(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الاثنين 20 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (66): "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ، فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ؛ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
الحكمة (66): "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ، فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ؛ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ".
"مِنْ" هنا تبعيضية، والجهل له وجوهٌ ظاهرة ووجوهٌ باطنة، والجهل بمجموعه أقبحُ حالات العبد؛ فظاهره حالاتُ الكفار والعتاة الفجار، وباطنه سِيما المنافقين والضُّلَّال المغرورين.
والمريد: هو كلُّ طالبٍ لمقصدٍ أو مأرب، وأشرف المقاصد وأحسن المآرب وأتحف الرغائب.. هي إرادةُ الله مجردًا من غير تعلُّق بمطلب أو تشوُّف لمأرب، وقد يكون مريدًا لما عند الله من الفضل، وكلهم يشملهم اسم الإرادة، وأحاطت بهم دائرة السعادة.
وخفاء الجهل في تحقيق الإرادة أولًا، ثم تحقيق المراد ممَّا يصعب، إلا على أفراد المجذوبين، وجهابذة السالكين المحقِّقين.
والجهل: ظن الأمر على حقيقته واستقامة طريقته، والتحقيقُ فيه على خلاف ما ظنه، فجهلُ الكفار ظاهر؛ حيث آمنوا بالطاغوت وكفروا بالله، وجهل المنافقين حيث خادعوا الله بإظهار الإسلام والبواطن على خلاف الظواهر، فجهلوا عمومَ العلم، وأنه لا يعلم من خلق، وعلى هذا المنوال مَن حذا حذوَهم ممن يُظهر خلاف ما يبطن.
وأتى هنا ببعض أحوال المريد في جهله، والمريد يعزُّ عليه أن ينخرط من سلك الإرادة جملة، ولكن يسيء الأدب ويَرِدُ موارد العطب، وسوء الأدب: هو إتيانُهُ فعلًا حظرَهُ الله عليه تحريمًا أو كراهة، أو تركُ أمرٍ ندبه إلى فعله وجوبًا أو استحبابًا.
والمريد إذا أينعت له شجرة الأعمال، وأشرقت عليه أزهار العلوم، وبرزت عليه مخدَّرات الأحوال من كمائم الوجود.. ربما يطول عند ذلك، ويصول بوجود ما هنالك، فيستفزُّهُ الحرص على إظهار ما أُودعه، وإذاعة ما استُودعه، فيبرزُ قبل أوان بروزه، فتجفُّ عن وابل المريد أشجاره، وتأفل عن مَشاهد اليقين أنواره، وتبقى عنده آثارٌ مِن تغنِّي تلك الأطيار، ويأنس بما يجده من نسيم الأسحار.
فلا يزال يتمادى به ذلك، ويمتاز عن مواطن القرب، ويدخل في مداخل السوء، ويبعد عن لذيذ الأنس شيئًا شيئًا من حيث لا يشعر؛ فحيث لم يحجب جملةً واحدة.. فالحجاب شيئًا بعد شيء، كما أن الكشف شيئًا بعد شيء، كما جرت بذلك سنة الله، إلا على الندور يكون الكشف في أقرب وقت، كما يكون كذلك أيضًا السلب، كما كان من الكشف لجماعة من المجذوبين، وكان أيضًا من السلب لجملة من المحرومين، وتسيَّب انجرار بعض الحجب إلى بعض: حتى تستولي جنودُ الظلمة، فينقادَ بقياد الهوى، ويتبذخ بفظيع تقبيح الدعوى، واستحسن من حاله وأعماله ما يستوجب به البعد، وكلما انكفأ عن رتبةٍ.. وقع في ظلمة، فثار دخانُ الهوى، وشهد مقاله باستحسان أفعاله، ورضي عن نفسه بعد أن كان لها متهمًا، وقام لها بعد أن كان قائمًا عليها.
فيقول عند تعاطيه سوء الآداب المقصية له عن الباب: "لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ" وقد انقطعت الأمداد التأييدية والنصرة الروحانية؛ فلولا الجهل و انطماس نور العقل.. لم يَخْفَ قطعُ المدد على مثل ذلك؛ فالمددُ إذ توالت وارداته، وأشرقت أنوار آياته.. اضمحلت عنه دواعي شهواته، وانمحت مظاهر صفاته، وتلاشت مظاهر ذاته، فكيف يخفى ذلك على مَنْ له أدنى مُسْكة بصيرة؟!
وتأخير العقوبة مع نسيان التوبة، والتمادي على الأخلاق اللئيمة والأفعال الملومة.. من دلائل شدة الانتقام، والطرد عن المقام، وقد أوجب البُعادَ أيضًا؛ فالبعدُ عن الله بانتهاك محارمه، والجرأةِ على جرائمه، فليس من بُعد المسافة بشيء، والبعد عن منازل الاقتراب، والوسم بسمة الأجناب، ومنازل الاقتراب أيضًا ليست حسِّية، وإنما هي مقامات وأحوال معنوية؛ مثل مقام التوبة والصبر، والورع والتوكل، والرضا والتسليم، وأحوال المواجيد؛ كالبسط والقبض، والهيبة والأنس، والمحبة والخلة، والمعرفة والقربة، وغير ذلك من الأحوال الشريفة، والمقامات المنيفة.
فما أبعد مَنْ يسيءُ الأدب مع الله عن ذلك!! وما أقصاه وما أجدره بضدِّه من طرق الهوى، ودركات البعد ومهاوي الإغواء!!
قال: " فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ" ولكن الغالب شعوره، ولكن حلاوة الهوى تحكمُ عليه، ولا تفلته من يديه، فيتحسَّرُ، ويسخر به أعداؤه، فلا هو يقدر على ترك ما هو مُلابسه، ولا ينسى ما كان مؤانسه، وترجى من الله التوبة لمثل هذا.
والمصيبة: أن ينقطع عنه وهو لا يشعر؛ كما عبر به المؤلف رضي الله عنه، فيصدق عليه قوله عزَّ وجلَّ: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:104]، (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ) [المجادلة:18]. عافانا الله وأحبابنا والمسلمين من مكره واستدراجه، ولطفَ بنا وبهم كذلك فيما جرت به مقاديره وقضاؤه، ووفَّقنا لما فيه رضاه، وأذاقنا حلاوة محبته، وأراحنا من مكابدة الهوى بجذبةٍ وهبية، ونفحة لطفية.
روى الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي في كتابه المعروف بـ "العهود": بأنه سمع مناديًا يقول: إذا أردت أن لا يُمكر بك.. فقل بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب: "اللهم إني أعوذ بك من المكر والاستدراج من حيث لا أشعر، إنك جواد كريم" ثلاث مرات.
قلت: ويحسن أن يقول في قوله: "من حيث لا أشعر" أن يقول أيضًا: "ومن حيث أشعر؛ إنك جوادٌ كريم".
ولو لم يكن من عقوبة مسيء الأدب إلا منع المزيد والتخلُّفُ في زمرة أهل التقليد وأهل العدد من العبيد.. لكفى بذلك له زاجرًا، فكيف وهو لم يقطع عنه المزيد إلا ويخلد إلى مألوف عاداته، واتباع شهواته؟! فلا يبقى للعبد نَفَس إلا وهو في قرب وازدياد، وإما في تقاص وابتعاد.
وبيَّنَ أنه إذا أُخذ بالاستدراج.. يُقام مقام البعد؛ وهو ما وصفنا من اتباع الشهوات، والتشرُّبِ في قلبه بحب العادات، وينسى الترقِّي في المقامات، والتلذذ بالواردات الموهوبات، من حيث لا يدري ذلك، ولكن على الندور؛ كما في حال من قطع عنه المدد من حيث لا يشعر.
ومقام البُعد: هو قطع المدد الرباني والفتح الامتناني نفسه وعبَّر في قطع المدد بـ: "حَيْثُ لَا يَشْعُرُ"، وهنا في مقام البعد بـ: "لَا يَدْرِي"، وفرقٌ ما بين الشعور والدرية؛ فالشعور أبعد عن الدرية؛ لأن الشعور يعم الحسَّ والمعنى، والدرية لا تكون إلا في المعنى؛ فالشعور قد يشعر بالشيء ولا يدريه، ولا عكس؛ أي: لا يدري الشيء ولا يشعر، فكان عدم الشعور بقطع المدد أظهرَ على بُعد مَنْ قام به من عدم الدرية.
والتخليةُ والنفس من أعظم المصائب، فلو كان له عند الله قدم.. لم يخلّ وما يريد، ولكان بمراد الله لا بمراد نفسه؛ فعلامات المقرَّبين: فراغ قلوبهم عن جميع إراداتهم في حركاتهم وسكناتهم، إلا عند كل مراد ندبهم الحق إليه، واجتناب منهي زجرهم الحق عن الإقدام عليه، فهم أشدُّ الناس اعتناءً؛ وأكثرهم اهتمامًا بذلك، فالأدب: أساس مبنى الإرادة، ومفتاح أبواب السعادة، وكل اهتمام أهل الله وخاصَّته بتحقيق النظر في طريقه.
ولا أوفر حظًا وأعظم قسمًا في ذلك من رسول الله ﷺ؛ إذ الذي تولى تأديبه وأحسن تهذيبه هو سيده ومولاه؛ لذلك قال ﷺ: "أدَّبني ربي فأحسن تأديبي"، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199]. كسائر الأنبياء؛ فإن الله مؤدِّبُهم وولي تربيتهم ومهذبهم، لكن لا كتأديب رسول الله ﷺ؛ لأن الله جمع له أدبَ جميعهم، وخصَّهُ بمزايا من الآداب، ولطائف من التربية، فقال عزَّ من قائلٍ بعدما عدَّ أجلَّاء الرسل: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90]، ولا يؤمر بشيءٍ إلا ويقوم بما أمره به سيده" ﷺ.
الحمد لله مكرمنا بأنوار الهداية والدلالة عليه، وأسرار توليه لمن سبقت له منه السعادة أن يوصله إليه؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، وهو على كل شيء قدير. أرسل إلينا عبده المجتبى المصطفى المختار، جامع الأسرار، ومعدن ومنبع الأنوار، محمد بن عبد الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهدى الله به من سبقت له السعادة. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه سادة السادة وقادة القادة، وعلى أتباعهم ممن والاهم في الله بإحسانٍ ممن سبقت لهم سوابق السعادة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من قضت بتفضيلهم على من سواهم من الله الإرادة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين في الغيب والشهادة.
وبعد؛
فيوضِّح الشيخ -عليه رحمة الله- ويبيّن أمورًا مهمة للسائرين إلى الله والسالكين في طريق الله، ليسلموا في مسارهم من الانزلاق والانغلاق، ومن الخدائع التي تلاقي السُلاَّك، وتُخرجهم من السلوك، أو من درجاتٍ عُلا إلى الهلاك -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ممَّا يعرض للإنسان السائر إلى الرحمن -جلَّ جلاله- من كيد النفس والهوى والشيطان.
وهو تحقيق ما قال جلَّ جلاله حاكيًا عن إبليس عدوه: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) [الإسراء:62]، وقوله: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)، فجُلُّ جهده على من سلك الطريق، ومضى في الصراط المستقيم، يحب أن يُعوِّقهم بأي عائق، وأن يقطعهم بأي قاطع؛ فأمَّا من قد غفل وجهل وزل، ومضى في طريق الزلل، فهم من صحبه وجنده، لا يحتاج معهم إلى جهد، ولا يحتاج معهم إلى بذل مجاهدة ومعاناة، ولكن أهل الصراط المستقيم: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)، فما هو إلا مستعين بأولئك الذين قد ضلوا وغفلوا إن قدر عبرهم أن يؤثر على أحد من أهل الصراط المستقيم فيستعملهم في مثل ذلك؛ ولكن جُلُّ جهده لأهل الصراط المستقيم: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)، والرحمن جلَّ جلاله هدَّد من تبعه: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأعراف:16-18].
فيقول: إن الذي يعرض للإنسان، في سيره إلى الرحمن، إذا قد أكرمه الله بالإسلام والإيمان، وأخذ يريد الوصول إلى مولاه، والرقي في مراتب قربه وحبه ومعرفته ونيل رضاه، فإنه كثيرًا عند قيامه بالعزيمة القوية، والهمة الأبية؛ لا يستطيع في تلك الحالة عدوه أن يردّه ولا أن يصدّه، (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء:76]؛ ولكن هذا الضعيف الخبيث الماكر ينتظر ما يسنح له من الفرص بعد ذلك، حتى إذا مضى فإمّا فتر فيدخل في فترته، وإما بدت له بعض أنوار وإشراقات نتائج الأعمال، فيُدخل عليه تغريره، ويُدخل عليه استعجاله، ويقلب إرادته ووجهته إلى الظهور بين الناس، والشهرة بين الخلق، والمعرفة عندهم، وغير ذلك من المقاصد، أو الطمع في مالهم، وقد تخلى عن ذلك سابقًا، فيحوله بمكر وخديعة، حتى قد لا يشعر في ذاته، إلى أن تكمل استدارته بعد مدة وهو لا يشعر بحاله، فيحصل هذا لكثيرٍ فيتنكبون.
كما أن أهل الحس عندنا من أهل الأفكار المختلفة، يتنكر في طريقهم وينتمي إليهم ويدخل معهم أعداد؛ ثم: هذا ينفصل، وهذا ينقلب، وهذا يرجع، وهذا يتوقف… يحصل في الطرق الحسية؛ كذلك هذا الطريق المعنوي في السير إلى الله، كثير يتنكبون في طريقهم ولهذا قاله سيدي الإمام الغزالي: عَزَّ مَن يسلك هذا السبيل، وعَزَّ من السالكين من يثبت عليه، وعَزَّ من الثابتين -أي بعد ذلك- من يصل إلى المقصود والمراد، فهم خيرة الله الذين قال عنهم: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [ سبأ:13].
فيقول: احذر من الجهل في سيرك إلى الله، "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ"؛ في أي معنى، و كما يشرح لنا سوء الأدب في ترك ما ندبه إليه، أو فرضه عليه، أو فعل ما كرهه منه أو حرمه عليه، ظاهرًا أو باطنًا، " فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ"، ما تظهر له عقوبة، "فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ"، كما يقول الكافرون: (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:77]، أين وعدك هذا الذي تقول إن الله سيعاقبنا ويعذبنا وينزل علينا العذاب؟ ويقول سيدنا نوح لقومه: (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) [هود:33]، أنتم لستم خارجين عن قدرة الخالق الذي خلقكم وكوَّنكم ونواصيكم بيده، حتى تستبطئون العذاب وتقولون هذا الكلام؟! (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) [الأنعام:47]، ويقول سبحانه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) على أيش تستعجلون؟ (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ ۚ) فلا ينفع منكم الإيمان في تلك الساعة، (آلْآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) [يونس:50-51].
