الحِكَم العطائية - 54 | ربّما أعطاكَ فمنعك، وربَّما منعَك فأعطاك

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -54- من قوله: (رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ , وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الأربعاء 27 ذي القعدة 1442هـ.

الحكمة (83): "رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ"

الحكمة (84): "مَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْمَنْعِ.. عَادَ الْمَنْعُ هُوَ عَيْنَ الْعَطَاءِ"

الحكمة (85): "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ، وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ؛ فَالنَّفْسُ تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِ غِرّتِهَا، وَالْقَلْبُ يَنْظُرُ إِلَى بَاطِنِ عِبْرَتِهَا"

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، و بسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال: 

الحكمة (83): "رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ"

"رُبَّ" تأتي للتقليل، وقد تأتي للكثرة، وهنا المراد بها أكثرية؛ لأنه إذا أعطاك مراداتك وساعدك على نيل شهواتك.. منعكَ أسباب العطايا الهنية، والمشتهيات المَرِية، التي لا يعقبها زوال، ولا يعتريها تغيُّر، ولا يعتورها كدر، فالمنع في مثل ذلك العطاء ظاهر.

 وربما منعكَ من شهواتك، ونغَّصَ عليك مستلذاتك، وعوَّقَ عليك أسباب دنياك، فأعطاك الجزاء الأوفى، وأنالك المقام الأعلى، وأدخلك في زمرة الكُرماء، ونظمك في سلك الأصفياء، فأعطاك أعاليَ الكرامات، وأيُّ عطاءٍ أوفى من ذلك؟! وأيُّ زلفى أعلى مما هنالك؟! فكان العطاء الذي باختيارك وبذلت له كل تدبيرك منعًا، ويكون كلُّ منعٍ خالف هواك وباين إرادتك عطاءً، فاختر عطاءً يكون حقيقته منعًا، أو منعًا يكون حقيقته عطاء، ولي في ذلك:

إن العطاء خيرُ ما تُعطى بخِيرَتِه *** إن كان منعًا فذاك أقْرَبْ إلى الظفرِ

وكلَّما اخترتَ أن تُعطى فخِيرتُه *** فذاك منعًا بلا ريبٍ به الضرر"

 

يقول: "رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ"، كيف هذا؟! 

ربما كان مظهر عطاء في حقيقة منع، وربما كان مظهر منع في حقيقة عطاء. 

كيف؟.. اعرف عظمة المعطي المانع، ولا تركن إلى عطاء ولا إلى منع، ولكن إلى المعطي المانع، فتستأنس بالمنع كما تستأنس بالعطاء، ولا تدري الخير لك في أيِّها؟! الله أكبر..

يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تَظْفَرِي لَا تَجْزَعِي *** وَإِلَى مَوَائِدِ جُودِ مَوْلَاكِ اهْرَعِي

    وَلئِن تَأَخَّرَ مَطْلَبٌ فَلَرُبَّمَا *** فِي ذَلِكَ التَّأْخِيرِ كُلُّ المَطْمَعِ 

يتأخر هذا المطلب، وخبأ الله لك عطايا أكبر وأجلّ من هذا بتأتيك.

فَاسْتَأْنِسِي بِالْمَنْعِ وَارْعَيْ حَقَّهُ *** إِنَّ الرِّضَا وَصْفُ الْمُنِيبِ الْأَلْمَعِ 

 لا إله إلا الله، سبحان المعطي المانع.

قال: "رُبَّ تأتي للتقليل" وتأتي للتكثير؛ وهنا للتكثير.

قال:"رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ"، إذا أعطاك شيء من مراداتك الحسية ومطالبك الدنيوية، ومنعك عطايا أكبر هنية، ونعيم دائم في الحياة الأخروية، فهذا العطاء ظاهره عطاء ولكن باطنه منع. وعنه قال جل جلاله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ *‏ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55-56]، قال هذا ما هو عطاء، لا. 

(فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‎* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ *‏ كَلَّا ۖ )، ما هو هذا ولا هذا؛ لا الإكرام بهذا ولا الإهانة بهذا، إلَّا بالمسلك القويم إكرامنا وبالمعاصي إهانتنا، (كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ *‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، تضيعون الطاعة وبها الكرامة، تعملون المعصية وبها المهانة، (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) [الفجر:15-20]، تهينون أنفسكم بهذا، هذه الإهانة. ما هو من أعطيناه شيء من متاع الدنيا أكرمناه، لا!.. 

(أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)[الشعراء:205-207]. (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‎)، قال الله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ)، خلُّه يعمَّر ألف سنة، وبعدين فين يبغى؟ عذاب شديد قدامه، ايش ينفعه تعمُّر ألف سنة؟  (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [البقرة:96]. 

الله أكبر!

 يقول:"رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ"، لا إله إلا الله. 

يعطيك حاجة تطلبها فيمنعك انكسار القلب من أجله، ويصيبك بالعجب؛ يا ليت ما أعطاك هذه الحاجة، يا ليت ما أعطاكَ ولا أصابكَ عجب، ولا منَعكَ الانكسار. لو أبقى عليك الانكسار وسلَّمك من العجب أحسن لك من الحاجة التي حصَّلتها مائة مرة بل ألف مرة. "رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ" لا إله إلا الله. 

فنسأل الله أن يعاملنا بما هو أهله، وأن يهب لنا ما علمه لنا خيرا. 

قال: "إذا أعطاك مراداتك وساعدك على نيل شهواتك.. منعكَ أسباب العطايا الهنية، والمشتهيات المَرِية،  التي لا يعقبها زوال، فالمنع في مثل ذلك العطاء ظاهر. 

 وربما منعكَ من شهواتك، ونغَّصَ عليك مستلذاتك" -في الدنيا- "وعوَّقَ عليك أسباب دنياك، فأعطاك الجزاء الأوفى، وأنالك المقام الأعلى، وأدخلك في زمرة الكُرماء، ونظَمك في سلك الأصفياء"، هذا منع هذا؟ هذا عطاء كبير!.. 

"فأعطاك أعاليَ الكرامات، وأيُّ عطاء أوفى من ذلك؟! وأيُّ زلفى أعلى مما هنالك؟!  فكان العطاء الذي باختيارك وبذلت له كل تدبيرك منعًا، ويكون كلُّ منعٍ خالف هواك وباين إرادتك عطاءً، فاختر عطاءً يكون حقيقته منعًا، أو منعًا يكون حقيقته عطاء".

فإذًا تستأنس بالعطاء وبالمنع، وتثق بالمعطي المانع، ولا تفرح إلَّا به ولا تعتمد إلا عليه.

وإذا عَرَض لك شيء من المطالب في دنياك فقل لربك:  في خير ولطف وعافية، إن كنت تعلم أنه خير لي، وأمَّا يترتب عليه بعدين مصيبة ونكبة.. لا لا لا، وهو أعلم بمصالح عباده.

 فالله يهب لنا الخيرات في لطفٍ وعافية، وما علمه لنا خير في الدنيا والآخرة، ويلطف بنا والمسلمين فيما تجري به المقادير. 

إِنَّ العَطَاءَ إِمْدَادُهُ مُتَنَوِّعٌ *** يَا حُسْنَ هَذَاكَ العَطَاءِ المُتَنَوِّعِ

وَرَدُوا عَلَى نَهْرِ الحَيَاةِ وَكُلُّهُمْ *** شَرِبُوا وَكَمْ فِي الرَّكْبِ مِنْ مُتَضَلِّعِ

حَاشَا الكَرِيمُ يَرُدَّهُمْ عَطْشَى وَقَدْ *** وَرَدُوا وَأَصْلُ الجُودِ مِنْ ذَا المَنْبَعِ

يَا رَبِّ لِي ظَنٌّ جَمِيلٌ وَافِرٌ *** قَدَّمْتُهُ أمْشِي بِهِ يَسْعَى مَعِي

كُلُّ الَّذِينَ يَرْجُونَ فَضْلَكَ أُمْطِرُوا *** حَاشَاكَ أَنْ يَبْقَى هَشِيمًا مَرْبَعِي

كل الذين اجتمعوا من أجله -سبحانه وتعالى- يريدون وجهه مَن قبلنا، وتواصوا بالحق والصبر، أنجَحُوا وأفلَحُوا وقرَّبهم وأجرى على أيديهم خير كثير.

كل الذين يرجون فضلك أمطروا *** ...............

 وحاشاه أن يخيبنا في مسعانا، في جمعنا، اللهم بارك في لقاءاتنا، وبارك في مجالساتنا فيك ومن أجلك، وبارك في أعمالنا هذه واقبلها، واجعل لها أحلى وأعلى وأغلى النتائج من اجتماعات محبوبيك والمقربين إليك يا رب العالمين.

"ولا يُعرَفُ وجهُ المنع في العطاء، والعطاء في المنع إلا بفتح لدني، وفهم اختصاصي."

 

ورضي الله عنكم، إلى أن قال:

"ولا يُعرفُ وجهُ المنع في العطاء، والعطاء في المنع إلا بفتح لدني، وفهمٍ اختصاصي؛ ولذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (84): "مَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْمَنْعِ.. عَادَ الْمَنْعُ هُوَ عَيْنَ الْعَطَاءِ"

متى فتح لك من خزائن الفهم المكنون، واطلعت على دقائق العلم المصون، فرأيت ما في المنع من عظيم النفع دنيا وأخرى.. علمت -لا محالة- أن المنع عن مراداتك فيها ذخائر سعاداتك، فلا جرم أن يعطيَكَ نورُ الفهم أن المنعَ عن إراداتك الفانية، وحظوظك العاجلة.. عطاءٌ لا ينفد، وذخر لا يفقد.

ومن أمدَّهُ الله بالفهم عنه.. أراه عواقب الأمور قبل أن يغترَّ بأوائلها، وكشف له عن باطنها قبل أن يختدع بظواهرها، والفهمُ من أعزِّ علوم الصوفية؛ لأنه نورٌ خلقه الله في القلب يُدرك به الأشياء إصابة وخطأ، فيعطيه ألا يأخذ ولا يذر، ولا يسمع ولا ينظر، ولا يتحرَّك ولا يسكن، إلا بما كان محبوبًا موافقًا لما في باطن الأمر عند الله.

وإن ظهر في ظاهر الأمر أنه موافق أو مذموم، وفي الباطن على العكس من ذلك.. فيأخذ صاحبُ ذلك المشهد ما هو الحقُّ عند الله، ويذر ما سواه وإن أُفتِيَ بضده، ولا يدرك ذلك المشهد من كان قياده بيد هواه، وسياسته بنفسه، دون اقتداء بمن يطلعه على كوامن الهوى، ويخرجه عن زين محبة الدنيا؛ لأن الفهم في الأمور لا يكون إلا عن صفاء سريرة، ولا تصفى وهي ملوثة بكثائف الهوى، ومدنَّسة بمحبة الدنيا، ولي في ذلك:

الفهمُ يعطيكَ في الأشياء أحسنها *** ويخرجُك عن مضيق الجهل بالخبر   

إذا علمتَ أنَّ ذاك الفهم يعلم من *** ينظر به أن العطا في المنع منتظر"

 

يقول: متى فتح لك باب الفهم في المنع، وعلمت الحِكم وعجائب النَظمِ من خير من نظَم وأخَّر وقدَّم، فأدركت سرَّ التأخير وسرَّ المنع، تحوَّل المنع عين العطاء. الله الله الله!

 "مَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْمَنْعِ.. عَادَ الْمَنْعُ هُوَ عَيْنَ الْعَطَاءِ"، ولكن هذا الفتح يكون للأصفياء وعلى مراتب، فما أعجب أحوال أكابرهم في هذا، الله أكبر!.. علِموا أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وعلموا أنه إذا أحبَّ أحدًا فمنْعُه له نعمة، وعطاؤه له نعمة وقربة ورحمة ومِنَّة وفضل وإحسان، وتقريب وتحبيب وتطييب في كل منع وفي كل عطاء؛ يطيِّبه، يقرِّبه، يحبِّبه، يزيده -الله أكبر- يُفيده يَودُّه، يا سلام.. ما أعجب المنع وما أعجب العطاء! فيصير في حال جميل مع المعطي المانع الكفيل الوكيل، في الرضا دائم، والرضا يزداد له منه، وهو يزداد رضا عنه، والحق يزداد له رضا -يا الله- ولا يزال في ترقٍ.

 "مَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْمَنْعِ.. عَادَ الْمَنْعُ هُوَ عَيْنَ الْعَطَاءِ". 

" متى فتح لك من خزائن الفهم المكنون، واطَّلعت على دقائق العلم المصون"، وهذا أعظم ما فُتح للأنبياء -عليهم صلوات الله- ومع ذلك فأرباب قوة التمكين منهم فيه؛ أكابرهم -صلوات الله عليهم- وبعدين يرجع إلى رأسهم، ولهذا قال: لم تعجَّل كل نبي دعوته، وحبيب الرحمن خبأ دعوته شفاعة لأمته؟ 

لقوة علمه بأسرار المنع، وأدرك من أسرار الحكمة في تحويل أحوال الناس وتسهيل وتقليب قلوبهم ما لم يُدرِكُوه، والأنبياء أدركوا أسرارا ما يدركها غيرهم من الأولياء ولا سواهم، لكن حبيب الله أدرك فوق ما أدرك الأنبياء، والأنبياء في تحوُّل تلك الأحوال؛ هذا قال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26]، وهذا قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) [يونس:88]، وذا وقف: "اللَّهُمَّ اهدِ قَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ" ﷺ.

 وتمكينه أقوى تمكين؛ لهذا حتى يعبِّر عنه أنه كان بعض العارفين يقول: إن الحق أطلعه على دقائق ما يريد بالعباد، وهو صرَّح بذلك في بعض أحاديثه الصحيحة، قال: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ، إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا". ويقول: لما خطبنا وذكر الأحوال وما يحصل من بعده، حتى ما ترك حال من يملك ثلاثمائة، ما عادها دول وإنما ثلاثمائة إلا ذكره باسمه واسم أبيه، أسماء كثير ذكر في ذاك اليوم، من بيحفظ؟ من حفظ من الصحابة.. تقع الحادثة فيذكرون أنه ذكرها، حتى أدخلَ أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النار، حتى حوادث البرزخ، حوادث القيامة، سرد حوادث إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. 

سبحان الذي علَّمه! (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113]، قال: علَّمَه، وقال: هذا مرادي في خلقي.

 مرادُه حِكم، ولهذا ما عاد استعجل بدعوة ولا بغيرها، عرفَ القضاء وسرِّه؛ سرّ القضاء والقدر، فما جاء منه إلا: "اللَّهُمَّ اهدِ قَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ"، "اذهبوا فأنتم الطلقاء". اللهم صل عليه.

يقول: "ومن أمدَّهُ الله بالفهم عنه.. أراه عواقب الأمور قبل أن يغترَّ بأوائلها، وكشف له عن باطنها قبل أن يختدع بظواهرها، والفهمُ من أعزِّ علوم الصوفية؛ لأنه نورٌ خلقه الله في القلب يدرك به الأشياء إصابة وخطًأ، فيعطيه ألا يأخذ ولا يذر، ولا يسمع ولا ينظر، ولا يتحرَّك ولا يسكن، إلا بما كان محبوبًا موافقًا لما في باطن الأمر عند الله"؛ عنايةً ولطفًا وتأييدًا وتسديدًا وإلهامًا وتوفيقًا منه. 

يتولاه هو، هو أصلًا قد خرج عن نفسه وعن هواه وعن أغراضه، ما عاد بقي له غرض إلا ربه، ومراد إلا ربه، هواه مع ربه، فتولاه هو ربه خالقه، ما عاد يخليه يقول ولا يفعل ويتصرف إلا ما هو أحب وأطيب وأحسن عاقبة. 

إن قام، وإن قعد، وإن دخل، وإن خرج، وإن تكلم، وإن سكت، بعناية الرحمن به ولطفه، ما يصدر منه إلا ما هو أطيب وأحب وأجمع للخير وأحسن في العاقبة. 

والحق إذا أحب لا تسأل كيف يعمل بمن يحب! الله.. لا إله إلا هو. 

"وإن ظهر في ظاهر الأمر أنه موافق أو مذموم، وفي الباطن على العكس من ذلك.. فيأخذ صاحبُ ذلك المشهد ما هو الحقُّ عند الله، ويذر ما سواه وإن أُفتيَ بضده"، وقال رسول الله ﷺ  لواحد منهم -وابصة بن معبد-: "استفت قَلْبك" وإن أفتاكَ الناس وأفتَوك" وأفتوك وأفتوك، استفت قَلْبك "وَإِن أَفْتَاك الْمفْتُون"؛ أنت على عناية ورعاية بتبيّن لك الحقائق والأمور، خلاص امشِ مع نور الله الذي نوَّرك به، الله أكبر.

"ولا يدرك ذلك المشهد من كان قياده بيد هواه، وسياسته بنفسه، دون اقتداء بمن يطلعه على كوامن الهوى، ويخرجه عن زين محبة الدنيا" -وهم الأنبياء وورثتهم- "لأن الفهم في الأمور لا يكون إلا عن صفاء سريرة، ولا تصفى وهي ملوثة بكثائف الهوى، ومدنَّسة بمحبة الدنيا". اللهم ارزقنا فهما.

 

رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:

"فلما كان الفهم يعطي مَنْ قام به أن ينظر إلى بواطن الأمور، ولا يغترَّ بظواهرها، وينظر عواقبها، ولا ينخدع بأوائلها.. لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: 

الحكمة (85): "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ، وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ؛ فَالنَّفْسُ تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِ غِرّتِهَا، وَالْقَلْبُ يَنْظُرُ إِلَى بَاطِنِ عِبْرَتِهَا"

"الكون: هو ما عدا المكوِّن؛ وهو كل ما دخل تحت (كُن) من سائر أصناف المكوَّنات الحسيَّات والمعنويات، والمراد هنا: كل ما يمكن أن يكون للنفس إليه نظرٌ وحظ، والنفس من حيث الطبع والجِبلَّة مجبولةٌ ومطبوعة على الجهل؛ وهي النفس الحيوانية.

والقلب: هو عبارةٌ عن لطيفةٍ نورانية ربانية، ألبسها الحقُّ من نور أوصافه ما أخرجها عن وصف النفس، وحلّاها بنور أوصافه، وأفاض عليها من تجلِّيات أسمائه؛ فهي أبدًا تتقلَّب في حلل تجليات الأسماء، وتتنزَّهُ في فسيح الأوصاف الأزلية، تتلقَّى من صفة العلم، ومن صفة الكلام، ومن صفة البصر والسمع والحياة والقدرة والإرادة بقدر ما أعطاها وقسم لها، ويظهر عليها من تجلِّي كل اسم ما يظهر به من سلطان ظهوره؛ فهي لأوصاف الحق وأسمائه كالمرآة الصقيلة، تحكي ما تتجلَّى به عليها، وتفيض ما تلقيه إليها، والقلب الصنوبري اللحمي كالعود الكثيف الذي تلصق به المرآة مجاورة لا ممازجة، ومظهره في الجهة اليسرى الإنسانية، ومشهده في الجهة اليمنى مواجهة، والنفس من حيث هي حيوانيةٌ أرضيةٌ أمَّاريَّةٌ في الجهة اليمنى، وهي مواجهة لجهة الشمال.

ولو أخذنا في تبيين ذلك.. لخرجنا عن مقصود الشرح، فلنرجع ونأخذ في بيان قوله: "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا" وهو محل الحظ النفساني، والطبع الحيواني، "غِرَّةٌ" يغتر به من أعوزه الفهم في بواطن الأمور، ولم يحظَ من النور القلبي بما يخرجه عن صفة الجهل، وينعته بنعت العلم الفهمي، بل كان جهلًا نفسيًا وجسميًا أرضيًا، يتصفح ظواهر الأكوان في مستحسنات الألوان، ومصقلات الأبدان فتفتنه بحسنها، وتملكه وتستسخره تحت خدمتها، وتستعبده بمحبتها، ويكون كما قلت في ذلك:

إذا لم ترى ما تحت أثواب حسنها *** بقيت بها مفتون ولهان حائرا

ولو كنت ذا قلبٍ بصير بقُبْحها *** نظرت إلى ما الأمر في ذاك صائرا

 

رضي الله تعالى عنه.

يقول: "الْأَكْوَانُ" وإن كانت الأكوان تعمُّ ما عدا المكوِّن -جمع كون- والكون كله "ما عدا المكوِّن" من سائر العوالم علويها وسفليها. ولكن يريد بالأكوان هنا ما "للنفس إليه نظرٌ وحظ"؛ هذه الأكوان، وشؤون هذه الدنيا التي قدامنا، والضجَّة والصجَّة التي فيها من قِبل شياطين الإنس والجن، وصدى أصواتهم بمختلف الوسائل الموجودة. "ظَاهِرُهَ غِرَّةٌ"؛ يغتر بها من لم يُنوَّر، ومن لم يُطهَّر، من لم يُرَد لفوق، من لم يُسعَد، من لم يُساعَد على النجاة، يغتر بظاهرها ويصدِّقها، ويقع في حبالها، ويسقط في أوحالها، ويتعذب بوبالها، ويرجع إلى سوء مآلها. 

يا لطيف.. وهي أسحر من هاروت وماروت! 

ولكن من وُفِّق وأُعين ونظر بالقلب، اعتبر وادّكَّر، ولم تغره، وعَرف ما الذي يقصُد وما الذي يُريد وما الذي يَنتفع به منها، وعرف أنه لا ينبغي أن يُؤخذ من الحية شيءٌ من سُمِّها قط، وإنما ما يكون في الحية ما يسمونه ترياق، ما يكون فيها من ترياق، فيأخذ ترياقها ويجتنب سُمَّها كله بنور بصيرة وتوفيق من عالِم السريرة جل جلاله.

"الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ"

إِنَّ الإِلٰهَ بَرَاهَا كَيْ يَمَيزَ بِهَا *** بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الحُمْقِ وَالفَطَنِ

فَذُو الحَمَاقَةِ مَنْ قَدْ ظَلَّ يَجْمَعُهَا *** يُعَانِيَ السَّعْيَ مِنْ شَامٍ إِلَى يَمَنِ

مُشَمِّرًا يَرْكَبُ الأَخْطَارَ مُجْتَهِدًا *** لِأَجلِها يَستَلينُ المَركَب الخَشِنِ

فهكذا ظاهرها..

وَذُو الحِجَا يَقِلُّهَا زُهْدًا وَيَنْبِذُهَا *** وَرَاءَه نَبْذَه الأَقْذَار فِي الدِّمَنِ

يَرْمِي بِقَلْبٍ مُنِيرٍ فِي مَصَائِرِهَا *** فَلَا يُصَادِفُ غَيْرَ الهَمِّ وَالحَزَنِ 

ينتبه لنفسة. 

"الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ"، قال: النفس من حيث الطبع والجِبلَّة مجبولة مطبوعة على الجهل؛ هذه النفس الحيوانية. أما "القلب: هو عبارةٌ عن لطيفةٍ نورانية ربانية. "فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها". القلب هذه العطية الوهبية التي أعطانا الله إياها، قال عنه: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]، "ألبسها الحقُّ من نور أوصافه ما أخرجها عن وصف النفس، وحلّاها بنور أوصافه، وأفاض عليها من تجلِّيات أسمائه". فهذه اللطيفة الربانية -القلب- تتقلَّب في حلل تجليات الأسماء"، "تتلقى" من صفات الله -تعالى- من صفة العلم، ومن صفة الكلام، ومن صفة البصر والسمع والحياة والقدرة والإرادة بقدر ما أعطاها -الله تبارك وتعالى- وقسم لها" من هذا الحظ، "ويظهر عليها من تجلِّي كل اسم ما يظهر به من سلطان ظهوره"، فتصير بصيرة هذا القلب كالمرآة الصقيلة؛ تحكي ما يتجلَّى به عليها، وتُفيض ما تلقيه إليها.

أما "القلب الصنوبري اللحمي" هذا قال: مثل "العود الكثيف الذي تلصق به المرآة"، ما هو مرآة بس المرآة ملصوقة به، بس هو عود ما تظهر فيه صورة ولا ينفع، لكن يمسك المرآة الصقيلة، ما يمتزج بها، إلَّا بس تمسكها ويعلقونها فيه، والصور تظهر في المرآة، فهكذا القلب والنفس؛ النفس مثل العود حق المرآة، ايش هو القلب هذا الصنوبري اللحمي هذا؟ مثل العود، لكن ما هو ذا قلبك، ذا قلب حتى في الحيوانات هذا؛ لكن فيه قلب ثاني يعطيه الله للمؤمنين، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37]. 

فهذه العلاقة بين القلب الصنوبري شكل وبين حقيقة القلب اللطيفة الربانية.

 قال: وإذا أردنا أن نشرح هذا، فالشيخ علي أمامه بحر مطَّلع فيه على أسرار، قال: بس بنخرج عن غرضنا، بنرجع إلى مقصودنا من الشرح: "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا" وهو محل الحظ النفساني، والطبع الحيواني، "غِرَّةٌ" يغتر به من أعوزه الفهم في بواطن الأمور، ولم يحظ من النور القلبي بما يخرجه عن صفة الجهل، وينعته بنعت العلم الفهمي، بل كان جهلًا نفسيًا وجسميًا أرضيًا، يتصفح ظواهر الأكوان في مستحسنات الألوان، ومصقلات الأبدان فتفتنه بحسنها".

وقد قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ) [المنافقون:4]، (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) [التوبة:55]، لا تغتر بهذه المظاهر، أدرك الحقيقة، لا إله إلا الله.

"إذا لم ترى ما تحت أثواب حسنها *** بقيت بها مفتون ولهان حائرا

ولو كنت ذا قلبٍ بصير بقُبْحها *** نظرت إلى ما الأمر في ذاك صائرا"

إلى ماذا يصير. 

و "بَاطِنُهَا عِبْرَةٌ"، رزقنا الله الاعتبار والادّكار بالبصائر والقلوب المطهرة عن الأكدار.

نظمنا في سلك أهل الاستقامة، وأتحفنا بالمنن والمواهب والمزايا والكرامة، وجعلنا قرة عين لسيد الكونين والصالحين من عباده الذين هم قرة عين ولكل مؤمن، ووقانا الاسواء والادواء وكل بلوى في السر وفي النجوى، وعجل بتفريج كروب المسلمين، ودفع البلاء عن جميع المسلمين، وحوِّل الأحوال الى أحسنها، واختم لنا بالحسنى وانت راضٍ عنا.

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

01 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

11 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام