الحكم العطائية - 62 | أنعَمَ عليك أولاً بالإيجاد، وثانيًا بتوالي الإمداد

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس - 62 - من قوله: ( أَنَعَمَ عَلَيْكَ أَوَّلاً بِالْإِيجَادِ , وَثَانِياً بِتَوالِي الْإِمْدَاد )
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 17 ذي الحجة 1442هـ.

 الحكمة (98): "أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوْلاً بِالْإِيجَادِ، وَثَانِيَا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ"

 الحكمة (99):"فَاقَتُكَ لَهُ ذَاتِيَّةٌ، وَوُرُودُ الْأَسْبَابِ مُذَكِرَاتٌ لَكَ بِمَا خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْهَا؛ وَالْفَاقَةُ الذَّاتِيَّةُ لَا تَدْفَعُهَا الْعَوَارِضُ"

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

 الحكمة (98): "أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوْلاً بِالْإِيجَادِ، وَثَانِيَا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ"

أنعم وتفضَّلَ ومنَّ وتطوَّل بالإيجاد قبل أن تكون شيئاً مذكورًا، بل كنت نسيًا منسيًا، لم تكن أهلًا لإيراد مدد، ولا لجزيل عدد، ثم أمدَّ بأمداد عظيمة، وآلاء جسيمة، وتفصيل أمداد النعم، كل شيء على حدته.. مما لا مطمع فيه.

ولكن الإشارة إلى البعض منها تدلُّ على الكل، والمعرفة بالجملة منها تُغني عن التفصيل.

فمن النعم: ما كانت نعمًا أزلية سرِّية، ومن النعم: ما هي نعم روحية ملكوتية، ومن النعم: ما هي نعم قلبية علمية، ومن النعم: ما هي نعمٌ مُلْكية حسية.

فالنعمة الأزلية: هي أن رشَّ من نور وجوده على ظلمة عدمك، فوُجِدتَ وتهيَّأتْ فيك القابلية لكل ما يُلقى إليك من الأسرار التوحيدية الحقية.

وأما النعمة الروحية.. فهو أنه توجَّه إليك بالخطاب، وألهمك الصواب في الجواب.

وأما النعمة القلبية.. فهي أنه أنزل في قلبك نور الإيمان بما سبق من سرِّ خطابه، وأنتج فيه نتائج الزينة، والثبوت عليه من غير تردُّد ولا توقُّف، وفتح فيه خزائن العلوم الغيبية، وروازن الرحمات العرشية، والصور النورانية اللوحية، على الصفائح الكرسية، وجعله مرآة تظهر تجليات الأسماء الإلهية؛ ففيه تظهر هيولى الحقيقة، ومنه تفيض سبل الطريقة، وتجري أنهار العلوم وخلجان الفهوم، وعليه يكون مستقر المملكة الإنسانية، والسلطنة الإيمانية.

وأما النعم المُلْكية الحسية.. فهو ما منَّ به من القيام على ما أرشدك إلى القيام به، والقوة على القيام بالوظائف الشرعية، والدوام عليها، والصبر عن مناقضاتها، واجتناب قوادحها، وصرف النفس عن شهواتها، ودواعي تزويراتها، وهي لا تنحصر، ومع كونه منَّ عليك بذلك وأنعم.. مدحك عليه وأثابك، ووعدك عليه جزيل العطاء، وعظيم الفضل، ووجَّه إليك جميع الأسباب، وجعلها لك بسر التسخير متوجهة، وإليك مقبلة.

فلا تحصى نِعَمه، ولا تنحصر أيادي جوده، فمن لم يتفقدها.. لم يشكرها، ومن لم يشكرها.. فقد تعرَّضَ لزوالها وانتقالها عنه، فمن أين للقوى البشرية الترابية أن تتأهَّل لشيءٍ من هذه النعم لولا فضله، وعميم جوده، وحفظها، والثبوت عليها.. مما لا يقدر ضعف البشر عليه؟!

فإن الأحوال معرضةٌ للتغيير والزوال، وسرعة الانتقال، فينبغي للعبد أن يضرع إلى الله، ويديم اللجأ بين يديه في حفظ ذلك عليه، ودوام توجُّهه إليه، وصرفه عن ضده ونفرته منه.

ولو أخذنا في عدِّ ما في صورة الإنسان من النعم الإمدادية على ممر الأنفاس، في سائر الحواس.. لاستدعى إلى طول في تقسيم أصنافها، وتعديد أنواعها.

ولي في ذلك:

أنعمْ عليكَ بإيجادٍ وتصوير *** ومدَّ من فضله إيمان وتنوير

فلم تزلْ تتوالى أصنافُ نعمتِهِ *** مقدَّر الُكلِّ مِنْ الأشيا بتدبيرِ"

 

لا اله الا الله ،جل جلاله وتعالى في علاه!

 يقول سيدنا ابن عطاء الله -عليه رضوان الله-: "أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوْلاً بِالْإِيجَادِ، وَثَانِيَا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ"، وهما نعمتان لا ينفك عنهما كائن ولا مخلوق في الخافي والباد؛ سبحان المنعم جل جلاله! له الفضل والحمد على كل حال. 

"أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوْلاً بِالْإِيجَادِ" والإخراج من العدم، ولم تكن شيئًا مذكورًا: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان:1]، فأولًا قبل خلق أبيك آدم، نوعك كله وجنسيتك ما لها وجود، ما شي إنسان أصلًا! ثم أوجد، وأما ذاتك أنت وسط الفرد من الناس؛ عادك إلا قبل أمس جئت! -متى جيت يا نصر قال أمس بعد العصر-، عادك جيت قريب! وكنت قبل ثمانين سنة فين؟ قبل مئة سنة فين؟ قبل مئتين سنة فين؟ فين كنت؟ لا شيء من جسمك هذا ولا من شعرك ولا من بصرك، ما حد هو في الأرض أصلًا، لا إله إلا الله! عادك إلا جيت وقدك بتصلح خبابير وكلام غريب وبتعاند وبتجحد وبتتطاول!

"أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوْلاً بِالْإِيجَادِ"، من العدم، "وَثَانِيَا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ"؛ من عادك نطفة وأمدك حتى تحولت النطفة إلى علقة، تحولت العلقة إلى مضغة، لولا إمداده من بيحولها؟ تحولت المضغة إلى عظم، وتحولت العظم إلى كسوة باللحم، ثم جاء نفخ الروح، وبعدين يغذيك وأنت وسط بطن أمك، ويعلمك قيام وقعود، ويجعل لك متكئ على اليمين -كبد-، ومتكئ على اليسار طحال حق أمك، من كذا وذا من كذا وأنت بالوسط تمام مضبوط بينهن! ترزح بالخير وتقوم وتقعد، وبعدين علمك كيف تنقلب وقت الولادة، ويسَّر لك السبيل وخرجت..

وقذف الرحمة في قلب أبيك وأمك يأخذونك وإلا رموك بعدين؟! تموت محلك! ينظفون، ويجيبون، ويغذون، وإذا مرضت يداوون، لا إله إلا الله! إمدادات. 

وهكذا بعد ذلك لا يزال الإنعام بأصناف ما ذكره وبغير ما لم يذكره الشيخ، ولو انفتح باب إدراك النعم، فالذي ينفتح فقط للمدرك بيستغرق عمره كله ذكره ولا بيكمل -الذي عرّفه الله إياه-، ومع ذلك فالذي لم يعرفه الكل أعظم مما عرفوه من نعم الله تعالى، فسبحان المنعم جل جلاله وتعالى في علاه.

يقول: "وَثَانِيَا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ". 

  • "فمن النعم: ما كانت نعمًا أزلية سرِّية. 
  • ومن النعم: ما هي نعم روحية ملكوتية. 
  • ومن النعم: ما هي نعم قلبية علمية. 
  • ومن النعم: ما هي نعمٌ مُلْكية حسية". 

بيجيب لك مثال من كل واحد من هذه الأنواع:

"فالنعمة الأزلية: هي أن رشَّ من نور وجوده على ظلمة عدمك، فوُجِدتَ وتهيَّأتْ فيك القابلية لكل ما يُلقى إليك"، أولًا روحك ثم جسدك، كلها كوَّنها من العدم -لا إله إلا هو-، بعدين هذه نعمة أزلية. 

يقول: "فالنعمة الأزلية: هي أن رشَّ من نور وجوده على ظلمة عدمك، فوُجِدتَ وتهيَّأتْ فيك القابلية لكل ما يُلقى إليك من الأسرار التوحيدية الحقية"، لك الحمد شكرًا. 

"وأما النعمة الروحية.. فهو أنه توجَّه إليك بالخطاب، وألهمك الصواب في الجواب"، وأسمعك وأشهدك وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172]، وأعطاك نوع روح تتأهل للفهم والوعي والخطاب والسمع والإدراك والمعرفة، ما يتهيأ لذلك غيرها -الروح-، (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، الله أكبر! هذه نعمة روحية. 

"وأما النعمة القلبية" -علمية-.. "فهي أنه أنزل في قلبك نور الإيمان" -فآمنت- "بما سبق من سرِّ خطابه، وأنتج فيه نتائج الزينة" بالتقوى، "والثبوت عليه من غير تردُّد ولا توقُّف -الحمد لله-، وفتح فيه خزائن العلوم الغيبية، وروازن الرحمات العرشية" جمع روزنة، "والصور النورانية اللوحية"؛ المتعلقة باللوح، على الصفائح الكرسية"، هذه نِعَم قلبية وعلوم ربانية أعطاك إياها رب الخلق، الله الله الله! "ففيه تظهر هيولى الحقيقة"؛ أي: الأصل والذات للحقائق، "ومنه تفيض سبل الطريقة، وتجري أنهار العلوم وخلجان الفهوم، وعليه يكون مستقر المملكة الإنسانية، والسلطنة الإيمانية"، الحمد لله نِعَم قلبية علمية. 

"النعم المُلْكية الحسية" جسمانية.. "فهو ما منَّ به من القيام على ما أرشدك إلى القيام به، والقوة على القيام بالوظائف الشرعية، والدوام عليها، والصبر عن مناقضاتها"، الحمد لله "وصرف النفس عن شهواتها، ودواعي تزويراتها، وهي لا تنحصر، ومع كونه منَّ عليك بذلك وأنعم.. مدحك عليه وأثابك"، ويعطيك أجر! وهو أعطاك إياها من أصلها، الإيمان هو أعطاك إياه، والعمل الصالح هو وفقك وأعطاك إياه، ومع ذلك يثيبك عليه ويمدحك! لا إله إلا هو. "فلا تحصى نِعَمه"، جلَّ المنعم الكبير. 

اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك؛ من على العرش، والكرسي، والملائكة، وأهل السماوات، وأهل الأرض، وأهل الدنيا، وأهل البرزخ، كل النِّعَم التي عندهم منك أنت وحدك، منك أنت وحدك، لك الحمد ولك الشكر على ذلك، لك الحمد ولك الشكر على ذلك، لك الحمد ولك الشكر على ذلك؛ ما نقدر نحصي النعم اللي على واحد من اللي في المجلس؛ وكيف وهم والسامعين؟ وكيف وهم وأهل الدنيا؟ وكيف وهم وأهل البرزخ؟ وكيف وهم وأهل السماء؟ كم من النِّعَم الان قائمة في كل فرد منهم؟! في جسده، في روحه، في عقله، في سره، في حركته، في قدرته، كم؟! اللهم لك الحمد، كلها منك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك. 

"من لم يتفقدها.. لم يشكرها، ومن لم يشكرها.. فقد تعرَّضَ لزوالها"، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]؛ اللهم زدنا من جميع النعم، وادفع عنا جميع النقم يا أرحم الراحمين. 

وأيامنا في الدورة أيضًا، وعودتنا بعد العيد إلى مجالسها من نعمه كلها، عسى يتمها علينا، وتمامها كل مجلس من مجالسها له مجالس في الآخرة مع أهل الصديقية، مع أهل النبوة وخيرها ونعيمها يدوم، يا الله! 

الله يتمّ النعمة علينا وعليكم، لا إله إلا الله.

"فإن الأحوال معرضةٌ للتغيير والزوال، وسرعة الانتقال، فينبغي للعبد أن يضرع إلى الله، ويديم اللجأ بين يديه"، ألا يا حافظ احفظ علينا دين الإسلام وعند الموت يا رب عسى غفران وأمان.

 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

"فإذا عرفت هاتين النعمتين: نعمةَ الإيجاد أولًا، ونعمة الإمداد ثانيًا ودوامًا.. تبيَّن عندك حقيقة افتقارك، وظهر لك وجود اضطرارك إليه أبدًا سرمدًا؛ إذ لا يستغني وجود عن المدد الذي به يكون موجودًا دنيا وأخرى؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

 الحكمة (99):"فَاقَتُكَ لَهُ ذَاتِيَّةٌ، وَوُرُودُ الْأَسْبَابِ مُذَكِرَاتٌ لَكَ بِمَا خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْهَا؛ وَالْفَاقَةُ الذَّاتِيَّةُ لَا تَدْفَعُهَا الْعَوَارِضُ"

فاقتك أيها الإنسان ذاتية لك، والفاقة: هي شدة الاحتياج إلى مدد يدفع عنه ما يناقض حالة الوجود؛ وهو ما يدفع عنه العدم.

فاقتك أيها الإنسان، إلى وجود اللطف والإحسان، من المحسن المنان.. ذاتية؛ أي: أصل ذاتك تطلب ذلك، ولا انفكاك لها عنه؛ فذاتك أبدًا طالبة مستَمِدَّةٌ لا غنى لها، وإن وُجدت لديها الأسباب العرضية.. فلا ترفع هذه الفاقة الذاتية؛ إذ الأسباب خارجةٌ عنها لا تغني عنها. 

لأنها أيضًا -أي: الأسباب- مفتقرة و مستَمِدَّةٌ، فكيف ترفع عن غيرها أو تمد غيرها ما هي محتاجةٌ إلى من يدفع عنها ويمدها؟!

فثبت عموم افتقار جميع المسببات، وأسبابها، في ذواتها، وأوصافها، وسائر أفعالها؛ من حركاتها وسكناتها، دنيا وأخرى، وبرزخًا ومقرًّا، والغنى لله ذاتي في أوصافه، وأفعاله، وجميع مقدوراته ومراداته.

وعلى هذا الأسلوب فاعرف مباينة الله لمكوَّناته في جميع أوصافه وأفعاله؛ فله الوجوب ولها الجواز، وله الكمال ولها النقص، وله الغنى ولها الافتقار، وله القِدَم ولها الحدوث، وأوصاف الحق لا تفارقه، فلا تتغير بتغير الأحوال، ولا تختلف باختلاف المظاهر، وأفعاله أيضًا لا تحتاج ولا تفتقر إلى الآلات والارتباطات؛ كما تكون أفعال الخلق بذلك موصوفة.

فإذا علمت أن الفاقة لك ذاتية لا تفارق وجودك على أي حالة كنت.. فلا تزايلك هذه الفاقة؛ وهي كما قدمنا: افتقارك في نفس وجودك إلى من يقيمه ويديم بقاءه.

ثم هذا لا يكون مفهومًا لكل أحد، بل أكثر الناس لا يعلمون هذا الافتقار الذاتي لهم، فرحم الله عباده بورود الأسباب المناقضة لما هم عليه من الوجود؛ ليرجعوا إليه في كشف ما نزل بهم، وإيصال ما هم إليه محتاجون، فذكرهم ذلك وصفَهم الذي هو لهم بحكم الأصالة، فيكونون في جميع أوقاتهم وتغاير أحوالهم شاهدين لوصفهم من الافتقار والاضطرار، ومستمدين من الله فضله، شاهدين لما هو عليه من صفات الكمال، فيقومون لله بحق عبوديته، ويعرفون له سرَّ ربوبيته، فلا ينازعونه في صفاته، ولا يدَّعون نعوتَ كماله.

فكلما ورد عليهم سببٌ يناقض ما هم عليه من وجود الغنى.. ردَّهم إليه بقهره، فكان القهر يردُّ إلى الله خلقه بالطوع والخضوع، ودوام الخشوع؛ لأن النفس من شأنها ادعاء الأوصاف الربانية.

فرحم الله نفوس المؤمنين فلم يتركها وما هي عليه من الاستطالة، فأظهر لها سرَّ قهره، فأجابته خاضعةً لسلطان جلاله، معترفةً بوحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، معترفةً بافتقارها، ومقرَّةٌ بعجزها واحتقارها، فإيراد الأسباب لهذه الحكمة ظاهر.

ولو تركها وما هي عليه من دوام مساعداتها في أغراضها وانهماكها في حظوظها.. لبقيت على دعواها، ولقيت الله وهي له معاندة، وفي حلل دعواها ووخيم مرعاها ساذجة، فأخذها بقهره الذي لا يطاق، وبطشه الذي لا يغلب، ولا يفلت منه من أوثق، ولا يتخلَّص منه من فيه علق؛ كما يفعل بأعدائه فيما يروى عن أشد الناس عتوًا، وأكثرهم على الجناب الإلهي تكبرًا وتجبرًا؛ تركهم وما هم فيه، فلم يزعجهم بما يعرفهم وجود افتقارهم، ويوقّفهم على وصف اضطرارهم، بل تركهم يتقلَّبون في العوافي، وساق إليهم من الدنيا ما ينسيهم الرجوع إليه، والوقوف بين يديه، حتى انقضى أمرهم، وانتهى عددهم، فسلَّط عليهم من سرِّ القهر ما لا يقدرون على دفعه، ولم يتفرغوا إلى معرفة من أورده عليهم وسلطه، بل أخذ على القلوب أن تفقه، وعلى الألسن أن تنطق، والأعين أن تبصر، والآذان أن تسمع، فوردوا الآخرةَ بهذا الوصف صمًّا بكمًا عميًا.

فانظر إلى حكمة الله في إيراد الأسباب على العباد أنها لهم نعمة، ووجودها لديهم رحمة لهم، ولكن الخلق في وجودها يتفاوتون بتفاوت أحوالهم؛ فمنهم: من يتلقَّاها بالرضا والفرح ورؤية المنَّةِ لله فيها، كما يرى غيره ذلك في الملائمات، ومنهم: من يتلقَّاها بالصبر والتجمُّل لله، ومنهم: من يتلقَّاها بالتبرُّم والتضجر؛ فللأول: الرضا، وللثاني: العطاء، وللثالث: نفوذ القضاء.

ولكن إذا نظرت في فاقتك الذاتية.. علمت أن الأسباب العرضية لا تدفعها، فلا تستغنِ وإن أعطاك ووقاك؛ فلا يفارقك وصفك، ولا يزايلك نعتك في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قد يفيض على وجودك فائضات الامتنان، فيغمرك وجود الإحسان، فتضمحل أوصافك، وتبقى هذه الملابس الإحسانية، والخلع الامتنانية، فلا تكاد تظهر أوصافك إلا بالعلم بها؛ وذلك في العالم الأخروي حين يلبسهم ملابس فضله وامتنانه في محلِّ رضوانه، وتجلي إحسانه في أرجاء جنانه.

ولي في ذلك:

الفقر للعبد ذاتيٌّ وإن بلغت *** منه العطايا إلى أقصى نهايتها

قد يورد أسباب تؤلِمْ من تلمُّ به *** لكن بها يَعْرِفُ الإنسانُ غايتها

وترجعُه لَأصْلِ فاقَتْهِ وحاجتِهِ *** ويذكر أوصاف في ذاتِهْ بدايتها"

 

هكذا يقول: "فَاقَتُكَ": فقرك واضطرارك. 

"لَهُ": إلى الله تعالى. 

"ذَاتِيَّةٌ": وصف ذاتي ملازم لك حتم. 

أنت مفتقر إليه في إيجادك وفي إمدادك، ولا يدوم لك الوجود إلى الوقت المعلوم إلا به ومنه سبحانه وتعالى، ولا تنال شيئًا من المواهب والفضائل والخيرات إلا منه، فأنت في فقر إليه مهما أعطاك، مهما أنعم عليك بِنِعَم ظاهرة أو باطنة، أنت الفقير، أنت المضطر؛ لأن فاقتك إليه ذاتية ليست عارضة ولا طارئة، ذاتية متعلقة بذاتك؛ أنت في ذات وجودك مفتقر إليه، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15] جل جلاله. 

بذلك تعلم أن التحقق بهذا الإدراك والوعي والفهم إلى الذوق والوجدان شأن من اختصّهم الله وعرّفهم الحقيقة من خيار الخليقة، يقول سيدنا الإمام الحداد:

قَدْ تَحَقَّقْتُ بِعَجْزِي *** وَخُضُوعِي، وَانْكِسَارِي

******

أَنَا عَبْدٌ صَارَ فَخْرِي *** ضِمْنَ فَقْرِي وَاضْطِرَارِي

أنا أفتخر بافتقاري إلى هذا الإله، وذلتي بين يديه واحتياجي إليه في كل نفس وفي كل لمحة، وفي كل شأن من شؤوني، بصري محتاج إليه، وسمعي محتاج إليه، وعقلي محتاج إليه، وقلبي محتاج إليه، وأعضائي محتاجة إليه، وروحي محتاجة إليه، وعلمي محتاج إليه، ووقتي محتاج إليه، بلدي محتاج إليه، وحياتي محتاجة إليه، وخاتمتي محتاج إليه، أنا محتاج مضطر إليه في كل نفس وحال؛ وإن أعطاني ما أعطاني، وإن زينني بما زينني، فهي عارضة وطارئة، لكن الأمر الذاتي فيَّ أني مضطر، أنا محتاج إليه دائمًا -لا إله إلا الله- ومهما ألبسني من لباس إكرام منه وإحسان ما ينسيني هذا حاجتي واضطراري إليه -لا إله إلا الله-.

يقول:

يَا مَلْجَئِي لَا أَقُولُ فِي حَرَج ***  بَلْ لَا أَزَالُ إِلَيْكَ مُفْتَقِرُ

دهِيتُ بِالحُمْقِ إِنْ زَوَيْتُ وَقَدْ *** صَرَّفْتَنِي فِي الوُجُودِ أَفْتَخِرُ

رِدَائِي الذُلُّ مَا حَيِيتُ……………

 وإن رفعتني مقام الصديقية، وإن أعطيتني القطبانية، وإن جعلتني في أعلى مراتب الإرث لخير بريَّة

رِدَائِي الذُلُّ مَا حَيِيتُ كَمَا *** أَنِّي بِعَجْزِيَ أَصْبَحْتُ مُتَّزِرُ

وَصْفُ العَبِيدِ وَلَا أُفَارِقُهُ *** حَسْبِي بِهِ وَعَلَيْهِ أَفْتَقِرُ 

يَا رَبِّ يَا أَمَلِي وَيَا عَضُدِي *** يَا مَلْجَئِي يَا مَلَاذُ يَا وَزَرُ 

كَمْ لَكَ مِنْ مِنَّةٍ وَمِنْ نِعَمِ *** عَلَيَّ تَتْرَى مَوَاهِبٌ غُرَرُ

لَوْ كَانَ لِي عُمْرُ الدُّنَا ….. **** …………………………

الدنيا كلها، من أيام آدم إلى أن تقوم الساعة.

لَوْ كَانَ لِي عُمْرُ الدُّنَا وَمَضَى ***  في الشَّكْرِ كَانَ يَفُوقُهُ العُشُرُ

لَكِنَّنِي قَدْ بَقِيتُ مُعْتَرِفًا ***  بِالعَجْزِ فِي الشَّكْرِ فَانْتَفَى الحَذَرُ

عَامَلْتَنِي بِالجَمِيل مُبْتَدِئًا *** جَعَلْتَنِي أَثَرًا وَمَا أَثَرُ

ما أنا شيء، كنتُ عدم وجعلتني أثرًا وما أثرُ.

مَا كَادَتِ الفَانِيَاتُ تُوقِفُنِي *** إِلَّا زَوَتْهَا العُلُومُ وَالفِكَرُ

شفتُ النِّعَم.

وَلَا أَتَانِي اللَّعِينُ يَفْتِنُنِي *** إِلَّا رَمَاهُ مِنَ العُلَا شَرَرُ

للهِ فِي خَلْقِهِ سَرَائِرُ لَا *** تُحْصَى وَلَا يَهْتَدِي لَهَا البَصَرُ

سمعت؟ وبعض الناس يغتر، قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ *‏ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) [العلق:6-7] ، وهو ما يستغني في حال من الأحوال! أنتم الفقراء إلى الله دائمًا وأبدًا، فمهما كساك وخلع عليك من الخِلَع فأنت الفقير إليه، المضطر إليه، وهو الغني عنك وعن كل شيء، فالغنى المطلق الذاتي لله (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:38]. 

الملائكة فقراء إليه، العرش فقير إليه، والجنة فقيرة إليه، والنار فقيرة إليه، والدنيا فقيرة إلى الله، والبرزخ فقير إلى الله، والآخرة فقيرة إلى الله، والأنبياء فقراء إلى الله، والشياطين فقراء إلى الله، والملحدون الجاحدون فقراء إلى الله، كلهم مفتقرون مضطرون إليه، ما لهم وجود إلا به؛ لكن هؤلاء يعاندون ويجحدون، وهؤلاء يستسلمون ويخضعون، ففرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لهؤلاء الجنة ولهؤلاء النار؛ اللهم اجعلنا من أهل جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول: "وَوُرُودُ الْأَسْبَابِ مُذَكِرَاتٌ لَكَ بِمَا خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْهَا؛ وَالْفَاقَةُ الذَّاتِيَّةُ لَا تَدْفَعُهَا الْعَوَارِضُ"، مهما عرض لك من أمر.

كان واحد من الوزراء يقول لبعض الرؤساء: ما أنا إلا وزير بجرة قلم تخرجنا من الوزارة، أنت مسؤوليتك في الدولة وقيامك فيها الرئيس، أنا بقرار منك طلعتنا وزير وفي ممكن بجرة قلم بتخرجنا!

وإذا هذا أدرك هذا من شان الخلائق والدنيا، والخلق كلهم بكل ما أوتوا منهم، يقلبهم متى شاء بأي حال.

 ما حد له شيء معه أصلًا! هو المتفضل بكل شيء، في لحظة يحولك، خلاص تخرج مما أنت فيه في لحظة أي شيء كان؛ فالأمر أمره، والقدرة قدرته، والقهر قهره، والغنى له، والفقر لازم لكل من عداه؛ صغير كبير، إنسي جني، اعترف أو ما اعترف، كلهم فقراء إليه، كلهم مضطرون إليه، وإن جحدوا وإن عاندوا، لكن المعاندين والجاحدين لهم النار ولهم العذاب، والذين استسلموا وخضعوا لهم الجنة ولهم الثواب، اللهم اجعلنا منهم.

فيورد الأسباب على العباد:  (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف:32]، قال لِحِكَم جعلنا كل ذلك، ولو كنا أطلقنا المجال وما عاد أعنَّا المؤمنين على قوة الإيمان وعلى ثباتهم عليه، بنجعل الكفار أكثر زخرف في الدنيا، ودوام ذلك بحد يبهر العقول والناس كلهم بيكفرون بعدين ما عاد بيبقى ثابت على الإيمان، (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف:33-35]. اللهم اجعلنا من المتقين. 

فكان من أعظم نعم الله على العباد أنه إذا أراد أحدهم أن يغتر بعلم أو بعبادة، يظهر عليه من الأسباب معاني قهره فيخليه يتأدب، ويعرف أن هذا منه وإليه وله فضل، فيدوم على العبودية والأدب مع الربوبية، فتتوالى له الخيرات من الرب سبحانه وتعالى ويدوم له الإفضال والإنعام والنوال، فيذكرّهم.

فصارت بذلك يقول قائلهم من أهل الذوق: 

جزى الله المصائب كل خير *** أفادتنا علومًا نافعات 

علومًا ما قرأناها في كتاب *** ……………….

ما حصلناها في كتب، ولكن استفدناها من الشدائد التي تحصل، ولذا كم في المرض من نِعَم! كم في الفقر من نِعَم! كم في الشدائد من نِعَم، وأجراها الله هكذا، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 140-141]

الله ينظر إلينا، الله يرزقنا شكر النِّعَم، ويزيدها علينا، ويرزقنا العبودية حتى نلقاه على الحال الجميل، ونلتقي على الحوض، ونشرب من ذاك السلسبيل، وندخل المقام الجليل، مع سيدنا الجليل، موطن التكريم والتبجيل، يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين، يا ولي يا كفيل. 

الله يثبتنا على دربه، ويسقينا من شربه، ويجعلنا في حزبه، وينظمنا في سلكه، ويحملنا في فلكه، ويتولانا به، ويرعانا به، ويجعلنا من أنصاره مقتفين آثاره، وملتبسين أنواره، ويحشرنا في زمرته، ويسعدنا بمرافقته، ويكرم علينا وينعم بالورود إلى حوضه المورود، ويدخلنا معه إلى جنات الخلود. 

وأن الله يرزقنا الوفاء بالعهود، ويجعلنا في خواص الركع والسجود، وأن يصلح شؤون المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، في الغيب وفي الشهود، وأن يحول أحوالهم إلى أحسن الأحوال في جميع الجهات وفي جميع الأقطار، وأن يوقظ قلوبهم من سنة الغفلة، وأن يرزقنا وإياهم الاستعداد لدار النقلة، واغتنام زمن المهلة، وأن يقينا الأسواء والأدواء وكل بلوى في السر والنجوى، وأن يحققنا بحقائق التقوى، ويلحقنا بالمتقين، وأن يعيذنا من كل سوء أحاط به علمه في الدارين، ويحلينا بكل زين، ويخلينا عن كل شين، وينظمنا في سلك الحبيب وأهل التقريب، ويوفر لنا منه وفيه أوفر الحظ والنصيب في عافية.

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

20 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

30 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام