(368)
(637)
(484)
شرح الحبيب عمر بن حفيظ على منظومة «هدية الصديق للأخ والرفيق» للحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر. الدرس الثلاثون، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 19 صفر 1448هـ، يبدأ بـ«والأكلُ من حلالِ من هذه الأموالِ»
لتحميل منظومة "هدية الصديق" كاملة pdf
شرح فصل في الحث على أكل الحلال واجتناب الحرام:
"والأكلُ مــن حــــــلالِ *** مـن هـذه الأمـوالِ
فـرضٌ فقـم بـالفـرضِ *** تَـفُوزُ يـوم العـرضِ
واحــذر مـن الحــــرامِ *** فـي أكــــــــلٍ أو إدامِ
أو مـركـبٍ أو ملبـوسٍ *** أو مـوضـع الجلـوسِوكـل استعمــــــــــــــال *** لا تــــــأته بحــــــــــالِ
فقد أتــى الحديـــــــــث *** بأنــــه خبيـــــــــــــثوالحــــــج والصـــــلاة *** والبــــــر والصِّــــلات
والـذكـــر والقيـــــــــام *** والعتـــــق والصيـــام
مـــع أكلـك الحـــرامـا *** لا تــوصـــلك مرامـــــابـل هـي مـن الـذنـوب *** عنـــد أولــي القلــوب"
الحمد لله الموفق المعين الآخذ بيدِ المقبلين إلى مراتب القرب مع المقربين، وصلى الله وسلم على حبيبه الأمين خاتم النبيين وسيد المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكته المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وقفنا في هذه الهدية الجليلة والوصية الجميلة في فصلٌ في الحث على أكل الحلال واجتناب الحرام، يقول عليه رحمة الله:
"والأكلُ مــن حــــــلالِ *** مـن هـذه الأمـوالِ
فـرضٌ فقـم بـالفـرضِ *** تَـفُوزُ يـوم العـرضِ"
وذلك أن الله خلق الإنسان على هذا التكوين وهذا البنيان، كوَّن له جسدًا من نطفة أصلها كانت من طين، ثم كانت نطفة من سلالة من ماء مهين وجعل لهذا الجسد أنواعًا من الاحتياجات، وجاء سبحانه وتعالى بالروح الشريف الجليل الرفيع القدر المستوى، وحبسه في هذا القفص الجسداني من حين أن يُكوَّن هذا الجسد في بطن الأم ويخرج من بطن الأم، إلى حين الوفاة والخروج من الدنيا، فيخرج الروح من هذا الجسد، ويعود الجسدُ إلى ترابه؛ إلا أجسادًا عُمِّرت بالمعرفة والمحبة فلا تأكلها الأرض وتبقى للاستعداد للحشر في يوم العرض، فتُحرم على الأرض أن تأكلها، وتأكل جميع الأجساد الأخرى وتتحول إلى تراب، ويبقى من كل جسد عَجْبُ الذَّنَب وهو عظم صغير في آخر الفَقَار الظهري عند العصعص لا تأكله الأرض، فإذا نزل المطر بين النفختين؛ أعاد الله الأجساد التي قد اضمحلت في التراب كما كانت، وهو الذي ابتدأ خلقها من طين، ثم جعل نسلًا من سلالة من ماء مهين، وهو القادر على ما يشاء جل جلاله.
في خلال المدة هذه يحتاج هذا الجسد إلى أنواع من التغذية، ومنه طعامه وشرابه، ثم ملبسه ومسكنه، فهي ضروريات له في هذه الحياة الدنيا، اختبره الله فيها أن يكتسبها من الحلال ويجتنب الحرام؛ ليكون هذا الفارق بين ذوي الحاجات من المؤمنين ومن الكافرين، من الصادقين ومن الكاذبين؛ فالكفار الكاذبون والفاسقون لا يبالون من أي شيء أكلوا، وأي شيء حصلوا، يحرصون على المال من حيث هو، ولا يبالون ما لبسوا ولا ما سكنوا ولا ما طعموا ولا ما شربوا، وفيهم وفيمن شابههم جاءت الآثار: "ومن لم يبالِ من أي باب دخل عليه الرزق، لم يبالِ الله به في أي وادٍ من أودية جهنم أهلكه"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ويمتاز المؤمنون والصادقون المخلصون أن يتحروا في مطعمهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم بل ومركبهم، بل وجميع ما يزاولون في الحياة أن لا يكون إلا مما أحلَّ مكوّن أجسادهم، ومكوّن المواد من حواليهم، ومكوّن الأرض ومُمَهِدها لهم، ورافع السماء من فوقهم جل جلاله، وواضع هذه القوانين كلها والنواميس ليحيا الناس فيها الحياة الملائمة والمناسبة، فيخافونه ويتحرون، ولا يرضون بلبس حرام ولا بأكل حرام ولا بمسكن حرام ولا بشرب حرام ولا بمركب حرام وما إلى ذلك، فأولئك هم الذين آمنوا بالله تبارك وتعالى؛ ولذا كان من علامة النفاق الخفي: عدم المبالاة بأخذ المطعم أوالمشرب أوالملبس أوالمسكن أوالمركب من غير حله، هذه علامة النفاق الخفي -والعياذ بالله تبارك تعالى- فإن الذي يؤمن بهذا الإله يخشاه ويخشى محاسبته تبارك وتعالى في علاه، والنفس والشيطان والهوى والدنيا تُغْرِي الناس بأنْ يأخذوا كل ما قدروا عليه، لا يبالون أحلالٌ أم حرام أم بشبهة أم بغير شبهة، هذا دواعٍ يقع فيها من ضَعُفَ إيمانه ومن لم يصدق مع عالم سره وإعلانه الله جل جلاله.
ولذا كان الأكل من الحلال قال: إن هذا فرضٌ، وجاء في الخبر: "طلَبُ الحلالِ فريضةٌ بعدَ الفريضَةِ"، ويَسَّر الله تعالى المكاسب الحلال مهما انتشرت أنواع الربا والفساد والظلم والغصب والنهب والإجحاف، فإنه لا يزال على ظهر الأرض ما يكفي المؤمن ويكفي ضروراته من الحلال، حتى جاء في الآثار: "لو استحالت الدنيا دمًا عبيطًا لجعل الله قوت المؤمن منها حلالًا"، وتنتشر الشبهات وتأتي أوقات وقد أتت أخبر عنها نبينا: "لَيَأْتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ لا يَبْقى أحدٌ إلا أَكَلَ الرِّبا، فإن لم يَأْكُلْهُ أصابه من غُبارِهِ"، وعمل جنود إبليس من شياطين الإنس والجن على نشر الربا في الشرق وفي الغرب مخالفين جميع الشرائع المُنزلة من السماء، ومخالفين حتى ما ينفع الناس على الحقيقة، فوصل الناس إلى ما وصلوا إليه، ونشروا الربا في شرق الأرض وغربها وأوصلوه إلى مختلف الأماكن والمساكن حتى صارت أماكن الربا تُبنى بجوار المساجد، وانتشر الربا بأصنافه في هذه البنوك الربوية التي غزت العالم، وتحقق ما قال سيد الوجود ﷺ ووصل غبار الربا إلى مختلف البيوت والأماكن؛ ومع ذلك ففرقٌ بين من يبالي ومن لا يبالي، وفرق بين من يدخل في محل الشبهة غير مبالٍ أو محل عين الحرام غير مبالٍ، وبين من يشمئزُ من ذلك ويبتعد ما استطاع وما تمكن، فالفوارق قائمة بينهم.
"والأكلُ مــن حــــــلالِ *** مـن هـذه الأمـوالِ"
"فـرضٌ" ومن هنا نعلم أن ما يتعلق بكسب الحلال وبتهيئة أسبابه، وهو من جملة المسؤوليات على أولياء الأمر من المسلمين وعلى عقلائهم ممن لا تُلْهِيهِمْ التجارات والبيع عن ذكرِ اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أن يسعوا ما يستطيعون لكفِّ أنفسهم ومن قدروا عليه من مجتمعاتهم من الحلال، ويقيموا لذلك فرصًا ومشاريعَ وأعمالًا من زراعة وصناعة وتجارة إلى غير ذلك مما يُكسب به من الحلال، ولو قاموا به على وجهه لبورك لهم فيه، ولكفاهم وأغناهم عن كل معاملات الحرام والشبهات والبلاء الواقع في الأمة.
فصار الأكل من الحلال من قوام هذا الدين، ويقول ابن عمر عليهما رضوان الله تبارك وتعالى: "لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار وقمتم حتى تكونوا كالحنايا، لم يُتقبل ذلك منكم إلا بورعٍ حاجز"، يحجزكم عن الشبهات والمحرمات، من دون ورع حاجز:
وَطَاعَة مِمَّن حَرَامًا يَأْكُل *** مثل الْبناء فَوق موج يَجْعَل
واحد يصلّح له قصر، يأتي بالإسمنت والقصب والحديد والأحجار إلى البحر، يحطه في البحر، سنة كم سيطلع القصر حقك يا مجنون؟!! لابد لك من أساس تقوم عليه أما تضعه في الماء!! إيش يطلع من قصر هذا؟! لو معك مئة قصر أو ألف قصر سيبتلعها عليك ويروح بها؛ فكذلك الأعمال الصالحة مع الأكل من الحرام، تلهف عليك الأعمال، ما عاد يبقى لك عمل صالح، ولا يصح لك عمل صالح والعياذ بالله تبارك وتعالى إذا لم تتورع فيما تأكل وتشرب وتلبس وتسكن وهكذا.
قال تعالى في عتابه على قوم لم يبالوا بالمساكن يقول: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم:45-47].
قال:
"والأكلُ مــن حــــــلالِ *** مـن هـذه الأمـوالِ
فـرضٌ فقـم بـالفـرضِ *** تَـفُوزُ يـوم العـرضِ"
يوم عرض الأولين والآخرين على الله، ويُنادى كل مكلف ولو كُلّف في عمره ساعة واحدة، ينادي منادٍ ليقُم فلان بن فلان للعرض على الله، لو أدرك من زمن التكليف ساعة واحد دُعِي اسمه ونُودي ليقُم للعرض على الله، ليقُم للعرض فلان بن فلان، ولا واحد يتخلف (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47] كما قال الله جل جلاله، فيعرضون يوم العرض، يوم العرض على الرحمن جل جلاله.
"واحــذر مـن الحــــرامِ *** فـي أكــــــــلٍ أو إدامِ
أو مـركـبٍ أو ملبـوسٍ *** أو مـوضـع الجلـوسِ"
"مـوضـع الجلـوسِ": السكن.
وكـل استعمــــــــــــــال *** لا تــــــأته بحــــــــــالِ
فقد أتــى الحديـــــــــث *** بأنــــه خبيـــــــــــــث"
الحرام؛ الحرام خبيث قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:157]،(قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [المائدة:100].
"…………………..*** لا تــــــأته بحــــــــــالِ
فقد أتــى الحديـــــــــث *** بأنــــه خبيـــــــــــــث"
ثم يقول:
"والحــــــج والصـــــلاة *** والبــــــر والصِّــــلات"
"الصِّــــلات": الصدقات والعطاء
والـذكـــر والقيـــــــــام *** والعتـــــق والصيـــام
مـــع أكلـك الحـــرامـا *** لا تــوصـــلك مرامـــــا
ما لها نتيجة، فاسدة، ما لها ثمرة لأن الأكل حرام، وإذا الأكل حرام الحركة كلها قائمة على الأكل؛ الله رتب بقاء هذا الجسم وقوته إلى الحين المحدود، رتبه على التغذية والتغذية بالأكل، فإذا كانت التغذية من حرام والعمل تريده صالح، كيف يكون؟ "كُل ما شئت فمثله تعمل"؛ ما قام على الحرام يرجع كله إلى الحرام وهكذا.
ولذا كان يُذكر في بعض المعاني الدقيقة في شؤون الإمام الشيخ عمر بامخرمة عليه رحمة الله تبارك وتعالى باللهجة العامية الدارجة ويقول: الذي ما يذوق معنى محبة الله في إيثاره على ما سواه وتركه الدنايا من أجله حتى يعشق قرب ربه متحققًا بحقائق الإيمان واليقين، هذا ما ينفع صلاته ولا قراءته ولا قيامه في الليل ولا شيء من هذه الأعمال يقول:
ولو بات ليله يصلي *** وشفته يطيل القيام
ولا له في الحب مَشْرَب *** فما عُدَّه إلا حرامي
ما عُدَّه إلا حرامي! هذا حرامي قال: هو والقيام حقه وركوعه هذا حرامي؛ لأنه ما له صدق مع الله في قلبه ولا محبة، وهكذا من لا يبالي ما أكل وما دخل بطنه، قد كان احتياط الصحابة وصل إلى أن يسألوا إلى سابع يد: هذا من عند مَن؟ رجل تقي ورع، وأخذه من مَن؟ وأخذ ذاك من مَن؟ ومن أين أصله جاء من مَن؟ إلى عند سبعة يتأكدون أنه من حلال وأنهم أتقياء، يأخذونه -لا إله إلا الله- وهكذا يحتاطون عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
قال: وإلا:
"والحــــــج والصـــــلاة *** والبــــــر والصِّــــلات
والـذكـــر والقيـــــــــام *** والعتـــــق والصيـــام
مـــع أكلـك الحـــرامـا *** لا تــوصـــلك مرامـــــا"
لا يثبت لك ثوابها، ولا تنال الدرجات بها، ولا يحلو لك وصل الله فيها.
"بـل هـي مـن الـذنـوب *** عنـــد أولــي القلــوب"
فما عُدَّه إلا حرامي!، قال بعد ذلك: فإذا عرفت ذلك وأردت الاحتياط لدِينك، فعندك:
والســعي على العيــــال *** بالكسب الحلال
فيه فضـــائل جَمَّـــــــة *** …………..
كما سيأتي تفسير ذلك أو شيء من ذلك إن شاء الله تعالى.
رزقنا الله اغتنام الأعمار وصرفها فيما يرضي ربنا الغفار، وحسن السعي في الليل والنهار لما يوجب الفوز و الاستقرار في دار القرار مع النبي المختار والعباد المقربين الأطهار، اللهم آمين.
22 ربيع الأول 1448