(368)
(637)
(484)
شرح الحبيب عمر بن حفيظ على منظومة «هدية الصديق للأخ والرفيق» للحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر. الدرس التاسع والعشرون، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 15 صفر 1448هـ، يبدأ بـ«مع ترك كل عادةِ توجب كل شقوةِ»
لتحميل منظومة "هدية الصديق" كاملة pdf
مواصلة شرح فصل في الحث على اغتنام الوقت وعمارته بالخير:
مَـعْ تَـرْكِ كُـلِّ عَـادَةِ *** تَـوجِـبُ كُـلَّ شِقْـوَةِ
أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ *** لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ
وَمَنْ عَنِ المَعَــالي *** وَذُرْوَةِ الكَمَـــالِ
عْجَـــزْ فَلْيُحَــــــــاذِرِ *** مِـنْ فِعْـلِ كُـلِّ خَـاسِـرِ
وليـأتِ بـالعـزائــــم *** والتــركِ للمــآثــم
عَسَـى يَكـــــونَ سـالمـــا *** إن لـن يَكـون غَـانِمـا
واصل الشيخ عليه رحمة الله بعد ذلك ذكر الفصل في ذكر الله تعالى، ثم ابتدأنا في الفصل الذي يحث فيه على اغتنام الوقت وعمارته بالخير، إلى أن انتهينا إلى قوله عليه رحمة الله تعالى:
"مَـعْ تَـرْكِ كُـلِّ عَـادَةِ *** تَـوجِـبُ كُـلَّ شِقْـوَةِ"
وذلك أنه ينساب ويترسخ في مجتمعات المسلمين عادات تأتي من قِبَل الأنفس والأهواء، أو من قِبَل التشبه بطوائف من الشرق أو من الغرب، فيعتادونها في حياتهم، فيحافظون عليها ويجعلونها من أساسيات عرفهم ومجتمعهم، وهي ليس لها في الشرع المصون استحباب ولا ندب ولا مكانة، وبعضها قد يكون فيه من التكلف المنهي عنه، والخروج عن دائرة اللطف واليسر والمعونة.
يقول: "مَـعْ تَـرْكِ كُـلِّ عَـادَةِ": فما اعتاده الناس سواء في يومياتهم أو في مناسباتهم؛ سواء من زواج، أو من قدوم غائب، أو من بناء بيت، أو من وفاة ميت إلى غير ذلك، معتادوه مما فيه التكلف أو فيه ما يخل بأدب الشريعة، أو ما يخالف الشريعة من مثل الكلمات الماجنة في الأعراس، أو اختلاط النساء بالرجال، أو استعمال الآلات المحرمة إلى غير ذلك من كل عادة ما لها أصل في الشرع؛ فينبغي أن لا تأسرنا، وأن لا تملكنا، وأن لا نكون أسراء لها، بل نتركها ونرفضها.
"مَـعْ تَـرْكِ كُـلِّ عَـادَةِ": وفي ذلك يقول في بعض كلامه: "إن العوائد في تعوادِّها السم"، بعض الأشياء يعتادها الناس يقولون: لا بد منها، ونعمل كذا، ونأتي بثوب وصفه كذا، أو نعمل عزومة بوصف كذا وكذا ولا بد منها في وقت كذا؛ فيتكلفون بها تكلفات، ويتدينون لها ديون، ويباهون بها ويفاخرون، ويخرجون عن سنة الأمين المأمون ﷺ؛ فلا ينبغي أن نُحَكِّم هذه العادات، والعادة كما قال الإمام الحداد: "إذا رسخت نسخت"، إذا رسخت في الناس وتعودوها؛ تنسخ العرف، تنسخ الحكم الشرعي، تنسخ حقيقة ما فيها، وتكون كأنها مُسَلَّم لها وهي الحاكمة، فينبغي أن لا يكون ذلك منا؛ بل نأخذ من العادات ما تعلق بالسنن والآداب، ومن هنا وجدنا أن عادات السلف الصالح في مثل هذه البلدة وكثير من بلاد الأخيار كلها قائمة على السُنن، يعتادون السنن ويجعلون عاداتهم -سواء في زواجات أو في غيرها- سنن، ما سَنَّه ﷺ وما شرعه ﷺ يجعلونه هو العادة، فينساقون وراء السنن الكريمة.
وهكذا حتى قال الإمام أحمد بن حسن العطاس : "إني تأملت العادات في تريم وعادات السلف فوجدتها كلها لها أصل من الكتاب والسنة، إنه قد أرى العادة ما أعرف لها وجه، ثم لما نقرأ كتب السنة الكبار نجد أصلها موجود في كتب السنة"؛ لأنهم صبغوا حياتهم بصبغة الدين، بصبغة المتابعة للنبي الأمين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
والناظم المؤلف عليه رحمة الله لما انتقل من تريم إلى قرية المسيلة، كان هو ومن معه ما يتركون عادة من العادات التي ليست من السنن تثبت في البلد أبدًا، فإذا كان اعتاد الناس شيء ظُهر يصلحوه العصر، صلحوه العصر يصلحه ليل، في أي شيء يخالفون، ما تثبت عادة، ومرة يصلحوا كذا، ومرة يصلحوا كذا، حتى صارت المسيلة في وقتهم ما شي عادة، إلا كلٌ على حسب ما يتيسر له وما يقوم به يعمل وخلاص؛ شي عادة؟ ما شي عادة راسخة على الناس عُرف لابد يعملونه ولابد يقوم به في الأحوال، تعمدوا ذلك حتى ربوا أهل قريتهم على ذلك.
"مَـعْ تَـرْكِ كُـلِّ عَـادَةِ *** تَـوجِـبُ كُـلَّ شِقْـوَةِ"
تكلف، ودين، وسهر، وتعب، ومماراة، ومفاخرة، وربما تسفير الأولاد من أجل يأتوا بالمقابل لهذه الصرفيات! شقوة من الشقوات، كلها شقوة؛ فلا تعمل إلا ما ترجو به ثوابًا من عند ربك، ورضًا من ربك، وقربًا من ربك هذا هو الأمر الطيب، وإن تكلفت فيه بعض الشيء.
قال: "أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ": أو تعمر الوقت بقضاء خلة أي: حاجة، الخلة: الحاجة، تقضي حاجة من حوائج المسلمين، "لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ".
"أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ *** لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ"
تقضي خلة: يعني حاجة، وجاء في الحديث أنه ﷺ قال لبعض أصحابه: لأن تمشي في حاجة أخيك فتقضيها خير من أن تعتكف في مسجدي هذا عشر سنين، اعتكاف في المسجد النبوي عشر سنين كم ثوابه؟ قال: تمشي في حاجة مسلم فتقضيها خير لك؛وهكذا تعجب!.
كان معتكف في المسجد ابن عباس، وجاء واحد له حاجة، خرج معه، ثم قال له واحد: تخرج من اعتكافك في المسجد؟ قال: سمعت النبي يقول: لأن تمشي في حاجة أخيك المسلم فتقضيها له خير لك من أن تعتكف في مسجدي هذا عشر سنين.
فقضاء حاجات المسلمين من القربات إلى الله تبارك وتعالى، وكل حاجة يحتاجون إليها، قال ﷺ: "مَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ"، فيقضي الله حاجاتك في الدنيا وفي الآخرة باهتمامك بقضاء حاجات المسلمين.
"أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ *** لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ"
وخصوصًا إذا كان ذلك المؤمن أو المؤمنة من الضعفاء، من الذين لا يستطيعون السعي، ويعظم الأجر والثواب إذا كانوا مع ذلك من أرباب الصفاء والنقاء والتقى والمنزلة عند العلي الأعلى، فخدمتهم من أكبر المقربات إلى رب الأرض والسماوات، وسبب لرضوانه الأكبر جل جلاله، والسبق إلى الجنات؛ خدمة ذوي الحاجة من الأخيار والصالحين، من المؤمنين عامة ومن خاصتهم خاصة.
"أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ *** لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ
وَمَنْ عَنِ المَعَالي *** وَذُرْوَةِ الكَمَـالِ
عْجَـــزْ فَلْيُحَــــــــــــــاذِرِ *** مِـنْ فِعْـلِ كُـلِّ خَـاسِـرِ"
يقول: وإذا لم ترتقِ في قضاء الأوقات إلى فعل الأفضل والأجمل والأعلى، فلا أقل إذا كنت عاجز أن تحاذر الفساد والشر والمعصية والإثم والمكروهات وتبتعد عنها.
"وَمَنْ عَنِ المَعَالي *** وَذُرْوَةِ الكَمَـالِ
عْجَـــزْ فَلْيُحَــــــــــــــاذِرِ *** مِـنْ فِعْـلِ كُـلِّ خَـاسِـرِ"
وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات هذا فعل الخاسرين، يقصد لاتصل إلى هذا الحد، فإن لم تلحق بالأفق الأعلى، فلا تهوِ لأسفل سافلين! وتوسط في أمورك، وابتعد عن المحذورات والمحرمات والشرور.
"وَمَنْ عَنِ المَعَالي *** وَذُرْوَةِ الكَمَـالِ
عْجَـــزْ فَلْيُحَــــــــــــــاذِرِ *** مِـنْ فِعْـلِ كُـلِّ خَـاسِـرِ"
"وليـأتِ بـالعـزائــــم": التي يقدر عليها.
"………………..*** والتـركِ للمـآثـم
عَسَـى يَكــــــــونَ سـالمـــا *** إن لـن يَكـون غَـانِمـا"
إذا ما وقع غانم يظفر بالغنائم الكبرى، يكون سالم؛ السلامة أحسن من الوقوع في المحذور والعطب، فأقل شيء إذا لم تكن من أهل الغنائم فكن سالم، سالم من المآثم ومن الذنوب والمعاصي، فهكذا اعرف قدر عمرك الذي أعطاك الله إياه.
آخر ما ذكر عندنا فيما مضى: "أو فــي اكتسـاب البُلْغَـةِ": أي ما يتبلغ به الإنسان في الحياة من طعام وشرب وملبس ومسكن وما إلى ذلك مما يكفيه.
"………………… *** مـن حِلِّـهِ فـي عِفَّــــــــةِ
ممــا يفـــي بـالحـــاجـةِ *** مــن لقمـــة وخِــرْقَـــــةِ
بنيــــــــةٍ صــالحــــــــةِ *** لا لـــريــاء أو سمعــةِ
مـــع تــركِ كــل عــــادةِ *** تــوجــبُ كــلَّ شقــوةِ"
أو يعمر الوقت:
"أَوْ فِـي قَضَـاءِ خَلَّـةِ": حاجة
"……………….*** لِمُـؤْمِـنٍ وَمُـؤْمِنَـةِ
وَمَنْ عَنِ المَعَالي *** وَذُرْوَةِ الكَمَـالِ
عْجَـــزْ فَلْيُحَــــــــــــــاذِرِ *** مِـنْ فِعْـلِ كُـلِّ خَـاسِـرِ"
وليـأتِ بـالعـزائــــم": بما يقدر عليه.
"……………….*** والتـركِ للمـآثـم
عَسَـى يَكــــــــونَ سـالمـــا *** إن لـن يَكـون غَـانِمـا"
21 ربيع الأول 1448