(640)
(489)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في الجلسة الأولى من الندوة العلمية في جاكرتا، إندونيسيا، يوم الإثنين 1 جمادى الأولى 1448هـ، تحت عنوان:
المسلك الواعي في التعامل مع الأوضاع والأحداث وولاة الأمور
ثم فقرة المداخلات والأسئلة.
تضمنت الجلسة الأولى بيان المنهج النبوي الصحيح في التعامل مع الأوضاع العامة والسياسية، ومسلك الإمام الفقيه المقدم وعلماء إندونيسيا (كالأولياء التسعة) في إصلاح المجتمعات والتعامل مع الأوضاع دون إثارة الفتن، بالإضافة إلى أهمية الابتعاد عن الصراعات، والتحذير من الحرص على السلطة والإمارة، وتوجيه الجهود نحو التربية وتزكية النفوس، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لتجنب ما يؤدي إلى تفريق الأمة.
ندوة علمية (عُقدت في إندونيسيا)، حول الهدي النبوي والمنهج في كيفية التعامل مع مختلف المتغيرات والمستجدات التي تمر بها الأمة الإسلامية. تقدم الندوة تأصيلاً شرعياً مستمداً من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، نحو بناء وعي إسلامي مُتزن يحفظ استقرار المجتمعات، ويقي الأفراد من الانزلاق في الفتن والنزاعات، مع أهمية تزكية النفوس، وإصلاح الباطن، والدعوة إلى الله بالحكمة.
الحمد لله العليم الحكيم العلي العظيم، الذي أحسنَ كل شيء خَلقه، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المنفرد بالخلق والإيجاد، والذي عَظُم منه الفضل على العباد، والعطاء والمنح والإمداد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، نشهد أنه أرسل إلينا عبده محمدا خير الخلائق بالهدى والدين والحقائق، فنشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وخاتمة أنبيائه وسيد أصفيائه، المُؤْتَمَن على إرساله وإنبائه.
ونسأل الحق أن يُدِيم الصلاة والسلام منه عنا على هذا النبي الكريم، الذي هدانا ودعانا ودلّنا على الخير، وأرشدنا وأنقذنا ونجانا: (وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا).
اللهم لك الحمد شُكراً ولك المَنّ فضلاً، أدِم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى أهل ولائه وقربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل مودة الله وحبه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد، فإننا في هذا المجلس المبارك، الذي نستفتح به ونُدَشِّن كُرسياً لإمام من أئمة هذه الأمة، ووارث لنبي الرحمة ﷺ، سيدنا الفقيه المقدم محمد بن علي، فيما يتعلق بإقامة هذا الكرسي في جامعة "شريف هداية الله" ، عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وفكرة إقامة الكرسي في المعاهد والجامعات، فكرة يقوم عليها استبيان واستيضاح حُسْن المسالك الموجبة للإنقاذ من المهالك، ووعي خطاب الحق المالك، وبيان رسوله الهادي إلى أشرف المسالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من خلال حياة مُصلح من المصلحين، وإمام من أئمة الدين.
وينبغي الاعتناء بإقامة هذه الكرسي للبيان والتوضيح، وللتقويم والتصحيح، وللاستفادة والاستزادة من الوعي الصحيح لخطاب الرحمن، وبلاغه وبيانه على يد سيد الأكوان، مَن أُنْزِل عليه القرآن، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
نفتتح هذا المجلس المبارك لإقامة هذا الكرسي في جامعة الشريف هداية الله، ونُسَرّ أن يكون الافتتاح بحضور رئيس جمعية نهضة العلماء، الكياهي مفتاح الأخيار، زاده الله خيراً وفتحاً للخير لعباد الله تبارك وتعالى، وأمة النبي محمد ﷺ، وحضور جماعة من المشايخ وأهل العلم وأبناء الكياهيات والعلماء والمشايخ الأكرمين، الحمد لله على ذلك.
ونبتدئ فيما جُعل لهذه المجالس الثلاثة من بيان "المسلك الواعي في التعامل مع الأوضاع والأحداث وولاة الأمور"، فإنها كما سمعنا في المقدمة، من المشكلات التي تصيب الفكر وتصيب المسار عند أهل الدين في مختلف القرون والأعصار.
وكان للإمام الفقيه المقدم عليه رحمة الله تبارك وتعالى باع طويل في إيضاح المسلك النبوي في التعامل مع الأوضاع ومع الأحداث ومع ولاة الأمور، من خلال إرشاده وتبيينه ﷺ، وتوضيحه وما جاءنا في السنة الغراء، وما مضى عليه خيار التابعين، وتابع التابعين، وتابع تابعي التابعين على مدى القرون.
وما سُمّي "الفقيه المُقدم" أو ما لُقّب بهذا اللقب الأفخم وقيل له "الفقيه المقدم"، إلا لتبحُّره وتضلُّعه في علوم الشرع المصون، وفقه الشريعة، والفقه في الدين، حتى بلغ فيه غايات كغايات لأهل الاجتهاد في دين الله تبارك وتعالى، إلا أنه وغيره ممن وصل هذه الرتبة في حضرموت لم يُحبوا أن يُظهِروا خصوص اجتهاداتهم في مسائل معينة، وقد وافق ما انْتَهوا إليه من اجتهاد في غالب المسائل والأمور اجتهاد سيدنا الإمام الشافعي محمد بن إدريس عليه رحمة الله تبارك وتعالى، فجعلوا المذهب السائد في منطقتهم في فقه الشريعة مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وهو أحد المذاهب الأربعة التي اشتهرت بين أهل السنة في شرق الأرض وغربها، بمَعْنَى حُفِظَت ووجدت مَن يقوم بحُسن نقلها والمحافظة على أُسُسها وتبليغها كاملة، مع أن المجتهدين سواء في زمن الأئمة الأربعة ومن قبلهم، وكذلك من بعدهم كثيرون في الأمة مَن بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد في المذهب بعد ذلك، ولكن ما اشتهرَ بين الناس، وخصوصاً أهل السنة في مختلف شرق الأرض وغربها، إلا هذه المذاهب الأربعة: للإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.
وقد استوعبت ما تحتاجهُ الأمة من استنباط من نصوص الكتاب والسنة والقيام على اعتبار الإجماع والقياس الصحيح، فهذه الأدلة التي يرجع إليها فقه الشريعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأصل فيها كلها كتاب الله.
وكانت حُجِّيَّة السنة والمرجع إليها من خلال كتاب الله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، فكانت حُجِّيَّة السنة من الكتاب، وكانت حُجِّيَّة الإجماع والقياس من خلال الكتاب والسنة. وقال تعالى فيما استدل الإمام الشافعي على أنه حجة الإجماع: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)، وذمَّ من يتبع غير سبيل المؤمنين في قوله: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وجاء أيضا في الحديث الصحيح: "لن تجتمع أمتي على ضلالة"، فَعُصِمَت الأمة في الجمع عن الضلال، أي لا يكون منها إجماع إلا وهو حُجة، ثم إن القياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة، وقال ﷺ لسيدنا معاذ: بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، فقال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، أي أقيس على ما فهمت من الكتاب والسنة حُكم هذه المسألة الطارئة، لأقيسها وأستنبط لها ما يناسب من الكتاب والسنة، فكان ذلك حُجة للقياس الصحيح مِمن هو أهل له، كسيدنا معاذ بن جبل، الذي ورد فيه: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ" عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
فبقي المذهب السائد مذهب سيدنا الإمام الشافعي في حضرموت وأكثر نواحي اليمن، ويوجد قليل من الذين أخذوا مذهب الإمام أبي حنيفة عليهم رحمة الله تبارك وتعالى، وكذلك هو المذهب الذي ساد في إندونيسيا من حين دخلها الإسلام، في فقه الشريعة، مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وكان الفقيه المقدم يُفتي بذلك المذهب، وقد وافق اجتهاده في غالب المسائل مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى ورضوانه، وكان يُقرِّر المسائل على ما هو في هذا المذهب، مع اطلاعه على مذاهب الأئمة الأربعة وسواهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى أجمعين.
كان له اليد الطولى في توضيح المسلك النبوي الصحيح في التعامل مع الأوضاع، وكان من جُملة الأوضاع في وقته أوضاع القبائل، ووضع الدولة كذلك، وهم السلاطين الذين يتولون، على اختلافهم في الفقه في الدين، وفي العدل وتطبيق الشريعة، واختلافهم واختلاف مراتبهم بذلك، وما هو سائد من العرف بين القبائل أيضاً في التعامل بينهم البين، وأعرافهم التي يَقْضُون بها في المسائل والأمور والوقائع.
فاتّخذ عليه رضوان الله تبارك وتعالى المسلك الصحيح النبوي مع هذه الأوضاع، لا إثارات ولا مضادات تؤدي إلى مشاكل وتنفير وتفريق بين المسلمين، ولا إقرار لشيء في الوضع يخالف الشرع المصون لا وجه له في الدين، فلا يقرّ شيئاً من ذلك، ولا يُلْزِم أهل الأوضاع المختلفة بواحد من الأقوال الصحيحة، سواء في مذهب الإمام الشافعي أو كان مُعتبَراً عند الأئمة الأربعة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- أو عند أحد منهم، فما كان لِيُضَيِّق ما وسَّع الله من الشريعة، وما كان ليتساهل أمام هذه الأوضاع فيقبل منها ما لا وجه له صحيح في الشرع المصون المُطهَّر.
فقام مع هذه الأوضاع بالمسلك الأول الذي ذكرنا، لا اصطدام ولا احتدام يؤدي إلى تفرِقة وتنفير من دون الوصول إلى نتيجة مَرضِيّة وفائدة في تطبيق شرع الله وجمع القلوب على الوجهة إلى الله، ولا يُقِرُّ شيئا مما خالف أمر الشريعة ولا وجه له ولا قول صحيح يَعْضُدُه.
فأحسنَ الصِّلة بالقبائل وبالولاة، من دون أن يعَرِّضَ نفسه لخطر المسؤولية عن شيء يُخالف الشرع من قريب أو من بعيد، أو أن يكون هو المسؤول عنه، بُعْدًا عن الإمارة، وبُعْدًا عن محبتها، وتَوَقِّيًا لشرورها، فكان منهجه منهج: "إنكم ستحرصون على الإمارة وإنها ستكون ندامة يوم القيامة"، فابتعدَ تماماً عن طلب الإمارة.
وكان من الأوضاع في زمنه انتشار السلاح بين عموم المواطنين وأهل المنطقة، من العلماء ومن العوام، ومن القبائل ومن البادية والحضَر، الكل يحمل السلاح، وكان استعمالهم للأسلحة قد انحرف عن المقصود منه، مِن رد الظالم وإقامة الحكم الإلهي، وقتال الكافر المحارب الذي يحارب الإسلام وأهل الإسلام ويُضادّ شرع الله تعالى، فهذا هو الموقع الصحيح للسيف.
فلما كان استعمال السلاح في تلك الأيام لا لمقاتلة كفار حَرْبِيِّين، ولا لإقامة العدل، ولا لمجرد ردّ الظالم المعتدي الصائل، ولكن صار حمل السلاح للوصول إلى الأغراض المختلفة، سواء كانت شخصية أو إلى الوصول إلى السلطة بالقوة والحكم، أو إلى التوصُّل بها إلى أخذ حقّ الغير أو احتقار أحد من الناس، فكان السلاح مستعملًا في هذا المسار الخاطئ.
بذلك نادى بوضع هذا السلاح من قِبَل أهل العلم، وكسرِ هذا السيف، كَسَرَ السيف عبارة عن تَخَلِّيه عن حمل السلاح بهذا الخط المِعوَج والمسار الخاطئ، ليُعلِمَ أنه إنما يحمل السيف لأجل إعلاء كلمة الله فقط، ولأجل الذب عن شرع الله، وإحقاق الحق وإبطال الباطل. وحمل السيف، الذي هو مظهر السلاح في تلك الأيام الأقوى، لغير هذا الغرض يجلب على الناس سوءاً وشراً وضراً وتباعداً وتفريقاً، وقد يصل إلى قتال بعضهم البعض لأغراضهم وأهوائهم أو لأجل الوصول إلى السلطة.
فتعامل مع هذا الوضع بكسر السيف، والانتهاج في منهج التعليم والنصح لمختلف القبائل وللعوام وللحَضَرة والبادية، والاشتغال بتزكية النفوس وتطهيرها عما يقطعها عن المَلَك القدوس جل جلاله وتعالى عُلاه، وعمارة العُمر بالكتاب والسنة وبالتلاوة والذكر، وبتطبيق الشرع في حقّ النفس والأهل ومن يُسْتَطَاع تطبيقه فيه من المحيط، والحرص على الارتقاء مِن أداء الفرائض واجتناب المحرمات إلى المحافظة على السنن واجتناب المكروهات والشُّبهات، والارتقاء بعد ذلك في مراتب الحضور مع الله الدائم جل جلاله، والمُتمثِّل في بعض معاني قول الله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ).
ومن جملة المعاني فيه: أنَّ أحوال قلوبهم تدوم على معناهم في الصلاة وهم في خارج الصلاة، فهُم دائما في صلاة بهذا المعنى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)، يدومون على الصلاة، يعني أحوال قلوبهم مع الله خارج الصلاة تكون كحالتها معه وسط الصلاة، من حضورهم معه، وأدبهم، وخشيتهم منه، واجتنابهم لما حَرَّم ولما لا يحب، إلى غير ذلك من الأحوال الفاضلة الشريفة الكاملة.
اشتغل بذلك عليه رضوان الله تعالى، وأخمدَ نار فتنة، مَهَّدَ بها للعلم والدعوة والتزكية أن تجد مجالها بلا تضييق ولا شدّة مع الوضع القائم في ذلك الزمن وتلك البلاد.
لو لم يفعل هكذا، لكان المسار بحُكم الطبع والعادة للناس يَضِيق به شأن العلم والدعوة والتزكية كثيراً، من خلال منازعة النفوس بواسطة هذا السلاح، وحمله على الوجه الخاطئ، إلى أن لا يخضع أحد لأحد، ولا يذلّ أحد لأحد، وتذهب كرامة العلم والمشيَخة، وتَحِلّ محلها النفوس والأهواء، وحينئذٍ يؤدي ذلك إلى أن يضطرّ الكثير من أهل العلم إلى مُجَارَاة الأوضاع مُجَارَاةً غير واعية وغير صحيحة، فيستعملون سلاحهم في غير محلّه، فيُتقَصَّدُون من قِبَل من ينافسهم ويعاديهم، ويُسْتَأْصَلون حتى لا يجدوا مجالا آمناً لخدمة العلم والاتساع فيه، ولا العمل به في تزكية النفوس، ولا لنشر الدعوة والتعليم بين الناس، فيضيق عليهم ذلك لأن الكل مُتَشَبِّث بسلاحه.. أنت تجيء هُنَا ولا تصل إلى هُنَا، وهذه بلدتنا الفلانية وهذه بلدتك، إلى غير ذلك من الأشياء التي يُحْدِثُهَا استعمال السلاح على غير وجهه الصحيح.
فَوَطَّنَ لهذه المدرسة والمسلك الذي عليه مضى ومشى الأولياء التسعة لديكم، وخيار علماء إندونيسيا الأفاضل الأكارم وأوليائها، فكان من الإندونيسيين ثُلَّة كبيرة ذوو العلم الواسع والصدق مع الحق من أهل التزكية والتربية على مدى القرون عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، توسَّع المجال لهم لأنهم ضَبَطوا استعمال السلاح في محله.
وكما تعلمون عن قادتكم وعلمائكم الأكابر، في أيام تسلُّط الكفار من الهولنديين وغيرهم على الأرض بغير حق، وقيام الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، ودور هؤلاء العلماء، كمثل مؤسس "جمعية نهضة العلماء" سيدنا الإمام كياهي أشعري عليه رحمة الله تبارك وتعالى، ومَن معه من أولئك العلماء، لم يسمحوا للسلاح أن يُوْضَعَ إلا في محله.
ولما تبين إخراج أهل الكفر من السلطة على المسلمين ابتعد تماماً عن الإمارة وطَلَبِها. وكان ضابطا لمسألة السلاح ولمسألة صرف المال في محله وأهله، زاهداً بعيداً عن الأطماع، أو أن يَكْسِب شيئاً لنفسه وذاته -الحاج كياهي أشعري عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وله في ذلك وقائع كبيرة وكثيرة، في تنزُّهه عن الطمع في المال والميل إليه وأخذه، ووضع كل شيء في موضعه للمصلحة العامة للمسلمين عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وكان بإمكانه لو رغب في السلطة أن يكون هو الرئيس للدولة وأن يكون هو الأمير والوالي، ولكنه كان زاهداً في ذلك وخائفاً من تبعاته.
نفس المنهج الذي عليه الفقيه المقدم، نفس المنهج الذي عليه الحَسن البصري، نفس المنهج الذي عليه علي زين العابدين، نفس المنهج الذي عليه محمد الباقر وجعفر الصادق، نفس المنهج الذي عليه أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك، نفس المنهج الذي انتهجه هؤلاء الأئمة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ما كانوا لِيُغْفِلوا شأن الجهاد في سبيل الله على وجهه وفي وقته، ولا قتال المعتدي من الكافرين والمُتسلطين بغير حق، ما كانوا لِيُغْفِلوا هذا، وما كانوا ليتخذوا هذا ذريعة لأن يكونوا هم أهل السلطة وهم أهل إمارة والرغبة فيها، فما كان عندهم شيء من ذلك عليهم رضوان الله، لِصِدْقهم مع الله تعالى، وكانوا ينصحون الولاة، ويُحذرونهم من كل ما يخالف شرع الله تبارك وتعالى، ويُعِينُونهم على ما يوافق الدين، كما سيأتي معنا في التعامل مع ولاة الأمور.
فكان هذا التعامل مع الأوضاع في تاريخ علماء إندونيسيا الأكارم قديماً وحديثاً، إلى ما قبل هذه الموجات التي جاءت في الأوقات الأخيرة، كان هذا المنهج هو المنهج السَّوي الذي عليه خيار وصلحاء الأمة في شرق الأرض وغربها.
على سبيل المثال أيضاً، قاوم تسلط الكفار في تركيا مثلاً، من الذين تنكَّروا للدين وغيَّروا الخلافة الشيخ سعيد النورسي على سبيل المثال ومعه من أهل العلم والفضل، ومع ذلك بمجرد أن تبيَّنت الحقيقة للناس، أعلنَ بُعده تماماً عن التدخُّل في هذه الشؤون والسياسات، وأوصى أتباعه أن يلتزموا بسياسة النبوة في العلم والتزكية ونشر الخير بين الناس.
ونظير ذلك أخيار، سواء وُجِدوا في مصر أو في المغرب أو في الشام أو في أرض اليمن وغيرها من أقطار الأرض، فكان تعاملهم مع الأوضاع أن يُصلحوا ما استطاعوا إصلاحه، وأن لا يُوصِلوا أنفسهم ومن حواليهم إلى ضيق في التنافر والتناحر والتباعد والمشقة، وأن لا يقبلوا قَطّ ما لا وجه له في الشرع، من أي حُكم ومن أي عُرف ومن أي وضع، ومع ذلك يعالجوا الأوضاع الخارجة عن الشريعة بالحكمة واستعمال الأساليب المختلفة لإنقاذ الناس.
فعملوا على إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، وإصلاح ما يُمكن إصلاحه، ورجعوا فيما عجزوا عنه إلى الحق سبحانه وتعالى، مع استقامتهم وضبط مَن حَوالَيهم على الاستقامة على المنهج الذي يرضاه الله تبارك وتعالى، في الأقوال والأفعال وفي المعاملة مع الصغير والكبير والأفراد والجماعات.
فهذا شأن من الشؤون التي تتعلق بالأوضاع، ومنها ما ذكرنا من الأعراف التي تكون بين القبائل وبين الشعوب، ومنها ما يكون أيضاً فيما ابتُلينا به بعد تلك المُدَدِ، ما ابتُلينا به من وضع قوانين وضعية ليست شرعية، وحالتهم مع قبول ما لا يخالف الشرع منها، ورفضهم لِما لا وجه له في الشرع، وعدم عملهم به، من دون أن يحوِّلوا المسألة إلى إثارات لا تؤدي إلى جمع ولا إلى تطبيق للشرع، بل إلى خصومات ومنازعات ونيل هذا من هذا وإلى أنواع من الظلم تحدث بسبب هذه الحركات غير الموزونة وغير الواعية وغير القائمة على الأسس الصحيحة.
بهذا نبدأ في تشكيل تصور صحيح عن المسلك الواعي في التعامل مع الأوضاع، وهي أوضاع الناس وما ينتهي إليه أحوالهم أفراد وجماعات، والمجال الذي كان يجتهد فيه الأنبياء صلوات الله عليهم، من مخاطبة الفرد سواء كان حاكماً أو محكوماً، سواء كان أميراً أو مأموراً، سواء كان غنياً أو فقيراً، وحرصهم على إيصال دعوة الحق إليه، وبيان واجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والعمل بشريعته، وأنَّ له مَرَدًّا إليه ومَرْجِعًا ومَعَادًا، كانوا يجتهدون في هذا مع كل من قَبِل من الأفراد ومن الجماعات ومن الشعوب ومن الدول -عليهم صلوات الله وتسليماته-.
وما كانوا يتخذون شيئاً من هذه الإثارات والمنازعات على السلطة ولا على الحُكم، وقد عُرِضت كما تعلمون جميعاً على خاتم الرسالة ﷺ في أول دعوته أن يتولى الحكم فيهم وأن يكون هو الأمير عليهم، إلا أنهم شرطوا أن لا يسُبّ آلهتهم وما إلى ذلك، فما رضي بالحكم، ولا جاء في فكره ولا في مسلكه أنني أستلم الحُكم أولاً ثم من خلال الحُكم أُصْلِحُهم، ولكن كان يُصْلِحُهم من خلال الوحي ومن خلال الدعوة لا من خلال الحكم، حتى يَنْصَلِح الحكم ويتأثّر بواسطة هذه الدعوة.
فقام الحُكم في المدينة المنورة على يده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لا منازعة منه لحاكم من الحكام الذين كانوا في المدينة، ولا مضادة لأحد منهم، ولكن بحُكم الإيمان الذي استقرّ في النفوس والقلوب، وخضعوا لحكم الله تعالى، وحَكَمَ فيهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكان ذلك نتيجة وهديّة من الله للصادقين المخلصين، كما قال سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) - بالقوة والقهر تتركوا دينكم هذا- (فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).
قال كلّ واحد يخاف مقامي ويخشى مني، ويترك ما حرَّمْتُ عليه ويلتزم بما أمرتُهُ به على الوجه الذي يُرضيني، وخاف من وعيدي في الآخرة، أنا أعمل به هكذا، مَن نازعه وخاصمه أقهرهُ ولو على حين، وأُمَكِّنهُ هو ليقوم في الأرض، كما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
ولا أوضح في التعامل مع الوضع هذا مِن قصة سيدنا نوح عليه السلام، ومُكثه في قومه: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)، لم يكن حاكماً فيها، نعم، نحو الثمانين الذين آمنوا به كان حُكمهم إليه وكانوا يمتثلون أمره، لكن وضع بقية الشعب والدولة ما كانوا يُصْغُون إلى حُكمه، ولا كانوا يحتكمون إليه، فكان خليفة الله تعالى في الأرض خلال التسعمائة والخمسين سنة، وبعدها هو خليفة الله، وآلَ إليه الحكم بعد ذلك، بل لم يُبْقِ الله أحدا مِمّن عانده وكفر به إلا أهلكهم وأغرقهم، وبقي في الأرض وحده هو والذين آمنوا به، هو الحاكم عليهم.
فما جاء الحُكم بواسطة القتال للوصول إلى الحُكم، ولكن بالصبر على الدعوة: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)، وحاله كما قال في القرآن: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)، ويضربونه حتى يُغشى عليه، ويرجع يدعوهم، واستمر في هذه الدعوة، ولا نازعهم على السلطة، لكن دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، حتى أَبَوا وأوحى الله إليه: (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، فدعا عليهم فكانت العاقبة له والنتيجة له.
فهذا أمر واضح في بيان التعامل مع الأوضاع، وعليه كان مضى الفقيه المقدم، بل كما ذكرنا عليه كان سادة التابعين وتابعيهم، وأخيار الأمة في مختلف الأماكن وعلى مختلف الأعصار أيضاً على توالي الأعصار، رضي الله تبارك وتعالى عنهم وأرضاهم.
رزقنا الله وإياكم حُسن الوعي والفهم للتعامل مع كل وضع؛ في الأسرة، في المحيط والمجتمع، في حيث ما كنا وأين ما كنا، لنتعامل بما يُحبه الله سبحانه وتعالى، وبما يرضى به عنا، في تبعية لإمامنا وهادينا نبينا المختار محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، والحمد لله رب العالمين.
المقدم: جزاك الله خير الجزاء على ما بَيَّنْتَ لنا من العلم، وقد شرح الحبيب من فيوضات علمه واقتبسنا من نوره ومن نور علمه.
نترك المجال للمشايخ والكياهيين إذا كان هنالك أسئلة أو استفسار تحت هذا الموضوع الكبير، خاصة "المسلك الواعي في التعامل مع الأوضاع الراهنة".
رعاكم الله ورعا أبناء الكيائيات، يُعبِّر عن أصالتهم وما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، من حُسن الظن، ومن الوفاء، ومن النيات الصالحات، مع اعترافنا بضعفنا وعجزنا وتقصيرنا، وأن وهذا الثناء لا نستحقه، ولكن أبداه حُسن ظنهم، وحُسن أدبهم، ووجهتهم، وما ورثوه من المكارم عن آبائهم وأجدادهم عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.
فثَبَّت الله قلوبهم، وأرانا فيهم وفي الأمة ما تَقَرّ به عين هذا النبي من نصرة الله ونصرة رسوله، وأيَّدهم في ذلك، وجعلهم متعاونين على جمع شمل هذه الأمة، ونشر النور بينها ظاهراً وباطناً، جزاكم الله خيراً.
سؤال: من الداعية مجتبى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سيدي جزاكم الله خيرا على ما أفَضْتُم وأَجَدْتُم. ربما يسأل سائل، ولا زال هذا سؤال مطروح أمام هذا العنوان الذي وضعتم، أشرتم أنه المسلك الواعي في التعامل مع الأوضاع هو البُعد عن الدخول في الصراع، الصراع السياسي، وصراع الدخول في كرسي القرار، وغير ذلك. واستشهدتم في ذلك بموقف سيدنا الفقيه المقدم، ومن قبلهم كما ذكرتم مسلك زين العابدين، ومن بعدهم. ربما يسأل سائل ويستشهد بمدرسة من مدرسة حضرموت، أحد أعلامهم هو الإمام الحبيب طاهر بن حسين بن طاهر، له موقف خاص مع الوضع الراهن في زمانه، ونَصب نفسه وسُمِّيَ كأمير المؤمنين.. هذا نموذج من نماذج مدرسة حضرموت من سلالة الفقيه المقدم. ومثله كذلك هناك أعلام في نوسانتارا عندنا من يسلك مثل هذا المسلك، ربما يُوحي بعضهم أن هذا عبارة عن تأثر بالفكر الذي يَبْنُون أفكارهم أن الغاية هو الوصول إلى كراسي القرار، سواء كان وُجِد تأثر من هؤلاء التيار أو لم يُوجَد تأثر. فما جوابنا عندما يأتي الشخص ويستشهد بموقف الإمام طاهر بن حسين بن طاهر كمدرسة حضرموت، وبعض أعلام إندونيسيا في مثل هذا؟
الحبيب عمر: الحمد لله.. أما أمثال الإمام طاهر بن حسين بن طاهر عليه رحمة الله تبارك وتعالى، فلم يخرج عن أصل المدرسة وعن أساسها، ولكن اختار أسلوبا في تحقيق المراد، ربما لا يوافقهُ عليه أكثر أهل هذه المدرسة.
هذا الأسلوب بعيدا عما يُراد الاستدلال به عليه من وجود الانقلابات، والخروج عن الحكام، وإقامة الثورات، فلم يكن ذلك شيئاً في مسلك الحبيب طاهر بن حسين، ولم يفعل شيئا من ذلك، ولكن وَسَّع نطاق الاتصال بالأفراد والقبائل، لِيَتَوَصَّلوا إلى إقامة تحكيم شرع الله تبارك وتعالى، وتَنْحِيَة مَن لا يحكم بشرع الله تبارك وتعالى بطريقة يتم التوصّل إليها، لا عبر هذا الأسلوب المُتَّخَذ في زماننا، ولا عبر إقامة قتال.
فمع حَمْله السلاح لردّ بعض الظلم والعدوان وتلقيبه بأمير المؤمنين، لم يقاتل واحداً من الحكام الموجودين في حضرموت، وكان السلاطين الموجودون هناك - وفيهم من وصل إلى حَدّ الظلم وظَلَمَ الرعية - كان من خلال حَمْل هذا السلاح والمخاطبة مع مَن يَقْبَل ذلك من القبائل ومَن حَوْلَه من الناس، يريد التوصُّل إلى أن يَنْزَاح الظلم تلقائيا بترتيب وضع السلاح في موضعه، ولذلك ليس في سيرته أنه قاتل أحداً، حَمَلَ السلاح لردع الظالمين، ومع ذلك لم يُباشر مقاتلتهم، ولم يُباشر الأسلوب الذي يُثَار به الشَّعْب على الولاة كما يفعلوا هؤلاء.
فما أرادوا أن يستدلوا عليه ليس موجوداً في مسلك الحبيب طاهر، ولا في حياة الحبيب طاهر عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
ومع ذلك كله، فهو بنفسه بعد أن خَبَرَ من حكمة الله في أوضاع الناس، أنه لن يتمّ هذا الأمر على وجهه، والأمر الذي يرغب فيه، إلا في زمن الإمام المهدي عليه الرضوان، وما يصحبه من تَقَدّم، بنفسه رَجَع في تعديل الأسلوب إلى نفس أسلوب بقية جماعة أئمة المدرسة، منهم أخوه الإمام عبد الله بن حسين، وأخوه الإمام عبد الله بن حسين، مع كونه مُعَظِّمًا لأخيه طاهر ومُنْقَادًا له في جميع الأمور، لم يَمِلْ إلى حمل السلاح، ولم يُلْزِمهُ بذلك أخوه عبد الله، ولكنه حَمَلَه مع مَن كان أيضاً يحمله فِعْلًا من القبائل، ليوجِّهه لردع الظالم وللتوصُّل إلى إقامة الشرع والحق. ثم رأى بعد ممارسة، أن التوصُّل إلى المقصود بهذا الأسلوب لن يتم، فترك حمل السلاح وعاد إلى نفس الطريقة التي عليها مَن سواه من الأئمة الذين قبله والذين في عصره عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، واستقر مدة في الشحر في ساحل حضرموت، ثم عاد إلى الوادي.
وقد خَبَرَ ما يمكن أن يترتب على الاستمرار في هذا الوضع، من تَجْيِيش صدور قوم على قوم، وخروج الأمر على ما يُحبّه ويريده إذا استمر في هذا المسار، فأوقف ذلك وعاد إلى نفس الطريقة، فلا حُجة لأحد في هذا المسلك الطيب الصالح.
كذلك ما يَحْصُل أو ما يُسْتَدَلّ به من بعض المنتمين إلى هذه المدرسة في بعض مناطق إندونيسيا، أكثرهُ لا يتجاوز ما ذكرنا عليه الكياهي أشعري ونحوه، من الذين شجّعوا المقاتلين للكفار أو لأهل الظُّلم، حتى لمَّا تَعَدَّى ذلك أوقَفوا ما يتعلّق بهم إلى مهماتهم الأساسية من التعليم والدعوة والإرشاد، واكتفوا بذلك،
فأمثال هؤلاء يَحْصُل لهم ويَتَسَنَّى في وضع مُعين، في زمن محدد، أنه يمكنهم التوصُّل إلى إزاحة ظالم من دون سَيَلَان الدماء، ولا وصول إلى شر أكبر مما أرادوا تغييره ونهايته، فاستعملوا شيئا من هذا الأسلوب.
فلا يمكن أن يكون حُجة على أُسُس المسلك ولا على أساس الطريقة. فالأساس هو الأساس، وهو قائم، ولا حجة في شيء من فِعْل هذه الأشياء ذات المحدودية لمكان معين ووقت معين وظروف معينة كانت عندهم.
ومع ذلك هم لم يتوصَّلوا أيضاً إلى ما يدعو إليه هؤلاء الآن، من إراقة الدماء، ومن إعلان الخروج عن ولي الأمر، كما سيأتي معنا في الفقرة الثالثة، إذا لم يكن ذا كفر بَوَاح.
السائل: ما حكم المشاركة في الأحزاب أو الجماعات السياسية وطلب السلطة إذا كان الهدف هو خدمة المجتمع وإقامة العدل وحفظ الحقوق، خاصة إذا انحرفت بعض الأحزاب عن أهدافها الأصلية؟ وما النصيحة لمن اختار العمل في هذا المجال؟
الحبيب عمر: ما شاء الله، بارك الله فيكم، هذه تجربة شخصية لكم تَرُدّ على كثير من الأجوبة، أو على كثير من الأسئلة.
ونقول: أول ما يُخالف فيه أهل هذه الأحزاب طلبهم للإمارة، وطلبهم لأن يتولّوا بأنفسهم السلطة، هذا الأمر الذي حُذِّرْنا منه على لسان النبوة، وفي صحيح الإمام البخاري يقول ﷺ: "إنكم ستحرصون على الإمارة"، صَدَقَ ﷺ وحَصَل الحِرْص.
قد يُغلِّفها صاحبها بأنه: إنما أريد أن أرفع الظلم وأريد أن أحكُم الشريعة، ورسول الله أعلم بالحقائق، يقول: "وإنها ستكون ندامة"، ولا يَتَأَتَّى أن يكون صادقا في قوله: "إنكم ستحرصون على الإمارة" ولا يكون صادقاً في قوله: "وإنها ستكون ندامة"، كلامه واحد وهو صادق يتكلم عن الخالق، كل من حرص على الإمارة يتعرّض للندامة يوم القيامة.
إذن، فأول قدم في مسألة الأحزاب السياسية القائمة في العالم الإسلامي اليوم، حرصهم على الإمارة، وأن يتولَّوا بأنفسهم السُّلطة، ثم يتخذوا شَمَّاعَة إزاحة الظلم، إقامة العدل، هذا نفسه الذي لم يتكرَّر مرة ولا مرتين ولا ثلاث في تاريخنا المعاصر، في مختلف الدول والأحزاب التي قالت: أننا سنقيم العدل وأننا سنصلح شأن الوضع والأمة، لما تَوَلَّت وَقَع في الأمة فساد أكثر مِما كان، وتعب أكثر مما كان، وتريد على ذلك نموذج أو اثنين أو ثلاثة وأربعة من الأشياء المعاصرة في وقتنا، وإندونيسيا لن تخرج عن هذا، هي واحدة من أوضاع الأمّة القائمة.
فمهما قد أدركتَ بنفسك النواقص في هذا الخطاب الديني، لأنّه يتغلب على الراغب في السلطة جانب مراعاة ما يوصله إليها ولو كان كذبا أحياناً، ولو كان على حساب حَطّ قَدْر الآخر الذي يستحِق الرفع ويستحق الاحترام فلا يحترمه، يبدأ اعوجاج وانحراف في مسلكه بينه وبين الله وبينه وبين الخلق من أجل أن يتوصل إلى مقصوده وإلى غرضه.
لذلك كله رأيتم نجاحاً في مسلك كياهي أشعري عليه رحمة الله، ومن بعدهم من العلماء، وأنتم وخصوصا آباؤكم الكبار، مثل الأستاذ مفتاح الأخيار ومَن في طبقته وغيره، يعلمون كيف كانت هيبة العلماء في إندونيسيا، وكيف كان السلطان يخاف منهم، ويحترمهم، ويمتثل أمرهم إذا أمروه بشيء في غالب الأحوال، وفي أكثر الأحوال، اكتسبوا هذا مِن صدقهم مع الله وتطبيقهم لشرع الله في أنفسهم، ودعوتهم للكل.. الراعي عندهم مثل الرعية، والأمير مثل المأمور، يَدْعُون الجميع، ويُذَكِّرون الجميع، ومَن استجابَ منهم شكروه على ذلك وتعاونوا معه على ما يُرضي الله، ومن أبى وأصر واستكبر تركوه إلى الله تبارك وتعالى وعلى الله تعالى حسابهم، فكان هناك نجاح في وضع العلماء.
ولمّا وُضِع عليهم وطُرِِح أنه يمكنكم من خلال الدخول في الأحزاب السياسية أن تَتَوَصَّلُوا إلى حكم الشريعة وأن ترفعوا الظلم وما إلى ذلك، تفرّقوا، ولم يكونوا في حزب واحد، وهذا في هذا الحزب وهذا في هذا الحزب.
الحزب هذا لا بد أن يَحْمِل على هذا، ولا بد أن يَسُبّ هذا، أو يتكلم على هذا، وابتدأت المشاريع: سباب المسلم، وهو فسوق بداية، فابتدأت الأمور بالفسق، فكيف يكون فيها رفع الظلم؟ جاء ظُلم جديد الآن، كان الظلم بين بعض الحُكام والعوام.. صار الآن الظلم بين العلماء! وإذا غدا الظلم بين العلماء فمصيبة كبيرة! ولا عاد يستقيم حاكم ولا عامة إذا غدا العلماء يظلمون بعضهم البعض.
فلو راعوا أمر الله فيما بينهم، وصَدَقُوا مع الله في تحكيم شرعه في أنفسهم وأُسَرهم ومن حواليهم، لَسَلَّط الله لهم الحكام والأحزاب ومَن غيرهم.
ومَن جاء من الأحزاب إلى مجالس أهل العلم أو إلى مؤسساتهم، النهضة أو غيرها، يريد خيراً؛ فالخير موجود، يريد رأياً؛ فالرأي موجود، أما: تعال أنت يا صاحب نهضة العلماء لعندنا، تعال أنت ادخل ورانا! هذا إهانة للعلم، هذا إهانة لشرف الخلافة النبوية.
يقول: إذا أنت تريد الخير وتريد إحقاق الحق، وتريد تطبيق الشريعة وتريد إبعاد الظلم، اذهب إلى العلماء، تعال يا حزب، تعال وادخل، استفد من أهل انهضة، استفد من العلماء واسمع رأيهم وطَبِّقه، ولا: أنت تعال وامشِ معنا نحن الذين سنقودك! سياسي يقود عالم؟ مشكلة كبيرة، ذاك يقود بسياسته وهذا عنده علم وحي من الله وبلاغ من رسوله، كيف يدخل هذا تحت هذا؟ ولكن لو قال: تعال إلى حِزبي لتُطَبِّق فيه شرع الله، وتقوم به ويكون الأمر لك يا عالم، كان هذا صحيحاً، لكن هذا المسلك غير موجود.. "تعال إلى حزبي عضو معي، واطرح صورتك وآخذ بسببك أصوات وانتخاب، وفي حَد محدود لك وأحسن سكوتك، ما تتدخّل في هذا"، رجعت لعبة في لعبة وعدم صدق مع الله تبارك وتعالى، وما يؤدي إلا إلى أن يزداد الصراع بين الناس في المنطقة، ويتحوَّل الظلم ما بين حكام وعوام إلى ظلم العلماء، وهذه مصيبة أكبر.
وإذا غدا الظلم بين العلماء يسب بعضهم البعض ويظلمون بعضهم البعض، ولو جمعوا كلمتهم لَهَابَهُم السلطان وغير السلطان، ولَكان لكلمتهم نفوذ في قلوب الناس وفي أمانتهم بينهم وبين الله تبارك وتعالى.
وبحمد الله أنتَ بدأتَ تجربة تكاد أن تصل إلى نهايات منها، فَتَعْرِف أنّ حقيقة هذه الأوضاع في التكالُب على سلطة مَرْعِيَّة من قِبَل أيادي خارج المسلمين، وهم الذين يُحبون أن يثيروا هذا بين المسلمين لئلا تستقر وضع دولة من دول المسلمين على أمان واستقرار وعلى قوة، فهم يُحبون نشر هذا بين الأمة لتضعف الأمة ولئلا تستقر.
وهذا الواقع الآن في الدول عندنا، بل الثورات الأخيرة التي قامت، سواء في العراق، سواء عندنا في اليمن، سواء في الشام، كانت الأوضاع بعد الثورة أتعب وأصعب منها من قبل.. إن كان قبل ظُلم الآن ظُلمين وثلاثة، إن كان قبل مشكلة الآن عشرين مشكلة موجودة بعد قيام هذا الوقت!
العراق قبل أن يتدخّل فيه الكفار ومَن كان يساعدهم كان قوة عسكرية وقوة علمية وقوة متطورة في كثير من الشؤون التقنية، والآن العراق مسكين، علماء قُتِّلوا وقوته هُدِّمت.
سوريا عندنا والشام، كانت وصلت إلى مستوى حدّ الاكتفاء الذاتي، الدخل من البلد يكفي الدولة والشعب، عَرَّبوا جميع الأنظمة العلمية سواء في الطب، سواء في الهندسة، ردّوها إلى اللغة العربية وطبَّقوا بها الأمر وفاقوا على الآخرين، فجاءوا لهم بالثورة، وأوضاع وحُكْم و "أَبْعِدُوا الظُّلم".. والآن سوريا مسكينة، ذهبت قوتها العلمية، ذهبت قوتها الاقتصادية، ذهبت.. فيجب أن نكون على بصيرة، ليس إذا سَيَّرُونَا في شيء وقالوا: "تعالوا، سننصر الحق وسنكف الظلم"، نمشي وراهم وبعد ذلك يجيء ظلم أكبر وتجيء مشكلة أكثر!
ولذلك، الإرشادات النبوية أولاً، ثم تجربة السلف الصالح قرنا بعد قرن، بالنسبة لنا خزينة وعي وفهم نُدْرِك بها ألا يَسْتَجِرَّنَا هؤلاء ولا يَغُرُّونَنَا بأُطْرُوحَاتِهِم.
بل مُهمّة العلماء مع جميع الأحزاب السياسية أن ينصحوهم ويُذَكِّرُوهم بأمر الله ويقولوا لهم: يجب أن تُصلحوا نياتكم ومقاصدكم، وأن تُطبِّقوا شرع الله تعالى في أنفسكم من الآن وفي محيطكم وما حواليكم، وإن وصلتم إلى الحُكم فهي أمانة عليكم ومسؤوليتكم كذا وكذا، ودورنا النُّصح والتعاون على الخير المحض من دون استغلال العلم للمصالح السياسية ولا غيرها، ودورنا أيضاً أن نرفض كل ما كان منكم مخالفاً لشرع الله ولا وجه له في الشرع، فلا يمكن أن نقبله بحال من الأحوال.. فهذا مركز العلماء ومحلهم إن شاء الله تبارك وتعالى.
17 جمادى الأول 1448