(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 20 ذي القعدة 1442هـ.
الحكمة (74): "مَتى رَزَقَكَ الطَّاعَةَ وَالْغِنَى بِهِ عَنْهَا.. فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا."
الحكمة (75): "خَيْرُ مَا تَطْلُبُهُ مِنْهُ .. مَا هُوَ طَالِبُهُ مِنْكَ".
الحكمة (76): "اَلْحُزْنُ عَلَى فُقْدَانِ اْلطَّاعَةِ مَعَ عَدَمِ اْلنُّهوضِ إِلَيْهَا.. مِنْ عَلَامَةِ اْلِاْغْتِرَارِ".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
الحكمة (74): "مَتى رَزَقَكَ الطَّاعَةَ وَالْغِنَى بِهِ عَنْهَا.. فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا"
متى رزقك أيها الطالب والمتعبد الآيب الطاعة؛ وهي كل أمر محبوب موافق مرضى، والطاعة: رزقُ القلوب، ورزق الأرواح: مشاهدة المحبوب، ورزق الأسرار: الاستغراق فى متلاطمات بحار الأنوار، ورزق النفوس: بمستلذات الأطعمة.
والطاعة: هي رزق القلوب السماوية، والنفوس الزكية، والطعام: رزق النفوس الأرضية الحيوانية، ومتى رزقها ورزقك الاستغناء به - وهو رزق الأرواح - هو الاستغناء به عن كل شيء؛ لإقبالها عليه دون كل شيء، وهو الفناء به عن الأشياء، وهذا هو العبادة الظاهرة؛ أي: الطاعة، والاستغناء به هي العبودية باطنًا، وهذا المطلوب من العبد؛ أن يكون قائمًا لله ظاهره بما يقتضيه الأمر ظاهرًا، فانيًا عنه باطنه بما يقتضيه الحق باطنًا؛ فإذا كان كذلك .. فقد أكمل الله عليه نعمته وأسبغها، وأفاض عليه منته وأوسعها، ومع العلم بذلك يكون له شاكرًا، ولآلائه ذاكرًا، فيستحق المزيد مما لديه، ومع الجهل بذلك ربما ينسى الشكر على هذه النعم الجليلة، ولا يذكر هذه المنن النبيلة، فيتعرض لسلبها، ولي في ذلك:
رزق القلوب في الطاعات يعرف ذا *** من كان ذا قلب للعلياء مخطوبا
متى رزق ذاك فليعلم بأن إذا *** ما قام بالشكر صار الخير مجلوبا
وهذه من أجل نعم الله على عبده، حيث أقامه في عبادته، واختاره لخدمته، وشغله به عن رؤيته، فكان لله ظاهرًا وبالله باطنًا، وهذا هو مطلب الصفوة الأخيار، والنجباء الأبرار؛ لأن خير ما عندهم أن يقيمهم في خدمته، ويسلمها عن الآفات القادحة فيها.
ومن كان حاله الاستغناء بالله عن الأشياء.. فقد سلمت عبادته وتمت استقامته".
الحمدلله..
عباراتهم شتى وحُسنك واحد *** وكلٌّ إلى ذاكَ الجمال يُشير
الشيخ يتكلم بالحكمة عن نفس الميزان الذي نتحدث عنه ونفس المعنى الذي نقول فيه، يقول: "مَتى رَزَقَكَ" ربك "الطَّاعَةَ وَالْغِنَى بِهِ عَنْهَا.. فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا"، يعني: أنت سعيد وأنت رفيع وأنت شريف وأنت محظوظ، إذا كان في عالم الحياة القصيرة هذه، الدنيا، سيّرك في طاعته، وشغلك بطاعته، ووفقك لطاعته، وعَمَر عمرك بطاعته، وإقامة المجالس هذه والدورات لعمارة العُمر، ولتكون مفتاحًا لعُمر العُمر كله، فتعمر عمرك بالاستغفار في الأسحار، تعمر عمرك بصلاة الجماعة، تعمر عمرك بقراءة القرآن، تعمر عمرك بتعلم الشريعة، تعمر عمرك بالتآخي في الله تعالى والتحابب مع الإخوان، هذه عمارة للعمر؛ هو ذا الذي يخرب علينا يروح يروح، ماعمارته إلا بهذا!.
فإذا رب العالمين وفقك لطاعته، ومع توفيقه إيّاك للطاعة سلَّمك من قوادحها ومن محبطاتها ومن آفاتها، فلم تلتفت إليها ولم تعجب بها ولم تتكبر بها ولم تغتر بها ولم تستند إليها، ولكن اغتنيت به وقلت: ربنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميع العليم وتُب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم؛ فاعلم أنه أسبغ عليك نعمه ظاهرًا وباطنًا، أنت محظوظ وأنت في خير كبير وفوزٍ بهذا التوفيق، فاسأله دوام ذلك والثبات عليه حتى يختم لك به، لأنه من الخذلان أن تظن أن هذا ملك لك وحق لك وخلاص.. بل يجب أن تخاف تَغَيُّره، وتسأله الثبات، وأن يديم عليك ذلك، وأن يتوفّاك عليه.
فإذا كنت كذلك، لست مستغنيًا بطاعتك، كما من باب أولى لم تستغن بعقلك ولا بعلمك ولا بأصحابك ولا بقبيلتك ولا بحكومتك ولا بشهادتك ولا بشطارتك ولا بذكائك، لست مستغنيًا بشيء من هذا، لكن به هو، معتمد عليه؛ فأنت تقوم بالطاعة لا معجب بها ولا راكن إليها، ولكن فرِح بفضل الله أن وفقك لها، وسائلًا منه أن يقبلها منك؛ إذًا فقد غذّى سبحانه وتعالى وعَمَر جسدك ونفسك، وعَمَر قلبك وروحك وغذَّاها، أسبغ عليك نعمه ظاهرًا وباطنًا، الله أكبر!.
"متى رزقك أيها الطالب والمتعبد الآيب"؛ أي: الراجع "الطاعة"، أعطاك الطاعة وهي خير ما عُمرت به الأعضاء والجوارح؛ الأعين والألسن والآذان والأيدي والبطون والفروج والأرجل، خير ما عُمِرت به طاعة الله، إذا رزقك الطاعة، "وهي كل أمر محبوب موافق مرضي"، وهذه الطاعة قال: "رزقُ القلوب"، تعمر بها الجوارح، "ورزق الأرواح: مشاهدة المحبوب" الذي وفقك، الذي خلقك وخلق الطاعة وأقدرك عليها وسيَّرك فيها هو جل جلاله، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
"ورزق الأرواح: مشاهدة المحبوب"، ثم وراء الأرواح.. قلب وروح وسر من وراءه "ورزق الأسرار: الاستغراق فى متلاطمات بحار الأنوار، ورزق النفوس" والأبدان "بمستلذات الأطعمة"، وهذه يستوي فيها البَرّ والفاجر، مع استواء البَرّ والفاجر فيها، الذي يحصل بيد البَر منها ولو كان يسير، ولو كان قليل أو كان كثير، وإن كان يابس أو رطب، الذي يحصل في يد البَر منها تقترن به حلاوة أخرى معنوية وطمأنينة ما يحصّلها ذاك الفاجر في ألذ عيشه، حتى في هذا... قد يكون هناك نوع أطعمة وأشياء ومسميات كثيرة، لكن ما عنده د الذوق الذي عند هذا، والطمأنينة والفرحة التي عند هذا، سواء كان كِسرة أو أُرغد عليه في عيشه، يذوق معه مذاق آخر ما يحصله ذاك الفاجر؛ إذًا، فالرزق لهؤلاء الأخيار:
استغراق!.. معك من أي الأرزاق؟ أما حق النفس هذا، حتى اليهود معهم، حتى الملحدين معهم، حتى أبعد الخلق عن الله معهم يعطيهم، قال سيدنا إبراهيم في دعائه: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ) [البقرة:126]، الرزق هذا؛ الثمرات هذه سأعطيها كل واحد؛ مؤمن وكافر، صالح وطالح، خيِّر وشرير، تقي وفاسق، كله يعطيهم، الرزق هذا الظاهر يعطيه الكل، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6].
يقول: "والطاعة: هي رزق القلوب السماوية، والنفوس الزكية، والطعام: رزق النفوس الأرضية الحيوانية، ومتى رزقها ورزقك الاستغناء به - وهو رزق الأرواح - هو الاستغناء به عن كل شيء" -والاعتماد عليه وحده- "لإقبالها عليه دون كل شيء، وهو الفناء به عن الأشياء، وهذا هو العبادة الظاهرة؛ أي: الطاعة، والاستغناء به هي العبودية باطنًا، وهذا المطلوب من العبد؛
فهو قائم لله بالله، قائمٌ لله في ظاهره بظاهره، قائم بالله بباطنه، "فإذا كان كذلك.. فقد أكمل الله عليه نعمته وأسبغها، وأفاض عليه منته وأوسعها"، يا رب أنعم علينا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
"ومع العلم بذلك يكون له شاكرًا، ولآلائه ذاكرًا"، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. "فيستحق المزيد مما لديه"، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]، وإذا نسي الشكر وما ذكر هذه المنن، تعرّض لسلبها، فالله لا يسلب علينا نعمة أنعم بها علينا، ويزيدنا من فضله ما هو أهله.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
الحكمة (75): "خَيْرُ مَا تَطْلُبُهُ مِنْهُ .. مَا هُوَ طَالِبُهُ مِنْكَ"
خير مطلب للعبد من الله: أن ينال رضا سيده، ورضاه متعلق بطاعته بشرط سلامته عن محبطاتها، فليكن العبد لذلك مراعيًا في جميع أحواله وأعماله وأقواله؛ لينال رضا ربه، ورتبة القرب منه، التي إليها تطاولت أكابر الأنبياء، وسادات المقربين الأصفياء، وكل مطلوب دون ذلك فهو مشوب وموسوم بالحظ، ولأن يطلب العبد حق مولاه الذي هو العبادة ظاهرًا والفناء عن الأوصاف والأحوال والأعمال باطنًا.. أولى به، وأتم له من أن يطلب ما لا يدري عاقبة أمره، ومصدر ورده، أفيه الخير أم لا؟
وإذا كان فانيًا عن اختياره، قائماً بأمر الله.. تولى الله رعايته، واختار له ما هو الأصلح في أفضل الأمور، فلا تعلمه بما يصلحك، وقم له بما أمرك.
واعلم: متى كنت كذلك.. كنت من العبيد الأدباء، فيصلح من يكون حاله ذلك أن يكون من أخصِّ الوزراء، فيدعى لذلك المقام، ويخطب ويحظى، ويزداد في الملأ الأعلى ذكرًا.
ومن كان مشتغلًا بحظه، غافلًا عن سيده، منازعًا له في تقديراته، ومشاركًا له في تدبيراته.. فيوشك أن يُبعد عن الحضرة، ولا يثبت له في ديوان الوزراء اسم، ولا يرفع له هناك ذكر، بل يدخل في غمار العوام، والجهّال الطغّام، إلا أن يستأنف المقام، ويعود يقتدي بإمام ذي مقامٍ تام، فيُرجى أن تستقيم أحواله، وتهذَّب أخلاقه، وتصفو أعماله.
فأحسن ما طلب الأدباء، واشتغل به النجباء: قصر الطلب على ما هو مطلوب الحق منهم، فكانوا يستعيذون من أن يكون طلبهم لمقتضى حظوظهم العاجلة، بل كل هِممهم متعلقة بتصفية عبوديتهم لله وخائفون من كل قادح يقدح فيها؛ خوفا منهم ألا يُتقبل منهم، فأكبر مثوبة لديهم قبولها منهم، وغيبتهم عن رؤية ما منهم، فهم مطالبون نفوسهم لله على ممر الأنفاس، متبرّئون عن الحول والقوة في الأفعال والأقوال وسائر الأحوال، لا يشغلهم هم ما هو آت، ولا تدبير ما لا يؤمرون بالتدبير فيه، بل هم وقوفٌ على مقتضى ما أبرزه الوقت، يقومون بمقتضى ذلك من العبادة، لا يلتفتون إلى ماضٍ ولا مستقبل.
ولي في ذلك:
اطلب من الله توفيقًا لخدمته *** فخـيـر مــا يطلب أن يرضاه مولاه
وكن بحقه وأشهد سبقَ مِنَّتهِ *** ولا ترى في جميع الكون إلاه"
جل جلاله وتعالى في علاه.
"خَيْرُ مَا تَطْلُبُهُ مِنْهُ"؛ من ربك جل جلاله، كلنا لنا مطالب وكلنا نطلب من ربنا مطالبنا، فهو الذي بيده تحقيقها لا بيد غيره سبحانه وتعالى، فماذا نطلب من الله؟
علّمنا طلبات ودعوات في الكتاب العزيز والسنة الغراء، لكن يقول لك: خير شيء تطلبه من ربك وتسأله وتدعو به، "مَا هُوَ طَالِبُهُ مِنْكَ"، كيف؟..
تعترف بأنك حريص على تنفيذ أمره، وأنك عاجزٌ عن القيام بذلك إلا به، فترجع تطلبه منه، تقول: أمرك الذي أمرتنا به أعنا عليه وفقنا له، أنت طلبت مني الإيمان؟ يا رب أعطني الإيمان، طلبت مني التقوى؟ يا رب أعطني التقوى، طلبت مني الإخلاص؟ يا رب أعطني الإخلاص، طلبت مني الزهد في الدنيا؟ يا رب أعطني الزهد في الدنيا.
الذي طلب منك؛ طلب الصدق، طلب منك الخضوع، طلب منك حقيقة العبودية، اطلبها منه، هذه الأشياء التي شرعها لك وأمرك بها، قل: نعم يا رب، هذا هو الخير بلا مرية، ولكن لا قوة لي إلا بك، وأنا أرغب بكل ما تؤتيني من قوة واجتهاد أن أحقق ذلك، لكن أعنَّا من عندك أنت، وإذا ما أعنتنا لا أنا ولا اجتهادي لا بنقدر نصلح شيء ولا بنصل إلى مكان، فأعطني الإسلام والإيمان والإحسان والمعرفة والإخلاص والصدق ونقاء القلب والتواضع والإنابة والخشية والاستقامة وذكرك وشكرك وحسن عبادتك ودوام متابعة نبيك محمد ﷺ، كل شيء تحبه مني أعطن إياه، فتكون بذلك عبدًا عرفت عبوديتك وأحسنت الطلب من معبودك جل جلاله، فيكون سبب للرضا عنك.
"خير مطلب للعبد من الله: أن ينال رضا سيده، ورضاه متعلق بطاعته بشرط سلامته عن محبطاتها، فليكن العبد لذلك مراعيًا في جميع أحواله وأعماله وأقواله"، نقوم بالطاعة ونحذر من محبطاتها ونسأل الحق توفيقنا لذلك وتخليص قلوبنا وأعمالنا من الشوائب، لننال رضاه "ورتبة القرب منه" تعالى في علاه، وإليها همم ورغبات الأنبياء والمقربين الأصفياء والملائكة، كلهم يرغبون في هذا؛ فارغب فيما رغب فيه النبيون، ورغب فيه الملائكة المقربين والصديقين.
واحذر أن تقتصر رغباتك فيما يرغب فيه الفساق والمجرمون؛ ديار يرغبون فيها مثلك، ثياب هم يرغبون فيها كما أنك ترغب فيها! ماذا تريد؟ ماذا تريد؟ يعني خبرة.. هم يرغبون فيها أيضًا! لكن فيه رغبات خاصة مع النبيين، مع الملائكة والصديقين، شاركهم فيها، اجعل رغبتك من هذه الرغبات شاركهم فيها؛ وأما هذه الرغبات الثانية الفساق في الأرض يشاركونك فيها وينازعونك عليها، رغبات هم يرغبون فيها كما ترغب فيها وأكثر، فاجعل لك رغبات من رغبات النبيين والصديقين والملائكة.. يرغبون في القرب من الحق عز وجل، يارب قربنا إليك زلفى.
"وكل مطلوب دون ذلك فهو مشوب وموسوم بالحظ"، لك غرض ولك حظ فيه تتصوّره، فإذا طلبت حق مولاك، خير من أن تطلب حظ نفسك، ولا تريد منه العافية إلا للطاعة، ولا تريد منه الرزق إلا للعبادة.
"وأتم له من أن يطلب ما لا يدري عاقبة أمره"؛ أن يطلب ما فيه قربه من ربه.
"وإذا كان فانيًا عن اختياره، قائماً بأمر الله.. تولى الله رعايته، واختار له ما هو الأصلح في أفضل الأمور، فلا تعلمه بما يصلحك" هو أعلم، "وقم له بما أمرك"، وهو أعلم بما يصلحك وأعلم بما هو خير لك، وما قد وَكَل أحدًا من الصادقين معه والمتوجهين إليه ولا خذله أبدًا، بل هو معهم، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة:194]؛ ولذا تجد العواقب لهم حتى في الدنيا قبل الآخرة، النهايات لهم، العواقب لهم، النصر لهم، وهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت… أكبر وأكبر! (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) فين؟ هنا وهناك.. (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:51-52] .
"متى كنت كذلك.. كنت من العبيد الأدباء"؛ عبد أديب! والعبد الأديب يكرمه السيد ويحبه، ويمكّنه في مملكته، إذا كنت كذلك، يجعلك من الخلفاء، من الوزراء لأنبيائه والمقرّبين إليه، يكون وزيرًا لهم في الخير. هذه وزارة وإذا ثبَّتَك فيها نعمة كبيرة، ما حد يملك بعدين يصلِّح انتخاب ويخرجك، يقول حقك المدة انتهت اسرح وروِّح!.. اصدق معه، وهو يوظفك فيها طول العمر، وفي الآخرة مكانك مستمر! لا إله إلا الله.
"ويزداد في الملأ الأعلى ذكرًا" فلان، فلان، فلان.
لكن الذي يعيش في الدنيا: "مشتغلًا بحظه"؛ حظ نفسه، "غافلًا عن سيده، منازعًا له في تقديراته، ومشاركًا له في تدبيراته.." لماذا؟ لماذا؟ كيف ولماذا؟ "فيوشك أن يُبعد عن الحضرة، ولا يثبت له في ديوان الوزراء اسم، ولا يرفع له هناك ذكر، بل يدخل في غمار العوام، والجهال الطغّام، إلا أن يستأنف المقام، ويعود يقتدي بإمام ذي مقام تام، فيرجى أن تستقيم أحواله"، (وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ) [الأنفال:19] كما قال الحق تبارك وتعالى.
"فأحسن ما طلب" العباد "الأدباء، واشتغل به النجباء: قصر الطلب على ما هو مطلوب الحق منهم"؛ هذا المطلوب حقك مطلوب لنا، "فكانوا يستعيذون من أن يكون طلبهم لمقتضى حظوظهم العاجلة، بل كل هِممهم متعلقة بتصفية عبوديتهم لله"، عليهم رضوان الله، "لا يشغلهم هم ما هو آت، ولا تدبير ما لا يؤمرون بالتدبير فيه".
اطلب من الله توفيقًا لخدمته *** فخـيـر مــا يطلب أن يرضاه مولاه
وكن بحقه وأشهد سبقَ مِنَّتهِ *** ولا ترى في جميع الكون إلاه"
رضي الله عنه، إلى أن قال:
"فإذا علمت شرف القيام بالخدمة، وانقطاعها عنك بعوارض الأقدار. فدليل الصدق: الحزن على فواتها، كما يحزن كل محب على فوات محبوبه، وعلامة الحزن: الحثُّ على النهوض، وتلافي بقية الوقت ما أمكن، وإذا لم ينهض الحزن على النهوض ويحث على التلافي فهو الحزن الكاذب؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (76): "اَلْحُزْنُ عَلَى فُقْدَانِ اْلطَّاعَةِ مَعَ عَدَمِ اْلنُّهوضِ إِلَيْهَا.. مِنْ عَلَامَةِ اْلِاْغْتِرَارِ"
الحزن: هو تألم القلب إما لفوات محبوب، أو خوف مرهوب، والحزن على فوات المحبوب أظهر.
وكل ما يوصل إلى المحبوب ويرضي المحبوب.. فهو محبوب، والطاعة أقرب وسيلة إلى رضا الله سبحانه فكانت محبوبة؛ إذ هي وسيلة إلى رضا المحبوب، فلذلك يحزن المحبون على فواتها ويغتبطون بوجودها، فإذا وجد الحزن ولم ينهض إلى الإتيان بها.. فدل ذلك على أنه حزن كاذب، ولو كان صادقًا.. لبادر المهل، وشمّر في تلافي المطلوب.
وإذا كان حزن وبكى من غير نهوض إلى الإتيان بالأوامر والانزجار عن النهي .. فذلك علامة الاغترار، ودليل المكر من الله، وهو حزنٌ كاذب، وهو بكاء المغرورين، فإذا مُنِع ما ينفعه وأُعطيَ ما يغتر به فلا مرية أنه محروم.
وأما الحزن الذي يبعث على النهوض .. فهو من أشرف أحوال السالكين، وأحسن سمات المريدين، كيف والقلب إذا خرج منه الحزن خَرِب؟!
والحزن من علامات الخائفين، وشعار العلماء والزهّاد، ودثار الناسكين والعُبَّاد، ولليلة من حزين تعدل قيام أعوام من الفرحين، أهل الرفاهة المترفين، المطمئنين إلى زهرة الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن التعلق برب العالمين؛ إله الأولين والآخرين.
وحكاياتهم في ذلك كثيرة، وأحوالهم فيها شهيرة؛ كما يروى عن بعض زهاد هذه الأمة وأحبارها، كالفُضيل بن عياض ومن حذا حذوه ونحا نحوه، يقال إنه لم يرى ضاحكا أربعين سنة.
ولا أحق بالاتباع وأوصل لمريد الانتفاع من الاقتداء برسول الله ﷺ، فمن شمائله أنه متواصل الأحزان دائم الفكر. ويقال إنه إذا أحب الله عبدًا نصب في قلبه نائحةً من الحزن، وإذا أبغضه نصب في قلبه مزمار من الضحك، ويروى أن الله يحب كل قلب حزين. ولي في ذلك:
الحزن حالة أرباب السلوك ومن *** خلي عن الحزن يحرم كل مطلوب
إن قارن الحزن عزم فهو بغية من *** يطلب إلى الله في الأحوال مرغوب
فلما أنهى الكلام على ما تقدم.. أخذ في تبيين حالة العارف المحقق من غيره؛ ممن ينتمي إلى المعرفة دون حقيقتها."
"اَلْحُزْنُ عَلَى فُقْدَانِ اْلطَّاعَةِ مَعَ عَدَمِ اْلنُّهوضِ إِلَيْهَا.. مِنْ عَلَامَةِ اْلِاْغْتِرَارِ"، والآن أمامنا:
الحزن إذا كان على فوات الطاعة أو على الوقوع في المعصية، فهو الحزن الذي يؤدي إلى السعادة، إذا كان الحزن اهتمامًا بأمر الله، لإصلاح الأمة، لجمعهم على الحق، لإبعاد السوء عنهم؛ هذا الحزن من أعظم المقربات إلى الله، هذا حزن الأنبياء.
وهذا الحزن من شأنه أن يقترن به في الدنيا حلاوة إيمان، وأن تُحمى ساحة أصحابه من الأحزان، من عند الغرغرة إلى الأبد ما عندهم حزن أبدا: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:62]؛ لأنهم صرفوا حزنهم واهتمامهم لما يحب منهم، فكفاهم الأحزان كلها، حتى وهم في الدنيا لو نزلت أي نازلة وقت المصيبة، ما لهم الحزن المقلق والمتعب الذي يقع على غيرهم، سمعت؟! لطف الله يحيط بهم، لأنهم صرفوا حزنهم إلى أمره فكفاهم كل حزن جل جلاله.
نحن نريد خلال هذه الأيام نصدق في حزننا على ما فاتنا من الخيرات، وعلى ما وقعنا فيه من السيئات والمخالفات والتقصيرات؛ لكنه حزن مع نهوض، ننهض، البرنامج قدامنا، الجماعات قدامنا، والمجالس قدامنا، والحمد لله.. والفرصة أمامنا، أخوة في الله، وتروّح بروح الله، والتعاون على طاعة الله، وقيام في الليل، وصلاة جماعات، واستغفار بالأسحار، الله أكبر!.. هذا نهوض، حزن مقرون بالنهوض.
وحزن على حال الأمة وما وصلت إليه، هذا الشتات، هذه الغفلات، هذه الجهالات، هذه الحروب، هذه القتالات، هذا الانكشاف في التبعية لأعداء الله، هذه الإضاعة لأوامر الله، هذه الجهالة، هذه الغفالة، لعب أيدي الكفار بالمؤمنين، حزن يحزن له المؤمن.
والانتهاض: دمعات من عينك، سؤال من ربك: أصلح أحوال الأمة، فرج عن الأمة، اكشف الضر عن الأمة، وتَوَجُّه في وقت السحر، في أوقات الدعوات في المجالس وقت الذكر: يا رب فرج كرب الأمة، بعد كل صلاة، ترتفع أيادي قليل أن تجتمع بعد كل صلاة مثل هذا العدد في أكثر مساجد البلدة والوادي ونواحيها، أيادي ترتفع معهم من أيادي الملائكة والروحانيين كثير، إذا دعوا، ادعُ ربك، اسأله وقل: للأمة يا رب اكشف غمتها، ادفع ضرها، اجمع شملها، ارفع البلاء عنها.
أرسل لنا بلاء بسببه قُفِلت مساجد، بسببه بُطِّلَت جُمعات، بسببه قل الحجاج والزائرون، الله يرفع ذا البلاء وجميع الآفات ويكون لنا بها هم، نحمل هذا الحزن ونطلب، نحسن الطلب من الله تعالى خصوصًا ما طلبه منا؛ حتى كل واحد منكم يلحّ على الله في هذه الأيام أن يكون باقي عمره في مرضاته، إن راح في دراسة، وإن راح في وظيفة، وإن راح في مهنة، وإن راح في حرفة، وإن راح في أي شيء من شؤون الحياة، يكون قصده الله، ومراده الله، متقي الله في أمره، ومسخر لمواهبه وقدراته في نصرة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فنطلب هذا من الله -جل جلاله- فلا بد نحسن الطلب ونصدق في الحزن الذي به كشف الكرب، نتحسس من يوسف وأخيه… نتحسس من حقائق الصدق مع الرب، ونحاول نقرب منه، نتحسس من تفريج كرب الأمة وجمع شملهم من خلال هذه الوجهات وهذه النيات وهذه المقاصد.
"وكل ما يوصل إلى المحبوب ويرضي المحبوب.. فهو محبوب، والطاعة أقرب وسيلة إلى رضا الله سبحانه فكانت محبوبة؛ إذ هي وسيلة إلى رضا المحبوب"؛ محبوبنا إلهنا الذي بيده أمرنا وإليه مرجعنا، فنحزن على فواتها، ونفرح بوجودها من حيث توفيقه وإحسانه ونرجو القبول.
فلا بد من وجود الحزن مع الانتهاض، فإذا ما حصل الانتهاض فهو علامة اغترار ومكر من الله والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ما بعثك على النهوض.. "فهو من أشرف أحوال السالكين".
وسيدنا محمد "متواصل الأحزان"، عنده اهتمام بأمر الرسالة والنبوة والأمة وأحوالها وشؤونهم؛ حتى في حالة أطيب الساعات وأشرفها وألذّها له في مناجاة الحق سبحانه وتعالى في خلوته في السحر يقول: أمتي أمتي من بعدي، ويبكي لهم ﷺ، إلى أن ينزل عليه جبريل ويقول له: يقول لك الله: "إنّا سنُرضِيكَ في أُمَّتِكَ".
حصّلنا نبي ما مثله نبي ﷺ، ووقعنا به خير أمة فاغنموا، نحن لن نعيش في الحياة الدنيا إلا هذه الفترة التي حددها الله لنا، وجعلنا الله وإياكم في المدة هذه وفي الفترة هذه نغتنمها إن شاء الله، ونحجز بها مقاعد في المرافقة للحبيب، نقرب منه، ونحوز السعادة الكبرى إن شاء الله تعالى.
فاصدقوا، احزنوا على ما فات منا؛ أعضائنا عَصَت وقلوبنا عَصَت، لابد نحزن ونتوب، نبرهن على حزننا بالانتهاض، ونطلب منه ما طلبَه منا لنا وللأمة، وباقي أعمارنا يكون في أي عمل لأحدٍ منا أو أي دراسة أو أي وظيفة… مسخّرة لمرضاته ولطاعته ولنصرته ونصرة رسوله، يا رب وفقنا لذلك.
فنُحسن الطلب إن شاء الله، والرغب والحزن الذي تنتفي به الأحزان وندخل به في دوائر قوم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم ألحقنا بهم يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
يبارك لنا وفينا وفي الوفود والوافدات، وفي أهل العنايات وأهل الرعايات وأهل السعادات وأهل الإقبالات الصادقات، يكثّرهم في الأمة، ويوفر حظهم منه سبحانه وتعالى، ومن رسوله ومن نصرتهم والوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، ويرينا آثار ذلك، ويسلك بنا في أشرف المسالك، ويلحقنا بكل منيب ناسك وعابدٍ سالك.
وأن الله يقينا الأسواء والأدواء، ويصلح لنا السر والنجوى، ويحقّقنا بحقائق التقوى، ويثبتنا وإياكم في ديوان أهل الصدق من خيار الخَلق، و يعاملنا بفضله وما هو أهله، ويصلح لنا شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين من عباده أهل محبته ووداده، ويرزقنا حسن الوفاء بالعهد الذي عاهدنا عليه، وكمال حسن السابقة وكمال حسن الخاتمة وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
24 ذو القِعدة 1442