كلمة في مجلس الاستقبال في رباط المصطفى بالشحر، ساحل حضرموت

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الاستقبال في رباط المصطفى بالشحر، في مدينة الشحر، ساحل حضرموت، ظهر السبت 15 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص الكلمة:

حِكَم الله في الخلق وتفاوت مقاصدهم

الحمدُ للهِ، صاحبِ الحِكَمِ العُظمى في خلقِ الخلقِ وإيجادِ الوجودِ، أحاطَ بها عِلمُهُ وأبرزَ من هذه الحِكَمِ على أيدي الأنبياءِ ومَن عنهم تعلَّمَ، ما أبرزَ مِن أن يُرَقِّيَ مَن يشاءُ في مرتبةِ العبوديَّةِ ويقومَ بحقِّ العبادةِ.

وهؤلاءِ هم الصِّنفُ المقصودُ، وأن يبتليَ الخلائقَ بعضَهم ببعضٍ، ويبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملًا، ويجعلَ الحُكمَ بينهم في اليومِ الموعودِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.

كان هذا من الحِكَمِ في الخلقِ والإيجادِ، الَّتي أبرزَها اللهُ لنا وأظهرَها على أيدي الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم، وتوضَّحتْ لنا على يدِ خاتمِهم النَّبيِّ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

ولا يزالُ في الحِكَمِ في الإيجادِ -بل في إيجادِ كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاتِ الوجودِ- ما لا يطَّلعُ عليها إلَّا اللهُ سُبحانَهُ وتعالى، ولا يُحيطُ بعلمِها إلَّا اللهُ سُبحانَهُ وتعالى. 

ولكن في ضِمنِ هذه الحِكَمِ الَّتي أظهرَها اللهُ لنا، تمرُّ الحياةُ بالنَّاسِ والعَلائقِ والروابطِ بينهم؛ بعضُها بدوافعِ النَّفسِ، وبعضُها بدوافعِ الهوى، وبعضُها بدوافعِ الشَّهوةِ، وبعضُها بدوافعِ المالِ، وبعضُها بدوافعِ السِّياسةِ والحُكمِ، وبعضُها بدوافعِ الانبعاثاتِ النَّفسيَّةِ إمَّا في الموالاةِ أو في المعاداةِ.

دوام الصلات القائمة على مرضاة الله

وكلُّ هذه مَن انقطعَ منها عن إرادةِ وجهِ اللهِ فمِن جملةِ الهَباءِ، والَّذي لا يُورِثُ إلَّا مشقَّةً في العاقبةِ. 

وبقيتْ هناك صِلاتٌ وروابطُ بين أتباعِ الأنبياءِ؛ يُقصدُ بها وجهُ اللهِ تباركَ وتعالى، ويقومُ عليها تزاوُرٌ، ويقومُ عليها تذاكُرٌ، ويقومُ عليها تواصٍ بالحقِّ والصَّبرِ. 

هذه العلائقُ المُشرَّفةُ السَّاميةُ الرَّفيعةُ من بينِ بقيَّةِ العلائقِ، وهي الباقي خيرُها لكلِّ مَن أخلصَ؛ من عالمٍ، أو من حاكمٍ، أو من تاجرٍ، أو من فقيرٍ، أو من أميرٍ، أو من مأمورٍ، أو من ذي مهنةٍ، أو من ذي حِرفةٍ، وغيرِهم من أصنافِ الموجودين في مجتمعاتِ بني آدمَ.

مَن اتَّصلَ منهم بقصدِ وجهِ اللهِ في علاقتِهِ بالآخرين، فهو داخلٌ في أهلِ العلاقةِ الَّتي يبقى خيرُها ونفعُها، ويبقى فضلُها وشرفُها، إلى البرزخِ، إلى القيامةِ، إلى الأبدِ في دارِ الكرامةِ. 

حتَّى جاءنا أنَّهُ ليتراءى أهلُ الجنَّةِ درجتين غائرتين في الأُفقِ في الجنَّةِ، كما يتراءى أهلُ الدُّنيا النَّجمَ الغائرَ في أُفقِ السَّماءِ، فيُقالُ: لمَن هذه الدَّرجاتُ؟ ألِمَلَكٍ مُقرَّب أو نبي مُرسَل؟ فيُقالُ لهم: لأخوينِ تآخا في اللهِ تباركَ وتعالى.. أخوينِ تآخا في اللهِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.

كلُّ ذلك يُبيِّنُ لنا أنَّ مسالكِ النَّاسِ في هذه الحياةِ إن تشرَّفتْ وارتفعتْ وسَمَتْ واتَّصلتْ بقصدِ وجهِ اللهِ فهي الفالحةُ وهي النَّاجحةُ، وإن انقطعتْ عن ذلك فهي الخاسرةُ وهي البائرةُ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

مجامع أهل الصلات الطيبة

في خلالِ ذلكم ما كان من هذا التَّأسيسِ لمجامعِ المولدِ النَّبويِّ؛ من أوَّلِ ما يَهِلُّ شهرُ ربيعٍ، وقامت على يدِ الإمامِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، واستمرَّتْ طوالَ هذه السَّنواتِ الطَّويلةِ حتَّى تُختم في هذا الشَّهرِ، ومنتصف هذا الشَّهرِ، ربيعٍ الثَّاني. 

كلُّ ذلك ممَّا الحبلُ به موصولٌ بإرادةِ وجهِ اللهِ البَرِّ الوَصولِ، من طريقِ سيِّدِنا الرَّسولِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكانت ميزةً من ميزاتِ أهلِ الشِّحْرِ الَّتي سَناؤها أبديٌّ وآثارُها باقيةٌ سَرمديَّةٌ، فضلًا من فضلِ اللهِ تباركَ وتعالى.

وما كان بعد ذلك من إنشاءِ الزَّواجِ الجماعيِّ لأجلِ إحصانِ وإعفافِ شبابِ البلدةِ، واتِّصالِهم بالشَّرعِ المصونِ، فيما شَرَعَ لهم من إقامةِ البيوتِ على سُنَّةِ رسولِهِ ﷺ وعلى كتابِهِ جَلَّ جلالُهُ، وما يكتنفُ ذلك من حمايةٍ من أنواعِ الشُّرورِ ومساعدةٍ ومعاونةٍ على الخيور؛ أيضًا صِلةٌ من الصِّلاتِ الطَّيِّبة.

ومجيء منصب الشَّيخِ أبي بكر بن سالم ومعَهُ مَنصِبُ مقامِ الإمامِ أحمد بن محمد المحضار، ومَن معهم في هذا الرَّكبِ؛ من علماءَ ومن محبِّين ومن أعيانٍ ومن يمنيِّين ومن غيرِ يمنيِّين، كلُّ ذلك في صِلاتٍ لا يُقصدُ بها شيءٌ من الأغراضِ الفانيةِ ولا المراداتِ الزَّائلةِ، ويُقصدُ بها وجهُ اللهِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.

فهي من بقيَّةِ موروثاتِ النُّبوَّةِ فينا؛ ما خَلَّفَ فينا ﷺ من التَّزاورِ في اللهِ، والتَّعاونِ على مرضاةِ اللهِ، والتَّجالسِ في اللهِ، والتَّحابُبِ في اللهِ. 

فباركَ اللهُ في هذا الاستقبالِ وفي أهلِ هذا الرِّباطِ وأهلِ هذا الارتباطِ، وفي حبيبِنا أحمد بن محمد وفي الأعيانِ عندكم من آلِ العيدروس ومن سِواهم، وفي السُّلطةِ المحليَّةِ الَّتي تمثَّلتْ بمَن حَضَرَ نائبًا عن البقيَّةِ. 

وهذا ممَّا أُكرِموا به من شعورٍ واجبٍ؛ سواء في استقبالِ الوفدِ، وفي التَّهنئةِ بالزَّواجِ، وفي المشاركةِ في الاحتفالاتِ النَّبويَّةِ المُحمَّديَّةِ الأحمديَّةِ المصطفويَّةِ، في ذكرِ أخبارِ المصطفى وأحكامِهِ وشريعتِهِ، وسُننِهِ وآدابِهِ وما جاءَ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ختام ودعاء بالصلاح والتوفيق

فاللهُ يأخذُ بأيدي إخوانِنا في السُّلطةِ إلى ما فيه الخيرُ والسَّعادةُ والصَّلاحُ ظاهرًا وباطنًا، ويُقيمُ التَّعاونَ بين الجميعِ على مرضاةِ اللهِ تباركَ وتعالى في هذا المسلكِ الموروثِ الَّذي لا يعرفُ التَّفريقَ، ولا التَّشتيتَ، ولا الإضرارَ، ولا الأذى، ولا الاحتقارَ، ولا السُّوءَ، ولا إرادةَ السُّوءِ، ولا نيَّةَ سوء، ولا نية شر، حتَّى بحيوانٍ، فضلًا عن إنسانٍ، فكيف بالمسلمِ! الأساسُ قائمٌ على هذه الحقيقةِ في إرثِ خيرِ الخليقةِ صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ. 

فاللهُ يباركَ في اجتماعاتِنا هذه ويُديمُ للشِّحْرِ نورانيَّةَ ارتباطِها بالوحيِ والكتابِ المُنَزَّلِ، وبلاغِ النَّبيِّ المُرسَلِ وسُنَّتِهِ ﷺ، بحبالٍ وثيقةٍ من آلِ بيتِهِ، ومن صحابتِهِ، ومن ورثتِهِ من العلماءِ العاملين العارفين، قد حَوَتِ الشِّحْرُ منهم عشراتٍ بل مئاتٍ من أربابِ الصِّدقِ مع اللهِ تباركَ وتعالى.

فالحمدُ للهِ على ذلك، واللهُ يُتِمُّ النِّعمةَ علينا وعليكم، ويجعلَها مجالسَ مذكورةً في العالمِ الأعلى بخيرٍ، مُثمِرةً لاجتماعِنا في ظلِّ العرشِ، وعلى الحوضِ المورودِ، وتحتَ لواءِ الحمدِ، وفي دارِ الكرامةِ، اللَّهمَّ آمين. 

وأصلحِ البلادَ والعبادَ والأُمَّةَ، واكشفْ كلَّ غُمَّةٍ، واجلُ كلَّ ظُلمةٍ برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمين، وجودِك يا أجودَ الأجودين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

16 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

27 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية