هدية الصديق - 28 | من قوله: واغتنمنْ للصحة والعافية والفسحة

للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب عمر بن حفيظ على منظومة «هدية الصديق للأخ والرفيق» للحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر. الدرس الثامن والعشرون، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 14 صفر 1448هـ، يبدأ بـ«واغتَنِمَنْ للصحة والعافيه والفسحة»

لتحميل منظومة "هدية الصديق" كاملة pdf

شرح فصل في الحث على اغتنام الوقت وعمارته بالخير:

واغتَنِمَـــــنْ للصحــــةْ *** والعـــافية والفسحــــةْ

فــــإن كــــل ســـاعــــةٍ *** ولحظــــــةٍ وخطـــــرةٍ

ليـــس لهــا مــن قيمــةِ *** ولا لهــا مــن رجعــةِ

فكــن علــى السـاعـاتِ *** مـن سـائـر الأوقـــاتِ

مـــن ليـــــلٍ أو نهــــارٍ *** مـن عصـرٍ أو إبكــــارِ

شفيـــق بـالـوقــت فــلا *** تُنفِقْـــهُ إلا فــي العُـــلا

مـــــن كثـــــرة الأورادِ *** والـــذكــرِ للمعــــــــــادِ

والفكـــرِ في الخليقــــةْ *** والسيــــر في الحقيقــــةْ

أو فــي اكتسـاب العلـمِ *** مـن كـل عِلْـمٍ يحمــــــي

صاحبَــــــهُ عــن إثـــــمٍ *** وعـــن جميــع الـــــــذَمِّ

أو فــي اكتسـاب البُلْغَـةِ *** مـن حِلِّـهِ فـي عِفَّــــــــةِ 

ممــا يفـــي بـالحـــاجـةِ *** مــن لقمـــة وخِــرْقَـــــةِ

بنيــــــــةٍ صــالحــــــــةِ ***  لا لـــريــاء أو سمعــةِ 

مـــع تــركِ كــل عــــادةِ ***  تــوجــبُ كــلَّ شقــوةِ

 

نص الدرس مكتوب:

ثم يقول عليه رضوان الله تعالى: "فصلٌ في الحث على اغتنام الوقت وعمارته بالخير"، أكرمنا الله وإياكم بذلك، ووفقنا لذلك ووهبنا لذلك في لطفٍ وعافيه؛ قال:

"واغتَنِمَـــــنْ للصحــــةْ *** والعـــافية والفسحــــةْ"

 فإنها وصية صاحب الرسالة وخاتم النبوة لنا يقول: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ" يقول ﷺ، فمنها: اغتنام الصحة قبل السقم، والصحة والعافية من منن الله تعالى التي لا يقوى على إعطائها غيره سبحانه وتعالى.

 "اللَّهُمَّ إِنَّا أَمْسِينا مِنْكَ فِي نِعْمِةٍ وَعَافِيَةٍ وَسَتْرٍ، فَأَتمِمْ نِعْمَتَكَ عَلِيّنا وعَافِيتَكَ وَسَتْرَِك فِي الدُّنْيَا والآخِرَة". 

"نَسْأَلُكَ العَفْوِ وَالعِافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ الدِّائِمَةَ فِي دِينَنا ودُنْيَانَا وأَهْلِينَا وأَمَوالِنا وَأَولادِنا، اللِّهُمِّ اسْتُرْ عَورَاتِنا وآمن رَوْعَاتِنا".

"واغتَنِمَـــــنْ للصحــــةْ": بصرفها في مرضاة الرب تعالى، وفيما هو أولى أن تقوم به في الحال الذي أنت فيه، والوقت الذي أنت فيه، والمكان الذي أنت فيه؛ فيكون الأفضل لكل أحدٍ بحسب الحال الذي هو فيه والوقت والمكان الذي هو فيه، ما هو أحب إلى الرب وأقرب إلى الرب سبحانه وتعالى:

  • أوله ما تَوَجَّهَ من فرائض، سواءً فرائض صلوات، أو زكوات، أو صيام، أو قول الصدق، أو نفقة قريب، أو بر والدين، وما إلى ذلك من الفرائض. 
  • ثم إذا فرغ من هذه الفرائض وعنده وقت فيه صحة وفيه عافية، فأمامه خيرُ المندوبات: 
    • ومنه أساسيات تتعلق بنفسه، مثل الرواتب في الصلوات، ومثل صوم شيء من الأيام في الشهر -ثلاث أيام-، مثل قراءته نصيبهُ من القرآن في كل يوم وليلة. 
    • ومنه ما يتعلق بغيره من تعليم و إرشاد، أومساعدة أو إنقاذ، أو إدخال سرور أو زيارة وما إلى ذلك. 

فينظر ما أمامه وما يهتدي أنه الأفضل لهُ فيغتنم صحته في ذلك.

"واغتَنِمَـــــنْ للصحــــةْ *** والعـــافية والفسحــــةْ"

"والفسحــــةْ": أي الفراغ والإمداد لك من الله تعالى بالمُهْلَة، فما وجدتَ ذلك فهي من نفحات المالك، في كل نفس من أنفاسك يمكنك أن تقرب، في كل نفس من أنفاسك يمكنك أن تتنور، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن ينكشف عنك حجاب، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن تدرك رِضا، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن تعتلي درجة، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن تحوز مرتبة، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن تشاهدَ قرب خير البرية ﷺ، في كل نفس من أنفاسك يمكن أن تتحقق بصفة صالحة حسنة محمودة ترفع قدرك، في كل نفس من أنفاسك يمكن أمثال هذا.

فإذاً:

"فــــإن كــــل ســـاعــــةٍ *** ولحظــــــةٍ وخطـــــرةٍ"

"ليـــس لهــا مــن قيمــةِ": قيمتها ذهب؟ فضة؟ جواهر؟ حُكم ؟ كل ما في بالك ما هو قيمة لها، هي أغلى من هذا، لأنه لو جَمَعْتَ الجواهر والذهب والحُكم والشهرة تريد تزيد بها خطرة ما تقدر، تريد تزيد بها لحظة ما تقدر، ومن خلال اللحظات ممكن تتكسب أي شيء ممكن، لكن بأي شيء آخر ممكن تكسب اللحظات؟ تشتريها من أين؟ تأتي بها من أين؟ كل نفس من أنفاسك إلا عطية من عطايا مولاك اغتنمه.

"ليـــس لهــا مــن قيمــةِ *** ولا لهــا مــن رجعــةِ"

إذا راحت ماترجع، قال: سأغتنم الباقي؛ اغتنم الباقي لكن الذي فات ذاك ما يمكن يرجع، كيف يرجع؟ راح راح! لو كنت اغتنمته مع ذاك كان القدر أكبر، الذي فات فات؛ إلا أنه من رحمة الرحمن وكرم الكريم المنان، أنه أحيانًا يفتح أبواب تعويضات من عنده كبيرة، يعوض بها شيئًا مما فات بالفضل والإحسان ماهو من عندك؛ أما هي راحت راحت، ما عاد تقدر أن تُرجّعها، لكن هو يعطيك مقابل ذلك، وكان يُمثِّلون بعض أهل المعرفة والتربية والمشايخ يقولون: ناس أقبلوا على ملك من الملوك كريم حسن، فوهبهم مواهب وأعطاهم عطاياه وداموا مدة، بعد مدة تنبه ناس آخرون قالوا: نحن قاعدين في أعمالنا هذه ولا نحصل عُشْر ما يحصل هؤلاء؟ سنرجع للملك ونقبل عليه؛ ورجعوا للملك وصار يعطيهم كما يعطي أولئك، ثم فكروا: أولئك قد معهم  كم من الماضي؟، ورجعوا يبكون له، يقولون: سبقونا ناس وأعطيتهم! فيرجع يزيدهم من عنده شيئًا يعوضهم شيئًا عما فات من عنده، وإذا كان هذا حال ملوك الدنيا، فملك الملوك أولى بالكرم لمن أقبل بالصدق عليه وتذلل بين يديه، جل جلاله.

ما أحد أحسن لنا من ربنا، قط قط قط قط قط، ماأحد خير لنا من ربنا، إلهنا وسيدنا سبحانه وتعالى، ما مثل معاملته معاملة، ولا مثل إحسانهُ إحسان، ولا مثل عطائهُ عطاء، بل وجميع ما كان على أيدي الخلق فمنه هو الذي يرتبه، ولكن هو معدن الفضل والإحسان والجود والخلق والإيجاد والإنشاء والفطرة والوهب والمنح والفتح الله، فما شيء أحسن منه يُعاملك قط، فعامله تفلح وتنجح.

 

"ليـــس لهــا مــن قيمــةِ *** ولا لهــا مــن رجعــةِ

فكـــن علــى السـاعـاتِ *** مـن سـائـر الأوقـــاتِ

مـــن ليـــــلٍ أو نهــــارٍ *** مـن عصـرٍ أو إبكــــارِ

شفيـــق بـالـوقــت فــلا *** تُنفِقْـــهُ إلا فــي العُـــلا"

"شفيـــق بـالـوقــت":  مثل المؤلف عليه رحمة الله تعالى. 

"فــلا *** تُنفِقْـــهُ إلا فــي العُـــلا": أيام كانوا في طلب علم، هو وأخوه طاهر بن حسين، يقول: يا أخي ذا الحين هذا وقت الأكل كل يوم يضيع علينا؟ ومع أنهم يأكلون عن ضرورة ويسمون الله ويعملون بالآداب لكن قال: فيه وقت يضيع ما نكسب فيه علم؛ قال: فيه طريقة؟  قال: فيه طريقة؛ قال: كيف نعمل؟ قال: على واحد واحد، واحد يأكل وواحد يقرأ، إذا كمل هذا يرجع الثاني يمسك الكتاب وذاك يأكل؛ فمن أجل ما يضيع مدة الأكل، قسموا الأكل، ما يأكلون مرة واحدة، واحد يأكل والثاني يقرأ وذاك يسمع مدة الأكل، إذا كَمَّل يتناول منه الكتاب، وذاك يأكل وذا يقرأ حتى لا يفوت هذا الوقت.

سمعت؟ وهكذا كبر على اغتنام الوقت، حتى كان إذا أقبل رمضان يريد ينبه أيضًا أولاده وأسرته على اغتنام الوقت، ويجمعهم وله ساعة في اليوم والليلة يجتمع مع أهله وأولاده يذكرهم وينظر أخبارهم وأحوالهم يقوم بواجب التربية، يقول لهم: ذا الحين رمضان جاء، وأنا أوقاتي كلها موزعة، ما عاد شيء عندي، أريد أن أزيد في رمضان أعمال، أحد يبيعنا وقت منكم؟ من فضلكم أحد يعطينا وقت؟ سأعطيه الذي يريد، ما الذي يريده؟ فقط يعطينا وقت أزيد أعمال؛ وهم يعرفون الوقت ما يمكن يباع، فيتنبهون أنهم ينتبهوا من وقتهم.

وهكذا حتى كان في يوم في الساعة هذه التي يجلس فيها مع أسرته وأولاده، واحد طفل بينهم عطش، كل ما جاء يكلم واحد من أجل يقوم يسقيه ماء، هم مشغولون بالجلوس مع الحبيب عبد الله بن حسين مؤلف هذا، وقدها هي ساعة يغتنمونها في اليوم والليلة؛ شاف ما حد استجاب له وقف وقال: حبيب عبد الله، "اسقنا ماء، شُف أنت يومك جُوَيِّد" يعني أنت لأنك جويِّد وقفت، يعني ما سمعوا كلامي هؤلاء، قال: مرحبا!؛ وقام، وقاموا كلهم، قال: "لا لا لا، هذا طفل شهد لي بالجوادة، أنا سأغتنم شهادته أنا أروح؛ وراح بنفسه إلى عند القربة وصب الماء وأتى به، وسقى الولد ورجع أكمل جلسته معهم! لا إله إلا الله.

في وقته فيما بعد ظهرت ساعات قديمة كبيرة، تعبئ الفير حقها كل يوم، فواحد جاء وقال له: أنتم ما شاء الله محافظين على أوقاتكم، هذه الساعة تضبط الوقت، حطها عندهم، ملئها وحطها؛ ثاني يوم وقفت لأنها تحتاج أحد يشغلها، بعد أيام جاء الرجل وقال: كيف؟ قال: وفقت الساعة ستأخذها خذها، قال الرجل: لا أنت ماعبئتها، قال: كيف؟ ذا الحين أتيت بها تحفظ وقتي أو تضيع وقتي؟ ماعندي وقت أقوم أعبيها كل يوم! أنا وقتي مرتب ماعاد عندي وقت؛ حتى عرف أن ضبطهُ ما هو بالساعة ذا ضبطه، هذا ذا الحين سيصلح له ساعة من ما أدري أيش من نوع، وهو مضيِّع وقته ياغفلة يا لعب يا لهو يا مسخرة!

ولما جاء بعض أولاد التُجّار، وأتى له بساعة وحضر الدرس عند الحبيب عبد الرحمن المشهور، قال له:  فرحان بالساعة حقك هذه التي أتيت بها؟! أنت مضيع أوقاتك! الساعة تصلح لمثل فلان وفلان، شُفه مواظب على وقته، أنت بتشتبح بالساعة حقك؟ -هذه التي بالجيب تلك الأيام مافي حق اليد- تظهر الساعة قدامنا، حافظ على وقتك، إذا كان الساعة بتكون أداة وعون لك لا بأس، وإلا أنت ما أنت حافظ أوقاتك! الساعة تصلح لفلان وفلان، أولئك عيال فقراء أحسن منك يضبطون أوقاتهم، تصلح لهم، ما هو لك أنت، خلاه يتربى ويتعلم، ولا يظهر الساعة قدامهم، وراح ينتبه من وقته.

وهكذا كانوا في التربية والحفظ على أوقاتهم، يقول الحبيب علوي بن شهاب: أنا لاحظته على الشيخ هذا -الحبيب عبد الرحمن المشهور- في كل يوم من أيام رمضان، غير الحزب الذي في المسجد في النهار وحزب في الليل، قبل صلاة التراويح، حزب يقرؤون ربع من القرآن في الليل، ويقرؤون أجزاء من القرآن في النهار بعد الظهر، غير هذا، قال: هو له ختمة كل يوم يبدأ فيها في الصبح وقريب المغرب يحصله كَمَّل الختمة، كل يوم ختمة، كل يوم! لا إله إلا الله.

وذا الحين جاء المفسدون يقولون لنا: سنلعب بأوقاتكم لعب، ولكن ناس منا كثيرين قالوا لهم: مرحبًا لبيكم! لعبوا بمناظر سيئة وبرامج خبيثة، وفي إضاعة للعقل والفكر والقلب والوقت والعمر، وضيعوا على الناس؛ "وكل نفس من أنفاسك جوهرة لا قيمة لها، إذا فاتت لا عودة لها" خلاص فات، ويمكنك أن تغنم فيها غنيمة كبيرة.

 

"فكـــن علــى السـاعـاتِ *** مـن سـائـر الأوقـــاتِ

مـــن ليـــــلٍ أو نهــــارٍ *** مـن عصـرٍ أو إبكــــارِ

شفيـــق بـالـوقــت فــلا *** تُنفِقْـــهُ إلا فــي العُـــلا"

مثل أيش؟ قال:

مـــــن كثـــــرة الأورادِ *** والـــذكــرِ للمعــــــــــادِ"

أي: المرجع والأوبة وهو ذكر الآخرة، وقال تعالى عن سادتنا الأنبياء: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) -المعادِ- (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ)[ص:46-47].

"والفكـــرِ في الخليقــــةْ": في خلق الله تبارك وتعالى وكيف خلق، يقول سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) [الأعراف:185]، (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101]، يقول سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم) [الروم:8].

"والفكـــرِ في الخليقــــةْ": قال تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية:17-22].

"والفكـــرِ في الخليقــــةْ *** والسيــــر في الحقيقــــةْ"

وهي صدق الوجهة إلى الله تعالى بعد استكمال أدب الشريعة علمًا وعملًا وذوقًا.

"أو فــي اكتســاب العلـمِ": من العلوم النافعة.

"........................ *** مـن كـل عِلْـمٍ يحمــــــي

صاحبَــــــهُ عــن إثـــــمٍ *** …………………"

هذه العلوم النافعة تحميك عن الآثام، تجنبك الحرام، وتجنبك بطلان الصلاة وبطلان الصوم وبطلان الزكاة.

"......................... *** مـن كـل عِلْـمٍ يحمــــــي

صاحبَــــــهُ عــن إثـــــمٍ *** وعـــن جميــع الـــــــذَمِّ" 

ما تُذمّ عليهم الأوصاف الذميمة والأخلاق الفاسدة. 

يقول: "أو فــي اكتســاب العلـمِ": كتاب علم من العلوم النافعة؛ العلم النافع ما زاد من خشيتك من الله، وهيأك الاستعداد للقائه جل جلاله، وما نَقّاك عن الشوائب، ورقّاك في المراتب هذا العلم النافع.

"أو فــي اكتســاب العلـمِ *** مـن كـل عِلْـمٍ يحمــــــي"

"صاحبَــــــهُ عــن إثـــــمٍ": يحميك من الوقوع في المآثم بإدراكك من خلال هذا العلم خطر هذه الذنوب وتحريم الحق تبارك وتعالى لها ونهي رسوله ﷺ عنها.

".................... *** ………… يحمــــــي

صاحبَــــــهُ عــن إثـــــمٍ *** وعـــن جميــع الـــــــذَمِّ"

من كل ما هو مكروه ومن كل شبهة، بل عن كل ما لا يعنيه وعما لا يقربه إلى الله، في واسطة العلم النافع.

"أو فــي اكتسـاب البُلْغَـةِ": نفقتك ونفقة والدك ووالدتك أو زوجتك أو ابنك أو بنتك، تكتسب عمل وتقوم به، "لاكتسـاب البُلْغَـةِ": لأداء النفقة الواجبة، مخلصًا الوجهة لله، من حلال، بعيد عن الشبهات فضلًا عن الحرام، غير مُلْتَهٍ بذلك العمل سواء كان وظيفة أو تجارة أو هندسة أو صناعة أو غير ذلك، يكون غير مُلْهٍ لك عن ذكر الله وعن إقامة الجماعة والصلاة في أوقاتها وما إلى ذلك.

"أو فــي اكتسـاب البُلْغَـةِ *** مـن حِلِّـهِ فـي عِفَّــــــــةِ" 

تعفُّف عن الشبهات والمكروهات فضلًا عن الحرام.

 "ممــا يفـــي بـالحـــاجـةِ *** مــن لقمـــة وخِــرْقَـــــةِ"

لأن هذا حاجاة الإنسان، وكذلك مسكنه، وكذلك ما يحتاج إليه في سيره من مركوب ونحوه إذا احتاج إلى  ذلك.

"بنيــــــــةٍ صــالحــــــــةِ ***  لا لـــريــاء أو سمعــةِ"

ذالك إنه ﷺ لما قال أصحابه عن الشاب الذي مر بينهم غاديًا إلى الكسب الحلال، فلما نظر إليه بعض الصحابة قال: ليت هذا الجهد والشباب في سبيل الله، فقال ﷺ: على رسلكم، أما إنه إن كان خرج ليُعِفَّ نفسه عن المسألة فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى لأب أو أم  شيخين كبيرين ينفق عليهما فهو في سبيل الله، وإن خرج ينفق على أهل أو ولد فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى لأرملة أو يتيم  أو مسكين فهو في سبيل الله، وإن خرج مفاخراً مكاثراً فهو في سبيل الشيطان.

إن صرف هذه الهمة في العمل من أجل المفاخرة و المكاثرة فهذا في سبيل الشيطان ما هو في سبيل الله، وأما المقاصد الأخرى في التي ذكرها ﷺ يكون هو في سبيل الله.

قال: 

"أو فــي اكتسـاب البُلْغَـةِ *** مـن حِلِّـهِ فـي عِفَّــــــــةِ 

ممــا يفـــي بـالحـــاجـةِ *** مــن لقمـــة وخِــرْقَـــــةِ

بنيــــــــةٍ صــالحــــــــةِ ***  لا لـــريــاء أو سمعــةِ 

مـــع تــركِ كــل عــــادةِ ***  تــوجــبُ كــلَّ شقــوةِ"

لأنه يدخل الشيطان ويُفَرِّغ في المسلمين من خلال عادات يفسح لهم مجالاتها ويعتادونها في مجتمعاتهم ويعدونها كأنها فرائض ومهمات، ويتفاخرون بها ويتباهون ويتعاتبون ويتلاومون على تركها وعلى التقصير فيها، وكلها ما أنزل الله بها من سلطان، هو رتبها لهم وقال لهم الزموها وفتنهم بها.

 

تاريخ النشر الهجري

20 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

01 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام