(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 1 ذي الحجة 1442هـ
الحكمة (86): "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ عِزّ لَا يَفْنَى.. فَلَا تَسْتَعِزَّنَّ بِعِزَ يَفْنَى"
الحكمة (87): "الطَّيُّ الْحَقِيقِيُّ: أَنْ تَطْوِيَ مَسَافَةَ الدُّنْيَا عَنْكَ، حَتَّى تَرَى الْآخِرَةَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ"
الحكمة (88): "الْعَطَاءُ مِنَ الْخَلْقِ حِرْمَانٌ، وَالْمَنْعُ مِنَ اللَّهِ إِحْسَانٌ"
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"وكل شيء دون الله هالك، والهالك لا وجود له، فمن استند واعتزَّ بالعدم .. فلا جرم أن عزِّه به خذلان، واستناده إليه حرمان؛ لذلك قال المؤلف رضي اللّٰه عنه:
الحكمة (86): "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ عِزّ لَا يَفْنَى.. فَلَا تَسْتَعِزَّنَّ بِعِزَ يَفْنَى"
إن أردت أيها المسترشد والطالب المسترفد عزًا -وهو رفعة وثناء- لا يفنى؛ وهو العز بالله، إذ لم يستحق سلب هذا الوصف -وهو الغنى- عن غير الله سبحانه، وكل من سواه فذلك من لازمه، فكل عزٍّ بفانٍ فان، وكل عزٍّ بباقٍ باق.
وإذا أردت العز الباقي المخلد، والفضل الدائم المؤبد.. فلا تتوصَّل إليه بضده؛ إذ تطلب الباقي بالفاني، ولكن إن أردت ذلك.. فاستعزن بالباقي، والعز بالباقي: هو دوام التعلق به، واليأس من غيره، ودوام الالتجاء إليه، والانكماش في خدمته، وانتظاره في كل أزمة، وكشف كل غمة، فلا يكون إلى فان له استناد، ولا على مخلوق دونه اعتماد.
ومن أنزل مهماته بسواه.. فقد أعوزه ما أراده، وفاته ما قصده، فإذا استعزّيت بالأكوان وُصلتَ بها، واعتمدت عليها.. أسلمتك أحوج ما تكون إليها؛ فإنها مع مليكها، وتحت حكمه، وطائعة لأمره، فمن أعزه الله.. أعزته، ومن أهانه.. أهانته، ومن أكرمه.. أكرمته، ومن خذله.. خذلته، فعليك بالتعزز به، والتعلق بجنابه، ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم؛ إني أُنزل بك حاجتي"، ولي في ذلك:
العز بالله شيمة كل ذي أدب *** يغني عن الكون في الأحوال ذا بصر
ومن تعزز بالأكوان كان له *** ذل طويل كما جا ذاك في الخبر
فإذا كان عزك بالله عن كل شيء.. لم يقدر أن يذلك شيء، وإن استعزيت بغيره، واستهونت بجنابه.. أذلَّك كل شيء، وسلَّط عليك كل شيء.
واعتزاز المؤمنين بصدق عبوديتهم لسيدهم، وصدق العبودية لا يكون مع وجود حظ النفس، فلما نظر العارفون إلى ذلك.. كانت جل أشغالهم في الخروج عن أوصاف النفس؛ لتصفى لهم العبودية من شوب الحظوظ النفسانية، فيطلبون الانطواء والانطماس عن رؤية نفوسهم وأوصافهم، ولم يطلبوا أن تطوى لهم المسافات البعيدة؛ لغناهم عن ذلك الطي؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (87): "الطَّيُّ الْحَقِيقِيُّ: أَنْ تَطْوِيَ مَسَافَةَ الدُّنْيَا عَنْكَ، حَتَّى تَرَى الْآخِرَةَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ"
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله.
ولله الحمد على كل حال، والصلاة على زين الوجود ذي القدر العال، محمد وآله وصحبه خير صحب وآل، ومن سار على سبيلهم والمنوال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل المراتب الشريفة العوال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وعباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه ذو الفضل الجزيل وعظيم النوال.
وبعد،
يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- كيف يُكتسب العز الذي لا ذل بعده، كيف يُكتسب عز الأبد، كيف يعتز الإنسان وبمَ يعتز. ويطلب العزة كل أحد بدعواهم، ولكن ما تنفع الدعوى وما قامت عليه البينات من الدعاوي، صحَّ. والعز على الحقيقة، كل العزة لله وحده، وإنما يكتسب من الموجودين والمخلوقين من يكتسب العزة على قدر ما يقرب منه ويرضى عنه ويحبه فقط. لا عزة لشيء غير الله. (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10]. فما صعد إليه وقبِله عزّ، وإلا باقي على أصله؛ أصل الكون كله ذليل حقير عَدَم، كل الكائنات. ولذا قال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافققون:8] يعني أن الله ما أعز من كائناته ومخلوقاته كمثل رسوله، وكتب العزة للمؤمنين، ولا عزة لكافر ولا لفاجر.
يقول: إذا أردت أن تطلب العزة فاطلبها من حيث لا تفنى ولا تنقضي ولا تنتهي، فطالب العزة التي تفنى بعد قليل.. بليد وذليل وأبله وساقط سافل! ولذا وجدت كل الذين اعتزوا بغير الله هانوا وذلوا في الدنيا قبل الآخرة. قال: "وكل شيء دون الله هالك، والهالك لا وجود له، فمن استند واعتزَّ بالعدم.. فلا جرم" لا شك "أن عزِّه به خذلان، واستناده إليه حرمان؛ لذلك قال المؤلف رضي اللّٰه عنه: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ عِزّ لَا يَفْنَى.. فَلَا تَسْتَعِزَّنَّ بِعِزَ يَفْنَى"" ولا بشيء يفنى، لا إله إلا الله.
"المسترفد عزًا لا يفنى؛ وهو العز بالله" وهو الغنى عن غير الله -سبحانه وتعالى- وكل من سواه "فكل عزٍّ بفانٍ فان، وكل عزٍّ بباقٍ باقِ". والفاني كل ما سوى الله. (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88] (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27]. فلتكن عزتنا بالله.
كيف نعتز بالله؟
وهكذا، من أنزل حاجاته ومهماته بغير الله؛ "أعوزه ما أراده، وفاته ما قصده" لا إله إلا الله. إذا اعتززت بالأكوان "أسلمتك أحوج ما تكون إليها" وافتضحت، وكم في هذه الدنيا؟ من اعتز بالمال هان، من اعتز بالسلطة هان، من اعتز بالجاه فهان، من اعتز بالمباني وهان، من اعتز بأي شيء غير الله؛ هانوا وذلوا، وحد تعب، وحد صار عبرة، وحد قُتل، وحد حُوكم، وحد كذا... كلهم اعتزوا بغير الله وكانت نهايتهم هكذا.
الله، لا إله إلا الله.
لكن أهل العزة، أهل صدق الإيمان، أهل الاتصال بحبيب الرحمن ﷺ، هم الأعزة في الدنيا والبرزخ والآخرة.
فإن جميع الأكوان "مع مليكها، وتحت حكمه، وطائعة لأمره، فمن أعزه الله.. أعزته، ومن أهانه.. أهانته" لا إله إلا الله. "فعليك بالتعزز به، والتعلق بجنابه."
ماذا نال من العز من قتل الأنبياء؟ والأنبياء الذين قتلوا أي هون وقع عليهم؟ وأي نقص وقع عليهم؟!.. اعتلت درجاتهم وارتفع شأنهم وعاد الآخرة مقبلة ليُرى مكانهم، فماذا نال من قتلهم؟!
"فإذا كان عزك بالله عن كل شيء.. لم يقدر أن يذلّك شيء"، لكن إذا اعتززت بغيره، أدنى شيء يذلّك وعند أدنى شيء تفتضح. كان يقول أبو يوسف -عليه رحمة الله- من أصحاب الإمام أبي حنيفة: أريدوا بعلمكم الله وأريدوا وجه الله، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.
فعِزّتك كلها في التذلل لهذا الإله وذلّتك له وخضوعك له؛ يعزك. على قدر ما تتذلل له يعزك، وعلى قدر ما تتكبر عن أمره يذلّك، يجيك الذل بأي وجه من الوجوه.
لا إله إلا الله العزيز القوي.
"واعتزاز المؤمنين بصدق عبوديتهم لسيدهم، وصدق العبودية لا يكون مع وجود حظ النفس"، فكان اشتغالهم الكثير لخروجهم عن أوصاف نفوسهم لتصفو لهم العبودية، فيطلبون تحقيق العبودية والتذلل للرب -تعالى- بشهود منته وحسن مجاهدتهم لأنفسهم، عليهم رضوان الله.
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
الحكمة (87): "الطَّيُّ الْحَقِيقِيُّ: أَنْ تَطْوِيَ مَسَافَةَ الدُّنْيَا عَنْكَ، حَتَّى تَرَى الْآخِرَةَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ"
طي مسافة الدنيا هنا طيٌّ معنوي لا طي حسي، وطي مسافة الدنيا برؤية فنائها، وسرعة انقلابها، وقرب الآخرة، فتضمحل الأسباب الدنياوية، وتزول المستحسنات الكونية، فتنطوي بفكره ساعة جميع الدنيا ولذاتها ومحبوباتها بشروق نور اليقين في القلب، وهو الذي يعطيك رؤية الأشياء على ما هي عليه من الحسن والقبح، فعند شروقه في القلب ينظر الآخرة وبقاءها، وحسنها ودوام نفعها، والدنيا وخستها، وقرب فنائها، وسرعة زوالها، وكثرة عنائها، وقلة جدواها، وكثرة بلواها، فتنطوي -لا محالة- وتنزوي، وتتحقق الآخرة وتتراءىٰ، فيغيب الباطل الفاني، ويتحقق الحق الباقي.
وعند تمكن اليقين من القلب يظهر له الجمال الأزلي، والمشهد الأقدس العليّ، فتنطوي الآخرة عنده كما انطوت مسافة الدنيا عند شروقه في ابتدائه، لكن طي الدنيا طي حُجب ظلمانية، وفي مسافة الآخرة طي حجب نورانية، فهذا عندهم هو الطي حقيقة، لا طي المسافة في لحظة، فقد يكون لكن على الندور من باب المكر، ولا طي الأيام بوصال الصوم، فليس هو المراد مع ترك القلب مكبلاً في مضيق الدنيا وأسبابها ومراداتها، بل يكون ذلك محمودًا إذا أخلص لله، وكان لمحض العبودية، وأعطاها حقها وكان ذلك مشكورًا، وفضله مشهورًا.
ولكن أين السير بالأحوال من السير بالأعمال؟! فالسير بالأحوال.
سير المرادين الواصلين، والسير بالأعمال سير المريدين السالكين، وشتان ما بين الفريقين، ولي في ذلك:
الطي طي مسافات النفوس إلى *** حظائر القدس واستعلا مراقيها
ليَهنَ ركب سرى شوقًا يسير إلى *** منازل السر واستنزه بواديها
فإذا طُويت المسافات الخلقية، وبانت لك الفتوحات الوهبية.. بان لك يقيناً أن ما أشار إليه المؤلف هـٰهنا من قوله:
الحكمة (88): "الْعَطَاءُ مِنَ الْخَلْقِ حِرْمَانٌ، وَالْمَنْعُ مِنَ اللَّهِ إِحْسَانٌ"
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وقربنا إليك زلفى.
يقول لك: "الطَّيُّ الْحَقِيقِيُّ: أَنْ تَطْوِيَ مَسَافَةَ الدُّنْيَا عَنْكَ، حَتَّى تَرَى الْآخِرَةَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ"، لأن كل آتٍ قريب، قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج:6-7]. فهذا الذي نتحدث عنه من شؤون البرازخ ثم القيامة ومواقفها ثم الاستقرار في الجنة أو النار قريب جدًا، لأنه يقين تمامًا، وكل آتٍ قريب. ينظر إليه الغافل والكافر على قدر غفلته وكفره أنه بعيد، ولكن الحق والمؤمنون يرونه قريب.
يقول: فالطي، يتحدث بعضهم عن طي المسافات:
قال هذا قد يكون كرامة وقد يكون استدراج، وقده الشيطان أحسن منك يطير من محل إلى محل.
لكن الكرامة والطيّ الحقيقي:
هذا الطي؛ "الطَّيُّ الْحَقِيقِيُّ: أَنْ تَطْوِيَ مَسَافَةَ الدُّنْيَا عَنْكَ، حَتَّى تَرَى الْآخِرَةَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ"، وترى الحق كما وصف نفسه وقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16] لا إله إلا الله.
يقول: "طي مسافة الدنيا" معنوي لا حسي، كيف؟ إدراك حقيقة "فنائها وسرعة انقلابها وقرب الآخرة"، "فتنطوي بفكره ساعة جميع الدنيا ولذاتها ومحبوباتها بشروق نور اليقين في القلب، وهو الذي يعطيك رؤية الأشياء على ما هي عليه" حسنًا وقُبحًا. فحينئذ تنظر إلى الآخرة وحسنها ودوامها وبقائها، وعند تمكّن اليقين من القلب يظهر له الجمال الأزلي لخالق الجنة ونعيمها -سبحانه- والمشهد الأقدس العلي، فتنطوي الآخرة عنه. ولكن طي الدنيا طي ظلمات وطي الآخرة طي أنوار، حتى يكون المقصود هو المقصود وحده لا شريك له.
وهناك:
يقول: "طي المسافة -من بلاد إلى بلاد- في لحظة قد يكون" "على الندور من باب المكر"، وكذلك ما يحصل من وصال الصوم ونحوه ما ينفع إلا إذا أخلص فيه لله "وكان لمحض العبودية" وأعطى العبودية حقها. ولكن
والسائرون بالأعمال ماشون، والسائرون بالأحوال طائرون، والطيران يسبق المشي.
"الطي طي مسافات النفوس إلى *** حظائر القدس واستعلا مراقيها
ليَهنَ ركب سرى شوقًا يسير إلى *** منازل السر واستنزه بواديها"
اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، ولا تبقنا في أعمارنا مع النفوس والشهوات والدنيا، وأرنا اللهم الدنيا كما أريتها عبادك الصالحين، وأرنا الآخرة كما أريتها عبادك الصالحين، وكن مقصودنا أنت وحدك لا شريك لك.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"فإذا طُويت المسافات الخلقية، وبانت لك الفتوحات الوهبية.. بان لك يقيناً أن ما أشار إليه المؤلف هـٰهنا من قوله:
الحكمة (88): "الْعَطَاءُ مِنَ الْخَلْقِ حِرْمَانٌ، وَالْمَنْعُ مِنَ اللَّهِ إِحْسَانٌ"
وذلك أن رؤية العطاء منهم حجاب عن الله كثيف، ورؤيتهم دون أن منهم أو لهم حجاب، لكنه ألطف من إضافة أن لهم فعلاً معه، فإذا رأيت العطاء منهم.. فقد حرمت من اليقين بقدر ما أضفت إليهم، ولذرة من اليقين ما تقوم لها الدنيا وما حوته من جميع نعيمها ومحبوباتها، وذلك يتولد منه -أي: عدم اليقين- تقلد منتهم، واستعبادهم إياك، وسقوط منزلتك وابتذالك.
وأي منع أعظم من منع العطاء؛ الذي إذا نلته.. أتت جميع خيرات الدنيا والآخرة، والعز السرمدي الذي لا يعقبه ذل، وهو اليقين، فإذا فقدت اليقين.. فقد حرمت خير الدنيا والآخرة.
والمنع من الله إحسان؛ لأنه يوقفك على الله، واللجأ إليه، والافتقار لديه، والذلة والانكسار بين يديه، وأي عطاء أفضل من ذلك؟! وأي فضل أعظم مما هنالك؟! فأعياد الصادقين ومواسمهم وجود فاقاتهم إليه، ووقوفهم بين يديه، فأي إحسان يزيد على ذلك؟!
وإذا أحببته.. كان كل ما يصدر منه محبوبًا عندك، وإذا أعدمك اليقين.. كنت بالضد من ذلك؛ أنك تؤثر محبة الأغيار، والوقوف على الخلق عند ورود الحاجات، وحصول نوازل المهمات، فتقف على من لا يغنيك، وتستند إلى من لا يأويك، ولي في ذلك:
إن العطا حيث لم يصدر من الله *** حرمان يحرم ما هو صِرْفُ إحسان
وكل منع من المولى فإن به *** كل العطاء وكل الفضل يا إنسان
هكذا يقول لك: مهما شهدت العطاء من الخلق، ابتُليت بالالتفات إليهم، وهذا فيه انقطاع وحجاب عن ربك. ثم توهّمت أن لهم تقديمًا وتأخيرًا، وهذا خيانة في حق التوحيد، ونسيت أن المعطي المانع واحد أحد فرد صمد.
فالعطاء إذا جاءك بهذه الصورة استمال قلبك إلى الخَلق وقطعك عن الحق، حتى كأن المعطي غيره، وضعف يقينك به واعتمادك عليه سبحانه وتعالى؛ وهذا منع خطير، مُنعت به فضلًا كبير، ومنعت به مقامًا شريف رفيع؛ فهذا ليس عطاء، هذا منع؛ عطاء الخلق لك منع، ومنع الله إياك إحسان.
ما منعه وأخره عليك من الخير فاستشعرت أنه من عنده، منعك عنه فالتجأت إليه وتذللت له، أدركت قُربًا وأدركت رضًا وأدركت محبة وتذللت فأعزّك؛ الحين هذا عطاء أم حرمان، هذا؟ هذا عطاء.. ذاك حرمان الأول هذاك؛ في التفاتك للخلق.
ولهذا كثير من الناس ما صلحت أحوالهم ورجعوا لربهم إلا بشيء من الشدائد، بشيء من المنع. حد في حبس، وحد في حادث، وحد في ورطة وقع فيها ورجع أناب وتاب وتذكر وصلّح حاله. هذا ما هو منع، هذا عطاء، هذا ما هو حرمان. المشكلة الثانية هذه!
وهكذا بعض الصالحين قال لي: أول عميت وأنا قدني كبير، يا ليت عميت وأنا صغير! قال: صدق الإقبال وقع والتوجّه بعد العمى. قال لو كان من البداية وأنا أعمى كان أحسن.
الله يأخذ بأيدينا ويردنا إليه مردًا جميلًا ويأخذ بنا أخذ أهل الفضل عليه، ولا يبتلينا ولا يختبرنا. وإلا كثير من الناس عبد العصا، ما يرجع إلا بعد ما تجيبه شدة وتقع له كربجة وتعب، وبعدين يفيق وينيب إلى الله تبارك وتعالى. ولكن منهم من يحيه في عافية ويتوفاه في عافية.
ولذا قال:
فاستأنسي بالمَنعِ وارعَي حقَّهُ *** إنّ الرضا وصفُ المُنيبِ الألمَعِ
فإذا شهد أنه هو المانع وهو المعطي، فقد كفاه مصائب كبيرة وهيأه لمراتب كثيرة كبيرة. الله أكبر.. وحينئذ بعد ذلك يعطي، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5-6].
الله يعاملنا بفضله وما هو أهله، ويوفر حظنا من عطاياه ومنحه وهباته وهداياه، ويوفر حظنا من أيام العشر وليالي العشر ومواسمها والأيام المعلومات ثم الأيام المعدودات، يجعل لنا فيها خيرات وسعادات غير محصورات ولا معدودات.
ويجود علينا وينظر إلينا ويقربنا إليه زلفى، ويجعلنا في أهل الصدق وأهل الوفا وأهل النقا وأهل الصفا وأهل حسن المتابعة والاقتفاء لحبيبه المصطفى، ويفرج كروب المسلمين ويرفع البلاء عن المؤمنين ويجعلنا وإياكم في أنفع الأمة للأمة وأبرك الأمة على الأمة، وينفعنا بالأمة عامة وبخاصتهم خاصة، ويقينا كل سوء أحاط به علمه في الدارين وينقينا عن الشوائب ويرفعنا عليّ المراتب ويوفر حظنا منه المزايا والعطايا والمواهب. ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر. ويتولانا بما تولى به محبوبيه والمقربين إليه، أهل الصدق معه والإخلاص لوجهه الكريم، ويعزنا به ويجعل لنا -سبحانه- من عزته وعزة رسوله الحظ الأوفر والنصيب الأكبر في لطف وعافية ويقين وتمكين مكين.
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
02 ذو الحِجّة 1442