(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 19 ذي الحجة 1441هـ.
تتمة شرح الحكمة (64): "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا ، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا"
الحكمة (65): "خَفْ مِنْ وُجُودِ إِحْسَانِهِ إلَيْكَ، وَدَوَامِ إِسَاءَتِكَ مَعَهُ.. أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ استِدْرَاجًا (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
تتمة شرح الحكمة (64): "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا ، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا"
"وهذه النِّعم لا مطمع في إحصائها؛ لأن تجليات الحقِّ في مراتب الوجود لا نهاية لها، وقد علمت أن في كلٍّ تجلٍّ نعمة: إما ظاهرة وإما باطنة.
وتعبيره بالقيد: هو إشارة إلى إدامة النعمة بوجود الشُكر والمزيد منها، قال الله جلّ ذِكرُه: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]؛ إذ ثوابُ كل طاعةٍ غير ما وعد به من التضعيف والتنمية.. طاعةٌ أعظم منها، فيكون تضعيف في الظاهر بذلك، وتضعيفٌ في الباطن ما ادَّخره عنده، حيث يُربِيها كما يربي أحدُكم فَلُوّه؛ إذ القيد: هو ما يُمسَك به الشيء المغتبَط به، ولكل شيء قيد.
وقيد النعم بالشكر لله؛ لأن الملك إذا أهدى إلى أحد خاصّته هديته، وقبلها على أحسن وجه، وعمل بها فيما يرضى منه الملك عمله.. فحريٌّ أن يزيده من نعمه، ويُسدي إليه من مننه، وإن لم يقبلها كذلك، ولم يصرفها فيما هنالك.. فما أجدره بالعقوبة!! وما أبعد عطايا الملك عنه!!
والعقال: هو أبلغ في الحفظ من القيد أو زيادة عليه؛ فحيث لم يعصه بنعمه.. فقد قيَّدَها، وحيث أطاعه بها وصرفها في محابِّ سيده.. فقد عَقَلَها، فهو أحرى بالزيادة، وأجدر بعدم الإنفلات وسوء الانقلاب.
والشكر على كل نعمةٍ دينية أو دنيوية، وإذا كان على النعم الدينية.. فالشكر من أجلِّ النعم، فلعمرى؛ لقد عجز العبد عن شكر الله إذا كان شكره لله نعمةً تقتضي بانفرادها شكرًا، فغاية الشكر من العبد: أن يعترف بأن ما به من نعمةٍ فمن الله.
وفي أخبار داود عليه السلام: "يارب؛ كيف أشكرك وشكري لك نعمةٌ منك؟! قال: يا داوود؛ إذا عرفت ذلك.. فقد شكرتني".
فأبلغ الشكر: شكرُ رسول الله ﷺ؛ حيث قال: "لا أُحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك".
والكف عن استعمال الجوارح؛ إذ هي من جملة النعم، بل من أعظمها، وصرف النعم في معاصي الله.. أول مراتب الكفر؛ كما قررنا ذلك.
وشكر الوسائط أيضًا من الشكر، قال ﷺ: "من لم يشكر القليل.. لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله". عزَّ وجلَّ.
وشكر الناس؛ بأن تدعو لهم في مقابلة ما أوصله الله من النعم على أيديهم، أو دفع من الأذى على أيديهم كذلك، وتراهم أسبابًا نصبها الله، لا لهم ولا منهم ولا بهم.
والعبد: إما ينسب الأشياء إليهم نفعًا ودفعًا ويغيب عن الله.. فهذا شركٌ ظاهرٌ جليّ، ومن ثمرته: الذلة لهم، وتحسين أفعالهم، وإن كانت قبيحة، فهذا نفاقٌ لا مرية فيه.
وإما رجلٌ مصطلمٌ لا يرى للوسائط أثرًا، ولا يشهد لها عينًا، ولا يسمع لها خبرًا، غاب عن الأكوان، ورأى أن ليس معه ثان، فحُجِب عن الأكوان، ولم يطلع على ما أودع الله في الموجودات من سرِّ القدرة، وأبدع فيها من غرائب الحكمة.
والكمال يعطى هذا المقام على التمام، فيرى انفراد الله في الأمر في سائر الأعيان، فيشهد الوحدةَ في الكثرة، والكثرةَ في الوحدة، فلا تطفئ حقيقتُهُ شريعتَهُ، ولا تحجب شريعتَهُ ظهورَ حقيقته، فالحمد لله على ما ألهم، ونشكره على ما أنعم. ولي في ذلك:
الشكرُ قيدٌ ويجلبْ غائب النِّعمِ *** من لم يُقَيِّدُهَا فليقبل النقم
إذا علمت: أن الشكر قَيْدُ النعمة، والكفران مفتاح النقمة.. كأنك تقول: إنَّا نرى من يتعاطى المعاصيّ ولا يعمل الطاعاتِ تتزايدُ عليه سوابغ النعمة!!
فاعلم: أن ذلك من علامات المكر؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (65): "خَفْ مِنْ وُجُودِ إِحْسَانِهِ إلَيْكَ، وَدَوَامِ إِسَاءَتِكَ مَعَهُ.. أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ استِدْرَاجًا (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)".
الخوف: من أحوال المؤمنين، والأمن: من صفات الغافلين؛ فأرباب العقول يخافون من الاستدراج بالنعم أكثرَ ممَّا يخافونه بغيرها، كما عرفوا ذلك من أحوال المبعدين، وسِيْما المطرودين؛ حيث قال الله فيهم مخوِّفًا لعباده، وزاجرًا عن التشبُّه بأفعالهم، ومحذِّرًا عن الاقتداء بأحوالهم من الفرح بالأعراض الفانية الدنياوية، والانهماك في الملاذِّ البشرية: فلما فرحوا بما أوتوا من النِّعم والحظوظ العاجلة، ونسوا الحقوق الربانية، ونسوا بها الأقسام الآجلة.. (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام:44]، من المطالب الشاغلة عنَّا وعن أداء حقِّنا، التي توصلهم إلينا، ويؤدُّون بها حقَّ شكرنا، فاغتروا بذلك، وأَنِسُوا إلى ما هنالك من الملاذِّ الفانية، وقالوا: إن الله ما أعطانا هذا إلا وسيعطينا إن كان رجعنا إليه.
فاستطالوا بذلك على الفقراء، وظنوا أن الله ما أعطاهم وزوى الفقراء إلا لحظِّهم وهوان الفقراء، فرغبوا عن طريق العبودية؛ التي قطب دائرتها الافتقارُ إلى الله في جميع الأحوال، والذلَّة التي هي مقتضى حال العبيد، ونازعوا في أوصافه من الاستغناء والعظمة والكبرياء؛ فبذلك سُلِّطت عليهم دواعي الأهواء، وانفتحت طرائق الإغواء، فأُخذوا أخذَ ذي قوة متين بغتةً من حيث لا يظنون ذلك، (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:44].
فانظر واعتبر؛ فلو كان الذي يُعطى حظوظه الدنياوية أحظى ممَّن يُمنعُها.. لانعكس الحكم؛ بأن تكون أحوال المبعدين من الفجَّار والطغاة الكافرين أحسن من أحوال الأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين؛ لأن أحوالَهم في الأغلب العزوف عن الملاذِّ الدنياوية، والإبتلاء بالمحن في عموم الأوقات.
ولم يفعل ذلك معهم هوانًا لهم ولا احتقارًا؛ بل ليوفِّر لهم ما لديه، وجبرًا لقلوب الفقراء؛ حيث سلك بأنبيائه وخيرته وأصفيائه مسلَكَهُمْ، سيما أعظمهم وأكملهم وأرفعهم لديه محمد ﷺ؛ حيث قال: "الحياةُ حياتكم والمماتُ مماتكم".
أي: حياتي حياتكم، ومماتي مماتكم؛ ليظهر عدله في كافة خلقه؛ لئلا يظن ذو فهمٍ سقيمٍ أن الأنبياء والأولياء ليسوا بشرًا، كما وقع لبعضٍ من قوم عيسى، فردَّ الله عليهم ما قالوا، وأبطل ما حكموا؛ بأن قال -جلّ ذكره-: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ) [المائدة:75].
فهذا ما يُلقى في الفهم من حكمة ما يصاب به الأنبياء وأكابر الأولياء، مع ما يريد أن يدَّخره لهم عنده، ويزلفهم به من جزيل الكرامات ورفيع المقامات، وهو يقدر على أن يعطيهم من غير ابتلاء، ولكن يتعرَّف إليهم من سائر الأسماء؛ ليشهدوه بكل مشهد، فلا يجهلونه في شيء، فيصير في حقِّهم بهذه المثابة عطاء.
وأما المُستدَرجون -والعياذ بالله- من وبيل استدراجه ومكره فإنهم إذا عملوا سيئةً.. جُدِّدَ لهم حظٌّ دنيوي، وإذا عملوا حسنةً.. ظهرت بلية، فيرون أن هذه البلية عقوبةٌ على هذه الحسنة، وأن ذلك الحظَّ الذي نالوه ثوابُ تلك السيئة، فيُخَيل إليهم أن المثوبة في مقابلة السيئات، والعقوبة في مقابلة الحسنات، فيثبت عندهم ذلك، فهذا من أشد وجوه الاستدراج والمكر، أعاذنا الله من ذلك.
فمن هنا: اشتدَّ خوفُ الأكابر عند تجدُّد النعم الدنياوية عليهم، ودوام العوافي البدنية لديهم، وعظم فرحهم بوجود المصائب وضروب المتاعب؛ وذلك لا من النقم من حيث هي نقم، ولا للمصائب من حيث هي مصائب، ولكن ِلمَا ترتَّبَ عليهن من العواقب، فإذا لاحَ لهم من هذا لائح.. طاشت العقول، وانزعجت القلوب من خوف المقام المرهوب، ولي في ذلك:
خَفْ كلَّ إحسانِ يسديهِ إليك على *** ما أنت مجترحٌ من فعلك الزللِ
وكل مكروهِ نال العبد منه فلا *** يجزع لذلك إنَّ المِثلَ بالمِثلِ
فإذا عرفت ذلك.. فاعلم: أن الإحسان الذي قد يكون به الاستدراج والمكر: إما أن يكون من قبيل النعم الظاهرة، فذلك ظاهرٌ قد يُبتلى به عموم الخلق، ويعرفه كلُّ أحد، وإما أن يكون من قبيل الآيات والعلوم والكرامات، فهذا ممَّا يبتلى به المريدون وطوائفُ السالكين المبتدئين، وهذا أشدُّ من كل بليةٍ غيره، وأخفى مما ذُكر من الابتلاء بالنعم الظاهرة؛ لذلك عقَّبَ بذكر هذا الصنف، وأبلغ في كشفه، وحقَّق في وصفه، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (66): "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ، فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ؛ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ".
الحمد لله مُكرمنا بنور الإيمان، وصلى الله وسلم على عبده الذي أنزل عليه القرآن، واختاره من بين جميع الأكوان، سيدنا محمد وعلى آله وأهل بيته المطهرين عن الأدران، وصحبه الذين أعلى لهم المرتبة والشأن، وعلى من والاهم وأحبهم وتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم وميزهم وفضلهم إلـٰهُنا الرحمن، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وقد بيّن لنا الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- أن شُكر النعم سبب لبقائها والمزيد، و "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا ، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا".
وبيّن لنا أن النعم..
وذكر لنا من النعم العامة: نعمتان لا يخرج أي مخلوق عنهما وهي:
ثم ذكر لنا بعد ذلك أصناف من النعم الظاهرة التي لا يُستطاع حصرها؛ ما في تركيبنا وما في ترتيبنا.
ونعم باطنة: وهو ما ادّخره، واستأثر به مما هو الأصلح، وما اختص به روحانية ابن آدم من بين الذرات؛ فهيأها لمعرفة خاصة به -سبحانه وتعالى- ما تقدر عليها بقية الكائنات والمخلوقات.
قال: "وهذه النعم لا مطمع في إحصائها" (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ) [النحل:18]؛ "لأن تجليات الحق في مراتب الوجود لا نهاية لها".
