الزمان والمكان وعظيم شأنهما في الكسب والزاد ونتائج ذلك .. شهر رجب نموذجا

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة بعيديد، مدينة تريم، 30 جمادى الثانية 1445هـ بعنوان:

الزمان والمكان وعظيم شأنهما في الكسب والزاد ونتائج ذلك .. شهر رجب نموذجا

 

نص الخطبة:

الخطبة الأولى:

 

    الحمد لله، الحمد لله رب الأزمنة والأمكنة، ومُميِّزها بعجائب من حِكَمهِ شرَّف بعضها وأسقط قدر بعضها بحكمتهِ البليغة، وجعل الأزمنة والأمكنة ظروفاً للعاملين وللساعين والمكتسبين، فيها تتمّ اكتساباتهم وأعمالهم ثم يُلقَّون نتائجها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل عدة الشهور اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، ونبيهُ وصفيهُ وحبيبهُ وخليله، شرّف به الزمان والمكان وجعله صاحب القدر العالي في كل شأن.

اللهم أدِم صلواتك على الذي أنزلت عليه القرآن، عبدك المجتبى سيدنا محمد، وعلى آله وأهل بيته المُطهّرينَ عن الأدران، وعلى صحابته الغُرِّ الأعيان، وعلى من والاهم واتّبعهم بإحسان، وعلى آبائهِ وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين رفعت لهم القدر والمكانة والشأن، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

   أما بعد،،

    عباد الله فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، فاتّقوا الله وأحسنوا يرحمكم الله (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)[الأعراف:56].

اتّقوا خالق الأمكنة فلا تعصوهُ في مكانٍ خلقه لكم وهو فيه يراكم، واتقوهُ في الأزمنة فلا تعصوهُ بزمانٍ خلقه لكم وهو فيه يراكم.

   أيها المؤمنون بالله -جلّ جلاله-: تبوّأتُم المنازل الشريفة بالإيمان بالإله الحقِّ الخالق، الذي من لم يعرفهُ لم يُفِدهُ معرفة شيءٍ، أيّ شيء كان سواه، وإذا بلغتهُ دعوتهُ فأباها كان مآلهُ نارَ الجحيم ومأواه، فلا يُفيدهُ شيء كان له في هذه الحياة التي هي ممرٌّ وعبورٌ إلى مكان الاستقرار، وما هو إلا الجنة والنار، اللهم اجعلنا من أهل جنتك وأجِرنا من النار. 

 تشريف الله للمساجد:

   أيها المؤمنون بالله: وشرَّف الله بعض الأمكنة على بعضها، وجعل سبحانه وتعالى للمساجد في الأرض حُرمة وسماها بيوته، وقال: (فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)[النور: 36-38]

  ثم جعل للأمكنة التي يُعبَدُ فيها ويُذكَرُ منزلةً على ما سواها، وجعل للأمكنة التي يكون فيها وجود أو أحداث من يرتضيهم ويصطفيهم منزلة على ما سِواها، ولقد قال الأمين جبريل لسيدنا الهادي الدليل خاتم النبيين وسيد المرسلين: انزل فصلِّ هنا، انزل فصلِّ هنا، انزل فصلِّ هنا.

وفي كل مرة يقول: أتدري أين صليت؟ ثم يقول: عند البقعة التي كلم الله فيها موسى، في بيت لحم حيث ولد عيسى. فبيَّن له أماكن نزل عندها وصلى فيها ﷺ، بقانون تمييز الرحمن للأماكن بحسب وجود أهل القرب منه فيها، ووجود حوادثهم من ولادة وغيرها.

ولقد قال سيدنا عيسى بن مريم فيما حكاهُ القرآن: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)[مريم:31] فتشرَّفت بهم الأمكنة والأزمنة.

وعلى ظهر الأرض جعل الله تبارك وتعالى الذِّروة في الفضل للمساجد، وجعل أشرف المساجد المساجد الثلاثة:

  • المسجد الحرام بمكة المكرمة 

  • ومسجد رسول الله بالمدينة المنورة 

  • والمسجد الأقصى ببيت المقدس في أرض إيليا من فلسطين 

وجعل هذه الثلاثة مُميَّزات ومُعزَّزات ومُعظّمات، وأسرى بِنَبيّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، على ظهر الأرض من مسجد إلى مسجد، (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ)[الإسراء:1]

واجتمع الأنبياءُ وأعدادٌ كبيرةٌ من الملائكة في بيت المقدِس، وأقام الصلاة جبريل وصلى بهم نبيكم المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو الإمام للأئمة في كل مُهِمّة صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وجعلنا الله وإياكم منهم.

أدب الأمكنة:

   أيها المؤمنون بالله: فيجب أن نأخذ الاعتبار للأمكنة، ومن هِنا كان للدخول إلى المساجد أدب، وللدخول على كبار السن والعلماء والأولياء أدب، وللدخول إلى أماكنهم ومساكنهم أدب، وكان للمشي إلى تلك الأماكن حيث يُذكَر اللهُ ويُصلى له ويُطاع ويُعبد مكانة، يقول عنها زين الوجود: "اللهم إني أسألك بِحَقِّ السائلين عليك، وبِحَقِّ الراغبين إليك، وبِحَقِّ ممشاي هذا إليك" -المشي إلى تلك الأماكن على هذا الوصف- "فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة، بل خرجت اتِّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تُعيذني من النار وتدخلني الجنة"

     أيها المؤمنون بالله: ومن قال ذلك في طريقه إلى المسجد تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب للغائب إذا قدم عليهم، وكان في مغفرة لذنبه.

تمييز الأيام والأشهر:

   أيها المؤمنون بالله: والأزمنة شرّفها الله تعالى وجعل لنا في أيام الأسبوع مِيزةً ليوم الجمعة، الذي سماهُ رسول الله ﷺ اليوم الأزهر، وليلة الجمعة التي سماها الليلة الغرّاء، وقال: (خيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)، وميَّز من بعد ذلك الإثنين والخميس، وقال عن الإثنين: (ذاك يوم وِلدتُ فيه ولنِعمَ الصوم فيه) صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقال: (إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله) تبارك وتعالى.

ثم ميَّز مِن بين الأشهر سيداً للأشهر وهو رمضان وأربعةً حُرُم، وجعل للحج أشهر معلومات، وجعل الأربعة الحُرم: ذا القعدة وذا الحجة والمُحرم وشهر من بينها فرد، هو الذي يستقبلكم ليلتكم هذه، إنه شهر رجب الأصب الأصم، الذي كان الجاهلية يأخذون أسِنّتهم فيه ويسمونه مُنَصّر الأسِنة، فيضعون جميع السلاح فلا يقاتلون أحداً في الشهر الحرام.

كيف تستقبلون رجب؟

  أيها المؤمنون بالله -جلّ جلاله-: وفي هذه الليلة التي روى عبدالرزاق في المُصنف وغيره عن ابن عمر أنه كان يقول: إن الدعاء لا يُرَد في خمس ليال في السنة: في ليلة الجمعة وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان وليلتي العيدين.

    أيها المؤمنون بالله: وإذا هلَّ هلال شهركم المُقبِل عليكم قال نبيكم وهاديكم ومعلمكم سائلاً ربه: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان) (اللهم أهِلّ علينا رجب باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام) وظهور الحق ونشر الهدى ونصر الدين المتين الحق المبين الذي بعثتَ به خاتم النبيين، اللهم أهِلّ علينا رجب بالسلامة والإسلام واليمن والإيمان والأمان، والنصرة لك ولرسولك، وردِّ كيد أعدائك وأعداء رسولك من الظَّلَمة الطاغين الغاصبين المجرمين على ظهر الأرض، ورُدّ كيدهم في نحورهم واكفِ المسلمين جميع شرورهم، وأيقِظ قلوب أمة نبيك الأمين. 

   أيها المؤمنون: وفي مثل هذه الليلة المستقبلة لكم كان يُفرِّغ نفسه للعبادة علي بن أبي طالب، عَلَم من أعلام أصحاب المصطفى وآل بيته، وخواصّ ومقربين إليه -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-. 

فانظروا كيف تستقبلون الليلة وكيف تعلمون حُرمة الأوقات، التي هي ظروفٌ لأعمالكم وسعيكم ونياتكم ومقاصدكم وأقوالكم وأفعالكم، وهي الزاد الذي يترتب عليه ارتقاء الدرجات في جنات الله أو نزول الدركات في نار الله المُوقدَة.

فاتقوا الله وأحسِنوا مقابلة الليلة وما بعدها، أكثروا الاستغفار والتّوبة إلى الكريم الغفار، لا يليق بِمؤمن يهِلُّ عليه هلال الليلة وهو متقاطع مع أحد من أرحامه ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، لا يليقُ ذلك الحال، كيف وهو يسمع الكبير المُتعال يُصرِّح باللعن على من اتَّصف بهذه الخصال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد:22] ،(وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)[الرعد:25] أجِرنا اللهم من ذلك.

لا يليق بمؤمن أن يهلَّ عليه هلال هذا الشهر وهو مُكدِّر قلب أبٍ أو أم -عاقٌ لأحد الأبوين-، وعقوقهما فيه غضب الجبار الذي أمرنا أن نقول لهما القول الكريم، وربط سبحانه شُكرَهما بشُكره، وربط بِرَّهُما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده، فقال: (أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)[لقمان:14]، وقال (وَقَضَىٰ رَ‌بُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ‌ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْ‌هُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِ‌يمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّ‌حْمَةِ وَقُل رَّ‌بِّ ارْ‌حَمْهُمَا كَمَا رَ‌بَّيَانِي صَغِيرً‌ا) [الإسراء:23-24]

استقامة الجوارح وتقويمها:

  أيها المؤمنون بالله -جلّ جلاله-: لا يليقُ بمؤمنٍ أن يهِلَّ عليه هلال هذه الليلة وهو مُصِرٌّ على معصية الله بِعينيه، بتتبُّع الصور المُزرية الداعية إلى الفحشاء وإثارة الشهوات المُحرمة، الضّارة بعقله وصحته ودينه وعاقبته، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)[النور:30-31] إلى آخر إرشادات رب الأرض والسماوات جلّ جلاله.

يا مُشَرَّفًا بوحي الله وبالإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ، اعلم مقدار التشريف الذي شرفك به العلي اللطيف جل جلاله وتعالى في علاه، واحتقِر أمامه أفكار وانطلاقات الناس في الأعمال في ظروف الأزمنة والأمكنة، مُتأثرين بوحي شياطين الإنس والجن، إذ (يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا)[الأنعام:112] حتى يوقِفوا كثيرًا مِمن يُنصِت إليه أن يكون في صَفّ الظالمين -إن لم يُباشِر الظلم بنفسه- وأن يكون في تمجيد الفاسقين -إن لم يباشِر الفِسق بيديه وعينه-.

   أيها المؤمنون بالله: مَن أصغى إلى وحي الشياطين هوى، ووقع في الغِواية والردى. 

أيها المؤمنون بالله: شرفُ الإنصاتِ لوحي الله والعمل بِمُقتضاه شريف عزيز كريم رفيع جليل، اعلموا قدرهُ واستقبلوا رجب بِمراعاة حقِّ هذا الشرف، فلا تصرفوا الأعيِن إلى ما حرَّم خالق الأعين لكم، ومن جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون، لا لِتعصوهُ بها ولا لِتخالفوا أمره بها؛

قوِّم عينك أن لا تنظُر إلى مُحَرَّم، أن لا تنظر إلى بيت الغير بغير إذنه، ولا إلى شنطة الغير بغير إذنه، ولا إلى متاع الغير بغير إذنه، قوِّم عينك أن لا تنظر إلى مسلمٍ بعين احتقار.

قوِّم عينك أن لا تنظر إلى زُخْرُف الحياة الدنيا أو إلى كافر أو فاجر بعين ولاء أو محبة أو تعظيم،

قوِّم عينيك لخالقك الذي خلقها لك لتشكره، فتقرأ بها كتابه وتهتدي بها لمصالحك في الحياة، وتنظر وجوه المؤمنين بالمودَّة والمحبة والإحترام، وتنظر وجوه خاصّتهم بالإجلال والإكرام.

  أيها المؤمُن بالله تبارك وتعالى: هيِّئ العين للنظر إلى وجوه النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإلى رؤية الجنة وما فيها، وإلى النظر إلى وجه ربك الكريم

   أيها المؤمن بالله جل جلاله: قوِّم اللسان واستقبل هلال الليلة باستقامة اللسان، فإنه إذا استقام استقامت الأعضاء والبدن كله، وما من يوم إلا وأعضاء ابن آدم تُكفِّر اللسان، اتّق الله فينا فإنما نحن بك، إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا، اللهم قوِّم ألسنتنا، اللهم اجعل في الاستقامة أعيننا وأسماعنا، واجعل في الاستقامة أفئدتنا وجوارحنا، وارزقنا الاستقامة وأكرمنا بها.

وبارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان، واجعل شهر جمادى الثانية شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا، وحُجةً لنا لا حُجةً علينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر واعفُ عنا ما ارتكبنا فيه من تقصيرٍ وذنبٍ وسيئة، وتقبّل ما وفقتنا فيه من حسنةٍ وعملٍ صالحٍ، وضاعفهُ لنا ونمِّهِ عندك يا أكرم الأكرمين.

آيات من سورة التوبة:

والله يقول وقوله الحق المبين (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الأعراف:204] وقال تبارك وتعالى (فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)[النحل:98] ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا ٱلنَّسِیۤءُ زِیَادَةࣱ فِی ٱلۡكُفۡرِ یُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُحِلُّونَهُۥ عَامࣰا وَیُحَرِّمُونَهُ عَامࣰا لِّیُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَیُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُیِّنَ لَهُمۡ سُوۤءُ أَعۡمَـٰلِهِمۡ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ * یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمۡ إِذَا قِیلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ أَرَضِیتُم بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِیلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا۟ یُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِیمࣰا وَیَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَیۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَیۡـࣰٔاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَا وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ * ٱنفِرُوا۟ خِفَافࣰا وَثِقَالࣰا وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰ⁠لِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ذَ ٰ⁠لِكُم خَیۡرࣱ لَّكُم إِن كُنتُم تَعۡلَمُونَ)[التَّوۡبَةِ:36- 41]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، نفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا مِن خِزيهِ وعذابه الأليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروهُ إنه هو الغفور الرحيم. 

 

الخطبة الثانية:

 

    الحمد لله مُكوِّن الأكوان، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والإعلان، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، أتقى الخلق للحق الخلاق، وأرجاهم له وأخوفهم منه في السر والإعلان.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك المختار، سيدنا محمد وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار ومن على منهاجهم سار، وعلى أنبيائك والرسل الذين رفعت لهم الشأن والمِقدار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

تقويم الألسن على ما يحبه الرب:

 أما بعد عباد الله،،

فإني أوصيكم وإيّاي بتقوى الله، فاستقبلوا هلال الشهر بتقويم الألسُنِ على ما يُحِبّه الرب ويرضاه، 

يا من ألِفتَ الغِيبة متى تُقلع عنها قبل أن لا تُبقي لك حسنة وتلقى الله بوجه مُسوَد!؟ 

يا آلِفَ النميمة بين المسلمين، ألا تخشى إن مُتَّ على ذلك أن لا تشُمّ رائحة الجنة، فإنه لا يدخل الجنة نمام؟! 

يا أيها الشاب الشاتم، اذكر الرب الراحم واذكر اليوم الآخر، واتلُ كتاب ربك، وصلِّ على نبيك المصطفى ﷺ، واذكر الله واستغفر كثيراً.

يا جميع المؤمنين اجعلوا لألسنتكم مجالاً واسعاً في شهر رجب من الاستغفار، فقد نُدِبنا إلى ذلك على لسان النبي المختار، فأكثروا فيه من الاستغفار.

   أيها المؤمنون بالله: وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً، ولما سُئِل سعيد بن جبير عن صوم رجب قال: حدثني ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم.

في شهر رجب:

  أيها المؤمنون بالله: وفي شهر رجب نزل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة إرضاء لخاطر المصطفى، الذي جبَل الله قلبهُ على محبة الكعبة المشرفة صلوات ربي وسلامه عليه، وفي أواخر هذا الشهر كان الطلوع على السفينة لسيدنا نوح ومن معه، وكلنا كنا في تلك السفينة فحملتنا بعين عناية الله تعالى حتى كان يوم عاشوراء مِن محرم ورستْ بهم السفينة على الجُودي.

  أيها المؤمنون بالله -جلّ جلاله-: اعرفوا مقدار الأشهر ومعنى تمييز الأشهر الحرم من بقية الأشهر، واتقوا الرب -جلّ جلاله- ولا تظلموا فيهن أنفسكم.

طهّروا بيوتكم:

طهِّروا البيوت من مخالفة الشريعة ومن مخالفة السنة، طهِّروا مناسبات الزواج من مخالفة الشريعة ومن مخالفة السنة، طهِّروا ألبسة الأبناء والبنات من التشبُّه بالفسّاق والفجّار والكاسيات العاريات اللاتي لا يجدن ريح الجنة، لا يدخلنَ الجنة ولا يجدن ريحها. 

أفيقوا من غفلاتكم واحشوا ظرف زمانكم وأمكنتكم بما يوجِب بياض الوجوه (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)[آل عمران:106] وبما يقتضي الفوز عند اللقاء والعرض على الملك الأعلى، والوقوف بين كِفّتَي ميزان تطرح الحسنات هاهنا والسيئات هاهنا، (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)[القارعة:6-11]

اللهم أجِرنا من النار ونسألك العفو والعافية.

الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ:

ألا وزيّنوا الألسن والقلوب بالصلاة على الحبيب المحبوب، فهي من أعزّ ما يُكتنز ليوم تُقلَّب فيه القلوب. 

  أيها المؤمنون بالله: قال حبيب الرحمن "من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً"، وقال: "إن أولاكم بي يوم القيامة أكثركم علي صلاة" وقال الربُّ في شأنها مُعظماً لمقدارِها ومُبتَدِئًا بنفسه ومُثَنِّيًا بملائكته ومُئيِّهًا بالمُؤمنين تعظيمًا وتكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النحل:56]

اللهم صلِّ وسلِّم على حبيبك المحبوب هادينا لأقوم الدروب سيدنا محمد ﷺ، وعلى الخليفة من بعده المختار، وصاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالَييِ السعة والضيق خليفته أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب، المنيب الأواب، حليف المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.

وعلى الناصِح لله في السر والإعلان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.

وعلى أخي النبي المصطفى وابن عمّه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، ليث بني غالب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحَسن والحُسين، سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بِنَصّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا وأمهات المؤمنين وبنات سيد المرسلين وآسية ومريم، وعلى الحمزة والعباس وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصحب الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفِيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء للمسلمين:

 اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان، وأعِنَّا على الصيام والقيام، واحفظنا من الآثام، وحقِّقنا بحقائق الاستغفار والتوبة والرجوع والإنابة والأوبة، وارفعنا رتبة بعد رتبة، ولا تحرمنا خير ليلة ولا خير يوم، ولا خير ساعة من ساعات الشهر يا حي يا قيوم.

اللهم وفرِّج كروب المسلمين، وارفع البلاء والعدوان على أهل غزة وعلى أهل الضفة الغربية، وادفع الشرور والآفات والعاهات عن يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا، وما نازل أقطار المسلمين من التشتت والتفرُّق والتباعد والغفلة وإهمال أمرك وأمر رسولك ﷺ، واستبدال منهجك بأنظمة من كفر وفجر.

يا رب حوِّل أحوال المسلمين إلى حال جميل، وثبتهم على أقوم السبيل، وارحم موتاهم وأحياهم برحمة من عندك تُلحقنا بها بعبادك المقربين أهل الصدق والإخلاص لوجهك الكريم في كل نية وفعل وقيل.

 اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ولأجدادنا وجداتنا، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات موتاهم وأحياهم ومن يأتي إلى يوم الميقات، يا خير الغافرين يا جزيل المغفرات، يا عظيم الرحمات يا جزيل الهِبات، يا ذا الأيادي السخيّات السنيّات، مُنَّ علينا بصفاء القلوب عن الشوائب، والشُّرب من أحلى المشارب، وارتقاء أعلى المراتب، والصدق معك في كل قول وفعل ونية، وأصلِح لنا كل ظاهرة وخفيّة، وبلِّغنا من الخيرات في الدارين فوق كل أُمنِيّة.

 يا من أحاط علمه بكل شيء، يا قادرًا على كل شيء، يا ربّ كل شيء، بقدرتك على كل شيء، اغفر لنا كل شيء، وأصلِح لنا كل شيء، ولا تسألنا عن شيء، لا تعذبنا على شيء؛ فرِّج كروب المسلمين وادفع البلايا عنهم أجمعين، واجعل لنا في رجب ارتقاءً إلى أعلى الرتب، ونقاءً للقلوب عن جميع الشوائب، وفوزًا بالقرب مع كل مُقرّبٍ من عبادك الأطايب.

 

يا حي يا قيوم، فرّج كروب المؤمنين، وادفع البلاء عن المسلمين، واجعلنا في الهُداة المهديين، وكن لنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطناً يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة-201] 

(ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَِ)[آل عمران-147]

(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)[البقرة-250]

(رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)[البقرة-286]

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

(رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الممتحنة-5]

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الحشر-10]

نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله،، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث، 

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل:90]

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمهِ يزدكم، ولَذِكر الله أكبر.

 

 

 

 

تاريخ النشر الهجري

02 رَجب 1445

تاريخ النشر الميلادي

12 يناير 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

الأقسام