فهكذا يقول: "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ، فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ"؛ وفي نفس الوقت "فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ"، توقفه وعدم ارتقائه نفسه، قده إنقطاع، "وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ"؛ أي: تتخلى عنك عنايته، ورعايته، ولطفه، وهو الأمر الذي علَّمنا ﷺ أن نحذر منه، وأن نُلِح على ربنا أن لا يوقعنا فيه مدة نَفَس، مدة طرفة عين، لا نقع في هذه المصيبة مدة طرفة عين: "ولا تكلني إلى نفسي ولا لأحد من خلقك طرفة عين"، مقدار طرفة عين.. مصيبة، لو وقعت في هذا، فلا بد يكون هو المتولي لك دائمًا، ولو مقدار طرفة عين وَكلك إلى نفسك أو إلى أحد غيره تعرضت للهلاك.
يقول: ""مِنْ" هنا تبعيضية، والجهل له وجوهٌ" -من جهل المريد- "ظاهرة ووجوهٌ باطنة، والجهل بمجموعه أقبحُ حالات العبد؛ فظاهره حالاتُ الكفار والعتاة الفجار، وباطنه سِيما المنافقين والضُّلَّال المغرورين".
وفيه ألّف الإمام الغزالي: "الكشف والتبيين عن غرور الخلق أجمعين"، وذكر في خصوص السلوك: مجاري ومظاهر ومنازل غرور أهل التصوف؛ المنسوبين للتصوف، وأنه يتركز جُهد إبليس على هؤلاء، لأنهم يوشكون أن يفلتوا من يده تمامًا، ويحق لهم الوصول، فيركِّز عليهم، ويغر من يغر منهم، ويضر من يضر منهم، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الإسراء:65]، الله يجعلنا من عباده الصادقين المخلصين الذين يتولاهم بعنايته، ولم يجعل لإبليس عليهم سلطان، ولا للنفوس الأمارة، ولا لبقية القواطع والحُجُب، آمين.
ويلٌ لمن وكله الجبار إلى نفسه! بيَّن لنا هذا الخطر، فيما ورد في الخبر أو الأثر: "فإنك إن تكلنا إلى أنفسنا؛ تكلنا إلى نقص وعجز وضعف وعورة"، ومن وُكل إلى نقص وإلى عجز وإلى ضعف وإلى عورة، كيف حاله؟! إذا قد تولَّاه النقص والعجز والضعف والعورة، كيف؟ مصيبة كبيرة! فالله يتولانا، (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ) [البقرة:257].
قال: "والمريد: هو كلُّ طالبٍ لمقصدٍ أو مأرب"، والمقصود هنا: من يريد وجه الله، من يريد الوصول إلى الله، "وأشرف المقاصد وأحسن المآرب وأتحف الرغائب.. هي إرادةُ الله"، إرادة الله تجي على مرتبتين؛ درجتين:
"إرادةُ الله مجردًا من غير تعلُّق بمطلب أو تشوُّف لمأرب"، في الدنيا ولا في الآخرة، من الأمور السفلية ولا الأمور العلوية، يقصد الله، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ) [الكهف:28]؛ ذاته العليَّة، لا إله إلا هو؛ هذا واحد، "وقد يكون مريدًا لما عند الله من الفضل، وكلهم يشملهم اسم الإرادة، وأحاطت بهم دائرة السعادة"، وذاك أعلى.
"وخفاء الجهل في تحقيق الإرادة أولًا"؛ أن يحقق إرادته لما عند الله، أو إرادته لله، "ثم تحقيق المراد ممَّا يصعب، إلا على أفراد المجذوبين، وجهابذة السالكين المحقِّقين".
ما هو الجهل؟
يقول: يظن أن حقيقة الأمر كذا، واستقامة طريقه كذا، والواقع والتحقيق على خلاف ذلك الظن.
هو تصور الشيء على غير ما هو عليه في الواقع؛ هذا الجهل، لكن هو يرى أن الحقيقة غير، المشكلة من هنا جاءت.
قال بعضهم مرة كان يقرأ كلام بعض العارفين الصعب إدراكه، وزُجِر عن ذلك، قال: أنا لن آخذ إلا الذي أفهم منه، وأترك الذي ما أفهم؛ قال له: أنا ما أخاف عليك من الذي لا تفهم، الذي ما تفهمه لا خوف عليك منه؛ لن يضر؛ أنا أخاف عليك من الذي تفهمه؛ تفهمه على غير وجهه! هذه المشكلة، تظنه كذا وليس هو كذا ولا قصد الشيخ كذا، هذه المشكلة الذي أنا أفزع عليك منها، أما كونك ما عرفت تمام هذا ما شي خوف عليك منه ما جيت عليه؛ لكن تظن أنك فهمت وأنت ما فهمت، هذا الذي نفزع عليك منه؛ فهذا هو الجهل؛ الجهل المركب.
وفيه الذي أنشد:
قال حمار الحكيم يومًا *** لو أنصف الدهر كنت أركب
واحد اسمه حكيم جاهل ما يعرف شيء، وقال الشاعر على لسان الحمار حقه يقول:
قال حمار الحكيم يومًا *** لو أنصف الدهر كنت أركب
لو كان الأمور ماشية على الإنصاف الحسي في الأمور المحسوسة، كان أنا أحق أركب، ليس الذي يركب علي!.
لأنني جاهل بسيط *** وصاحبي جاهل مركب
أنا حمار جاهل بسيط ما أعرف شيء، لكن هذا جاهل مركب، يظن الأشياء على خلاف ما هي عليه؛ قال: فلو كان إلا إنصاف من هذه الحيثية يكون هو مركوبي وأنا أركب فوقه، وهو يحملني ليس أنا الذي أحمله! لكن لكونه في صورة الآدميين جعل الله هذه الحيوانات مسخرة لهم، وأنا في تسخير ربي خلاص أمشي خلّه يركب عليّ.
وهكذا "والجهل: ظن الأمر على حقيقته واستقامة طريقته، والتحقيقُ فيه على خلاف ما ظنه، فجهلُ الكفار ظاهر؛ حيث آمنوا بالطاغوت وكفروا بالله، وجهل المنافقين حيث خادعوا الله بإظهار الإسلام والبواطن على خلاف الظواهر، فجهلوا عمومَ العلم، وأنه ألا يعلم من خلق، وعلى هذا المنوال مَن حذا حذوَهم ممن يُظهر خلاف ما يبطن".
قال: "وأتى هنا ببعض أحوال المريد في جهله"، من جهل المريد يعني: يطرأ على المريد جهالات، منها هذا: "والمريد يعزُّ عليه أن ينخرط من سلك الإرادة جملة، ولكن يسيء الأدب ويَرِدُ موارد العطب".
ما هو سوء الأدب؟
قال: "وسوء الأدب: هو إتيانُهُ فعلًا حظرَهُ الله عليه تحريمًا أو كراهة"، ظاهرًا أو باطنًا "أو تركُ أمرٍ ندبه إلى فعله وجوبًا أو استحبابًا"، هذه إساءة الأدب وهو قادر ومتمكن.. ويعرض عنه، هذه إساءة الأدب، ولها مراتب ودرجات.
"والمريد إذا أينعت له شجرة الأعمال"؛ ظهرت أزهارها وثمارها، "وأشرقت عليه أزهار العلوم، وبرزت عليه مخدَّرات"؛ يعني: مستورات، "الأحوال من كمائم الوجود.. ربما يطول عند ذلك، ويصول بوجود ما هنالك"، ويظن أنه وصل، وفيه الإشارة إلى القول: لا يزال الرجل يُكتَب متعلمًا، ويتعلم حتى يظن أنه قد علم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل! ارتمى في الجهل!
(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [يونس:15].
يقول: كثير من المريدين يبدأ يطهّر نفسه من الدنايا، ويقبل على الله، يحس برقّة ويحس بخشية ويحس بخشوع؛ تبدأ تظهر له بعض المخبئات أو المستورات سابقًا، فيظن أنه قد وصل، يطول يصول، "يستفزُّهُ الحرص على إظهار ما أودعه، وإذاعة ما استُودعه، فيبرزُ قبل أوان بروزه"؛ في هذا كان يقول بعض أهل الحس والظاهر أيضًا:
الْكَلْبُ أَحْسَنُ عِشْرَةً *** وَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْخَسَاسَهْ
قال تعاشر كلب أحسن من أيش؟.. وهذا نهاية في الخساسة
مِمَّنْ يُطَالِبُ بالرِّيَاسَةِ *** قَبْلَ أَوْقَاتِ الرِّيَاسَةْ
عاده ما هو صالح للرئاسة ويطالب بالرئاسة ويريد أن يرأس!
الْكَلْبُ أَحْسَنُ عِشْرَةً *** وَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْخَسَاسَهْ
مِمَّنْ يُطَالِبُ بالرِّيَاسَةِ *** قَبْلَ أَوْقَاتِ الرِّيَاسَةْ
وهذا الذي يظن أنه قد وصل إلى الله تبارك وتعالى، ويظهر ما حقه الستر والكتمان، "فيستفزُّهُ الحرص على إظهار ما أّودعه، وإذاعة ما استُودعه، فيبرزُ قبل أوان بروزه، فتجفُّ عن وابل المريد أشجاره"؛ ما عاد يحصل له مزيد من الله ولا يتحقق بالإرادة ويرجع، "وتأفل عن مَشاهد اليقين أنواره"، لكن.. "تبقى عنده آثارٌ مِن تغنِّي تلك الأطيار، ويأنس بما يجده من نسيم الأسحار"، فيبدأ بعد هذا ما يشعر بالانقطاع، وكثير يشعر وتغلبه الهوى، ولكن كثير ما يشعر، لأنه كما ارتقى بالتدريج يبدأ الهبوط بالتدريج، فما يحس إلا وقده تحت!..
كما أن الذي جالس في الطائرة، وغافل عن مشاهدة ما حواليه ومستغرق، تهبط الطائرة وما يحس، تهبط تهبط تهبط تهبط، وهو قاعد يتكلم أو يقرأ في صحيفته أو يشتغل، ما درى إلا وهي وصَلَتْ للأرض، قد نَزَلَتْ من هذا المكان كله، وقدها في الأرض، في وسط الأرض الآن! وهذا كذلك ينزل ينزل ينزل، وتنحجب عنه بعض الأمور شيء فشيء، وهو بدوافع الهوى والنفس يرى نفسه ما عنده شيء، وما عنده تقصير، ولا حصل منه شيء، وهو صاحب خصوصية وصاحب مزية، والرجّال هاوي، ما درى إلا بنفسه وقد وقع تحت، وراح عنه البخت، ولا تفيده الوسوسة ولا شيء من الكلام الفارغ، لا إله إلا الله.
"فلا يزال يتمادى به ذلك، ويمتاز عن مواطن القرب"، يبعد، "ويدخل في مداخل السوء، ويبعد عن لذيذ الأنس شيئًا شيئًا من حيث لا يشعر؛ فحيث لم يحجب جملةً واحدة.. فالحجاب شيئًا بعد شيء، كما أن الكشف شيئًا بعد شيء، كما جرت بذلك سنة الله، إلا على الندور يكون الكشف في أقرب وقت"، هذا ما يحصل؛ إمّا للأنبياء، وإمّا لخواص من المجذوبين، يسبقهم الجذب قبل السلوك، فيصير الوصول سريع.
يقول: "يكون الكشف في أقرب وقت، كما يكون كذلك أيضًا السلب"، يسلَب في لحظة واحدة "كما كان من الكشف لجماعة من المجذوبين، وكان أيضًا من السلب لجملة من المحرومين"، سقطوا سقطة واحدة في لحظة واحدة! هذا بعض أهل السلب، لمّا حصل له شيء سلب، بسبب إساءة أدب منه، خلاص صار ما عاد يعرف يقرأ، ما عاد يعرف يقرأ الفاتحة حتى، هذا سلب نهائي سريع مباشرة؛ لكن في الغالب هذا يكون فيه تنبيه لبعضهم، ويرجع ويشوف وين السبب الذي أُتي منه، حتى يتوب ويرجع، ويرجع إليه شأنه وحاله، وهكذا..
قال: "وكان أيضًا من السلب لجملة من المحرومين، وتسيَّب انجرار بعض الحجب إلى بعض: حتى تستولي جنودُ الظلمة، فينقادَ بقياد الهوى، ويتبذخ بفظيع تقبيح الدعوى"، أو قبيح الدعوى فيدَّعي ما ليس له، ويرجع يصف جميع نقائصه بالكمالات، وجميع نزولاته بالرقي! وتتحول عليه المسائل تحويل، مسكين!... حتى إذا أفلس يرجع يظهر منه الغيرة والحسد لمن ارتقى، لمن اعترف؛ لمن عُرف لمن أظهره الله بالخير، ويرجع يفتعل أنه رأى رؤيا، ويفتعل أنه كذا.. ويكذب، وَقَع خلاص في الحضيض مسكين! في الحجاب وإلى الهاوية -والعياذ بالله تعالى- إلا من سبقت له سابقة بالإرجاع.
قال: "واستحسن من حاله وأعماله ما يستوجب به البعد، وكلما انكفأ عن رتبةٍ.. وقع في ظلمة، فثار دخانُ الهوى، وشهد مقاله باستحسان أفعاله"، صار يستحسن ما يفعله من السوء، حتى من النقص، من إساءة الأدب، "ورضي عن نفسه بعد أن كان لها متهمًا" ومنكسرًا من أجل الله؛ صار راضيًا عن النفس، لا عن الله تعالى بل عن نفسه، (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [البينة:8] لا عن أنفسهم! هذا رضي عن نفسه! قال سيدنا الإمام الشيخ أبو بكر: من نظر إلى نفسه بعين الرضا نظر الله إليه بعين السخط، ومن نظر إلى نفسه بعين السخط نظر الله إليه بعين الرضا.
فالصادقون ساخطون على أنفسهم ومعاتبون لها، منكسرون من أجل ربهم، ويزدادون في ذلك أبدًا، ويرتقون أبدًا سرمدًا؛ يقول: "وقام لها"؛ منتصر لنفسه "بعد أن كان قائمًا عليها"، يهذبها ويؤدبها، صار الآن قائم لها في ادعاء دعاويها، والتصديق بأكاذيبها وهكذا..
"فيقول عند تعاطيه سوء الآداب المقصية له عن الباب: " لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ" أين المدد اللي باقي عندك أنت؟ وهو قده مقطوع من زمان.. انقطع! ولكن يقول: ما انقطع. "وقد انقطعت الأمداد التأييدية والنصرة الروحانية؛ فلولا الجهل و انطماس نور العقل.. لم يَخْفَ قطعُ المدد" في هذه الحالة التي هو فيها "على مثل ذلك؛ فالمددُ إذ توالت وارداته، وأشرقت أنوار آياته.. اضمحلت عنه دواعي شهواته" وهذا تزداد فيه الشهوات، وانمحت مظاهر صفاته، وتلاشت مظاهر ذاته، فكيف يخفى ذلك على مَنْ له أدنى مُسْكة بصيرة؟!".
وفي عالم الحس أيضًا و قريب من هذا، ما يحصل لبعضهم، قد يُعطى إمّا رُقية أو دعاء يدعو به معالجة لشيء من الأمراض، ويجيزه في ذلك أحد من الصالحين أو الأخيار فيؤثّر، فيبدأ وينتفع به الناس، ثم يبدأ في انحرافاته وانقطاعاته وسوء أدبه، ويعالج النساء ولا يتحرّز ولا يتحرّى أن تكشف وجهها، أن تكشف شعرها، أن يُكشف ما لا داعي لكشفه من جسدها، ويبقى يتراسل معها، بأن أمركم يحتاج كذا، ونحن قائمين معكم كذا، ونعطيكم كذا، ويبدأ الهُويّ شيء فشيء، حتى يصير خادم شهوات بعيد عن الله؛ وقد يُسلب أصل الفائدة، فلو قرأ مائة قراءة ما عاد تنفع قراءته، ولكنه يتمادى في الغيّ، ويقول: أنا عندي وأنا… ولا أحد يقدر إلا أنا، وأنا وهذا الشيء أنا قد قمت به، وأنا ذا بجيبه، وهذا لو يروح أي مكان ما بيتعالج إلا عندي!.. كلام طويل عريض فارغ كاذب، يتمادى!...
من لم تأخذه عناية الحق؛ ويلٌ له! من وُكِل إلى نفسه، من وُكِل إلى هواه، من وُكِّل إلى إبليس، من له إن لم يتولاه الحق جل جلاله؟! "فلا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين". لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: "وتأخير العقوبة مع نسيان التوبة، والتمادي على الأخلاق اللئيمة والأفعال الملومة.. من دلائل شدة الانتقام"، (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف:182]، "والطرد عن المقام، وقد أوجب البُعادَ أيضًا؛ فالبعدُ عن الله بانتهاك محارمه، والجرأةِ على جرائمه، فليس من بُعد المسافة بشيء، والبعد عن منازل الاقتراب، والوسم بسمة الأجناب"، يصير من الأجناب لا من الأحباب، "ومنازل الاقتراب أيضًا ليست حسِّية" كلها أمور معنوية، "وإنما هي مقامات وأحوال معنوية؛ مثل مقام التوبة والصبر، والورع والتوكل، والرضا والتسليم، وأحوال المواجيد؛ كالبسط والقبض، والهيبة والأنس، والمحبة والخلة، والمعرفة والقربة، وغير ذلك من الأحوال الشريفة، والمقامات المنيفة" كله يبعد عنه.
"فما أبعد مَنْ يسيءُ الأدب مع الله عن ذلك!! وما أقصاه وما أجدره"، هو يرى نفسه ما بَعُد، لأن البعد ليس مسافة ولا شيء حسي، هل بيخرجونك من البيت وينزلونك في بئر، لمَّا تبعد عن الله؟ وممكن عادك تطلع في طابق سابع أو ثامن بعيد، لأن البعد ليس مسافة، ليس أمر حسي، أمر معنوي.
قال: "فما أبعد مَنْ يسيءُ الأدب مع الله عن ذلك!! وما أقصاه وما أجدره بضدِّه من طرق الهوى، ودركات البعد ومهاوي الإغواء!!".
قال: " فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ" ولكن الغالب شعوره، ولكن" مع شعوره "حلاوة الهوى تحكمُ عليه، ولا تفلته من يديه"، فيبقى في الهوى "فيتحسَّرُ، ويسخر به أعداؤه، فلا هو يقدر على ترك ما هو مُلابسه، ولا ينسى ما كان مؤانسه، وتُرجى من الله التوبة لمثل هذا"، فإذا لم تتداركه العناية وقع في الورطة وقُطع وحُجِب وأبعد والعياذ بالله تبارك وتعالى.
"المصيبة: أن ينقطع عنه وهو لا يشعر؛ كما عبر به المؤلف رضي الله عنه، فيصدق عليه: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:104]، وقوله: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ) [المجادلة:18] عافانا الله وأحبابنا والمسلمين من مكره واستدراجه ولطفَ بنا" آمين "وبهم كذلك فيما جرت به مقاديره وقضاؤه"، آمين آمين.. "ووفَّقنا لما فيه رضاه، وأذاقنا حلاوة محبته وأراحنا من مكابدة الهوى بجذبةٍ وهبية، ونفحة لطفية" يا لطيف.
ويقول: سمع الشيخ عبد الوهاب الشعراني منادي يقول: "إذا أردت أن لا يُمكر بك.. فقل بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب: "اللهم إني أعوذ بك من المكر والاستدراج من حيث لا أشعر، إنك جواد كريم" ثلاث مرات". زاد الشيخ يقول: من حيث أشعر "ومن حيث لا أشعر إنك جواد كريم".
اللهم إني أعوذ بك من المكر والاستدراج من حيث أشعر ومن حيث لا أشعر، أو من حيث لا أشعر ومن حيث أشعر إنك جواد كريم.
"ولو لم يكن من عقوبة مسيء الأدب إلا منع المزيد والتخلُّفُ في زمرة أهل التقليد وأهل العُدد من العبيد.. لكفى بذلك له زاجرًا" لو كان يعقل، "فكيف وهو لم يقطع عنه المزيد إلا ويخلد إلى مألوف عاداته"، (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ) [الأعراف:176]، "فلا يبقى للعبد نَفَس إلا وهو في قرب وازدياد، وإما في تقاص وابتعاد"، أو نقص وابتعاد.
"وبيَّنَ أنه إذا أُخذ بالاستدراج.. يُقام مقام البعد؛ وهو ما وصفنا من اتباع الشهوات، والتشرُّبِ في قلبه بحب العادات، وينسى الترقِّي في المقامات، والتلذذ بالواردات الموهوبات، من حيث لا يدري ذلك، ولكن على الندور؛ كما في حال من قُطع عنه المدد من حيث لا يشعر".
"ومقام البعد: هو قطع المدد الرباني والفتح الامتناني نفسه وعبَّر في قطع المدد بـ: "حَيْثُ لَا يَشْعُرُ"، وهنا في مقام البعد بـ: "لَا يَدْرِي"، قال لأن: "الشعور أبعد عن الدرية؛ لأن الشعور يعم الحسَّ والمعنى، والدرية لا تكون إلا في المعنى؛ فالشعور قد يشعر بالشيء ولا يدريه"، ولا يدري الشيء إلا وهو شاعرٌ به، "ولا عكس؛ أي: لا يدري الشيء ولا يشعر، فكان عدم الشعور بقطع المدد أظهرَ على بُعد مَنْ قام به من عدم الدرية"، لا إله إلا الله.
"والتخليةُ والنفسَ": أن يخليك ونفسك "من أعظم المصائب"! -والعياذ بالله تبارك وتعالى- "فلو كان له عند الله قدم.. لم يُخلَّ وما يريد، ولكان بمراد الله لا بمراد نفسه؛ فعلامات المقرَّبين: فراغ قلوبهم عن جميع إراداتهم".
الله يجعلنا وإياكم لاحقين بالمقرّبين، داخلين في دوائر التقريب مع المحبوبين ومن سبقت لهم من الله السعادة؛ لا تقطعنا ولا تحجبنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين. آمين آمين آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وسمعتم في هذا قصة التلميذ الذي حسده إبليس على تلقِّيه عن بعض الشيوخ الصالحين، وارتقاؤه بذلك، فما درى كيف يقطعه، فجاء تصوّر إليه وقال له: فلان، أنا مَلَك، جئت إليك بإذن لك من الله لترى الجنة، تدخل الجنة فقط بين المغرب والعشاء، -الساعة حق الدرس حق الشيخ هذا الذي يدرس فيه بين المغرب والعشاء-، لكن سر لا تخبر أحد؛ قال: مرحبا! وكان يأخذه يطير به إبليس إلى محل مزبلة، لكن يصلح له سينما كذا يشوف أشجار وأنهار ويقول هذه الجنة! حتى يعَدّي وقت الدرس، يقول له إبليس: هيا أرجعك، ويرجعه إلى بيته.
فانقطع عن الدرس عن الشيخ، فجاء يوم عند الشيخ قال له: ما لك انقطعت عن المجلس والدرس؟ وقال له التلميذ: عذر عندي، قال له الشيخ: أيش العذر؟ قال له التلميذ: ما أستطيع أتكلم، قال له الشيخ: أنا شيخك؟ قال له التلميذ: نعم؛ قال له الشيخ: بحق ما عليك من حق المشيخة ما عليك لي، قل لي ايش العذر لديك؛ قال له التلميذ: سر. قال له الشيخ: ما عليك سر لن نخبر به أحد، أنا شيخك اضمنه؛ قال التلميذ: يجينا مَلَك ياخذنا إلى الجنة في هذا الوقت أشوف الجنة وقال سر؛ عرف الشيخ أنها مكيدة، قال له: اسمع خلاص بحق المشيخة هذه إذا جاءك الليلة هذا قل له: الجنة ما عاد أحد يخرج منها لا تخرج من المحل الذي يذهب بك إليه، اقعد محلك هناك وإن قال كذا أو كذا قل له لا أنا لن أخرج من الجنة واجلس محلك، قال له: إن شاء الله مرحبا..
فجاء لهذا الرجّال، فقال له إبليس: خلاص ارجع قال له التلميذ: لا أنا لن أخرج منها، قال إبليس: كيف؟ أنا عهد بيني وبينك، وهذا الإذن إنما في هذا الوقت فقط؛ قال التلميذ: أبدًا، أنا لن أخرج؛ -امتثل أمر الشيخ- حاول إبليس وحاول وما رضي التلميذ، راح وتركه.
لما بدا ضوء الفجر إذا به فوق مزبلة! محلات قاذورات وأوساخ، لا جنة ولا شيء من ذلك، كلها تخييلات يخيلّه؛ عرف التلميذ أنه كان مضحوك عليه؛ راح رجع إلى عند الشيخ وجاء ليحضر الدرس، قال الشيخ: ما عاد رحت الجنة؟! قال: جزاك الله خير، كان بيروح بي بعيد؛ لأنه شاف أنه بينجح على يد الشيخ وبيطلع، قال له إبليس تعال خذ الجنة وكلام فارغ؛ الجنة عند الشيخ! "إذا مررتم برياض الجنة.."، هناك الجنة حقيقة، بعَّده عن الجنه وراح به عند المزبلة وقال له: هذه الجنة، كم يضحك على الناس!..
الله يدفع شره عنا، ويجعلنا من عباده الذين ليس له عليهم سلطان.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة.
22 ذو الحِجّة 1441