(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 7 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (95): "رُبَّمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الطَّاعَةِ وَمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الْقَبُولِ، وَقَضَى عَلَيْكَ بِالذَّنْبِ فَكَانَ سَبَبَ الْوُصُولِ."
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"والفقير المعتمد على الله يكون جُلُّ مرمى نظره إلى عواقب الأمور ومصادر الأفعال، والمغرور الجاهل بالضدِّ من ذلك؛ أي: ينظر إلى حاصل ما يفعله، ولا ينظر إلى ما تتضمَّنه العاقبة؛ لذلك نبَّهَ المؤلفُ على هذه الخصلة بقوله:
الحكمة (95): "رُبَّمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الطَّاعَةِ وَمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الْقَبُولِ، وَقَضَى عَلَيْكَ بِالذَّنْبِ فَكَانَ سَبَبَ الْوُصُولِ."
"رُبَّ" تأتي للتقليل كما قدمنا الإشارة إليه، وقد تأتي للتكثير، فهذا تنبيه منه للمريدين، ونصيحة للطالبين، وتحقيق لقصد العاملين، فينبغي للبصير ألا ينظر إلى صور الأعمال حسنِها وسيئها؛ فلربما يصحب ما يفعله من الأعمال الحسنة ما يحجبه عن القبول، مثل الخصال القادحة؛ كالإعجاب والإدلال، ورؤية أنه خير ممن لا يفعله، فيُوجب إحباطَه وردُّه وإحباط كل عملٍ يعمله، وهو مستشعرٌ لما ذكرنا من إعجابه أو ريائه أو إدلاله؛ فإن العامل حال عمله وهو مستشعر لذلك يكون باب القبول عنه مسدودًا، وسبيل الوصول عنه مردودًا.
فلا تنظر إلى عملٍ حتى تعلم أنه قد قُبل، وأنى لك بذلك؟! ومتى أراك تقف على خفايا الرياء، ودقائق الإعجاب، ودقائق الحسد، وبقايا المنازعات للأوصاف الربانية؛ مثل التكبر والتعظُّم؟!
فإذا علمت ذلك.. فاعمل واعتمد على فضله، وخَفْ من اقتراف شيءٍ من هذه المحبطات؛ فإنها على من ظهرت عليه الأعمال، واشتهرت عنه الأحوال.. أقربُ ممن لا يكون بهذه المثابة، لذلك اشتد خوف العاملين العبَّاد، والمجاهدين والزهاد، فإنها تَرِدُ في بعض الأحيان على حين غفلة منه عنها.
ولا يوحشك أيضًا وجود الذنب وحشةً تُفضي بصاحبها إلى أن يقطع بالبعد بسبب ذلك؛ فلربما كان أنفع له من طاعة يصحبها ما ذُكِر، ولم يتحقّق خلوصها، فالذنب يوصل صاحبه إلى الانكسار، واستحقار نفسه واستصغارها، وتعظيم غيره ممن لا يفعله، ويوقفه في خضوع التائبين، وخشوع الخائفين طولَ عمره، كلما مرَّتْ عليه صورة ذلك الذنب.. تجدَّد عنده من الحزن والانكسار، وتنفَّس الصعداء بالاستغفار، ولوم نفسه واحتقارها ما لا يوازيه كثيرٌ من الأعمال في كثيرٍ من الأعصار.
فانظر إلى عاقبة الفعل وباطنه، ولا تنظر إلى صورته في الحال، قالوا: رب ذنب أدخل صاحبه الجنة، وهو مقتبسٌ من قوله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ) [البقرة:216]
فالأصلح للعبد: أن يعمل الطاعات ويجتنب المنهيات وهو غير حاكم بخيرية هذا ولا شرِّية هذا من هذه الحيثية، لا من حيثية نفس الطاعة والمعصية، وأما نفس الطاعة مع سلامتها من القوادح وقبولها.. فهي خير بلا شك، وكذلك المعصية إذا لم تقترن بها التوبة منها، والإتيان بضدها، والحزن على فعلها، وصحبها التمادي والإصرار عليها.. فهي شرٌّ بلا شك، ولكن الكلام هنا فيما يترتَّبُ على وجود المعصية من شرائف الأخلاق والطاعة، وما يترتَّبُ على الطاعة من سيئات الأخلاق والمعاصي؛ كالإعجاب وما كان من قبيله، فلذلك عبَّر بـ "رُبَّمَا".
وأما الغالب.. فالطاعات شهادةُ العناية بمن أقيم فيها، والمعصية علامة الشقاء لمن أقام عليها، بشرط سلامة الأول مما ذُكر، وبقاء هذا على ذلك، ولم يبقَ إلا أنَّا لا نقطع على هذا بالشقاء، ولا نحكم للأول بالسعادة؛ للجهل بالسابقة وما تكون الخاتمة، وذلك حكمة بالغة؛ لئلا يطَّلع السعيد على سعادته فيتكَّل ويترك العمل، ولئلا يطَّلع الشقي فيزداد في غيِّهِ ويأتي الأشياء من غير مبالاة ولا توقف، أو لغير ذلك مما لا يُطلَّع عليه من خفي الحكمة؛ فقد ورد: "والذي نفسي بيده؛ إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -أو قال: شبر- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلَها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -أو قال: شبر- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلَها".
فمن ذلك لم يقطع بسعادةٍ ولا شقاوة، ولكن لكل شيءٍ دلالة، ولكل رسمٍ علامة، ولي في ذلك:
فربما يفتح الأعمالَ خالقُها *** وما فتَح بابَ ما يصلحْ به العملُ
وأيضَا المعاصي لا توجبْ لصاحبها *** بُعْدًا إذا صلحَتْ الأحوال والخللُ
إذا صحبْ صاحبَ الأعمال رؤيتُها *** كانت كما جملة الأوزار والزلل
وصاحبُ الذنب لا يُقنِطهُ رؤيتها *** إن سال من حزنه الأجفان والمقل
إذا علمت أن حكمة الطاعة إظهار العبودية؛ وهي لزوم أوصافك، ومعرفة نفسك، والتعلُّق بأوصاف الله فيها.. تحصل معرفة الله عز وجل، فإذا صحب الطاعة ما يناقض ذلك، وصحب المعصية ذلك.. كان ما قاله المصنف هاهنا؛ وهو قوله رضي الله عنه:
الحكمة (96): "مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَافْتِقَارًا.. خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا".
الحمد لله علام الغيوب، الناظر إلى ما في القلوب، والمتكرِّم على من أراد له السعادة بتطهير القلب عن العيوب. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منه الأمر وإليه يؤوب، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله؛ أقرب قريب وأحب محبوب، أطهر الخلائق قلبًا وأنقاهم باطنًا وجيبًا، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن والاهم في الله وعلى منهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين الأطهار، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين الملك الكريم الغفار.
أما بعد،
فإنَّ الحق -سبحانه وتعالى- ينظر إلى قلوبنا، ويدور الأمر على ذلك في كل معاني القرب، وكل معاني القبول، وكل معاني المحبة، وكل معاني الرضا، وكل معاني المعرفة، وكل معاني السعادة تدور على ما في القلوب.
والمظاهر أيها المؤمن بالله -تبارك وتعالى- تكون المظاهر لصلاح القلوب ولصدقها ولأوبتها: الأعمال الصالحة؛ ولكن ذلك إن تمت الأعمال الصالحة على وجهها، ووجهها:
هذا حقيقة الطاعة، فإذا قامت الطاعة على وجهها فهي عنوان صلاح القلب، وعنوان الفوز بالقُرب، وعلامة رضا الرب. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.
حسن العبادة: أن يُخلص لوجهه فيها، وتؤدَّى على كمالها، وتُقبل لديه.. هذا حسن العبادة.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا أكرم الأكرمين.
ولكن قد يقترن بهذه العبادة معاصٍ قلبية أو مؤَدِّيات إلى المعاصي والبُعد -والعياذ بالله تعالى- فيُقيم صورة العبادة، والقلب يعجب، وينسب الأمر إليه كأنه يدل على موفِّقه وبارئه -جل جلاله- ويتكبر ويغتر ويحسد الغير؛ ذا الحين أيش من طاعة هذه؟ هذه طاعة هذه؟! هذه عبادة هذه؟ ركعات أو صيام أو قيام أورث فيك هذا كله المعاصي القلبية هذه كلها، هذه عبادة هذه؟! وأنَّى تُقبل؟! فلا عبرة بظاهرها.
كذلك فساد القلب وخرابه وظلمته؛ علامته: المعصية. فأقوى علامة لخراب القلب وفساده وظلمته: معصية الله ومخالفة الله تبارك وتعالى.
وفي طي الحكمة الربانية قد يصحب المعصية انتهاضة من القلب؛ انكسار وتذلل وخشية وخوف ورجاء وشهود تقصير، فتتحول طاعات كثيرة قلبية مع هذه المعصية، فيتوب وينيب ويؤوب، فتكون سبب لاستمرار خضوعه وخشوعه وانكسار قلبه ورؤيته الخير في الغير وحسن الظن بالغير وسوء الظن في نفسه، فيكون سبب لدخوله الجنة. وإذا به ارتقى واعتلى بعد وقوعه في هذه الخطيئة وفي هذه المعصية.
لا إله إلا الله!
وإلا فالمعصية إذا صدرت هي سبب الظلمة وسبب القسوة وسبب البلاء وهو الأصل فيها؛ لكن أحيانًا قد تعكس الحكمة الإلهية شأنها، فتحوّلها إلى سبب من أسباب القرب، فيرجع ينزِّه قلبه عن الذنوب ويتبعه تنزيه الجوارح ويفتح عليه الفاتح.
"رُبَّمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الطَّاعَةِ وَمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الْقَبُولِ"؛ فتكون طاعة صورية مظهرية حسية لا روح لها، لا حقيقة لها، لا تزيدك خشيةً ولا رجاءً، ولا تزيدك خضوعًا ولا خشوعًا، ولا تزيدك إيمانًا ولا يقينًا، صورة بس!
قال: يقترن بها أن تعجب، وأن تغتر، وأن تحسد، وأن تحقد، أو أن تتكبر، يا الله! فيا ليتك ما عملت هذه الطاعة وسلمت من هذه الذنوب القلبية، يكون أسلم لك وأحسن.
فما ينفع عمل بلا قبول. لهذا كان سيدنا علي يقول: كونوا بقبول العمل أهمًّ منكم بالعمل"، فإنه لا يقلُّ عملٌ مع قبول؛ إذا شيء قبول، ما شي قليل. أدنى شيء مقبول عند الله يصير عظيم وجليل ويرفع الله صاحبه درجات.
وهكذا قال: "رُبَّ" تأتي للتقليل كما قدمنا الإشارة إليه، وقد تأتي للتكثير، فهذا تنبيه منه للمريدين، ونصيحة" -أنه قد يحصل وان كان للتقليل- "وتحقيق القصد العاملين، فينبغي للبصير ألا ينظر إلى صور الأعمال" -من وراها ما وراها- "فلربما يصحب ما يفعله من الأعمال الحسنة ما يحجبه عن القبول"
لا إله إلا الله..
وهكذا؛ مشى صاحب أعمال صالحة وعبادة من بني إسرائيل؛ حتى سُمِّي عابد بني إسرائيل، مع واحد كان صاحب معاصي و ذنوب وسيئات؛ حتى سُمِّي خليع بني إسرائيل، فلما لَقيَ هذا الخليع ذلك العابد قال: أنا عاصي وهذا إنسان قريب من الله بقرُب منه عسى الرحمة تنزل عليّ، وانكسر قلبه من أجل الله وندم وتاب وجاء. فلما رآه يمشي قال: ما لك تمشي؟ قال له: أريد أقرب منك، قال له: أنت خليع بني إسرائيل وأنا عابد بني إسرائيل، أيش اللي يقربك مني؟ ابعِد! فانتهره وراح بانكسار زيادة.
فأوحى الله إلى النبي الموجود في ذاك الزمان: قل لفلان وفلان استأنفا العمل من جديد، فقد غفرتُ سيئات العاصي كلها، وأحبطتُ عمل العابد كله، فهم الآن سواء يبدؤون العمل من جديد خلاص!.. هذا غفر له بانكساره وبتذلّلـه، وهذا حبط عمله كله باستكباره واشمئزازه من أن يمشي معه، لما قال له: ليش تمشي معي أنت؟ خليع بني إسرائيل، ايش تبغى مني؟ رُح! لا حول ولاقوة إلا بالله العظيم.
وهكذا؛ كان بعض الطلاب الصالحين يقرؤون عند بعض الشيوخ الصالحين، ومرَّ واحد من العُصاة، فلما وقف تحت باب الشيخ قال: لا إله إلا الله، أنا ذات عصت ربها من رأسي إلى قدمي، ووسط هذه الدار ذات أطاعت الله من رأسها إلى قدمها، فأريد أن أنظر إليه عسى الله أن يدخل ذاتي العاصية في بركة ذاته الطائعة.
وطلِع في الدرج؛ وحصَّل الشيخ يُدرِّس للطلاب، نظر إليه وحدَّق النظر وخرج، وهو خارج لَقِي واحد من التلامذة في الدرج -جاء متأخر- قال له: أنت أيش اللي جابك إلى هنا؟ قال: قلتُ كذا وكذا، وعملتْ وخرجتْ. تعجَّب!
كملوا المجلس عند الشيخ والدرس، بعدين قال: حد طلع هنا عندكم وأنتم في أثناء الدرس؟ قالوا له: رجل وقف عند الباب يتشوّف ويحدِّق في الشيخ يتشوف وخرج. قال: ذاك فلان؛ فلان اسمه مشهور، فلان! معروف بينهم واحد إنسان عاصي، أيش اللي جابه إلى هنا؟ قال: أنا لقيته في الدرج وسألته وقال كذا كذا.
الشيخ يسمع، قال: أنت سمعته هو قال لك كذا؟ الحقه الآن قل له يجينا، ما أظن أنه يحسن لحمل أمانتي وسرِّي من بعدي إلا هو. رُح اِلْحقه هاته، جابه، جلس عنده، نظر إليه الشيخ قال: اجلس عندنا تعلَّم معهم؟ قال: أنا كذا وكذا… قال له: وإن كنت، أنت تبت؟ قال: نعم، قال: اصُدق مع الله واحضُر؛ خلَّاه يقوم بالخدمة وجلس؛ فكان خليفة الشيخ، لما مات الشيخ كان هو الخليفة بسبب انكساره هذا.
إذًا؛ فليست الأمور بالظواهر، وإياك أن تحتقر طاعة ولا معصية؛ فربما رضاه في هذه الطاعة وربما غضبه في هذه المعصية.
ولا تغتر بطاعة ولا تيأس من معصية؛ لأنك تعامل عَلِي عظيم قوي قادر كبير ما يؤثر فيه شيء ويؤثر في كل شيء، ما تدري متى يرضى عنك، ولا ينظر إلا إلى ما في قلبك. فدُم على قلب منكسر خاضع محب مقبل عليه، يقبلك ويعطيك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
نِعم الإله الحق الحي القيوم جلَّ جلاله!
"فإذا علمت ذلك.. فاعمل واعتمد على فضله، وخَفْ من اقتراف شيءٍ من هذه المحبطات" لا اله الا الله، لأنه قال: "خفايا الرياء، ودقائق الإعجاب، ودقائق الحسد، وبقايا المنازعات" من أين لك التخلص منها؟ بل الاطلاع عليها فضلًا عن التخلص منها إلا بتوفيق الله.
لا إله إلا الله.
ولا يوحشك وجود الذنب فمعك رب رحمته أوسع من ذنبك؛ إن تبت وإن رجعت وإن صدقت معه.
من أنت وما ذنبك إذا صدقت معه وقابلك برحمته؟ من أنت وما ذنبك كله؟ يغفره بل يبدل السيئات حسنات؛ لكن إن تماديت وأصررت على مخالفته، فعقابه ما يطاق وعذابه شديد (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر:49-50].
أمر الله نبيه ينبئنا فنبأنا ﷺ عن عظمة هذا الإله، وأن مغفرته ورحمته وسعت كل شيء وعذابه شديد لا يطاق.
اللهم أجرنا من عذابك، اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا؛ وأعمالنا إن صحَّت وخلصت وقبلها هي من رحمته وهي من عنده، لا إله إلا هو.
"فانظر إلى عاقبة الفعل وباطنه، ولا تنظر إلى صورته في الحال" -الله، الله، لا إله إلا الله- (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ) [البقرة:216]"
فاعمل الطاعات واجتنب المنهيات، ولا تحكم وتقطع بالخيرية ولا بالشرية فالأمر له -جل جلاله- والله يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. والسابقة والخاتمة مجهولة، الله يرزقنا حسن الخاتمة.
وغيَّب الله عنا القبول، والله يتقبل منَّا صالح الأعمال. قال: وصوم يوم إذا قبله، له من الأجر ما لا تستطيع الملائكة أن تكتبه، ما يقدرون، إذا قبل منك ما تقدر الملائكة يحصون أجر صوم يوم!
"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ" إلى أضعاف كثيرة "قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، إذا قد قَبِله خلاص ما عاد يقدروا الملائكة يكتبوا كم.. خلاص. قَبِله هو، هو بيجازي.
الله يقبلنا، الله يقبلنا، يقبل من المنكسرين -جلَّ جلاله- المتواضعين. لا إله إلا الله.
وغير ذلك من خفيات الحِكم؛ تُقرِّب وتُبعد وتُشقي وتُسعد، وتختم لذا بكذا، وذا بكذا. وربَّ انسان يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو شبر، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. ورب عامل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو شبر، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. يالله بحسن الخاتمة ويارب ثبتنا على الحق والهدى.
جاء مرة واحد كان من المشركين وأقبل، والنبي متوجّه في غزوة تبوك، فجاء قال: أيكم رسول الله؟ قال: أنت أرسلك الله إلينا؟ قال: نعم. قال: بس أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وآمن -عاده وصل من باديته- وقام يركب على الجمل حقه وسقط من عليه ومات، عاده ما عمل شيء، عاده إلا آمن قريب.. وصلَّى عليه ﷺ والصحابة وقال: "عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا". قال: أُجِر؛ حصَّل أجر كثير وصُحبة وصلاة محمد عليه، صلَّى عليه بنفسه وطلع له درجة كبيرة. عاده إلا ذا الحين أسلم قبل شوي، ماضيه كله كان في الكفر.
يا الله بحسن الخاتمة. الله، لا إله إلا الله.
ونسأله أن يكتب لنا القبول في كل عمل نعمله حتى نزداد خضوعًا وخشوعًا، فإنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
15 ذو الحِجّة 1442