(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 23 ذي القعدة 1442هـ
الحكمة (77): "لَيْسَ اَلْعَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ.. وَجَدَ اَلْحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتِهِ، بَلْ اَلْعَارِفُ مَنْ لَا إِشَارَةَ لَهُ؛ لِفَنَائِهِ فِي وُجُودِهِ، وَانْطِوَائِهِ فِي شُهُودِهِ".
الحكمة (78): "اَلرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ، وَإلَّا.. فَهُوَ أُمْنِيَّةٌ."
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"فلما أنهى الكلام على ما تقدم.. أخذ في تبيين حالة العارف المحقق من غيره؛ ممن ينتمي إلى المعرفة دون حقيقتها، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (77): "لَيْسَ اَلْعَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ.. وَجَدَ اَلْحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتِهِ، بَلْ اَلْعَارِفُ مَنْ لَا إِشَارَةَ لَهُ؛ لِفَنَائِهِ فِي وُجُودِهِ، وَانْطِوَائِهِ فِي شُهُودِهِ".
ليس العارف المحقق، والعارف باسم التعريف هو هذا، وهو الذي ينطق عن وجود، ويشير عن شهود، قد انطوى في مشهده أعيان الوجود، واضمحلت لديه تعديدات الحدود؛ إذ الإشارة: حجابٌ عن الجمع الذي يذهب فيه ظهور الأغيار؛ لأن الإشارة والمشير والمشار إليه، فلا يخفى ما في ذلك من ظهور التفرقة، والبعد عن مقام الجمع الذي هو نعت العارف المحقق، والواصل المقرب.
كيف تكون له إشارة، أو إفصاح عبارة، وقد غاب عن وجوده، وفني عن شهوده، فانطوى واندرج ليل أفعاله، ونجوم علومه، وسائر أفعاله وأعماله وأوصافه، فتلاشت ذاته بظهور شموس المعارف من أفق الإحسان الذي تنطوي تحت ظهوره مقامات الإيمان ومعالم الإسلام، انطواء النجوم والأقمار عند ظهور النهار؟! فمن التحق ذاتًا ووصفًا وفعلًا بالعدم عند تجلي أسرار القدم.. فأين له الإشارة والإفصاح بالعبارة؟!
وفي اصطلاح الطائفة: أن الإشارة الإفصاح عمَّا يتضمَّنه الوجد؛ قولًا في الأقوال، وفعلًا في الأفعال، وحالًا في الأحوال، ومقامًا في المقامات؛ فمنهم من يجد المشار إليه قبل الإشارة؛ وهم العارفون، ومنهم من يجده مع الإشارة؛ وهم الواصلون إلى مبادئ المعرفة، ومنهم من يجده بعدها؛ وهم السالكون الآخذون في طريق السلوك ولم يصلوا بعد، ولي في ذلك:
إن الإشارة تفصح كلَّ منبهمِ *** من المعاني مكنون عن الغِيَرِ
والعارفون لهم من فوق ذا همم *** نالوا مقامًا خلي عن ذلك النظرِ
ومَنْ يكُنْ دون ما قلناه محتكمًا *** في حيطة العلم محبوسٌ فِي الصورِ
والإشارة على ضربين: إشارة حق؛ وهي: الإشارة إلى الحق بالحق.
وإشارةٌ مردودةٌ غير مقبولة؛ وهي: إشارة الخلق إلى الحق، لأنه يتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، إذ لا أين ولا كيف ولا لِم."
الحمد لله؛ ويتكلم الإمام ابن عطاء الله أن من تحقق بمعرفة الحق -جل جلاله- قلّت إشاراته لقوة أدبه ولفنائه ولعظمة شهوده، فلا يجد مجالًا لكثرة الإشارة والاعتداد بذاتٍ أو نفسٍ أو عبارة. يغمره شهود الحق -جل جلاله وتعالى في علاه- ويرى أنه المتفضل سبحانه، والمتعرِّف سبحانه، والمقرب والمعرف سبحانه وتعالى، فبذلك تكون إشاراته قليل، لأنه قد اضمحلت عنده أَنَوِيتُه وأنانيته، وذهب عنه "أنا"، وعلم حقيقة "هو"، فإلى ماذا يشير!..
فما هي إلا بلاغاتٌ عنه به.. إليه؛ ليبين حال العارف؛ غير العارف تجد من ما بين إشارة الباطل التي ذكرها وما بين دعوى.
عند العارف: تفضل، جاد، أكرم، سامح، عفى، أعطى ما لا نستحق، هذا العارف، وما عنده من هذا المعنى إشارة إلى الحق بالحق، إشارة بالحق إلى الحق نفسه.
ما هو بشيء من شؤون الخلق يشير به إلى الحق، هذه إشارة باطلة.
يقول: " لَيْسَ اَلْعَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ.. وَجَدَ اَلْحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتِهِ، بَلْ اَلْعَارِفُ مَنْ لَا إِشَارَةَ لَهُ"؛ يعني: هو حاضر، هو مشاهد، هو واصل، هو مغيّب قبل أن يشير، قبل أن يتكلم، دونه واصل؛ يجد مع الإشارة. دونه سالك.. يجد المشار إليه بعد الإشارة؛ يتأمل ويحاول يصل يعثر على المطلوب بعدين أو يجتمع فيما بعد، هذا سالك عاده، وذاك واصل يجده مع الإشارة، هذا من قبل الإشارة، ايش من إشارة؟ من قبل الإشارة هو حاضر، هو مشاهد، هو خاضع، هو خاشع، هو فانٍ.
"لَيْسَ اَلْعَارِفُ مَنْ إِذَا أَشَارَ.. وَجَدَ اَلْحَقَّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِشَارَتِهِ، بَلْ اَلْعَارِفُ مَنْ لَا إِشَارَةَ لَهُ" أقرب إليه سبحانه و تعالى من قبل الإشارة وبعد الإشارة ومن كل شيء، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، "لِفَنَائِهِ فِي وُجُودِهِ"؛ في وجود ربه -جل جلاله- لفنائه في وجود ربه. وجود الحق إذا استُحضِر معناه انتهى كل وجود، لأن الوجود.. السراج كبير إذا جاء، والشمعة فين يروح ضوئها؟ يريد يثبت ضوء الشمعة مع ضوء الشمس والسراج الكبير! يقول: خلك من الشمس، أين حقي الشمعة؟ إذا أشرق النور الكبير ضوءها تلاشى نهائيًا؛ وجود الخلق شمعة، لكن وجود الحق شمس. ايش بقاء الشمعة مع الشمس؟! لا إله إلا الله…
وبعدين يمشي في الطريق وضوء الشمس، وهو ماسك الشمعة يقول أمشي بشمعتي، أنا أستدل بضوء شمعتي يقول… يا مغفل ما عاد لها أصلًا ظاهر أي شيء من نورها، أنت تمشي في ظل الشمس، لكنه يقول: لا، مغرور بشمعته! وهكذا أكثر الناس، وهو الذي يهدي، وهو الذي يدل، وهو الذي يغني، وهو الذي يعطي جل جلاله.
يقول: " وَانْطِوَائِهِ فِي شُهُودِهِ". فيقول الشارح سيدنا الشيخ علي باراس: "ليس العارف المحقق" "العارف" إذا أطلق "باسم التعريف" هو المراد به "هذا الذي ينطق عن وجود ويشير عن شهود"؛ ينطق عن وجود الحق ويشير عن شهود الحق.
"قد انطوى في مشهده أعيان الوجود" الخلقي بظهور شمس الذات، "واضمحلت لديه تعديدات الحدود؛ إذ الإشارة: حجابٌ عن الجمع الذي يذهب فيه ظهور الأغيار"؛ وهي: الظلمات والحجب. "الإشارة والمشير والمشار إليه فلا يخفى ما في ذلك من ظهور التفرقة"، (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]. في هذا بُعد "عن مقام الجمع الذي هو نعت العارف" قال: "كيف تكون له إشارة، أو إفصاح عبارة، وقد غاب عن وجوده، وفني عن شهوده"، فإذا نطق: (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21]، قال الحق: "فبي ينطق". العموم كلهم ينطقون.
والأرسخ في هذا والأعظم من قال الحق عنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]، اللهم صل عليه وعلى آله.
يقول: "فانطوى واندرج ليل أفعاله، ونجوم علومه، وسائر أفعاله وأعماله وأوصافه، فتلاشت ذاته بظهور شموس المعارف من أفق الإحسان"، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60]، أحسن هو على قدره؛ فأحسن الرحمن إليه وكشف له عن حُجُب؛ ففنيَ في الرب فضلًا من الله عليه، الله أكبر.
قال "تنطوي تحت ظهوره مقامات الإيمان ومعالم الإسلام انطواء النجوم والأقمار عند ظهور النهار" فمَن شاهد الذي لا ابتداء لأوليّته، "فأين له الإشارة، والإفصاح بالعبارة"؟! بعد ذلك يقول: "الإشارة الإفصاحُ عمَّا يتضمَّنه الوجد؛ إما قولًا في الأقوال، وفعلًا في الأفعال، وحالًا في الأحوال، ومقامًا في المقامات"، هذا الإفصاح، "فمنهم من يجد المشار إليه قبل الإشارة؛ وهم العارفون"، هؤلاء الذي يقول ما لهم إشارة، لأنهم قبل أن يشيروا هم قد حضروا وهم قد شهدوا، "ومنهم من يجده مع الإشارة"؛ قال: "الواصلون إلى مبادئ المعرفة"، هؤلاء أطفال العارفين، ويجد المشار أقرب إليه من الإشارة، "و منهم من يجده بعدها؛ وهم السالكون"، عادهم سائرين في الطريق، يفكر ويجمع ويجمّع ويجتمع بعدين ويصل، "ولم يصلوا بعد".
إن الإشارة تفصح كلَّ منبهمٍ *** من المعاني مكنون عن الغِيَرِ
والعارفون لهم من فوق ذا هممٌ *** نالوا مقامًا خلي عن ذلك النظرِ
ومَنْ يكُنْ دون ما قلناه محتكمًا *** في حيطة العلم محبوسٌ في الصورِ
بعدين قال لك: "الإشارة" "ضربين": إشارة حق وإشارة باطل.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"ثم أخذ في بيان الرجاء الحق من الرجاء الباطل الصادق عليه بالأُمنيَّة، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (78): "اَلرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ، وَإلَّا.. فَهُوَ أُمْنِيَّةٌ."
الرجاء مقامً شريفٌ من مقامات السالكين، و حالٌ مرضيٌّ من أحوال الأبرار، و العلماء الأخيار، و تلتبس به حالة غارًّةٌ و خصلة ضارَّة تسمى الأُمنيَّةً، وهي تلبيسٌ على من لا علمَ عنده بطريق الرجال، ولا تحقيق بسنيات الأخلاق ورفيعات الأحوال، فيظن بجهله و يتخيَّلُ: أن الرجاء المحمود، و الخير الموعود.. هو الأمنيَّة الكاذبة، التي يتخذونها المفاليسُ من الأعمال عُدّة، فيعِدُون نفوسَهُم الأمارة بوسع الرحمة وعظمِ العفو مع ما هم مقارفوه من انتهاك المحارم، والتبذُّخ بالمآثم، والتظاهر بالجرائم، من غير مبالاةٍ بالجناب الإلهي، فيجعلون جنابه أهون الأشياء عندهم، ويقولون: نرجو حيث لم يؤاخذنا في الدنيا، ولا قطع عنا الرزق، وأنعم علينا بأصناف النعم، وألبسنا العوافي في الدنيا.. أن يكون لنا في الآخرة أحسن من ذلك و نحن عبيده، وهو يعطي الآخرة كما يعطي الدنيا، و ما شاكل ذلك من الأمانِيِّ و التغريرات الكاذبة، وما علموا أن الدنيا محلُّ التكديرات، و الآخرة مستقرُّ الراحات، وأصناف النعيم، فلم ينعَّم في دار التكدير غالبًا إلا من لم يؤهَّل للنعيم الأخروي، والسرور السرمدي.
والرجاء على الحقيقة: هو أن تمتثل الأمر ائتمارًا وانتهاء، و ترجو أن يتقبَّل ذلك منك، وأن يثيبك عليه كما وعدك بذلك ووعده الحق وليتك إذا امتثلت كما أُمرتَ.. تُقُبِّلَ منك.
ولك في حرث الدنيا مثل، يعرف ذلك من أرسل نظر الإعتبار، وحقَّق الإستبصار فلم تجد الأثمار، ومفتَّقات كمائم الأزهار إلا عند من اتخذ الجهد صاحبًا على ممر الأيام.
فإذا حان إبَّان أوقات الأمطار.. رجا أن يصيب أراضيه، فإذا أصابها.. رجا أن يخرج له صنوف الأثمار.
وأما من اتخذ البطالة له ديدنًا ثم رجا ما رجا صاحب الجهد في طول سنته.. فلا مرية أن ذلك اغترار، واستهانة بجناب الواحد القهار، أوَلَم يعلم المغرور أنه إذا لم يُجازَ في هذه الدار ببطالته إلا حسرةً وندامة، أيرى الآخرة أقل منها حتى يجازى فيها على بطالته غنى؟! أو يرى أن الذي يجزي في الدنيا غيرُ الذي يجزي في الآخرة؟! والله سبحانه يقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:39-41]، فَهَاهُنَا يحسن الرجاء.
وقد أطلق الذَّم على قوم اغترُّوا بالأعراض الدنياوية، و تمنَّوا المغفرة، فقال عزَّ من قائل: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) [الأعراف:169].
و قال ﷺ في وصف من أتبع نفسه هواها حيث قال ﷺ: " الكيِّسُ: مَنْ دانَ نفسَهُ وعمل لما بعد الموت، والأحمق: من أتبع نفسه هواها و تمنَّى على الله الأمانيَّ".
و قال عزَّ من قائل في وصف قوم جهَّال، توهَّموا أن العطاء الدنيوي دفع عنهم ما سيحل بهم من العقاب وأليم العذاب: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [سبأ:35]، فقال سبحانه ردًّا عليهم خطأهم، ورادعًا جهلهم وسوء رأيهم: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ) [سبأ:37].
ثم بيَّنَ أن نيل الكرامة والزلفى بالإيمان الجازم، والرأي الحازم، والعمل الصالح، فقال جلَّ ذكره: (إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا) [سبأ:37]، ولم يثبت الجزاء إلا في مقابلة الأعمال، وتصفية الأحوال بالإيمان، وتهذيب الأخلاق والأقوال والأعمال، فبيَّنَ لكل عاملٍ جزاء، ولكل عملٍ من جنسه ردًا، و لي في ذلك:
إن الرجا يبعث يبعث الطالِبْ على العملِ *** ويزعج السالك الصادقْ عن الكسلِ
فلا تظن الرجا تزوير مختدعٍ *** يدعو إلى فعل محظور من العملِ
لا إله إلا الله، اللهم ارزقنا حسن الرجاء وصدق الخوف منك يا حي يا قيوم.
يقول: "اَلرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ"..
هذا رجاء صحيح، فإذا كان يرجو رضوانه ويقع في مساخطه، يرجو معرفته ويبني أسوار الجهل والجهالة به، وحُجُب الظلام الصادّة عنه، هذا رجاء هذا؟! هذا أماني كاذبة ماهو رجاء. يقول: يرجو حصول الثمر له من دون أرض، كيف من دون أرض! عنده أرض بس من دون ثمر، كيف من دون ثمر كيف! عنده ثمر بس من دون سقي، كيف الرجا حقه ذا؟ مالك أنت؟ ترجوه لكن فين أصل الرجاء؟ فين أساسه؟ صلِّح الأرض وحُطّ الثمر واسق، وقل بيجي الثمر هذا رجاء صحيح.
"اَلرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ، وَالَّا.. فَهُوَ أُمْنِيَّةٌ"، أماني أماني هكذا من دون... قال أرجو بيت هنا ممتاز فيه خمسة طوابق، ماشاء الله طيب اشتريت؟ قال: لا، عملت يعني؟ لا.. اشتريت؟ قال بس خلاص خله رجاء أنت بس رجاء!.. هباء، هباء بس، هذا ما يكون رجاء هذا غفالة، حُمُق.. ما هو هكذا، ولكن بالعمل والسعي هذا الرجاء.
"اَلرَّجَاءُ مَا قَارَنَهُ عَمَلٌ، وَالَّا.. فَهُوَ أُمْنِيَّةٌ" . قال: "الرجاء مقام شريف من مقامات السالكين وحالٌ مرضيٌّ"، بل ما يصلون إلى الله إلا بصدق الرجاء، لكنه رجاء صحيح وبه الوصول إلى الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه.
تحت باب الرجاء وقفت بذلِّي *** …………
هذه هي أسباب العمل لنيل المرجو،:
…………..*** فأغثني بالقصد قبل المنية
والرسول الكريم باب رجائي *** …………
يقتدى به و يهتدي به وينطوي فيه..
والرسول الكريم باب رجائي *** فهو غوثي وغوث كل البرية
فأغثني به………………
"الرجاء مقامً شريفٌ من مقامات السالكين، و حالٌ مرضيٌّ من أحوال الأبرار، و العلماء الأخيار"، اللهم حققنا بحقائقه، اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمن سواك، حتى لانرجو أحدًا غيرك.
"وتلتبس بحالة غارة وخصلة ضارة"، يعني تغر وتضر، "تسمى الأمنية"، وإياكم والأماني فإن أماني المغفرة لعبت بأقوام حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، "والأحمق" العاجز: "من أتبع نفسه هواها و تمنَّى على الله الأمانيَّ". لكن اقبل، قم بالواجب، تعرض للنفحات وارجُ، صحِّح لك رجاء، من خلال حضورك هذه المجالس وأعمال الدورة اعمل عليها؛ ترجو بها تزكية، تنقية للباطن، ترجو بها قربًا من الحق، ترجو بها صلةً بمحمد ﷺ، ترجو بها ذوقًا… قم بحقها وامشِ الطريق قدامك، والرجاء يكون صحيح ما يخيب الله رجا الراجي.
لكن ما ترجو وبعدين تروح كذا وتروح كذا وتغفل عن مهماتك وواجباتك في الأعمال! قم بحقها، وأدِّ واجبك نحوها، يهبك الله فوق ما ترجو، وعادته من صدق في الرجاء فيه ما يعطيه مايرجو؛ يعطيه فوق ما يرجو، ما حد رجاه بصدق وبعدين أعطاه نفس اللي رجاه، كلهم أعطاهم فوق اللي رجوه، ولا واحد صادق في رجائه إلا وأعطاه فوق مُناه وأعظم مما رجاه، هذه سنته تعالى. فنِعم الرجاء في ربك جل جلاله.
وكل العوائق والقواطع اللي معك شأنها حقير إذا التجأت إلى القدير، الكبير، القوي، القهار جل جلاله، الثانية كلها حقيرة، بس التجأ إلى الكبير القوي، أنت من دونه ما تقدر على شيء ولا تساوي شيء، لكن به يهون كل شديد، ويقرب كل بعيد، ويسهل كل عسير، نِعمَ العلي القدير، الله أكبر.
وأما هؤلاء المغرورون يجعلون جناب ربهم "أهون الأشياء" -والعياذ بالله- "عندهم، ويقولون نرجو" ويغترون، يقول: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) [الكهف:36]، هو قال لك على لسان رسوله أن الذي يحصّل هذه الأموال يحصّل في الآخرة أحسن منها؟ هو قال لك كذا؟ من أين جبت الكلام هذا؟ الحكم من أين جئت به هذا؟ وأنت حتى هذه الحقيرة اللي بتفنى وفيها أحزان أيضًا ما حصلتها إلا بجهد، وتعب منك، وعادك بغيت الجزاء الأكبر هناك من دون تعب؟! ومن دون ما تجتهد من أجله؟ يا أبله يا بليد! حتى الحقير ذا ما جاك إلا بجهد وبتعب، والعظيم الكبير ذاك بغيته ببلاش؟! رب الدنيا والآخرة، ما هو ضحكة ولا لعبة هذا.. قوي قدير؛ أحسِن طلبه، وامتثل أمره، يعطيك من خيره جل جلاله وتعالى في علاه.
ولهذا قال: "الرجاء على الحقيقة: هو أن تمتثل الأمر ائتمارًا وانتهاء، و ترجو أن يتقبَّل ذلك منك، وأن يثيبك عليه كما وعدك بذلك ووعده الحق" الله أكبر، وليت كل من عمل تُقبِّل منه، سيدنا إبراهيم يرفع القواعد هو وولده إسماعيل ويلحّ: ربنا تقبل منا، (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ)، ونحن بنجلس هذه الجلسات وبنحضر هذه المحاضر بنقول: ربنا تقبّل منّا إنك أنت السميع العليم وتُب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:127-128]، و قد أراهم المناسك وقامت، ونحن هذا إذًا؛ يرينا مناسكنا فيها ونتائجها وأحوالها فينا وفيمن يحضر وفيمن يسمع، (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:128].
"ولك في حرث الدنيا مَثَل"، ما يحصلونه إلا بأتعاب ومشاق، "ومن اتخذ البطالة ديدناً"، و "رجا ما رجا صاحب الجهد"، وهو طول السنة ما صلّح شيء، وذاك حفر الأرض وجاب التراب الطيب وجاب البذر وبَذَر، وذا ولا صلّح شيء، وقال: أنا مثله، هو يرجو وأنا أرجو! قل له ما أنت مثله، هو عمل وأنت ما عملت، من قال انك مثله؟ قال: ليش؟ ما أنا آدمي مثله! نعم آدمي مثله، والأوادم كلهم سواء؟ آدمي في الجنة وآدمي في النار، وآدمي خيّر وآدمي شرير، كلكم أوادم لكن واحد خيّر وواحد شرير، واحد صالح، واحد.. واحد عاقل، واحد مجنون، وكيف بغيتهم سواء كلهم؟ كلهم أوادم ولكن أعمالهم ما هي سواء، (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم:11]، لا إله إلا الله.
و"أطلق" الحق "الذَّم على" من "اغترُّوا بالأعراض الدنياوية" "(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) [الأعراف:169]"، لاحول ولاقوة إلا بالله! والحديث كذلك جابه: "الكيِّسُ: مَنْ دانَ نفسَهُ وعمل لما بعد الموت، والأحمق: من أتبع نفسه هواها و تمنَّى على الله الأمانيَّ". كما جاء في رواية الترمذي وابن ماجه "وتمنَّى على الله" فقط. وفي رواية الديلمي: "الأمانيَّ".
وهؤلاء المغترين وصل بهم الغرور إلى أن يظنوا أن مالهم هذا سيدفع عنهم عذاب الآخرة! من قال لكم؟ الله أنزل شيء أنه من عنده مال ما أعذبه؟ يقولون: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [سبأ:35]، من أين جاء أن من عنده مال وأولاد ما يُعذَّب؟ أنزل الله فيها شيء؟ من أين جئتوا بهذا الخبر؟ ايش الحكم ذا؟ من عند من؟ من عند المفلس، مفلسين أصحاب مفلس.
وهكذا بين الزلفى والكرامة لديه ما هو بالأموال والأولاد، (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ:37]. اللهم اجعلنا منهم.
إن الرجا يبعث الطالِبْ على العمل *** ويزعج السالك الصادقْ عن الكسلِ
فلا تظنّ الرجا تزوير مختدعٍ *** يدعو إلى فعل محظور من العملِ
اللهم حقق رجاءنا فيك، واملأ قلوبنا برجائك، واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدًا غيرك.
يصلحنا به ﷺ، ويتولانا به، وارعانا به، ثبتنا على دربه، ويسقنا من شربه، ويجعلنا في حزبه، ويحمنا به من الآفات والعاهات، ويفرج كروب أمته، ويجعلنا في أسعد أمته به، وأبرك أمته على أمته، وأنفع أمته لأمته، وينفعنا بأمته عامه وبخاصتهم خاصة وأن يدفع البلاء عنهم ويبارك لنا في الإسلام والمسلمين، والإيمان والمؤمنين، والإحسان والمحسنين، والمعرفة والعارفين.
يثبتنا أكمل الثبات، ويرقِّنا أعلى مراتب الصدق معه الإنابة والإخبات، وأعلى مراتب رجائه الصادق القوي الصحيح، وأن يقذف في قلوبنا رجاءه ويملأ قلوبنا برجائه، ويقطع رجاءنا عمن سواه حتى لا نرجو أحدًا غيره، ويملأ قلوبنا بخوفه وخشيته، ويقطعها عن خوف غيره، ويسلك بنا مسالك من ارتضى واجتبى في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 ذو القِعدة 1442