كشف الغمة - 477 -  كتاب البيع: 25- باب بيع الأصول والثمار -3- المحاقلة والمزابنة والمخابرة

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 477 -  كتاب البيع: 25- باب بيع الأصول والثمار -3- المحاقلة والمزابنة والمخابرة

صباح  الأحد 17 ربيع الأول 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  حكم المحاقلة وتفسيرها عند الأئمة الأربعة
  •  حكم المزابنة وعلة منعها عند الفقهاء
  •  حكم المخابرة والمزارعة والمساقاة عند المذاهب الأربعة
  •  بيع الرطب بالتمر ومسألة إخراج زكاة الرطب رطباً
  •  شرح حديث طلوع نجم الثريا ورفع العاهات عن الثمار
  •  فقه حديث تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» والأخذ بالأسباب

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ ينهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشتري النخل حتى يسقيه وإلا سقاه أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء، والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر، والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك كذا فسره رسول الله ﷺ.

وكان ﷺ يقول: "ما طلع نجم الثريا صباحاً قط وتقوم عاهة إلا ورفعت عنهم أو خفت"، والله أعلم".

               

خاتمة

"قال طلحة: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء؟" فقلت: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ: "ما أظن ذلك يُغني شيئاً"، فسمعوا ذلك فتركوا التلقيح تلك السنة فخرج النخل شيصاً ونقَص الحمل، فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني في الظن، فإنما أنا بشر ولكن إذا أمرتكم بشيء من دينكم عن الله فخذوا به فإني لن أكذب وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فأنتم أعلم بأمر دنياكم"، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوته خير بريته، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل معرفة الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- في هذه الأحاديث ما يتعلق "بالمحاقلة والمزابنة والمخابرة".

ثم فسّر الشيخ "المحاقلة: أن يُباع الحقل بكيل من الطعام معلوم"، وكذلك يقولون: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خَرْصًا؛ ظنًا وتقديرًا بالحَزْر، يعني: بالحَزْر من دون تحقق المثلية. 

وكذلك يقول الحنابلة في تعريف "المحاقلة": بيع الحب في سُنبُلِهِ بجنسه؛ بشيء من جنسه، فهذه المحاقلة منهي عنها وعليه الحكم أيضًا عند الأئمة الأربعة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

والمقصود من المَبيع فيها أيضًا مستور بما ليس من صلاحه، فلا هناك رؤيه في البيع، وكذلك يحصل التفاضل؛ لأنه كما يقول الحنابلة: أن جهل التساوي مثل علم التفاضل؛ إذا جهلنا بمساواة هذا لهذا فيكون البيع جِزاف وبتقدير وحَزر لم يأذن به الشارع.

وكذلك "المزابنة: أن يُباع النخل بأوساق من التمر"، مأخوذة من الزَّبْن وهي: الدفع؛ لأنها تؤدي إلى النزاع والمدافعة. 

  • ويقول الجمهور عن معنى "المزابنة": أنها بيع الرُّطَب بتمر مجذوذ، يكون مثل كيله خرصًا أي: ظنًا وتقديرًا بالحزر؛ يقدّر الرُّطَب الذي على النخل.. كم بيجيب؟ يقول: مثلًا بيجيب عشرين صاع فيعطيه عشرين صاع من التمر ويشتري به ذلك فلا يصح هذا؛ ولكن يبيعه بغير جنسه، يبيعه بنقد ما يضر شيء، يبيعه بشيء آخر، أما بيعه بمطعوم مثله فتأتي علة الربا وعدم المماثلة فلا يصح.
  • وهكذا يقول الدردير من المالكية أن "المزابنة": بيع مجهول بمعلوم ربوي أو غيره، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه. 

إذًا "فالمزابنة" لم يختلف الفقهاء أيضًا في أنه بيع فاسد ولا يصح؛ فلا تصح "المحاقلة" ولا  "المزابنة". 

بخلاف "المخابرة" التي أشار إليها..

  • فإن الجمهور على جوازها، ولا يفرقون بين "المخابرة" والمزارعة.
  • إلا أن الشافعية فرّقوا وقالوا: 
    • إن كان البذر من العامل فهي "مخابرة".
    • وإن كان من المالك فهي مزارعة. 
    • فهو عند الشافعية ما يصح.
  • ولكن عند الأئمة الثلاثة يجوز؛ يصح. 

وهو أنه يسلِّم له الأرض ويعطيه من الثمر، ويكون له جزء من الحاصل ومما يجيء؛ فله جزء من المحصول ثلث، ربع، خمس، نصف، أقل، أكثر.. فهذا يجوز عند الأئمة الثلاثة. والشافعية ما أجازوه لِما جاء من النهي عن المخابرة.

ولكن من المعلوم مساقاته ﷺ في نخل خيبر فأجازوا المساقاة بالاتفاق. المساقاة تكون على شجر قائم إما نخل أو عنب، وكذلك أجاز الشافعية ما يتخلل النخيل والعنب من الزرع الآخر يدخل تبع، يجوز لكن تبع الأصل وهو تبع المساقاة، فتكون مزارعة أو مخابرة؛ فقط في حدود ما بين النخيل وما بين شجر العنب، ما عدا ذلك فلا.

قال: "والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر، والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك كذا فسره رسول الله ﷺ".

إذًا كما جاءنا  النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ لأنه ينقص عندما يتحول الرطب إلى تمر، ومقدار هذا النقص ما يُضبط كم مقدار هذا النقص في الغالب إلا بالحزر، فما أجاز ذلك. وإنما أجاز الخَرْص في إيجاب الزكاة أو تضمينها على المالك إذا أراد أن يستعمل الرطب قبل إخراج الزكاة، فيجوز بالخرص. واختار بعض العلماء ومنهم الإمام عمر العطاس وبعض الفقهاء أنه يجوز إخراج زكاة الرطب رطب، وقال: لأن الله شرع الزكاة من أجل الفقراء والمساكين، فاسألوهم يريدون رطب ولا أنتم تأكلون رطب وبعدين لما تجففون التمر تعطونهم من التمر وهم لا يطعمون الرطب معكم؟ وإنما شرع الله الزكاة لمصلحتهم. قال: أعطوهم من الرطب، ولما يجف التمر أعطوهم من التمر، فيكونوا مثلكم يطعمون الرطب ويطعمون التمر.

وهكذا يطلق المالكية عدم جواز بيع كل رطب بيابس من جنسه، لا متفاضل ولا بمثل؛ لأن الرطِب بعدين ينقص لما ييبس. 

إذًا فالمخابرة أيضًا مزارعة على بعض ما يخرج من الأرض إذا كانت مستقلة:

  • فعند الشافعية ما تصح، ولكن إذا كانت تبع المساقاة -أي: تبع نخيل أو تبع شجر العنب- يجوز ما يتخللها. 
  • ولكن عند الأئمة الثلاثة يجوز المساقاة من دون نخل من دون عنب يجوز، يعطيه الأرض إما البذر من العامل وإما من المالك، وله العامل نسبة من محصول الثمر بعد ذلك.

وكان ﷺ يقول: "ما طلع نجم الثريا صباحاً قط وتقوم عاهة إلا ورفعت عنهم أو خفت"، الحديث في مسند الإمام أحمد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. وفي ذلك حِكَم الله تعالى في ربط الأشياء ببعضها، ولكن الواجب الثابت اعتقاده أنه ليس للنجوم ولا لغيرها ولا للأزمنة ولا للأمكنة تأثير في الإيجاد ولا في الخلق ولا في العطاء والمنع، وإنما قد يربطها الله بها، ويجعل وقت الثمر هذا في وقت كذا، وكذلك منه العاهات وأنه إذا طلع نجم الثريا فإن الله يرفع العاهات عن الزروع وعن الثمر، وهذا بقدرته سبحانه وتعالى. والثريا ما تصلح شيء لا تقدم ولا تؤخر، ولكن هو قد يربط الأشياء بعضها ببعض، والأمر عائد إلى المسبب -جلّ جلاله- لا إلى الأسباب.

وفي الخاتمة ذكر حديث تأبير النخل، وجاء أصله في صحيح مسلم وغيره؛ أنه ﷺ أول ما ورد المدينة المنورة -ولم يكن في مكة نخل والنخل كان في المدينة المنورة- ولما رآهم يؤبرونها -يلقحونها-، وكان ﷺ في حالته الرفيعة يرى الأفعال لله -تبارك وتعالى- بالله، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:96] ومثل هذا اليقين تنفعل له الأشياء حتى تحصل الأشياء من دون أسباب، ولكن هذا اليقين الرفيع ما يكون عام في الناس ولا حاضرًا في كل وقت، فيحتاجون إلى إقامة الأسباب. فلما تحدّث ﷺ بما يقتضي حاله ومقامه، ظنوا أنهم هم أيضًا مأمورين، فتركوا تأبير النخل، فنقص النخل عليهم وطلع شيص وأخبروه ﷺ قال لهم: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، يعني: ما أقامكم الله فيه من الأسباب بحالكم فأقيموها. وإنما هذا الأمر شأن خاص بأهل اليقين والتوكل، فهؤلاء يُحدث الله لهم الأشياء ويُفعّلها من دون كثير من الأسباب.

كما قال لمريم: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)[مريم:25]، ما حد يحرك جذوع النخل! وقال لسيدنا موسى: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ)[الشعراء:63]، البحور ما تضرب بالعصي وايش تصلح العصي في البحور! ولكن إقامته بمجرد سبب ما هو واضح ولا ظاهر يُظهر قدرته -سبحانه وتعالى-، وبعدين ضرب الحجر بنفس العصا، يضرب بحر يتحول مثل حجر، ويجي حجر يخرج ماء يضربه! والأمر أمره، ولا العصا صلحت شيء؟! ولا سيدنا موسى مستقل بنفسه عمل شيء، ولكن الله تعالى أظهر هذا وأظهر هذا بقدرته -سبحانه وتعالى- بهذا السبب الذي أقامه، (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)[يس:83].

رزقنا الله الإيمان واليقين والتقوى والاستقامة، وأتحفنا بأنواع الكرامة، وأفاض علينا بفائضات إحسانه وواسع امتنانه، وكتبنا في ديوان الصالحين من عباده، أهل محبته ووداده.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

20 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

02 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام