(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 2 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (89): "جلَّ ربُّنا أنْ يُعَامِله العَبدُ نقدًا فيُجَازيه نَسِيئةً."
الحكمة (90): "كَفَى مِنْ جَزائِه إيّاكَ على الطَّاعة أن رَضِيَك لهَا أهلاً"
الحكمة (91): "كَفَى الْعَامِلِينَ جَزَاءً مَا هُوَ فَاتِحُهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فِي طَاعَتِهِ، وَمَا هُوَ مُورِدُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُودِ مُؤَانَسَتِهِ"
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"وإذا علمت ما أرشدناك إليه من أن العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان ..علمت أن الله سبحانه يجازي عباده في الدنيا والآخرة على أعمالهم، فجزاؤهم في الدنيا ما يجدونه من اليقين والانشراح، والترقي في جميع الحالات ورفيع المقامات، وما يوصله إليهم من صنوف النعم وضروب المنى التي لا تحصى، مع ما يدخره لهم في العقبى لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (89): "جلَّ ربُّنا أنْ يُعَامِله العَبدُ نقدًا فيُجَازيه نَسِيئةً."
أي ترفَّع وتعالى وتعظم عن ذلك الوصف؛ لأن ذلك ينبئ عن العجز والعدم، وهو منزه عن أن يعجزه ذلك، بل له -وهو الأغلب- أن يفيض على عباده جزاءهم في الدنيا، ويثيبهم في العقبى، لأن خزائن جوده لا تتوقف على محل دون محل، بل فائضةُ الجود مستمرة الوجود حيثما كانت الأحوال أو تغايرت الأزمان والأوان.
فهو الذي يجازي عباده في الدنيا بأعمالهم بما يجدونه من ثمرات الأعمال، من تضعيف الطاعات على الطاعة، وزيادة اليقين، والترقي في مراتب الإيمان، ومقامات الإحسان، وما لا يقدر قدره غيره من فواضل المنن، وفوائد الامتنان، مع ما يدخره لهم من الثواب في العقبى، وما أعد لهم من ضروب النعم والإحسان، وما أعده لهم في الجِنان مما لا يخطر على جَنان ولم تُفصِح به لسان ولا تحدُه عيان، وسوف يعلم ويرى وتشاهده الأعين ويعلمه الجَنان.
ولي في ذلك:
فجل ذو الجود والإفضال والشأنِ *** ألا يجازي في الدارين بإحسانِ
والكريم إذا ما سُئل يا إنسانِ *** يجده طالبه فردٌ ومنّان
فمن جملة جزائه وفيض عطائه، أن رضيك لخدمته وأهَّلَّك لطاعته.
الحمد لله مكرمنا بالتبيين وإشراق النور المبين على ذات ويد وبلاغ عبده وحبيبه الأمين سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم في كل شأن وحال وحين وعلى آله وأهل بيته الطاهرين وصحابه الغُرِّ الميامين وعلى من والاهم في الله تعالى وتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين وآلهم وصحبهم التابعين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وبهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
يقول إن الحق -جل جلاله- يجعل جزاء كل عمل صالح عُمل لوجهه واسعًا، معجل منه شيء في الدنيا، ومؤجل منه كثير إلى البرزخ، ومؤجل منه أكثر إلى يوم القيامة، ومجزيٌّ به صاحبه أتم الجزاء وأكمله في دار الكرامة، في كل حسنة هكذا؛ لها أثر في الدنيا، في البرزخ، في القيامة، وإلى الجنة. والعكس في السيئات والمخالفات، ويعفو عما يشاء، ويعفو لمن يشاء عما يشاء جل جلاله وتعالى في علاه.
ويعفو عمن يشاء ما يشاء جل جلاله ويذهب شرها وضرها من الذنوب والمعاصي وإلا فلها ظلمة، ولها هم وحزن، ولها ضيق في الرزق وضنك في المعيشة، ولها بغض في قلوب الخلق، ولها شؤون في الدنيا -كل سيئة- ولها في القبر مشاكل وإرعاب تخويف ورؤية مفزعات وفجائع، ولها في القيامة وبعدين في النار؛ كمال الجزاء، فالجنة والنار هي استكمال الجزاء.
إذًا؛ أنت خطير فيما تقول وفيما تفعل وفيما تنوي وإن كنت لا تستشعر! الفرد من المكلفين على ظهر الأرض خطير، ما يقل خطره عن كل ما في الأرض من جماعات وقوى ودول وشعوب، الفرد الواحد خطره مثل خطرهم! لماذا؟ لأن الكلمة الواحدة من كلماته؛ النظرة الواحدة من نظراته؛ والحركة الواحدة من حركاته؛
خطير هذا الإنسان! أنت تنظر إلى عظمة جهاز كما ذا؛ لا يحاسَب ولا يعاقَب؟! أنت خطير، أنت خطير.. الكلمة منك لها شأن؛ والنظرة لها شأن؛ واللمس لها شأن؛ والحركة بالرجل لها شأن؛ وحركة أعضائك لها شأن؛ وحركة قلبك لها شأن؛ أخطر شيء أنت! أخطر من القنابل أنت، أخطر من الأسلحة الدمار الشامل؛ أنت خطير! لأن أسلحة الدمار لها مفعول مؤقت جداً في ساعته ينتهي؛ لكن أنت تعال هات كلماتك؟! هات نظراتك… ما شي انتهى، ما شي نهاية، خذ نصيبك وخذ جزاءك، حتى لو لحظة واحدة
أسلحة الدمار الموجودة التي يتباهون بها الآن مدعو الحضارة في زماننا، ويحرصون عليها إن كل واحد ما يتحكم فيها غيره -لي أنا وحدي- أليست هذه عقلية مدعي الحضارة في زمانكم؟! أليس على هذا يقيمون حركتهم في الوجود ويتبجحون بذلك؟! والغُفَّل يصفقون من ورائهم؛ أيش الثقافة هذه؟ أيش العقلية هذه؟ استحواذ أسلحة الدمار ولي وحدي، وما يمكن حد يصنع مثلها، ويصلحون محاكمة إذا واحد بيصنع شيء منها! ما هي هذه نهاية عقلية حضارة القرن الحادي والعشرين؟! هذا القمة حقه! فأيش قيمتها عند العقل؟ هذا واقعنا! هذا حالنا الذي نحياه.
لكننا عظمنا الحقير، عظمنا التافه، والعظمة لله والعظمة لرسوله ﷺ، عظمنا التافهين، عظمنا من لا يساوي شيء! هذا غاية ما وصلوا إليه -إنا لله وإنا إليه راجعون- وبعدين؟ وعلى ضوء أسلحة دمار شامل والمسابقة على الاستبداد؛ حق الفيتو! هذا عدلهم وحقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين! أيش هذا؟! لعب؟ ضحك؟ سفسطة؟.. لا حقوق إنسان ولا عدل ولا بر ولكن كلام فارغ ولكنه مُصَفق له، غفالة؛ مغفل تبع مغفل، جاهل تبع جاهل!
شوف العدل عند محمد هنا، القسط عنده ﷺ، والبر عنده ﷺ، وصلاح الإنسان عنده ﷺ، والإنصاف عنده ﷺ، وفي منهجه الذي جاء به من عند الرب، ولا يصلح للخلق غيره، ولكن نحن في هذا الحال الآن نعيش… قال وهذا الرب جل جلاله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وقال خلوا السفسطة حقكم ونفسياتكم وحساسياتكم ما شي منها بينفع، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)، حقيقة أمري في حكمي في المملكة الكبرى وأنا الحكيم القادر القوي، ما هي لعبة لأحد (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) بس ما شي غير هذا! خل اللعب، خل السفسطة، خل الكلام الفارغ، خل الهبالة، خل الغفالة، خل الجهالة، هذا هو الحقيقة وبس: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء:123-124] .
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء:125] والأقوال موجودة الآن في العالم ذا يقول وذا يقول وذا يقول.. (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أحسن القول؛ أحسن القول في الشرق، في الغرب، باللغة العربية، باللغة الإنجليزية، بالملاوية، باللغة الفرنسية، باللغة السواحيلية؛ أحسن قول: دعوة إلى الله مع إيمان وعمل صالح، أحسن ما يقال؛ في أي إذاعة، في أي صحف، في أي برنامج، في أي إنترنت، أحسن ما يقال الدعوة إلى الله! (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33] هذا أحسن الأقوال كلها على الإطلاق.
يقول: "جلَّ ربُّنا أنْ يُعَامِله العَبدُ نقدًا"، ويؤخر عليه الجزاء ولا يجعل له مقابل أبدًا إلا فيما بعد؛ "نَسِيئةً". ليس هذا شأن الغني، وليس هذا شأن القوي، وليس هذا شأن السخي، وليس هذا شأن القادر، ما هو كذا! نعم؛ يدخر ما هو أجلّ وأكبر وأعظم مما يتصور ومما يخطر على بال، نعم ولكن أيضًا يعجل جزاء الحسنة كما يعجل جزاء السيئة. وعاد الناس في الدنيا.. لا إله إلا الله، وعاده الجزاء تمام الجزاء مقبل، لكن أيضًا حتى المتأمل بالإنصاف يقول: كادت الدنيا أن تكون دار جزاء. كادت أن تكون دار جزاء! وهكذا…
لما سأل بعض الأنبياء -كما سمعتم- ربنا تعالى أرني مظهر عدلك في أحوال الدنيا والناس في الدنيا، عدلك في الآخرة "حتَّى يُقتَصُّ للشَّاةِ الجَمَّاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ". في الدنيا مظهر عدلك؟ قال: اذهب وانظر أمام النهر الفلاني ولا تتكلم وانظر ما يحدث عليه، راح جلس؛ يجي شاب ينزل يغتسل في نهر، معه صرة فيها دنانير تركها، ولما رجع لبس ثيابه نسي الصرة وركب فرسه ومشى، وذا مأمور يسكت.
جاء شاب ثاني حصّل الصرة، شافها شلها وراح -وذا مأمور يسكت- بعده يجي واحد شايب يخفف ثيابه ينزل إلى النهر يغتسل، وصل صاحب الفرس: فين الصرة حقي التي نسيتها هنا؟ قال: ما شي، ما رأيت صرة! قال: ما رأيت صرة؟! من جاء بعدي هنا إلا أنت أيها الشايب بتسرق علي وتكذب! قال: يا ولدي ما رأيت شي صرة، قال له: أحسن لك خرّج الصرة! طال الكلام قتل الشايب وراح، قال: يا رب أنا قلت لك مظهر عدل أرني إياه! قال: هو هذا! أوحى الله إليه: إن والد هذا الشاب الأول صاحب الفرس سرق على والد الشاب الثاني مبلغ هو الذي في الكيس الذي نسيه بالضبط، أمكنت اليوم وارثه أن يأخذ حقه من وارث هذا -الله أكبر- قال: وهذا؟ قال: إن هذا الشايب قد اغتال والد هذا الشاب خُفية وقتله ولم يدرَ من قاتله، واليوم رددت حقه ومكنت ابنه أن يقتص لوالده، فاقتص! فأيش تشوف؟ هذا مظهر العدل وعاد نحن في الدنيا، ما شي يفوت، كل شيء بجزائه.
أنت خطير أيها المكلف، كلماتك، نظراتك، أقوالك، أفعالك، نياتك، مقاصدك خطيرة، انتبه لنفسك! ترقى إلى فوق أو تهبط إلى تحت، تكسب أعلى المواهب والدرجات أو تنزل إلى أسفل الدركات، بأقوالك وأفعالك ومقاصدك ونياتك، أنت خطير جداً! اعرف قدر صنعتك وعظم صانعك جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول: "جلَّ ربُّنا أنْ يُعَامِله العَبدُ نقدًا فيُجَازيه نَسِيئةً." يقول من هنا من ذا الحين، هذا كما يقول بعضهم ما سمعتم: إن للحسنة نورًا في الوجه، وسرورًا في القلب، ونشاطًا في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق؛ كل حسنة تحصل لها معجل في الدنيا، وإن لكل سيئة ظلمة في الوجه، وحزن في القلب، وضيق في الرزق، وبغض في قلوب الخلق، تكسبه من كل سيئة "إنَّ العَبدَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه".
فسبحان الله! يقول لك ترفع وتعالى وتعظم رب العباد عن أن يعامل بالنسيئة من يعامله بالنقد، وهو سبحانه السخي الغني القوي القادر الكريم، فيعجّل لك خيرات في الدنيا وفي الآخرة. الله أكبر. (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:123-124] لا إله إلا الله.
خزائن جوده لا تتوقف على محل دون محل، بل فائضة الجود مستمرة الوجود، فهو الذي يجازي عباده في الدنيا بأعمالهم بما يجدونه من ثمرات الأعمال، من تضعيف الطاعات على الطاعة، وزيادة اليقين، والترقي في مراتب الإيمان، ومقامات الإحسان، وما لا يقدر قدره غيره من فواضل المنن، وفوائد الامتنان"، يجود بها على الطائعين في الدنيا جل جلاله؛ طمأنينة وسكينة ورقي وانكشاف حجب واعتلاء رتب وزيادة يقين ومعاني وحقائق قرب وحماية وحفظ وحراسة وتأييد وتسديد وتسخير، هذا كله للطائعين موجود، هذا كله موجود للطائعين وهم في الدنيا -الله أكبر-
وعاد الجزاء… كل مرحلة أحسن جزاء أكبر؛ عند الموت، في البرزخ، في القيامة أكثر؛ ولما الجنة، ويتنعم بالحسنة الواحدة نعيم خاص يزداد على الأبد، وبالثانية وبالثالثة، كل واحدة نعيم غير الثانية؛ سخي ملي غني؛ تعامله أحسن لك من البنوك، أحسن لك من المؤسسات، أحسن لك من حكومات الأرض، تعامل ملك السماوات والأرض! تعامل من لا يزول ملكه جل جلاله.
هكذا "مع ما يدخره لهم من الثواب في العقبى وما أعد لهم من ضروب النعم والإحسان" لا إله إلا الله.
فجلَّ ذو الجود والإفضال والشأنِ *** ألا يجازي في الدارين بإحسانِ
والكريم إذا ما سُئل يا إنسانِ *** يجده طالبه فردٌ ومنان
يا خير فرد يا خير منان، رب الأكوان، ربنا الرحمن لك الحمد شكرا ولك المن فضلا.
ومن هنا لفت نظر العامل يقول له:
وبعد ذلك فاتح بابه باسط يده، توبوا، أنيبوا، ارجعوا، "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل".
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
الحكمة (90): "كَفَى مِنْ جَزائِه إيّاكَ على الطَّاعة أن رَضِيَك لهَا أهلاً"
أي يكفيك من جزاء الطاعة من الله لو لم يكن غير أنه رضيك لها أهلاً، كيف؟ وهذا جزء من جملة أصناف الجزاء العاجلة والآجلة، وهذا من أعظم النعم وأوفر القسم أن أهلك لها قبل ظهورك وجودك، وأنت بعد لم يأتِ إبان ظهورك، وقد جعلك من أهل طاعته، وكتبك في جريدة أهل محبته، ورسمك في مرسوم خاصته، وزيّنك بنور خدمته فماذا بعد ذلك تطلب؟ ولم يكن لك هناك إخلاص عمل، ولا وسيلة ولا تضرع ولا طلب، بل إنه كما ابتدأك بالنعم ابتداءً، وخوّلك الممالك انتهاءً، وأمدّك بالإمداد قبل ظهورك في الإيجاد، فكيف تطلب جزاءً على عمل هو ممتن به عليك، وفضلٍ هو موصله إليك؟ ولكن بوعده الصدق وقوله الحق أنه كما ابتدأك بالإحسان من غير سؤال أن يثيب عباده بعظيم الأفضال وجزيل النوال، فمن أنت وما أنت حتى تكون أهلاً لخدمته أو محلاً لمحبته؟ فاعرف قدرك والزم شكرك تكن لفضله مستزيداً ولإحسانه عتيدا.
ولي في ذلك:
كفاك إن كنت ذا عقل وإيمانِ *** أن الإله رضيك أهلاً لذا الشأنِ
لطاعته فكفى ذا منه إحسانِ *** فالكل آلاؤه حق وتبيانِ"
يقول: "كَفَى مِنْ جَزائِه إيّاكَ على الطَّاعة أن رَضِيَك لهَا أهلاً". ارتضاك أن تطيعه ووفقك لذلك، وأقعدك على بساط الكرامة بطاعة جبار السماوات والأرض من بيده ملكوت كل شيء، ومنحك هذا الشرف.
لو شاء يرميك حيث ما يرميك في أي معصية بيرميك، فاصطفاك لطاعته وقال تعال؛ كن من أهل طاعة ملك الملوك، الذي لا يطيعه أحد إلا برضاه وإلا بتوفيقه وإلا بإحسانه؛ تعال ادخل مع هؤلاء المشرفين بطاعة رب العالمين، بينما يطيع الناس أنفسهم، يطيعون هواهم، يطيعون أصحابهم، يطيعون جماعتهم، يطيعون حزبهم، يطيعون مؤسساتهم، يطيعون شركتهم! أنت أطع رب السماوات والأرض تعال هنا، ذا مرمي لطاعة ذا، وذا مرمي لطاعة ذا، وأنت أطِع رب العرش، كرامة أم ما هي كرامة؟! هذا فضل عظيم من عنده لك، ومع ذلك خبأ لك وأعطاك وتفضّل عليك بجزاء وثواب كبير، وهو كله منه، من بدايته كرامة؛ أكرمك بطاعته.
"أي يكفيك من جزاء الطاعة من الله لو لم يكن غير أنه رضيك لها أهلاً! كيف هذا جزء من جملة أصناف الجزاء العاجلة والآجلة"؛ أصناف كثيرة، لكن هذا وحده جزاء كبير ومَنّ عظيم؛ ارتضاك وقبلك تطيعه أنت!! وأنت داري بنفسك! كم قد خالفت؟ وكم قد عصيت؟ وكم قد خنت الأمانة؟ وقال لك تعال، رخصة، تشرف تميز تعزز بطاعتي وعبادتي، أرتضيك ما أمنعك! له الحمد والمنة، اللهم لك الحمد شكرا ولك المنُّ فضلا.
"أهّلك لها قبل ظهورك ووجودك وأنت بعد لم يأتِ إبان ظهورك" وقد كتبها لك "وجعلك من أهل طاعته" وهو يعلم ما سيصدر منك، "وكتبك في جريدة أهل محبته ورسمك في مرسوم خاصته وزينك بنور خدمته فماذا بعد ذلك تطلب؟ ولم يكن لك هناك إخلاص عمل ولا وسيلة ولا تضرع ولا طلب من عندك ولا بذاتك، بل ابتدأك بالنعم ابتداءً وخولك الممالك انتهاءً، وأمدك بالإمداد قبل ظهورك في الإيجاد"، فأيش تطلب عادك من جزاء؟ وهو عمل ممتن به عليك جل جلاله!
"لكنه بوعده الصادق" يعطيك ويعطيك ويعطيك ويعطيك، فاطلب التحقق بطاعته وعبادته وكفاك بذلك شرفا. أما ما سيعطيك فهو أكرم وهو أعظم، أيش بتقدر أنت تطلب من العطاء؟! غاية ما تقدر على طلبه يسير وقليل بالنسبة لما يعدّه لك، لما يبتدئك به، له الحمد لله فأطِعه!
ولهذا جاء في بعض الأخبار أن الحق يقول: "عبدي أطعني ولا تخبرني ما يصلحك فأنا أعلم به" أنا أعلم أيش يصلحك في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ أطعني بس، أنا أعلم وأنا بمشي لك ما هو أصلح لك وأنجى، له الحمد والمنة.
"اعرف قدرك والزم شكرك"، اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن والفضل، وأنت ربنا حقاً، نحن عبيدك رِقا، وأنت لم تزل لذلك أهلا فلك الحمد. اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر وشكره على ذلك.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"ثم بيّن من جملة ما يوردهُ الحق على عباده، صنوف الجزاء في الدنيا دون ما يدخره في العقبى، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (91): "كَفَى الْعَامِلِينَ جَزَاءً مَا هُوَ فَاتِحُهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فِي طَاعَتِهِ، وَمَا هُوَ مُورِدُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُودِ مُؤَانَسَتِهِ"
فلما كان النظر في تقدم من كون رضاه العبد أهلا لطاعته جزاء أخفى … أخذ في بيان ما يظهر أثرهُ عند كل عاملٍ صادقٍ من وجود الفتوح، وورود المنوح في أصناف الأعمال من وجود صفاء الأحوال، والتمتع بلذيذ الوصال، واللطف بمؤانسة تدلِيات الجمال مما يصغر في جنبه كل جزاء ويتضاءل عنده كل عطاء، فذكر الثمرات العملية بوصف الفتوح، وذكر المؤانسات بإيراد المنوح؛ يشير إلى أن المؤانسة والمشاهدة لا تدخل تحت أحكام المجاهدة، ولكن المجاهدة طريق إليها وتَعَرُضٌ لديها.
وأما الفتوح التي يريهم إياها، إما من طريق الدليل والبرهان وإما من طريق الكشف والعيان، فتتشَّكل لهم صور الأعمال صوراً نورانية، ومقامات أخروية ونعائِم خلدية، وسُرُر وأرائِكُ مُلْكِية، وأنهارٌ مائية لبنية، وأنهاراً عسليةٌ ذوقية، وأنهاراً خمرية لطفية كشفية، إلى غير ذلك مما يُفتح على قلوبهم في كل سورة، وفي كل كلمة، وفي كل حرف؛ من منائح الفتوح، ومما يندرج فيه نعيم الجِنان، وتختفي عند ظهوره حسيس النيران، ولا يقدر أحدٌ أن يصف ما يفاتح به قلوب العاملين على البصيرة البيضاء والمحجة السمحاء.
وما لم يجد العامل شيئاً مما وصفنا، بل فوق ما أشرنا، فهو بعد لم يخرج من مضيق الهوى، ودهليز الدعوى، ولم تخرج طاعته عن شوب الحظوظ.
وأما ما يورده من المؤانسة، فلا يقدر أحد على وصفه لأنه لا تكون غاية كماله وكُلِّية وصاله إلا بعد استقرار أهل الدارين، حين يسألهم الحق سُبْحانه: اسألوني عبادي، فيقولون: ماذا نسألك وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً؟ فيقول: رضاي عنكم فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
فهذا وما شاكله من لذيذ الخطاب وشهي الجواب، من المؤانسةِ، وقد يجد أهل الله في الدنيا طرفاً من ذلك، ونسيم لطف مما هنالك، فيتلذَّذون به ويترَّوحون من عناء البعد، ولذلك يقولون: ليس شيء يشبه نعيم الجنة إلا ما يجده المحبون من التملُق مع الحبيب وتدلي للقريب، ولي في ذلك:
إن الجزاء في قلوب العاملين له *** فتح يجده أولو الألباب والفطنِ
ولذة الحب في الدنيا يحاوله *** من كان ذا شغفٍ في السر والعلنِ
رضي الله عنه.
يقول: مع ما ذكرنا من نعمته عليكم بالخير ورضاه أن تطيعوه، ما تحسون وعدكم في الدنيا ما يفاتحكم ويؤانسكم ويكشف لكم من الحقائق أيها العاملين بطاعة الله؟.. اتقوا الله، انظروا كيف يعاملكم وكيف تفضل عليكم، وما ادخر لكم أكبر وأعلى وأعظم، ولهذا يذكر كثير من العارفين أن حقائق مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعاجلهم الله به في الدنيا قبل الآخرة، فيذوقون ويشهدون ويحسون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! لا إله إلا الله.
وكمال هذا هناك بعدين، تمامه وكماله، لكن طرف منه يمر عليهم وهم عادهم في الدنيا؛ من هذا الأنس وهذا السرور وهذه اللذة للمناجاة وهذا القرب من الرب جل جلاله وعطايا ومنح وأذواق وحلاوة، ما تُوصف ولا تُكيّف.
ولذا قال سيدنا أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس:
نُصبت لأهل المناجاة *** في حندس الليل أعلام
واستعذبوا السهد وأمسوا *** قيام إذ نام من نام
واستقبلتهم لطائف بهجات فضل وإكرام
من لذة لا تكيف *** ولا تصور بالأفهام
قد ذاقها من عناها *** وهام فيها الذي هام
وبعدين يقول:
ياذا الذي ناداني *** وقت السحير أشجاني
نداه لي أسقاني *** من قرقفاه الهاني
سكرت به وأفناني *** عن كل ضدٍّ ثاني
من قاصٍ أو داني *** في العالم الجسماني
آنستُ أنس الأنسِ *** في مهرجان القدسِ
وأفنيت هيكل نفسي *** وقالبي وحسي
وزال وهم اللبسِ *** وحندسات الحدسِ
بالبارق النوراني *** والوارد الرباني
لا إله إلا الله…
فيا أُسارى الغفلة *** ويا سكارى المُهلة
أُنبِئكمُ عن خصلة *** فيها الفضائل جملة
هي دين خاتم رسله *** طه النبي العدنانِ
دينه محا الأديانِ
يقول:
هذا مقام الوهبِ *** لا يُرتقَى بالكسبِ
وليس هذا سِربي *** ولكنني به أُنبي
عن حال أهل القربِ *** نعم وإن شاء ربي
كمثلهم أعطاني
نعم وإن شاء ربي كمثلهم أعطاني؛ اطلب هذا في الليالي العشر، يفتح لك باب يعطيك شيء من هذا الوهب، فهو نعم الوهاب رب الأرباب، يعطي بغير حساب، منزل الكتاب، مرسل سيد الأحباب، أرسل إليك أحب واحد إليه ﷺ ما تشوف كيف أكرمك! اطلب منه الكرامة، وهو قد أرسل إليك أحب واحد إليه وأكرم واحد عليه، أرسله إليك، يا رب لك الحمد، فأيش النعمة علينا من الله بإرسال هذا العبد لنا؟!
له المنة العظمى علينا ببعثه *** إلينا ومنا عاليَ الذكر والكعب
صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
كل واحد مننا يقول الله أرسلت إليك من؟ أحب واحد إليّ، أكرم واحد عليّ، أقرب قريب إلي، أرسلته إليك، أيش الكرامة هذه؟! شفت كيف ربك أكرمنا؟ أرسل إلينا أحب واحد له، أكرم واحد عنده، أعظم واحد لديه، أرسله إلينا؛ شفت النعمة؟ّ!.. لك الحمد يا رب.
الله يتمم نعمه علينا؛ يتم النعمة بمرافقته، تمام النعمة مرافقته إلى الأبد على الحوض وتحت لواء الحمد وعند مرور الصراط ودخول الجنة وفي الفردوس وفي ساحة النظر وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الله يرزقنا مرافقته في كل ما يعطينا مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلبِ بشر، إنه أكرم كريم، ولديه تعالى مزيد، (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35]، من غير تحديد ولا تقييد، مزيد، مزيد.. (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ) [يونس:26]، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)[محمد:17] اللهم لك الحمد.
جُد علينا يا جواد وأنعم علينا بالمزيد، وكن لنا بما أنت أهله، يا مبدئ يا معيد يا حميد يا مجيد يا فعّال لما يريد، بوجاهة حبيبك خير العبيد ، والحمد لله رب العالمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 ذو الحِجّة 1442