(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الثلاثاء 28 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (72): "مَن ْوَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عَاجِلًا… فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْقَبُولِ آجلاٌ".
الحكمة (73): "إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِْندَهُ … َفانْظُرْ فِي مَاذَا يُقِيمُكَ "
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"فالعمل شجرة طيبة، وثمرته وجدان سر ذلك العمل إمّا من طريق الإيمان وإمّا من طريق العيان. لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (72): "مَن ْوَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عَاجِلًا… فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْقَبُولِ آجِلاٌ".
الوجدان مختلفة؛ فمن وجدانٍ في الأعمال بطريق الإيمان على صدق الوعد بالموعود، فيسهل لديه عسيره، وتهون عليه وعوره، ويتحقَّقُ لديه ظهوره، ويشرق عليه نوره، وإمّا بطريق الشهود والعيان؛ فتنكشف له ستوره، وتستولي عليه تباشيره، وتزفُّ إلى العامل عرائسُهُ وحوره، وتتغشاه أنوار القرب، وتشوِّّقه لوامع الحب.
وأول ذلك: مكابدة ومجاهدة، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]، وهو طريق الفناء فينا، ونعوضهم بما ذهب منهم معيَّتنا، ونشهدهم حسننا وإحساننا، فنصفهم به، ونجعله لهم نعتًا فنعتهم محسنون؛ وذلك لما ظهر عليهم من حسن معيِّتنا التي لم تبقِ عليهم من أوصافهم وصفًا، ولم تدعْ فيهم من رؤية نعوتهم نعتًا.
وورد في ذلك: أذا أُخلص العمل لله، ولا يقبل الله إلا ما كان له خالصًا، مثل قوله في الحديث: "من أخلص لله أربعين يوماً .. جالت روحه في الملكوت الأعلى وعادت بطرائف الحكم، فنطق بها قلبه على لسانه".
فهذا من ثمرات العمل المقبول، ولا يقبل الله إلا من المتقين؛ لذلك قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]، فهذا من ثمرات التقوى، والتقوى: منها ما هو عمل، ومنها ما هو علم، والكُّلُ عمل، وقوله ﷺ: "من عملَ بما علمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلمَ ما لم يعلَم"، وإذا علمت أن ليس ثَّم ثمرة للعمل إلا العلم اللدني، الذي يظهر لك به وجه الصواب في كل عملٍ وحالٍ من الله بلا تعلُّم ولا تعّمل، بل يكون الحق لصاحبه يدًا ومؤيدًا وقلبًا وعقلًا .. فهذا وما شاكله من ثمرات العمل المقبول.
ولا بدَّ لكل سالكٍ في ابتدائه في الأخذ في العمل من كلفة، وتجشم تعب ومشقة، ثم تعقبه الراحة والمسرَّة، والثمر لا يُوصلُ إليه إلا بعد حركات حسِّية وتدبيرات معنوية، يعجز عن الوصول إلى الثمرة من لم يتحمَّل العناء في غراس الشجرة، وهذا معروفٌ لا يمتري فيه ذو قلبٍ سليم، وعقلٍ سالم، بل شواهده في الحسِّ ظاهرة، وأمثاله على الأعمال في المحسوسات متظاهرة.
ومن عمل ولم يجد لذلك ثمرة، ولاللإقبال على الأعمال مسرَّة، ووجد ضد مايطلبه، ولم يصابر الأعمال على ممرِّ الأحوال …فليفتش عن إخلاصه في عمله، ولينظر فيما يقتضي الرد عليه من أحواله؛ فإنه منه أُتِيَ، وليجتهد في التفتيش على دسائس الأعمال؛ فإنه ربما كان ذلك في اعتقاد في الله غير موافق لما هو الصواب عند أهل الحق، أو في شيءٍ مما يوجب رد عمله عليه، أو في الأعمال مما يحبط الأعمال؛ كالقيام على حالة من أحوال الضلال في الأعمال والأقوال، فإن رذائل الأحوال واجتراح الأوزار ترتدُّ به الأعمال؛ كما ورد في حديث معاذ رضي الله عنه: "إن عمل العبد يعرض على أهل كل سماء فيرد بذنب... حتى يعرض على الله فيرد بعدم إرادته به وجه الله".
فانظر ذلك وأمعن النظر فيما يردُّ عملك عن القبول الذي توجد به ثمرات الأعمال، وتزكية الأخلاق ونمو الأحوال؛ فإنه رُبَّ ذنبٍ يحرمُ قيام ليلة، وربَّ ذنبٍ يحرم قيام سنة، وربَّ كلمةٍ تقلِّدُ عنه بابًا لم ينفتح ذلك الباب إلا بالنزوع عنها، وتبديلها بضدها، ولربما لم يعد إلى ما كان عليه قبل ذلك؛ فإن الكتاب على البياض قبلُ أوقع من الكتاب فيه بعد المحو من السواد، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) [النور:63].
ولا أعظم من الافتتان بالأكوان ونسيان مكوِّنها، والحجاب بالأعيان عن مبدعها ومعيِّنها، وأول الفتنة -أعاذنا الله وأحبابنا وسائر المسلمين منها- مخالفة الأمر.
فيا إخواني؛ إياكم وإياها، فمخالفة الأمر مصارمةٌ ومقاطعةٌ للآمر، فماذا يجد مَنْ قاطعَ الله وصارمه؟! فهذه نفثةٌ وإلقائيةٌ ألقاها المفضل الوهاب على قلب عبده، وأبداها على شهادته وأجراها على يده، ولي في ذلك:
فمَنْ وجدْ ثَمرةَ الأعمال عاجلةٌ *** فليحمد الله أهل الفضل والمِنَنِ
عنايةُ الله في الإنسان حاصلةٌ *** فيما تقبله من سرٍّ ومن عَلَنِ
ومن جملة ثمرات الأعمال: إدامتُها عليك، والاغتباط بها، والمسارعة إليها، والنشاط فيها، وإذا كنت كذلك … فاعلم: أنك عند الله بمكانة، وأنه قد رضيك لخدمته، واصطنعك لنفسه، واصطفاك لمحبته؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (73): "إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِْندَهُ … َفانْظُرْ فِي مَاذَا يُقِيمُكَ "
إن أردت أيها المريد، والطالب المستفيد أن تعرفَ قدرك عند الله؛ هل أنت ممَّن اصطفاه وأحبَّهُ وقرَّبه ورفع ذكره وأكرمه وأعزَّه، أم أنت ممَّن أذلَّهُ وأهانه، وحرمه وطرده، ورسمه في جريدة أعدائه؟… فانظر؛ فإِن لكلِّ فريقٍ علامة، ولكل قوم مَقَامَة فعلامة فريق الكرامة طريقُ السعادة، وعلامة فريق الإهانة والبعد طريقُ الشقاوة، والطريقتان معلومتان.
فالسعادة: هي الأعمال الموافقة للأمر المرضي، واجتناب النهي المفضي، وقد ورد في الحديث: "من أراد أن يعرف منزلته عند الله فلينظر منزلة الله عنده".
فإن كان لله معظِّمًا ومكرِّمًا، ولأوليائه محبًا ومواليًا، ولأعدائه مجانبًا، وعن مناهيه متباعدًا، ولنعمائه شاكرًا، وبمنَّته معترفًا، وعلى صروف قضائه صابرًا، وعلى كل ما يقرِّبه منه مثابرًا .. فليعلم أن الله له معظم، ولقدومه مكرم، وعن كل ما يكرهه صارف؛ فإن الله يوفي عبده بما عامله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60].
والكل حقيقةٌ من الله ابتداء، وإليه يعود انتهاء، فهو المتفضِّل بما عامله به عبده، إذ هو الذي أوجده ووفَّقه وأعانه، وتقبَّله وأهَّله، ومنه جزاه في دنياه وأخراه.
وإذا كان العبد عن طاعات الله متباطئًا، وإلى معاصيه مسارعًا، ولمحارمه منتهكًا، وبأوليائه مستهينًا، ولأعدائه مواليًا ومكرمًا .. فليستدل بذالك على أنه عند الله مهان، وبعلامة البعد موسوم، وعن الخيرات محروم، ما لم يتداركه بتوبة وعفو وغفران، وهو المرجو من فضله أن يهديَّنا ويعفو عمَّا نحن عليه من الجرائم، وانتهاك المحارم، وأن يوفقنا لمرضاته، ويسلك بنا طريق خواصِّ أهل تقاته؛ إنه الجواد الكريم، البر الرحيم، وكذلك سائر أحبابنا ومشايخنا وسائر المسلمين، وجنبنا وإيَّاهم مضلاَّتِ الفتن، ويقينا من شؤم المعاصي وضروب المحن، ولي في ذلك:
إذا أردتَ أنْ تقف يوماً على قدرٍ *** هل أنت من أهلِ قُربِ الله في الأزلِ
فانظر إلى ما يقيمَكْ فيه مقتدرًا *** من فعل مكروه أو من خالص العملِ
إن العلامة تُظهِرْ كلَّ مستترٍ *** في طي مكنونِ ما قد كان في الأزلِ
فمن يكن في طريق الخير منتشرًا *** فذاك محبوبُ مثل المثلِ بالمثلِ
ثم قال متممًا لما قدَّمه؛ لئلا يغترَّ ذو رأيٍ ضعيفٍ بالطاعة دون الله تعالى، فلذلك قال:
الحكمة(74): "مَتَى رَزَقَكَ الطَّاعَةَ وَالْغِنَى بِه ِعَنْهَا .. فَاعْلمَ ْ أَنَّهُ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا."
اللهم أكرمنا بذلك وارزقنا طاعتك والغنى بك عنها، وارزقنا طاعتك والغنى بك عنها. "مَتَى رَزَقَكَ الطَّاعَةَ وَالْغِنَى بِه ِعَنْهَا.. فَاعْلمَ ْ أَنَّهُ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا."
الحمد لله على إفضاله وجزيل نواله.
ويقول: إن "العمل" الصالح "شجرة طيبة، وثمرته وجدان سر ذلك العمل إمّا من طريق الإيمان وإمّا من طريق العيان ".
يقول المؤلف: "مَن ْوَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عَاجِلًا… فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْقَبُولِ آجِلاٌ "؛ (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27]، اللهم اقبلنا على ما فينا يا الله.
"الوجدان مختلفة؛ فمن وجدان في الأعمال بطريق الإيمان على صدق الوعد بالموعود"، "وإمّا بطريق الشهود والعيان". يقول:
"الوجدان في الأعمال بطريق الإيمان":
ما تستشعره من "صدق الوعد بالموعود"، ما تستشعره من إفضالِ الله عليك وجوده وإحسانه إليك، "فيسهل" لديك "عسيره"؛ عسير العمل وتخف عليك مشاقه، "وتهون" عليك "وعوره"، وتتحقق "ظهوره"؛ ظهور معناه ونوره وسناه، "ويشرق" عليك "نوره" وسناه. الله أكبر! هذا وجدان في الأعمال بطريق الإيمان.
وراءه تجد ثمرة العمل "بطريق الشهود والعيان":
"تنكشف لك "ستوره، تستولي" عليك "تباشيره، تزفُّ إلى العامل عرائسُهُ وحوره"؛ حقائق هذا العمل في القرب منه عز وجل، في الرضا منه والرضا عنه، في زيادة المحبة منه والمحبة له، يا سلام…
وبعده: "تتغشاه أنوار القرب، وتشوِّّقه لوامع الحب"؛ وجدت ثمرة العمل:
قال: "أول ذلك" كله -وجود هذه الثمرات-: مكابدة ومجاهدة، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]".
قال: "وهو طريق الفناء فينا" يقول الحق تعالى؛ أي: الجهاد فينا، "طريق الفناء فينا، ونعوضهم بما ذهب منهم"؛ ما فني عنهم، "معيَّتنا"؛ نجعلهم معنا، "ونشهدهم حسننا وإحساننا، فنصفهم به، ونجعله لهم نعتًا". هو إحسانه هو ويجعله لهم نعتًا، ويسميهم محسنين! أيش معنى محسنين؟ من يتجلى عليهم أسرار إحسانهِ. محسنين أيش محسنين؟ ما يعملوا شيء هم! هم الذين أصلهم عَدَم عملوا شيء؟! أكرمهم بالصدق معه والمجاهدة وسماهم محسنين، وهو منه كله؛ إحسانه، فوصفهم ونعتهم به، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل:128].
"نعتهم محسنون، وذلك لما ظهر عليهم من حسن معيِّتنا التي لم تبقِ عليهم من أوصافهم وصفًا، ولم تدعْ فيهم من رؤية نعوتهم نعتًا" يشهدونه قط. شهدوا حقيقة فعلنا وصفاتنا وذاتنا، ففنوا فعلًا ووصفًا وذاتًا، فلا يصح أن يوصفوا إلا بما يليق بنا؛ بالمحسنين، بالعارفين، بالمقربين، بالطيبين.. هذه أوصاف الله ليست أوصافهم، لكن حازوا منها شرف فوصفهم بها وأعطاهم إياها. الله الله!
"إذا أخلص العمل لله، ولا يقبل الله إلا ما كان له خالصًا، مثل قوله في الحديث: "من أخلص لله أربعين يوماً…" ؛ هو يخلص صلواته، وطاعاته، وقراءته، وأخذه وعطائه، وحضُوره المجالس مخلصة لله، ما يريد غير الله؟ "جالت روحه في الملكوت الأعلى وعادت بطرائف الحكم، فنطق بها قلبه على لسانه". رواه ابن المبارك في كتاب الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن سيدنا أبي أيوب الأنصاري. "من أخلص للهِ أربعين يومًا". لذلك يحبون يصلحون دورات أربعين يوما، عسى يحصل فيها من يحصل هذا العطاء من الحي القيوم.
قال: "فهذا من ثمراتِ العمل المقبول، ولا يقبل الله إلا من المتقين؛ لذلك قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282]". وجود هذه الثمرات دليل أنهُ قبِل منك، "فهذا من ثمرات التقوى، والتقوى: منها ما هو عمل، ومنها ما هو علم، والكُّلُ عمل"؛ لأن علم التقوى: واحد من اثنين؛
وكُّلُه عمل.
"من عملَ بما علمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلمَ ما لم يعلَم" رواه نعيم في الحلية.
"وإذا علمت أن ليس ثَّم ثمرة للعمل إلا العلم اللدني، الذي يظهر لك به وجه الصواب في كل عملٍ وحالٍ من الله بلا تعلُّم ولا تعَّمُل، بل يكون الحق لصاحبه -سبحانه وتعالى- يدًا ومؤيدًا وقلبًا وعقلًا .. فهذا وما شاكله من ثمراتِ العمل المقبول". "ولا يَزالُ عَبْدي يتقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ" بعد أداء الفرائض "حتَّى أحِبَّه، فإذا أحبَبْتُه كُنتُ سَمْعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به"؛ يصير واحد ثاني، يضيقُ كُّلُ لسان عن وصف ما فيه من المعاني، لأن فيه سر المثاني، مكرَمًا بمعاني التداني، يتلقى صلةً بصاحب مقام (أَوْ أَدْنَىٰ)؛ فيا له من حال أسنى وعيشٍ أهنى.
"ولا بدَّ لكل سالكٍ في ابتدائه في الأخذ في العمل من كلفة، وتجشّم تعب ومشقة، ثم تعقبه الراحة والمسرَّة". عتبة الغلام قال: كابدت قيام الليل عشرين سنة ثم تنعّمت به.
وجاهِد تشاهد واغنم الوعد بالهدى *** هدىً نصُّه في العنكبوت بآيةِ
استمر.. وتخرج من الدورة إلى أي عمل أو أي مكان وترجع إلى البيت في أي وقت، تقيم في بيتك وحالك صلتك بالله وقيامك بالله وتبعيتك لمحمد بن عبد الله، واستمر، واحضر، وانكسر، واخضع، وأقبِل، وتواضع، وارحم، وارأف.. تُرحم وترأف، وتُهدى، ويستمر لك العطاء، وتنزل لك الإمدادات، ويُكشف لك الغطاء.
لا بد من مواصلة حتى تنال المواصلة.
"والثمر لا يُوصلُ إليه إلا بعد حركات حسِّية وتدبيرات معنوية، يعجز عن الوصول إلى الثمرة من لم يتحمَّل العناء في غراس الشجرة، وهذا معروفٌ لا يمتري فيه ذو قلبٍ سليم، وعقلٍ سالم، بل شواهده في الحسِّ ظاهرة". ومن جميل ما صحّح من العبارات الحبيب أبوبكر المشهور يقول: العقل السليم... كان الناس يقولون: في الجسم السليم، هو قال: في القلب السليم! "العقل السليم في القلب السليم". وكم من مريض عقله منوّر ماشاء الله قوي، وكم من قزم صفصاف، أبله بليد، بعيد عن العقل، سخيف… فالعقل السليم في القلب السليم.
بل شواهده في الحس ظاهرة، "وأمثاله على الأعمال في المحسوسات متظاهرة.
ومن عمل ولم يجد لذالك ثمرة، ولاللإقبال على الأعمال مسرَّة، ووجد ضد مايطلبه، ولم يصابر الأعمال على ممرِّ الأحوال …فليفتش"؛ فيه شيء عندك؟ موجود غلط، مانع، حاجب، شيء رد عليك عملك! وإلا كل تسبيحة لها أثر، كل تكبيرة لها أثر، كل صدقة لها أثر، كل ركعة لها أثر، كل آية تقرأها لها أثر في تنويرك، وتطهيرك، وقربك، وزيادة إيمانك. ما حصّلت أثر؟ صلّح، فتّش.. شوف أيش الحاجب؟ أيش المانع؟.. قال: "فليفتّش عن إخلاصه في عمله، ولينظر فيما يقتضي الرد عليه من أحواله؛ فإنه منه أُتِيَ" أُتي من هنا.. من نفسه، من عمله، من غشٍّ في عمله، من دَخَلٍ في عمله.
"وليجتهد في التفتيش على دسائس الأعمال؛ فإنه ربما كان ذلك في اعتقاد في الله غير موافق لما هو الصواب"؛ بطلان في العقيدة، يكون محجوبًا به صاحبه لو عبد الله ما عبد، لا يقرُب ولا تنجلي أنوار الحقَّ في قلبه؛ لأنه يعتقد في الله ما لا يليق بجلاله، من تشبيهٍ أو تعطيلٍ أو شيء من الأمور التي لا تليق بعظمة الله؛ كل عقيدة باطلة حجاب غليظ. "أو في شيءٍ مما يوجب رد عمله عليه، أو في الأعمال مما يحبط الأعمال؛ كالقيام على حالة من أحوال الضلال في الأعمال والأقوال، فإن رذائل الأحوال واجتراح الأوزار ترتدُّ به الأعمال".
"رذائل الأحوال"؛ قبيح الصفات، اجتراح السيئات، يردُّ الطاعة ويرد قبول الطاعة، يرد قبول العبادة؛ كِبر وعجب ورياء، إصرار على عقوق والدين، أو قطيعة رحم، أو أذى مسلم.. يصلح أعمال صالحة ما يظهر لها أثر عليه، لأنها مردودة لم تقبل، والعياذ بالله.
"إن عمل العبد يعرض على أهل كل سماء فيردُّ بذنب"؛ واحدة بالغيبة، واحدة بالكِبر، واحدة بالرياء، واحدة بأذى المسلمين، واحدة بقول السوء وهكذا… والسماوات السبع، بعدين قد يعدي أعماله عليها كلها ويمشي من سماء إلى سماء، لمَّا يقفوا به الملائكة بين يدي الله يقول: أنتم الشهداء على عمل عبدي وأنا الرقيب على قلبه، لم يردني بهذا العمل! عنده غرض خفي الملائكة ما درت به، ما حست به! لا لا ما أرادني، هذا أراد شيء ثاني.. فيرد عليه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
"فيرد بعدم إرادته به وجه الله".
فيرد بهذا العمل الذي كان ظنه فيه خير. ويعطي الله أولئك المخلصين ثوابًا ما يعلمه الملائكة، ما علموا حقائق الإخلاص التي في قلب هذا العبد. الله أكبر!
"فانظر ذلك وأمعن النظر فيما يردُّ عملك عن القبول"، اللهم اقبلنا على ما فينا يا بر يا وصول.
قال سيدنا عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف: لو علمت أن الله قبل مني تسبيحة واحدة، لضيّفت أهل تريم على البر واللحم ثمانية أيام شكرًا لله لقبول التسبيحة؛ لأنه إذا قبلت التسبيحة دل على أنه من المتقين.
اللهم اقبلنا على ما فينا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
وإذا قبلك الليلة صَفَت ليلتك وأصبحت بحال جميل، وإذا قبلك في الغد صار مدده إليك بلا عدد، وجاءتك الليلة التي بعدها وأنت أضوأ وأرشد، يا كريم نسألك القبول.
قال: فبه توجد "ثمرات الأعمال، وتزكية الأخلاق ونمو الأحوال؛ فإنه رُبَّ ذنبٍ يحرمُ قيام ليلة، وربَّ ذنبٍ يحرم قيام سنة، وربَّ كلمةٍ تقلِّدُ عنه بابًا لم ينفتح ذلك الباب إلا بالنزوع عنها"؛ عن هذه الكلمة "وتبديلها بضدها. ، ولربما لم يعد إلى ما كان عليه قبل ذلك" والعياذ بالله.. ينزل ما عاد يرجع إلى ما كان عليه! "فإن الكتاب على البياض قبل أوقع من الكتاب فيه بعد المحو من السواد". وبعدين يكتب.. البياض ما شي جاء له سواد أبدًا. كُتب عليه صافي والكتاب واضح، ثم أصابه السواد ومحوه ومسحوه وبعدين كتبوا ثاني مرة، فرق بينه وبين الأول! لا إله إلا الله..
ثوب مغسل كما ثوب جديد؟! ذا توسخ وتغسل، وهذا ما شي جاء له وسخ؟ فرق… مرآة من أصلها صقيلة ما شي جاء لها كدر، واحدة تكدرت ومسحوها، تكدرت ومسحوها، هي مثل هذيك؟! ما تكون مثلها.. يا رب نوّر بصائرنا وصفِّ سرائرنا.
قال: "فإن الكتاب على البياض قبلُ أوقع من الكتاب فيه بعد المحو من السواد، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) [النور:63].
ولا أعظم من الافتتان بالأكوان ونسيان مكوِّنها، والحجاب بالأعيان عن مبدعها ومعيِّنها، وأول الفتنة -أعاذنا الله وأحبابنا وسائر المسلمين منها- مخالفة الأمر"؛ تخالف أمر الله! اللهم لا تفقدنا حيث أمرتنا ولا ترنا حيث نهيتنا يا الله. "إياكم وإياها"؛ المخالفة "فمخالفة الأمر مصارمةٌ ومقاطعةٌ للآمر، فماذا يجد مَنْ قاطعَ الله وصارمه؟!"، لا إله إلا الله..
فمَنْ وجدْ ثَمرةَ الأعمال عاجلةٌ *** فليحمد الله أهل الفضل والمِنَنِ
عنايةُ الله في الإنسان حاصلةٌ *** فيما تقبله من سرٍّ ومن عَلَنِ
"جملة ثمرات الأعمال: إدامتُها عليك"؛ هذهِ الثمرة، استمر عليها، "والاغتباط بها"؛ الفرح بها، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]، "والمسارعة إليها، والنشاط فيها، وإذا كنت كذلك … فاعلم: أنك عند الله بمكانة" الحمد لله، "وأنه قد رضيك لخدمته، واصطنعك لنفسه، واصطفاك لمحبته.
فإذا "أردت أيها المريد، والطالب المستفيد أن تعرفَ قدرك عند الله"؛ أنت فين؟.. "ممَّن اصطفاه وأحبَّهُ وقرَّبه ورفع ذكره وأكرمه وأعزَّه؟ أم ممَّن أذلَّهُ وأهانه، وحرمه وطرده، ورسمه في جريدة أعدائه؟ فانظر؛ فإِن لكلِّ فريقٍ علامة، ولكل قوم مَقَامَة". ما علامة فريق الكرامة؟
"والطريقتان معلومتان؛ فالسعادة: هي الأعمال الموافقة للأمر المرضي، واجتناب النهي المفضي".
وقد ورد في الحديث: "من أراد أن يعرف منزلته عند الله فلينظر منزلة الله عنده". إذًا؛ فانظر في ماذا يقيمك!.. ملامح معرفة قدر العبد عند ربه: عمل، وحال، ومعية، مع من حطّك؟ عند من حطَّك؟ أين وضعك؟ في أي موطن؟.. وأذواق قلبية.. ما منزلته عندها؟ بس هذه الملامح تعرف بها؛ تعرف بها منزلتك عند الله:
فهذه الملامح الأربعة تعرف بها من خَفَض ومن رَفَع، علامة.
لا إله إلا الله.
قال: "فإن كان لله معظِّمًا ومكرِّمًا، ولأوليائه محبًا ومواليًا، ولأعدائه مجانبًا، وعن مناهيه متباعدًا، ولنعمائه شاكرًا، وبمنَّته معترفًا، وعلى صروف قضائه صابرًا، وعلى كل ما يقرِّبه منه مثابرًا .. فاعلم أن الله له معظِّم، ولقدومه مُكرِم، وعن كل ما يكرهه صارف؛ فإن الله يوفّي عبده بما عامله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60].
والكُّلُ حقيقةٌ من الله ابتداء، وإليه يعود انتهاء، فهو المتفضِّل بما عامله به عبده"؛ هو الذي وفقه لكل ذلك، "هو الذي أوجده ووفَّقه وأعانه، وتقبَّله وأهَّله، ومنه جزاه في دنياه وأخراه"؛ لا إله إلا الله.
"وإذا كان العبد عن طاعات الله متباطئًا، وإلى معاصيه مسارعًا، ولمحارمه منتهكًا، وبأوليائه مستهينًا مستخفًا، "ولأعدائه مواليًا ومكرمًا". يقول هؤلاء الناس كذا وكذا يعظمهم!... واحد ما يؤمن بربك، إذا مات على حاله مصيره النار، تقول: هؤلاء الناس… ناس أيش؟ أيش هؤلاء؟ (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)، (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) [البقرة:221] بالزخارف، و الزهالق، والمظاهر ما هم أفضل أبدًا، من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، خير من جميع متقدّمي ومتطوّري الحضارات من أول العالم إلى آخره من الكفار؛ واحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، خير منهم، وأفضل، وأكرم، وحاله أجمل في الدنيا والآخرة، وأنت تظن فيه ملك للدنيا والآخرة غير الحقّ؟ هو ربّ الدنيا والآخرة، يعطي خيرها لمن صَدَق معه.
يقول: فإذا كان "لمحارمه منتهكًا، وبأوليائه مستهينًا، ولأعدائه مواليًا ومكرمًا .. فليستدل بذالك على أنه عند الله مهان، وبعلامة البُعد موسوم، وعن الخيرات محروم، ما لم يتداركه بتوبة وعفو وغفران"؛ يا عفو يا غفور تداركنا وأحبابنا والمسلمين، وتدارك كثيرًا من خلقك في شرقِ الأرض وغربها، وأرنا سر تداركك لهم في الدنيا والآخرة.
"وهو المرجو من فضله أن يهديَّنا ويعفو عمَّا نحن عليه من الجرائم، وانتهاك المحارم" يارب، "وأن يوفقنا لمرضاته، ويسلك بنا طريق خواصِّ أهل تقاته" آمين، "إنه الجواد الكريم، البر الرحيم، وكذلك سائر أحبابنا ومشايخنا وسائر المسلمين، وجنبنا وإيَّاهم مضلاَّتِ الفتن، ويقينا من شؤم المعاصي وضروب المحن"، آمين.
إذا أردتَ أنْ تقف يوماً على قدرٍ *** هل أنت من أهلِ قُربِ الله في الأزلِ
فانظر إلى ما يقيمَكْ فيه مقتدرًا *** من فعل مكروه أو من خالص العملِ
إن العلامة تُظهِرْ كلَّ مستترٍ *** في طيّ مكنونِ ما قد كان في الأزلِ
فمن يكن في طريق الخير منتشرًا *** فذاك محبوبُ مثل المثلِ بالمثلِ
لا إله إلا الله.
اللهم ارزقنا طاعتك والغنى بك عنها.
من يأكل طعام لذيذ وغيره.. مع شهود الحق..
قال سيدنا إبراهيم: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79]. علامته:
هذه علامة شهود الخالق.
وعلامة الدعوى الكاذبة:
هذهِ علامة الدعوى وبطلانها، أنك مدعي دعوى باطلة. فإذا كان متحرّي من الحلال ولا ينشغل به عمَّا هو أعظم وأفضل وشَهِد.. فهذا صحيح.
يا الله بالتوفيق والمشي في الطريق الصحيح.
02 مُحرَّم 1442