الحِكَم العطائية - 58 | مَن عَبَدَه لشيءٍ يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه؛ فما قام بحق أوصافه

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -58- من قوله: ( مَنْ عَبَدَهُ لِشَيءٍ يَرْجُوهُ مِنْهُ..)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 3 ذي الحجة 1442هـ.

الحكمة (92): "مَنْ عَبَدَهُ لِشَيْءٍ يَرْجُوهُ مِنْهُ، أَوْ لِيَدْفَعَ بِطَاعَتِهِ وُرُودَ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ.. فَمَا قَامَ بِحَقِّ أَوْصَافِهِ"

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

"ثم بين أن عبادة المحجوبين معلولة، ونياتهم مدخولة، فقال:

الحكمة (92): "مَنْ عَبَدَهُ لِشَيْءٍ يَرْجُوهُ مِنْهُ، أَوْ لِيَدْفَعَ بِطَاعَتِهِ وُرُودَ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ.. فَمَا قَامَ بِحَقِّ أَوْصَافِهِ"

من عبده وقام بعبوديته على حسب امتثال الأمر، وإجتناب النهي، والعبادةُ هي هذه؛ لأن الله سبحانه تعبَّد عبادَه على أن يعبدوه لا يشركون به شيئًا، ومن أشرك حظَّ نفسه في انبعاثه على العبادة.. فما أدَّى حقَّ وصف الحق؛ لأن حقه الطاعة على العباد مجردًا من غير جزاء؛ لأنه خالقهم وسيدهم ومالكهم.

ولا يستحق المملوك على مالكه جزاء، وإنْ جزاه.. فمحضُ تكرُّم، وإذا طلب العبد على عبادته جزاء أو سلامةً من عقاب.. فما وفَّى بحق العبودية، ومنشأ ذلك الجهل بأوصاف الله وما هو عليه من الغنى، وما العبد عليه من الافتقار.

وقد وردت أحاديث دالَّة على أن العبد لا يكون باعثه على العبادة إلا محض المحبة لله؛ كحديث: "لا يكون أحدكم كأجير السوء؛ إن أُعطِي.. عمل، وإن لم يُعْطَ.. لم يعمل، ولا كعبد السوء؛ إن خاف.. عمل وإن لم يخف.. لم يعمل". 

والقلب إذا امتلأ بمحبة الله.. لم يبقَ فيه متسعٌ لذكر الجزاء.

فغاية مطلب العارفين، ومنتهى نظر المحققين إلى تخليص العبادة لله لا لشيءٍ من الحظوظ العاجلة ولا الآجلة.

وما ورد من طلب الجنة والاستعاذة من النار.. فليس يناقض هذا المعنى؛ لأن طلب الفضل من جملة وظائف العبودية، والفرار من الانتقام أيضًا من جملتها؛ فالطلب يحقِّق مقام الفقر والفاقة، والفرار من الانتقام يحقِّق مقام الضعف، ويظهر الذلة وقلة الطاقة؛ لمقاومة أوصاف الجلال. وهذا لا يخفى أنه من جملة مقامات الرجال في مقامات الأحوال.

وأما عند خلوصهم عن رؤية الأغيار، وارتفاع الأستار عن مصونات الأوصاف العلية.. فلا يكون للعبد شعورٌ بالأغيار، ولا طلبٌ لجنةٍ ولا هرب من نار؛ لاندراج كل ذلك تحت أوصاف جماله وجلاله، فلذلك قال قائل منهم في حال الخطاب ومراجعة الجواب: لا عبدتك لجنتك، ولا لخوف من نارك، بل حبًا لك، وقيامًا بربوبيتك، ووفاءً بما أنت له أهل؛ فأنت أهلٌ بأن تُطاع ولا تُعصى، وتُشكَر ولا تُكفَر، وتُذكَر ولا تُنسَى.

 فمن أُقيم في مقام المحبة.. وفَّى هذا المقام حقَّهُ على الذوق الصريح، والكشف الصحيح، ومن لم يحظَ في مقام المحبة بحاله.. فلا يمكنه الوفاءُ بذلك، بل لابد من علة تبعثه، وخوف ينشطه، والعلل سواء؛ سواءً كانت دنيوية أو أخروية.

ومن كان باعثه الجزاء والحظ فلا يخلو: إما أن ينبعث لله لينيله ذلك؛ فالمرجوُّ من فضل الله أن يجزيه الجزاء الأوفى، ويقيَهُ ما هو خائفٌ منه، وإما ألَّا يخطر له غير ذلك الحظ المرغوب، والعقاب المرهوب، فلا تصح عبادته على الفتوى عند العلماء.

والذين قاموا لله متفاوتون؛ فمنهم القريب، والأقرب، ومنهم: من يرغب إلى الله ويفزع إليه في تحقيق مطلوبه والأمان من مرهوبه.. فهذا من الأبرار.

ومنهم: من يرغب في تحقيق الصدق في عبادته له لا لشيء، ومنهم: من يفزع إليه ويرغب ويضرع في فناء وصفه وغيبته عن رؤية عمله، وإخراجه عن مضيق وجوده إلى فضاء شهوده، قد شغفه عشق الحبيب عن أن يرجوّ أو يخاف غيرًا، ويطمحَ نظره إلى سواه، أو يشهدَ إلا إياه، فهذه رتبةٌ في القرب؛ وهي أوائل مقامات المقرَّبين.

ومنهم: من لو كلف على رؤية الأغيار ونفسُهُ من جملتها.. لم يجدْ إلى ذلك سبيلًا؛ فهذا هو الذاهب في الله عن نفسه، والمأخوذ عن حسِّه، والمفارق لحبِّه وأُنسه، الغائب عن الوجود، المختطف في الشهود، ولا خفاء أن ذلك كلُّ الوجود له؛ لأنه لله لا لشيء دونه، تكلُّ عن وصفه الفهوم، وتعجز عن تحقيق حالته الرسوم، فلا يقدر قدره، ولا يحقق أمره سوى مَن بيده ملكوت الأشياء، وتحت حكمه حقائق الآخرة والدنيا.

وأما من سوى ذلك.. فهم الآخذون في التفاني، الذين تتغاير فيهم الحقائق والمعاني، والقيام لله لا يكون إلا بالله؛ إذ لم يقم بحق وصفه من بقيت فيه من البقايا الغيرية، والنعوت البشرية، كيف والذين خلقوا من عالم الصفاء، المجبولون على الوفاء، من الأنبياء والأصفياء والعرفاء، وأهل المحلِّ الرفيع، والمنزل المنيع، ملائكة القرب يقولون: ماعبدناك حقَّ عبادتك، وسيد الأنبياء، ومقدم الأصفياء، أكرم أهل الأرض والسماء يقول: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك"، ولكن بحسب منازل القُرْب، ونتائج الحب يكون بحسبها القيام، فكلما كان منزلته أقرب، وتحقيقه في المحبة أصوب.. كان قيامه بحقِّ العبودية أتمَّ، ونتيجة محبَّته أعظم.

وكل من الصوفية في هذه المشاهد تكلَّم، وأعرب عمَّا سنح له وترجم عمَّا منح؛ فمنهم من قال: إني لأستحيي أن أعبدَهُ لشيء، ومنهم من يقول: ماعبدتك لجنتك، ولا خوف نارك، بضمير الحاضر، ومنهم: من جعل ذلك بضمير الغائب على مواجيدهم.

وأما تحقيق هذا الأمر.. فما قام بحقِّه سواه، ولا قدر حقَّ قدره إلا إياه، وللذاهبين عن رؤية وجودهم، المستغرقين في حضرة شهوده، والمتعلِّقين بوصف معبودهم.. نصيبٌ من ذلك، ولي في ذلك:

مَنْ كانَ يعبدُه لنيلِ مطلبِهِ *** من حظِّ عاجل أو مرغوبِ في الأجلِ

أو أمنِ خوفٍ فذاك الحظُّ يحجبُهُ *** عن رتبة القرب منضاف إلى العللِ

كُنْ عبده لا تكن تطلُبْ سواه ولا *** ترغَبْ ولا تجزعَنْ مِنْ صولةِ الأسلِ

فما وفى حقَّ مولاهُ وسيده *** مَنْ كان يطلب منه الحظ بالأصلِ

لكن يكُنْ يطلبُ الفضل العميمَ فما *** في ذاك لومٌ ولاعتب ولازللِ

فعندما يفتح للعارف الفهم عن الله في جميع ما يصدر من التعرُّفات.. يكون يشهد معروفه، وينال بغيته ومطلوبه في كل ما برز عليه من تحت سجاف الحكمة.

 

الحمد لله مبيّن الطريق، ومُلحق الصادق في الوجهة إليه بخير فريق، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى ساقي مَن توجه بالكلية إلى ربه من أحلى رحيق. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم عليه وعلى آله وصحبه خير فريق، وعلى من والاهم فيك واتبعهم على التحقيق، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادة كلِّ مقربٍ وصِدِّيق، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ولي التوفيق.

العبادة التي خلقنا الله من أجلها، نحن فيها على مراتب، وقد تلطَّف بنا سبحانه وتكرَّم علينا فنَوَّع لنا العبادات، وجعل أساسها الإيمان به سبحانه والتصديق بما أوحى وأنزل ومَن أرسل وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره منه تعالى، فهذه أساس العبادات وأصل جميع الطاعات. 

وبعد هذا الإيمان فنحن في الانطلاق والقيام بالعبادة على مراتب مختلفة؛ ومنا من يلاحظ الجزاء من الثواب للطاعة والعقاب على المعصية، ويرجو الجنة ويخاف من النار، وهو على خيرٍ وفيه قصور، لم يقم بحق العبادة معرفةً بالمعبود، ولا بصدق محبةٍ له، فهو إنما يحب نفسه، لا يحب أن تُحرَق ولا أن تُعذَّب ولأجل لذلك كره النار، ويحب لنفسه أن تُنعَّم وترتاح ولهذا أحب الجنة، وعبد لذلك. فأين الله؟! لا إله إلا الله! ولو لم يخلق جنة ونار، أنت بتعصيه ولّا أيش؟ بتخرج عن عبادته؟ لا إله إلا هو.

ولكن مَن إرتقى فوق هذه الرتبة، فعرف الحق وعظّمه وأحبه -جل جلاله وتعالى في علاه- صار يعبد، يعبدُ عبادةَ مَن يوقن أنها شرفه وكرامته وفخره، وأنه واجبه الحتمي، وأن الله يستحق هذه العبادة. وهذا يسأل الله الجنة والرضا والنعيم، ويعوذ بالله من النار والعذاب والسخط، نعم.. ولكن ما يعبد من أجل الجنة ولا من أجل النار، ويسأل الله الجنة. 

وهذا أيضًا يرتقي إذا قام بحق هذه العبادة على وجهها، حتى يلتحق بالمعاني أو بمبادئ من المعاني التي جعلها الله في قلوب الأنبياء والملائكة والمقربين، وهو: أن يوقنَ أن الجنة والنار المخلوقتان؛ هذه مظهر رحمته، وهذه مظهر عذابه، هذه مظهر رضاه وهذه مظهر سخطه، المقصود منها هو؛ وأنه إذا رضي هو؛ مايضر لا نار ولا عذاب ولا أي شيء، وإذا سخط هو.. ما ينفع شيء لو رموك وسط الجنة وهو ساخط عليك لكنت في العذاب. إذًا؛ فتنتهي المسألة، فيعبدونه لذاته -جل جلاله- ويجعلون سؤال الجنة والاستعاذة من النار من الفضل عبودية له، وعلامة منه على رضاه المقصود والأمان من سخطه المرهوب.

فالمقصود هو. حينئذٍ بعد أن تحققوا أن لا معبود إلا الله؛ صحَّ من قلوبهم التحقق بأن لا مقصود إلا الله. وهؤلاء يرتقون حتى يوقنوا بأنهم وعبادتهم وما يرجونه من حيث رجواهم من قربه ورضاه، وعفوه ومسامحته، وغفرانه وجنته. وما يخافونه من غضبه وسخطه، وعذابه وناره وما إلى ذلك، كلها مخلوقات لا وجود لها على الحقيقة بذاتها من جهة الجنة والنار...

فيتفانون عن استشعار أي معنى من الوجود الاستقلالي لها، وما دام لا استقلال لها بوجود؛ فكأنها ليست موجودة وهي موجودة لكن لا بذاتها فكأنها غير موجودة. وحينئذٍ يتحققون بمعنى لا موجود إلا الله؛ أي: بذاته، ولا شك أن كل ما سوى الله موجود بإيجاد الله.

ثم يرتقي هؤلاء أيضًا، حتى يصيرون مع الله تبارك وتعالى، يخجلون ويستحيون أن يلتفتوا إلى غيره، فضلًا عن أن يشهدوا وجود غيره، فلا يبقى لهم مشهودٌ إلا هو، ويتحققون بمعنى لا مشهود إلا الله.

وفي هذه المعاني قال الإمام عبد الرحمن بلفقيه:

  •  يقول الذي صدق في وجهته مع الله، وقام بحق الصلاة، فصلى وأدّاها كما ينبغي: صليتُ لله. 
  • ولكن واحد فوقه أعلى منه يؤدي الصلاة ويقول: صليت بالله، لولا توفيقه ما صليت، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِۚ) [هود:88]، مش معنى أحدثتها لله من عندي إنما به.
  • ويجيء واحد فوقه  فينظر إلى ما أُكرم به من التوفيق والإيمان وإقامة الصلاة على وجهها ويقول: صلى الله لي؛ يعني: خلق الصلاة ووفقني لها ونسبها إليّ.

هم درجات عند الله. 

المبلّد حِسّه بالفانيات والحسيات والماديات ما يعرف هذا الكلام، وإذا ذُكر عنده فكأنه لغة غير لغته. وأقل الدرجات عند الموفق: يصدّق ويوقن، ويكون هذا مفتاح له إذا تهيأ وتأهل أن يرقيه الله حتى يعلَمه، ثم يقوى إدراكه له، ثم يجتهد إلى الوصول إليه، ثم يذوقه، ثم يتحقق به، ويعيش عبدًا خالصًا صافيًا للواحد، واحد لِواحد. فما أعظم شأنهم وما أقوى بنيانهم! فسبحان من شرّفهم وزانهم، وحماهم وصانهم، حتى لم يصل إلى دائرة شهودهم غيره، أخرج كل غيره عن دوائر شهودهم حمايةً منه لهم، وصيانة لمشاهدهم، فلا مشهود عندهم إلا الله جل جلاله وتعالى في علاه.

قال ﷺ في الحديث الصحيح: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ". 

ولنحُم حول هذه المعاني بالتصديق لأهلها، والرغبة في إدراك شيء من معانيها في مثل هذه المواسم وهذه الأيام والليالي، فإنه إذا فتح باب فلا تسل عن وهب الوهاب، السحّاح المنساب، جل عن الحد والقدر والحصر والحساب، (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة:212]، ولقد قال الكريم الجواد: (إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ) [ص:54]. يامعطي يا معطي أعطنا ولا تحرمنا، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

 

"مَنْ عَبَدَهُ لِشَيْءٍ يَرْجُوهُ مِنْهُ، أَوْ لِيَدْفَعَ بِطَاعَتِهِ وُرُود الْعُقُوبَةِ عَنْهُ.. فَمَا قَامَ بِحَقِّ أَوْصَافِهِ"

قال: في الحقيقة هذا الإله الخالق البر الجواد، الملائكة وملائكيتهم ونورانيتهم وعبادتهم منه ومن عنده ومن فضله، وهو الذي أكرمهم بها وأتحفهم. والأنبياء نبوتهم ورسالتهم من عنده ومن كرمه ومن فضله، وهو الذي أتحفهم بها وخلقهم، إذًا؛ لا يقوم بحقه على الكمال والإطلاق من كل وجه بكل معنى.. غيره! ما أحد يقوم، إلا هم على درجات فيما رضي به منهم ورضي عنهم ورفعهم له؛ فأعظمهم قيامًا بحقوق الله: محمد بن عبد الله! ﷺ في المشاهد لا أعمق ولا أوسع من مشهده، ولا أقوى وأجلّ من شهوده للرب، لا عند ملائكة السماوات، ولا عند حملة العرش ولا عند غيرهم، ما في قلبه من حقائق الشهود للواحد المعبود. وكلهم على درجات عظيمة جدًا كبيرة عالية في شهود الحق، لكنهم دون محمد، لكنهم دون محمد، لكنهم دون محمد.

ولذا كان هو إمامهم، وإذا اشتدّ الكرب لم يقل "أنا لها" إلا هو، اللهم صلِّ عليه وعلى آله، فسبحان الذي خلقه! بشر لا كالبشر، ولا كالملائكة، ولا كأي مخلوقٍ آخر، ولا يساويه ولا يوازيه عرش ولا كرسي ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا إنسي ولا جن ولا أي حيوان ولا نبات ولا جماد.. محمد فرد، فرد بين الخلائق كلهم، وهو أعظم من اتصف بصفة الواحدية للواحد، صلوات ربي وسلامه عليه. 

ولذا سمعتم في صيغة تُنسَب إلى السيدة فاطمة في الصلاة على النبي تقول: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد القائم بحقوق الله؛ يعني القمّة المنتهى إليها من قِبَل الخلق في القيام بحقك عنده ذا، وكلهم دونه فيما رضيته أنت، أما الاستيعاب ما أحد يقوم به وهو ﷺ والخصوصية ذي والمزية من أين جاءت؟ الله، الله، الله، ميّز وعزّه وخصّه بها. الله، الله، الله، الله، الله جل جلاله، الله ربي وربك، الله الذي أرسله هو ذا الأشرف الأكمل إلي وإليك. لك الحمد يا رب، لك الحمد يا رب، أشرف واحد، أكبر واحد، أنور واحد بعثه إلينا، لذا كنا خير أمة، رعاية من الله عظيمة!

بُشْرَى لَنَا مَعْشَرَ الإِسْلامِ إِنَّ لَنَا *** مِنَ الْعِنَايَةِ رُكْنًا غَيْرَ مُنْهَدِمِ

لَمَّا دَعَا اللهُ؛ سمَّى الله، دَاعِينَا لِطَاعَتِهِ؛ وهو محمد

لَمَّا دَعَا اللهُ دَاعِينَا لِطَاعَتِهِ *** بِأَكْرَمِ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمَ الأُمَمِ

أكرم واحد أرسله إلينا، أحب واحد أرسله إلينا أعرف واحد به أرسله إلينا، لك الحمد يا رب على نعمة محمد ﷺ، أعلى النعم.

بعده جاءنا الإسلام، جاءنا القرآن، جاءنا الدين بسببه، من بابه هو، من الله من باب هذا العبد المقرّب ﷺ. يا رب أدخلنا في حماه، يا رب اسقِنا من حُمَيَّاه، يا رب متع قلوبنا وبصائرنا وأعيننا بالنظر إلى محيَّاه، في الدنيا والبرزخ والآخرة، يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، يا منان يا كريم يا الله.

إذًا؛ فهم درجات عند الله تبارك وتعالى، وينبغي أن نعبد الله لأنه الله ويستحق العبادة، ونسأله الجنة ونعوذ به ونحذر مما يظن بعض الناس من معرفة الله استهانة بجنة أو نار؛ ما جعله الله عظيم ليس هيّن هو عظيم. وذلك الذي يخوّف الله به عباده، وهذا الذي وعد به عباده الصالحين، فما هو هيّن، أمر عظيم وكبير، لكن ليس علّة للعبادة؛ العبادة يستحقها من دون خلق جنة ولا نار. وأما الجنة جزاء كبير عظيم، والنار عذاب مهين شديد، فلا يجوز الاستخفاف بها.

ويقرب من الكفر من قال: أنا ما أرجو الجنة ولا أخاف من النار؛ يعني: أي ما لها قدر عندي! فكيف وهي عظيمة عند الله تبارك وتعالى؟ إن كنت تعرف الله فلابد تعرف قدر هذه الأشياء التي وعد بها وخوّف بها. ولكن ما هي العلة في عبادته؟ هو،  هو يستحق العبادة هو في نفسه. وهذا جزاء عظيم وعقاب أليم جعله لمن أطاعه ولمن عصاه؛ فنعبده لأنه الله ونسأله الجنة ونعوذ به من النار. 

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

ولما كان سؤال الجنة دليل على الإيمان، ودليل على اليقين، ودليل على الخوف من الرب؛ لا يسأل اللهَ مؤمنٌ الجنة ثلاث إلا قالت الجنة: يا رب اجعله من أهلي، ولا يستعيذ بالله من النار ثلاث إلا قالت النار: يا رب هذا عبدك يخاف غضبك وعذابك، وأن تأتي به إلى عندي فأجره مني. 

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.

الله لا إله إلا الله 

قال: ولله ملائكة أحدهم منذ خلقه وهو قائم في صلاته إلى أن تقوم الساعة، وأحدهم منذ خلقه وهو راكع، ركع لربه ركعة فهو في ركعته إلى أن تقوم الساعة، وأحدهم ساجد منذ خلقه الله، سجد للرحمن فهو ساجد إلى أن تقوم الساعة، فإذا جاءوا في القيامة قالوا: سبحانك يا رب ما عبدناك حق عبادتك ولا عرفناك حق معرفتك. 

فيبدأ سيد العارفين، ويفتح باب الشفاعة، فيشفع العارفون من بعده، (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ:38]. فما أحد يتعرّض للشفاعة قبل أن يقول: "أنا لها" ﷺ، ومن بعده تنفتح أبواب الشفاعة.

الله يدخلنا في شفاعته، ويجعلنا وإياكم في أهل مرافقته، والنظر إلى طلعته، والشرب من كأسه ومن حوضه المورود، اللهم آمين، يا بَر يا ودود يا معبود يا مقصود يا موجود يا مشهود. 

أدخلنا الله في حماه، وسقانا من حميَّاه، وأسعدنا بالنظر إلى محيَّاه في الدنيا وعند الموت وفي البرزخ وفي الآخرة وفي دار الكرامة، ووفّر الله حظنا من رؤية هذا الوجه المنير، وجعلنا في الحاضرين في حضرته مع أهل القدر الكبير، وأعاذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ولاحرمنا الدخول في دائرته والحضور في حضرته، ولاحرمنا كريم شريف عزيز مرافقته، وأنعَم علينا وعليكم بنصرته ومحبته ونصرة شريعته ودينه وأمته، ونفعهم بخير ما ينفعون، وبه يرتفعون وما هو أحب إلى مولاهم في الظهور والبطون، ويثبتنا في ديوان قوم يهدون بالحق وبه يعدلون. وفرج كروب أمته أجمعين ويجعلنا وإياكم في خيار أمته،  وأبرك أمته على أمته، وينفعنا بأمته عامة وبخاصّتهم خاصة، يختم لنا بالحسنى وهو راضٍ عنا

وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ 

اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

05 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

15 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام