حال المؤمن مع دروس رمضان والعشر الأواخر منه

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة ، بحارة الروضة، عيديد، تريم، 21 رمضان 1446هـ بعنوان: 

حال المؤمن مع دروس رمضان والعشر الأواخر منه 

فوائد مكتوبة من الخطبة (كيف تكون من المقربين؟) :

https://omr.to/ramadan47

لتحميل الخطبة (نسخة pdf):

https://omr.to/K210946-pdf

نص الخطبة مكتوب:

 

الخطبة الأولى :

   الحمد لله المحيط علمًا بالخفاء والظهور، جاعل رمضان سيد الشهور، واختصّ أواخره بأعظم النفحات والمنن والأجور. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الإله الحق الملك العزيز الغفور، جامع الأولين والآخرين ليوم البعث والنشور، وهو الحاكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فريق في الجنة وفريق في السعير.

وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه البر الشكور.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدك المجتبى المختار سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومن سار على دربهم بالصدق والإخلاص في البطون والظهور، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا عزيز يا غفور.

استعداد المؤمن للعشر الأواخر:

أما بعد،، 

   عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها، تقوى الله التي يترقّى في مراقيها الصائمون، خصوصًا في أيام رمضان يومًا بعد يوم، فلا يصِلون إلى العشر الأواخر إلا وقد ارتقوا في معناها وحقائقها مرتقى، وحازوا على طُهرٍ في الباطن وصفاء ونقاء، يستعدون به لخصوصيات العشر الأواخر، من الجود الوافر والمن الغامر من الإله الفاطر.

حال النبي ﷺ في العشر الأواخر :

ويقتدون بإمامهم وهاديهم وقائدهم زين الوجود محمد النبي الطاهر، الذي كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها من رمضان.

فكان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان "أحيا ليله وأيقظ أهله وشدَّ مئزره" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، مظهر الاجتهاد وهو المجاهد في الله خير الجهاد، وهو المواصل لأصناف القُربات، وأعلى ما يتعبّد به لرب الأرض والسماوات، تحت أمر وخطاب الرب: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.

مدرسة رمضان أثر الصيام :

   أيها المؤمن، وقد مرّ بك العشرون درسًا والعشرون محضرًا من محاضر الصيام والقيام لتؤثّر فيك وتُصفّي باطنك، وتُنقيك عن:

  •  دَرَن الالتفات إلى غير الله 

  • وتعظيم ما سوى الله،

 فلا يجوز لمن آمن بالله أن يُعظِّم إلا ما عظَّمه الله، مِن ملائكة وأنبياء وصالحين وأصفياء، ومِن قرآن وشعائر للرحمن، ومِن جنة ونار، ومِن طاعة ومعصية؛ هذه التي تُعظَّم وتُجَل، هذه التي يعظُم شأنها وخطرها في ميزان مَن آمن بالله ﷻ.

كما أن المؤمن بهذا الإله إذا صحّ إيمانه لا يُحِب إلا من أحبّ الله وما أحب الله ﷻ، من جميع الكائنات والموجودات، فهو يُحِب في الله ويبغض في الله، يُحِب بِحُبّه الناس المؤمنين والصادقين والأخيار ويعادي بعداوته من خالفه من خلقه.

أثر الصوم في النفس :

   أيها المؤمنون بالله، ما عَملت بكم هذه الدروس؟ وماذا زكّت منكم من النفوس؟ وما بقي معكم إلا القليل من الشهر المبارك بخيراته المتتالية ومنن الله المتوالية.

    يا أيها المؤمنون بالله، حالكم مع العشر الأواخر يجب أن يكون أطهر وأزكى وأتقى وأنقى وأرفع وأعلى في قراءة القرآن وتدبره، وتلاوة الآيات والاستلذاذ بسماعها والتأمل لمعانيها، وحمل النفس على العمل بما فيها، وفي تصحيح الصوم ظاهرًا وباطنًا، فلا أكل ولا شرب ولا جماع ولا استقاءة ولا استمناء ولا كذب ولا غيبة ولا رفث ولا لغو، ولا شيئًا من قول الزور ولا من العمل بالزور؛ تنقية للصوم ليقبله الحي القيوم ﷻ، وارتقاء في القيام والصلوات.

عمل الرسول ﷺ واجتهاده في العشر:

وهذا إمامنا وقدوتنا ﷺ  يعبّر عنه في صدق إقباله على المولى وبذله الوسع بشد المِئزر وإحياء الليل، تنظيمًا للأوقات واغتنامًا للساعات، وهو من الدروس التي تتأكد على المؤمن في رمضان لتنسحب في بقية عمره على مراقبة ليله ونهاره، قال ﷻ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. 

فغنيمة الليل والنهار وساعات الأيام والليال تحصيل التذكُّر والشُّكور، تحصيل التذكّر بالتبصُّر والتفقُه في الدين، والتفكُر في واجباتنا ومُهماتنا، وفي عواقبنا ونهاياتنا، وفي مصيرنا ومآلاتنا، وفي مرجعنا إلى عالم ظواهرنا وخفِياتنا، إعمال الفكر في ذلك يُثبّت القدم على السلوك في خير المسالك.

اغتنام أيام العشر الأواخر :

يا من وصل الحادي والعشرين من رمضان، يا من وصل العشر الأواخر من رمضان، ما حالك مع القرآن؟ 

وما حالك مع أيام الليل والنهار؟ 

وما حرصُك فيما بقي من ليالي معدودات؟ 

وأيام معدودات من المعدودات قليلات عظيمات الخير لمن أقبل ولمن صفّا المرآة وصقّل، ولمن أحسن ذكر الله عز وجل، ولمن التجأ إليه وتبتَّل. 

وهي شديدة الحسرة والندامة على من أعرض وتولى، وجعل من أيام أواخر رمضان ولياليه غفلات وألعاب وإهمالات، وربما قضاء الأوقات في التُّرّهات أو البطالات.

ألا لا يليق بمؤمن إلا اغتنام هذه الساعات في الأيام النويرات والليالي الزاهيات؛ بأنواع العبادات والطاعات.

القدوة الحسنة:

    يا أيها المؤمنون بعالم الظواهر والخفيات، قدوتكم خير البريات، فلا يجوز أن تفسحوا لأرباب الغفلات والفسوق والبطالات أن يجدوا إلى قلوبكم مدخلاً فيصرفونكم، فإذا بالقلوب تتعلق بفاجر أو كافر تقتدي به في مسلك أو قول أو فعل أو زي أو لباس أو حركة أو سكون.

    أيها المؤمنون بالله، إنما القدوة الأمين المأمون من أمره الله أن يخاطبنا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

وقال لنا ﷻ : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.

(مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ،

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).

وهذه بعض محطات الدروس في رمضان أن تصقل الأذهان عند الرجال منا والنساء والصغار والكبار؛ أنّ القدوة لا شرقي ولا غربي ولا لاعب ولا ممثل ولا مغني ولا مطرب ولا سياسي، ولا أحد من أهل الشرق والغرب، لكن من انتخبه رب المشارق والمغارب وجعله أطيب الأطايب، وأعلى الخلائق في المراتب، محمد بن عبد الله الرحمة المهداة والنعمة المسداة، وفي الاقتداء به تثبيت الاقتداء بآله وصحبه، وأهل وراثته من أهل علمه وقربه، وأهل ولائه وحبه، أولئكم الذين أمرنا أن نقتدي بهم ورثة الأنبياء الذين قال الله عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) . 

ألا لا مجال للاقتداء بالفجار ولا بالفساق ولا بالكفار، والذي أوصل الاقتداءُ بهم أناساً كثيرين من المسلمين والمسلمات إلى انقطاع عن الله وعن رسوله، وإلى انحراف في فكر أو سلوك، وإلى تسلُّط أعداء الله في مجالات متعددة من مجالات الحياة. 

ألا إن القدوة رسول الله ومن دخل في دائرته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أهل العلم والعرفان والصدق والإيقان.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، هم القدوة وحدهم فليكن ذلك راسخاً في ذهنك وبالك، وفي ذهن أهلك وعيالك، فإن الله تعالى الذي خلقنا لم يرتضي منا إلا الاقتداء بحبيبه وأهل دائرته ومن أشار إليهم في قرآنه ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾.

تنظيم الوقت وقدر الأيام :

   أيها المؤمنون بالله ﷻ، هذا مظهر الاجتهاد من نبينا وإحياء الليالي، لنعلم البرنامج لنا في ليلنا ونهارنا من فرائض موقوتة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

فنُعظِّم أوقات الفرائض ونتفرّغ لها، ومهما قدرنا في أوائلها نؤدي الصلوات وفي الجماعات، ثم بعد ذلك ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.

     أيها المؤمنون بالله، تنظيم الوقت ومعرفة قدر ما بين المغرب والعشاء، وقدر ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وترتيبها كما شرع الله ورسوله مِن مهمات المؤمن في الحياة؛ ليكون غير مُنصاع لما يُعرض له من برامج الغفلات والانقطاعات عن رب الأرض والسماوات، ليعرف قدر الأيام والليال ويعلم اختصاص يوم الجمعة من بقية أيام الأسبوع، ويعلم قدر يوم الإثنين والخميس، ويعلم في الأشهر مكانة الأيام البيض منها، ويعلم في شوال مكان الصيام الست من شوال، ويعلم في أيام العشر من ذي الحجة قدرها، ويعلم القدر ليوم عرفة وليومي العيدين ولأيام التشريق، ويعرف القدر في شهر الله المحرم، ويعلم مواسم الذكرى لأخبار الحق ورسوله في أشهرنا وليالينا ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.

   أيها المؤمنون بالله، تنظيم الوقت والساعات من مهمات المؤمن في حياته، وأن يقيمها على ما أحب المولى سبحانه وتعالى، فإنها غنائم لمن قام بحقها، وهي الحسرات لمن ضيَّعها وفَوَّتها، وليس يتحسّر أهل الجنة في الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها.

إيقاظ الأهل في العشر الأواخر :

    أيها المؤمنون بالله، وفي مهمات الكبيرة معاني "أَيْقِظ أَهْلَهُ" صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان ذلك ديدناً له أيضاً في غير رمضان: "مَن يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ، كَمْ مِن كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَومَ القِيَامَةِ" صلى الله عليه وآله وسلم. 

ولكن يخصّ العشر الأواخر بربط الأسرة كلها والأهل كلهم بِحُسن التعرض للنفحات الكبيرة، والتلقي للمنن الوفيرة من حضرة الرحمن ﷻ، وأيقظ أهله في أداء مهمة مع الأهل والأسرة، أهملها الكثير من الرجال ومن المسؤولين في الديار والأسر، وضيَّعوها وربما في العشر الأواخر فسح المجال لزوجته أو بنته أو أخته أن تذهب إلى الأسواق وتقابل الأجانب بغير تمام الحشمة ولا الحياء، وربما مع رِقّة الصوت وربما مع ظهوره شيء من أجزاء الجسد في بُعد عن منهج الرُّشد، وعن مرضاة الواحد الأحد، وعن مسلك عبده المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلنعلم المهمة.

الدعاء:

     اللهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين، ووفِّر حظنا من دروس رمضان في الصيام والقيام والتلاوة وحضور مجالس الذكر والعلم، وبارك لنا في تعظيم القرآن وليالي ختومه والاجتماع عند ختمه على الوجهة إليك والدعاء، وعلى استماع الوعظ والنصح وعلى موجبات الفوز والنُجح، وتوفير الحظ والربح.

اللهم لا تحرِمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، اجعلها من أزهى أيامنا وليالينا وأبركها علينا في ظاهرنا وخافينا يا أكرم الأكرمين.

والله يقول وقوله الحق المبين ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

وقال تبارك وتعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله مُنوِّر القلوب ومُطَهِّرها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له استوى في علمه باطن الشؤون وظواهرها، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، هادي الأمة إلى طريق رُشدها وطُهرها.

اللهم أدم صلواتك على النور المبين عبدك الأمين خاتم النبيين، سيدنا محمد وعلى آله وأهل بيته المطهرين وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل العلم والمعرفة واليقين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الوصية بتقوى الله في العشر الأواخر:

أما بعد،،، 

    عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله في كيفية قضاء الليالي والأيام من أواخر شهر الفضل والإكرام والمنّ والإنعام، واقتدوا بخير الأنام، وقوموا بواجباتكم مع الأسر ومن عندكم من الأبناء والبنات والأهلين، الذين أوجب الله عليكم الرأفة بهم والرحمة بهم والحرص عليهم، وأن تقوهم وأنفسكم ناراً وقودها الناس والحجارة، فتنظرونَ إلى ألبستهم وإلى اتجاهات أفكارهم وإلى مقاصدهم ونياتهم، وتقيمون الجميع على ما يُرضي الحق في اتباع عبده الشفيع، ذي القدر الرفيع والجاه الوسيع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فتح مكة قدوة في العفو والتسامح:

والذي افتتح في أواخر رمضان من السنة الثامنة من هجرته مكة المكرمة، ودخل فيها بتواضعه وتذلُّله، نصره الله فدخل مكة مطاطئ رأسه تذللاً لله وتواضعاً لعظمته، حتى يكاد لحيته وجبهته أن تمس رحله من تذللـه لله.

وقال لمن عاداه وآذاه وقاتله عدواناً وظلماً ورداً للحق الذي جاء به "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ".

وقال القائل منهم: ما طابت بهذا إلا نفسُ نبي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وعفا عنهم بعد القدرة عليهم، لو أراد أن يؤاخذهم بما عملوا وما اقترفوا وما استحقوا ولكنه عفا وغفر ﷺ.

اتباع النبي ﷺ منهج ودين:

    أيها المؤمنون بالله، منهج زين الوجود محمد هو القُربة وهو عَليّ الرتبة، وهو المُسَلِّم من كل كُربة، وهو المُرقّي إلى مراتب القرب والمحبة ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

فاقتدوا به واتبعوه وأكثروا الصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، واسألوا الله للأمة فتحاً وفوزاً ونُجحاً، فقد نازلتهم النوازل، وتسمعون في كل يوم من قتل الأطفال والنساء ممن لا يبالي بأنفس تذهب، ولا باعتداءات من غير حق، ولا إرادة أخذ الأراضي وإرادة أخذ المصالح غير مبالين بنفوس ولا بأعراض ولا بأموال، أولئك الذين سكِروا وراء الترَّهات والبطالات والزوال والفناء والضلال والعياذ بالله تبارك وتعالى، لا يرعَوون ولا يقفون عند إنسانية ولا عند كرامة ولا عند قِيَم ولا عند واجب ولا عند مهمة في الحياة، إلا ما أُشرِبت قلوبهم من طلب العلو والطغيان وبسط الأيدي على حقوق الخلائق.

الدعاء :

اللهم فرج كروب المسلمين، اللهم ادفع البلاء عن المؤمنين يا حي يا قيوم، استعملَ أهل الكفر في الأرض قواتهم التي ابتليتهم واختبرتهم بها في مدّ الظلم والطغيان والعدوان، اللهم فاهزِم جمعهم واخذلهم وشتِّت شملهم، وفرِّقهم وادفع عن المسلمين شرورهم وضُرّهم.

اللهم وقد بلغوا ما بلغوا من نشر الفساد بين المسلمين، ونشر البغضاء بين المسلمين واستحلال أراضي المسلمين، وأشد منها استحلال قلوب وأفكار كثير من المسلمين، اللهم فَحَوِّل أحوال أهل الإسلام إلى خير حال.

اللهم أنقِذهم وأغِثهم في هذه الأيام والليال، بسر بدر وفتح مكة عجِّل لنا منك بحل وفكّة، تدفع بها عنا هذه الشدائد والبلايا وتصلح لنا بها الظواهر والخفايا، وتقيمنا على الشكر فيما أنعمت علينا من لطف ومنة وأمن وخير.

اللهم تدارك أهل اليمن وأهل الشام وأهل الشرق والغرب من أهل الإسلام، اللهم حَوِّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال، واجعل وجهة كل من ذكورنا وإناثنا سبباً لتعجيل الفرج ورفع الضيق والحرج، واجعل ثباتنا على ما تُحِبه منا سبباً لكشف الشدائد، وإبعاد الآفات والمصائب، يا محوِّل الأحوال حَوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.

ألا أكثروا الصلاة والسلام على سيدنا الإمام خير الأنام، من يصلي رب العرش على من صلى عليه واحدة يصلي عشر مرات.

إنه خير البريات إنه سيد أهل الأرض والسماوات، إنه الشفيع الأعظم يوم الميقات، إنه محمد الذي أنزلت عليه الآيات.

صلوا عليه ليلاً ونهاراً، سراً وإجهاراً، فإن أولى الناس به يوم القيامة أكثرهم عليه صلاة، وإن رب العرش أمرنا بأمر ابتدأ فيه بنفسه وثنى بالملائكة وأيه بالمؤمنين؛ فقال مخبراً وآمراً تكريماً وتعظيماً ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

صل وسلم اللهم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، السراج المنير البشير النذير، الطهر الطاهر عبدك المصطفى سيدنا محمد، 

وعلى الخليفة من بعده صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حاليي السعة والضيق، خليفته سيدنا أبي بكر الصديق. 

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب المنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى محيي الليالي بتلاوة القرآن، ومنفق المال رجاء الرضوان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. 

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب. 

وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بِنَص السنة، وعلى أمهم الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وعلى بنات المصطفى وأزواج أمهات المؤمنين، ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم.

وعلى الحمزة والعباس وآل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم فيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

خاتمة الخطبة الثانية :

اللهم بارك لنا في ليالي العشر من رمضان، وارزقنا فيها القرب والإيقان، وارزقنا فيها الصدق والعرفان وارزقنا فيها طهر القلب والجنان، وارزقنا فيها زيادة العفو من حضرتك عن جميع ذنوبنا والعصيان، وارزقنا اللهم فيها نيل رضوانك الأكبر ومَنِّك الأغمر.

اللهم لا تحرمنا خير ليلة ولا خير يوم، ولا خير ساعة من ساعات الشهر الذي جعلته سيد الشهور، اللهم ثبِّت الأقدام على موجبات الفوز في الدنيا ويوم النشور.

اللهم ادفع عنا وعن الأمة جميع الشرور، اللهم اغفر لنا ووالدينا وذوي الحقوق علينا، والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أحيائهم والأموات إلى يوم الميقات، بأوسع المغفرات وأعظم المغفرات وأشمل المغفرات، فلا تدع خطيئة من الخطيئات ولا سيئة من السيئات إلا غفرتها وبدّلتها إلى حسنة يا جزيل الهبات، يا عظيم العطيات.

وفِّر حظنا من المُنى والهبات، وارزقنا كمال الإنابة والإخبات، وارزقنا الاستفادة من دروس هذا الشهر في السر وفي الجهر، وتدارك أمة نبيك واكشف كروبهم، وادفع البلاء عنهم وارفع خطوبهم، وحوِّل الأحوال إلى خير حال، يا جزيل النوال يا عظيم الإفضال، ارزقنا المتابعة لحبيبك محمد في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال، والحركات والسكنات في الظواهر والخفيات، يا أكرم الأكرمين.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. 

﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. 

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. 

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. 

نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. 

فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نِعَمهِ يزدكم، ولذكر الله أكبر. 

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1446

تاريخ النشر الميلادي

21 مارس 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

الأقسام