:30]. وقد انقطع الآن ما ملكت الايمان وبقيت الأزواج، ومع ذلك فيحرم عليه أن يأتي زوجته في دبرها.
ولا أحسن لمجتمعات الإسلام من صيانة النساء لزينتهن وأن لا يظهرن بها، وذلك فيما أخبر ﷺ يقول: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"، وما ترك فينا حسنة خيرًا للرجال والمجتمع من صلاح المرأة وبعدها عن أن تخضع بالقول أو أن تُظهر ما تُخفي من زينتها، فضلًا عن أن تظهر زينتها، كما قال تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، وقال:(فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)[الأحزاب:32]. وتجد جُند إبليس من شياطين الإنس والجن يجتهدون أقوى الاجتهاد في نشر أسباب الفساد والقُرب من الفواحش والعياذ بالله تعالى.
قال ومن حفظ أربعة عن أربعة حُفظ من الفواحش:
حُفظ من الفواحش والزنا.
رضي الله عنكم وعنا بكم. وقال رضي الله عنه:
قال الناظم:
أَدِّ الْأَمَانَةَ لَا تُقَاتِلْ مُسْلِمًا *** وَاحْذَرْ طَعَامًا ثُمَّ مَالَكَ تَحْرُمُ
ذكر الناظم في هذا البيت أربع شعب، فيقال على نظم ما سبق.
الشعبة السادسة والثلاثون
أداء الأمانة إلى مستحقها
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) [النساء:58]. وقال تعالى: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة:283]. وقال النبي ﷺ: ثلاث من كن فيه أو واحدة منهن فليتزوج من الحور العين حيث شاء: رجل ائتمن على أمانة فأداها مخافة الله عز وجل، ورجل خلّى عن قاتله، ورجل قرأ في دبر كل صلاة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة. رواه ابن عساكر.
ومعنى هذا الحديث إذا اجتمع ثلاث خصال في شخص أو خصلة واحدة فقط فليتزوج من الحور ما أراد من العدد، خصلة رجل ائتمن على أمانة فأداها مخافة عقاب الله إن هو خان فيها، وخصلة رجل عفا عن قاتله قبل موته أو عفا عن قاتل مورثه، وخصلة رجل قرأ الصمدية بكمالها إحدى عشرة مرة بعد كل مكتوبة. وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. وحديث: ثلاث من كن فيه فهو منافق وأن صام وصلى وزعم و أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان."
ما شاء الله.
وفي هذا يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- أداء الأمانة إلى من يستحقها، وهو كل ما اؤتمنت عليه من مال وغيره؛ يجب أن تُحسن المُحافظة عليه، وتؤدِّي الأمانة في الوقت الذي لا يُطالبك أحد، وتستطيع أن تُخفيها ولا أحد يصل إليك بكشفك ولا بإيذائك، ولكن من أجل الله تُؤدِّيها وتردَّها إلى صاحبها. وهذا من أعظم الخصال التي بها يُدخل الجنة؛ ويأذن الله لصاحبها أن يتزوج من الحور العين ما شاء كما جاء في الحديث، بعد أن أورد الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) [النساء:58].
وأما: "ورجل خلّى عن قاتله"؛ أي: كان يستحقّ القتل بتعمده للقتل، ولكن المقتول أوصى بمسامحته والعفو عنه، فحينئذٍ إذا طابت بذلك نفس الوارث كان المقتول -والوارث أيضًا بطيب نفسه- ممن يدخل الجنة ويتزوج من الحور العين ما شاء في العفو عن القاتل. ولا عِبرة بعفو المقتول نفسه إذا لم يعفُ الوارث من بعده؛ وإذا لم يعفُ الورثة عن القتل وجب القتل وإقامة حد القِصاص، ولكن إذا عفا منهم أحد -سواء على دية أو بعفو من دون مقابل- ينال هذا الخير وهذا الثواب. ولكن هذا في تنفيذ الحكم، وأما المقتول نفسه إذا كان طابت نفسه بالعفو فيجد هذا الثواب، وإن لم يعفُ الورثة من بعده وقَتلوا هذا القاتل، لكن بطيبة نفسه ينل الثواب، كذلك إذا طابت نفس المقتول ثم وارثه بالمسامحة استحق الجميع هذا الثواب العظيم.
ثم ذكر الخصلة الثالثة في هذا الحديث الذي رواه ابن عساكر في تاريخه: قراءة إحدى عشرة مرة من سورة الإخلاص بعد كل صلاة مفروضة. وقد جاء أيضًا في الحديث: "مَنْ قَرَأَ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَخْتِمَهَا، عَشْرَ مَرَّاتٍ، بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِذًا نَسْتَكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ." ومما صحَّ في الحديث أن المرة الواحدة منها تعدل ثواب ثلث القرآن.
وأمَّرَ رسول الله مرة في سرية أميرًا عليهم، فكان إذا صلى وقرأ شيئًا من القرآن يختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وفي كل ركعة هكذا، فقالوا: إنَّا لم نسمع هذا من رسول الله ولا من أحد غيرك من الصحابة، فإما تقرأ سورة وإما تقرأ الإخلاص! قال: أنا أحب هذه السورة وأقرؤها، فإن أردتم أن أصلي بكم بهذه قراءتي وإلا فليصلِّ غيري. قالوا: لا، أنت أميرنا وصلِّ بنا. فلما رجعوا إلى النبي ﷺ أخبروه، فقال له: "ما حملك على ذلك؟" قال: إني أحبها لأنها صفة الرحمن، قال ﷺ: "حُبُّكَ إيَّاها أدخَلَكَ الجَنَّةَ".
فبشَّره النبي ﷺ ولم يقُل: ابتدعت، فلا تأتِ بشيء من رأسك في الصلاة، ما رأيتني أفعل ذلك ولا أمرتك بذلك! فلم يكن من السنة الفهم الخاطئ المقلوب عن البدعة. وما البدعة المذمومة إلا ما خالف منهج الله ورسوله وخرج عن دائرة الاقتداء والاهتداء.
ولننوِي أن نحافظ على سورة الإخلاص بعد كل صلاة إحدى عشرة مرة، نبدأ بها الآن لتكون بعد صلاة الصبح ثم نواظب عليها بقية الفروض إن شاء الله، فنقرؤها معًا:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، [إحدى عشرة مرَّة].
ربنا تقبَّل مِنَّا يا كريم.
ومن عظيم فضلِ الله إذًا علينا ونعمته أن حضر الدرس معنا الشيخ جمال الدين فاروق، من أكابر علماء الأزهر وخيارهم، أهل النور والسند.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
01 جمادى الأول 1448