"وقد عَلِمت أن في كل تجلٍّ نعمة، إما ظاهرة وإما باطنة"؛ فقَيِّدها بالشكر.
قال: عبّر "بالقيد إشارة لإدامة النعمة بوجود الشكر، والمزيد منها، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ) [إبراهيم:7]"، فكل طاعة لها ثواب يتعلق بما وُعِد به، ومضاعفة تلك الحسنة والجزاء في الآخرة.. هذا ثواب.
لها ثواب آخر، أيش الثواب الآخر؟
يوفقك لطاعة أخرى أعظم منها، فتكون الزيادة في الدنيا وفي الآخرة كذلك، فيزيدك في الدنيا بتوفيق لطاعة أخرى، ويزيدك في الآخرة مضاعفة لهذه الخيرات والمثوبات على هذه الطاعات.
قال: "إذ ثواب كل طاعة غير ما وعد به من التضعيف والتنمية طاعة أعظم منها".
فإذا عَجَّل عقوبتك على هذه السيئة؛ يوقعك في سيئة أخرى، فإذا زادت عليك السيئات؛ اسودَّ القلب ولم تنتفع بعد ذلك بالموعظة ولا بالذكرى، إلا أن يرحمه الله أو يموت على بُعدٍ -والعياذ بالله- وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي.
"فيكون تضعيفٌ في الظاهر" بالتوفيق لنعمة أخرى، "في الباطن ما ادخره عنده من الثواب" حيث يربّي لك الحسنة "كما يربّي الانسان فَلُوّهُ"؛ الصغير من الخيل، ولد الخيل حقه يعتني به ويربيه، وكانت من أعز الأموال لديهم، قال فصدقتك وأعمالك الصالحة إذا قبلها الله منك؛ يربّيها كما يربّي الإنسان فَلُوّهُ، حتى تكون التمرة كجبل أُحد، كيف تكبر تمرة كجبل أُحد، جبل أُحد كم كيلو تمشي فيه، مساحته بس، كم ثقله؟ جبل ممتد، فقال: التمرة تصير مثل هذا! تمرتين ثلاثة أربع! وهكذا، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ)[البقرة:261] جلّ جلاله وتعالى في علاه.
"إذ القيد: هو ما يمسك به الشيء المغتبط به، ولكل شيء قيد، وقيد النعم" شكر الله -تبارك وتعالى- وهو:
هذا الشكر، ويزيدك ويزيدك، وخذ…
واشكر الله واطلب عند شكره مزيده *** سَله يدخلك في أهل الوجوه السعيدة
أهل علم التقى أهل الصفات الحميدة *** لي لهم كل ساعة منه عطوة جديدة
وقالوا في أثر هذا الشكر وفي معاملة المشكور المذكور الرحمن الكريم الغفور:
لساني بحمد الله قد أعلنت شكرًا *** على نعمٍ لا أستطيع لها حصرًا
فما ساعةٌ مرّت عليّ ولحظةٌ *** من الوقت إلا جَدّدت عندي البشرى
فورثوا نصيبًا من (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) [الضحى:5]، لا إله إلا الله.
وبذلك قال صاحب هذه الأبيات الحبيب علي الحبشي مخاطبًا سيدنا الفقيه المقدم:
أنت عين الوجود سرًا ومعنىً *** لك بالإرث كان كاف الخطاب
الكاف الذي خُوطِب به سيد الأحباب، سَرَت إليك مواريثه، (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ)[الضحى:5]، (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)[الشرح:1] العارفون والأولياء كلهم حصلوا نصيبًا من الإرث (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) فكان خطاب الرحمن لهم في ذات حبيبه، حتى يقوَوا على هذا الخطاب وسره، ويصل إليهم سهلًا يسيرًا، من خلال الذات الكريمة، فيصل إليهم. وهكذا.. وبه شرح صدورهم، ورفع ذكرهم، ووضع أوزارهم، جل جلاله.
يقول: " وقيد النعم بالشكر لله؛ لأن الملك إذا أهدى إلى أحد خاصته هديته، وقبلها على أحسن وجه، وعمل بها فيما يرضى منه الملك عمله.. فحريٌّ أن يزيده من نعمه، ويسدي إليه من مننه، وإن لم يقبلها كذلك، ولم يصرفها فيما" يحبه الملك " فما أجدره بالعقوبة!! وما أبعد عطايا الملك عنه"، وملك الملوك -وله المثل الأعلى- إذا صرفت نعمه فيما يحب منك وخضعت وخشعت؛ زادك من فضله ما هو أهله جل جلاله.
"والعقال: أبلغ في" التحفظ "من القيد أو زيادة عليه؛ فحيث لم يعصه بنعمه" "قيَّدَها، وحيث أطاعه بها" "عَقَلَها، فهو أحرى بالزيادة، وأجدر بعدم الإنفلات وسوء الانقلاب.
والشكر على كل نعمةٍ دينية أو دنيوية، وإذا كان على النعم الدينية.. فالشكر من أجلِّ النعم"، أنت تشكر الله على النعم الدينية والدنيوية؛ ولكن الشكر على النعمة الدينية نعمة أخرى كبرى، والشكر على النعم الدنيوية نعمة، توفيقك للشكر نعمة، لكن توفيقك للشكر على النعم الدينية نعمة أعظم؛ لأن النعمة الدينية في حد ذاتها أعظم، فالشكر عليها ومحبتها نعمة أعظم، وتوجب مزيد أعظم. قال: "الشكر على كل نعمةٍ دينية أو دنيوية" لكن "إذا كان على النعم الدينية.. فالشكر من أجلِّ النعم".
"فلعمرى؛ لقد عجز العبد عن شكر الله إذا كان شكره لله نعمةً تقتضي بانفرادها شكرًا، فغاية الشكر من العبد: أن يعترف بأن ما به من نعمةٍ فمن" من؟ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ) [النحل:53]".
اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك، من حملة العرش ومن دونه وجميع أهل السماوات والأرض والأولين والحاضرين ومن في الدنيا، وفي البرزخ والنعم التي عندهم كلها، فمنك وحدك، ما حد ثاني يعطيها غيرك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
فإذا قَبل منك هذا الحمد والشكر، وأنت ممتثل باتباع حبيبه ﷺ، شاركت أهل هذه النعم كلها في نعمهم، وفاضت عليك فائضة من كل هذه النعم.
اللهم ما أمسى بنا من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
وهكذا.. يقول "في أخبار سيدنا داود قال: يارب: كيف أشكرك" وأنا إذا شكرتك كان "شكري لك نعمة" جديدة مننّت بها عليّ تحتاج إلى شكر؟ كيف أشكرك؟ كلما بأشكرك بالثناء عليك، بالإعتراف بنعمة من عندك، بعمل الصالحات، وجدت هذا الإعتراف نعمة! عمل الصالحات نعمة! الثناء عليك نعمة جديدة! كله نعم جديدة تحتاج إلى شكر، كيف أشكرك؟.. "قال: إذا عرفت ذلك.. فقد شكرتني" أي: إذا عرفت ذلك، أيقنت بالعجز عن القيام بحق شكري، فخضعت لي وامتلأت بأنّي المنعم المفضال الذي لا يُطاق شكره بحال، هذا شكرك لي.. يعني هذا الذي أطلبه منك، لأنك لا تقدر على غير ذلك، ما تقدر على غير هذا، ما حد من الملائكة والإنس والجن يقدر على غير هذا، من بيشكره إلا بنعمة جديدة من عنده، وأما من غير نعمة جديدة كيف يشكر؟ مايقدرون، هاتوا شيء من عندكم ما هو من عنده اشكروه به، من أين بيجيبوه؟ خلقهم منه وفعلهم منه (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96].
ما يتأتى شكره إلا بنعمة جديدة من عنده، بس هذا هو، فهذا الذي نقدر عليه وقال ذا يكفي منكم خلاص، وأسميكم شاكرين! تفضُّل منه وتنزّل، على ايش شاكرين! أنعمت وبعدين زيّدت وبعدين تسمينا نحن شاكرين؟ أنت المشكور والشكر لك.. أيش صلحنا؟ تزيدنا وتقول: نحن شاكرين؟ هو قال: بأسميكم شاكرين، فضل..
كما سميتكم موجودين، ولا وجود لكم أنتم في الأصل؛ أصلكم عدم، أوجدتكم سميتكم موجودين، وأنعمت عليكم بالإيمان سمّيتكم مؤمنين، وهبتكم الإحسان سميتكم محسنين، فكلها بالنسبة للخلق مجازات أما الحقيقة له سبحانه وتعالى.
يقول: "فأبلغ الشكر: شكرُ" سيدنا المصطفى من كان يقول في كل ليلة كما روى الإمام مسلم وأبو داود وغيرهما عنه ﷺ، كل ليلة يخاطب الرب لمّا يتهجد يقوم قيام طويل، مرّ ابن مسعود جاء حصله جاء قام يصلي معه وراه، قرأ ﷺ: الفاتحة كمّل، بسم الله الرحمن الرحيم (الٓمٓ * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:1-2] سورة البقرة ظنيت أنه على مئة آية بيركع، كمّل مئتين وشيء آيات وكمّل السورة كلها، فقلت إنه يركع بها، قال: استفتح سورة آل عمران قلت يركع بها، فاستفتح سورة النساء كل هذا في الركعة الأولى! قال: حتى هممت بأمر سوء! قالوا: ما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأتركه، بجلس وبخليه ﷺ قائم في صلاته، قال: ما يقرأ و بس!.. لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل الله الرحمة، ولا بآية عذاب إلا وقف واستعاذ الله، ولا بآية تسبيح إلا سبّح، ولا بآية حمد إلا حمد، في أثناء القراءة، وسَعِد ابن مسعود عليه الرضوان.
وحتى ورِمَت قدماه.. يقول ﷺ بعد الصلاة كل ليلة الوتر: "اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذُ برِضاك مِن سَخَطِك، وأعوذُ بك مِنك سبحانك لا أحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك". شُف هذا سيد الشاكرين.
قال الإمام الغزالي: يلاحظ الأفعال، يقول أعوذ بمعافاتك من عقوبتك. قال: ثم يلاحظ الصفات يرتقي ويقول: وأعوذ برضاك من سخطك وبعدين يخرج عنها كلها إلى الذات يقول: وأعوذ بك منك! وأعوذ بك منك، فوق الأفعال والصفات.. الذات "وأعوذ بك منك سبحانك لا أحصي ثنًاء عليك" ما أقدر "أنت كما أثنيت على نفسك". وهذا دعاؤه ﷺ كل ليلة ومناجاته كل ليلة صلوات ربي وسلامه عليه.
عسى تشرّف لسانك بتلاوة هذا الكلمات، فإن خير الكائنات كان يخاطب بها المكوّن، شرّف لسانك بها.
وعسى إذا تشرّف لسانك بها يتشرّف قلبك بالسراية من معناها.
وإذا تشرّف لسانك وتشرّف قلبك تشرّفت الروح.
وإذا تشرّف بهذه الكلمات ومعناها وذوقها وحقيقتها لسانك وقلبك وروحك أشرق نور السر فشاهدتَ.
وإلا ما تجيبها كل ليلة؟ هاتها باقي أيام الدورة، وبعد الدورة إلى ليلة موتك، واظب عليها، فهي زادك، هذه خير ما تكسبه من الحياة الدنيا، دخّله معك إلى الحياة الكبيرة وتحصّل زاد شريف كريم ثمين، كلمات خير البريات خاطَب بها رب البريات، وأنت تتشرّف بها وتحصّلها سهلة قريبة جابها لك ﷺ، سهلة قريبة ولك الشرف الأفخر، إذا صليت الوتر قل: "اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك سبحانك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك". لا إله إلا الله.
ورآه بعضهم ﷺ قال: علمني يا رسول الله دعاء لصلاح القلب؟ قال له: قل: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أربعين مرة"، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، ويأتون به بعد الوتر ويزيدون فيه: سبحانك إني كنت من الظالمين. أفضل الدعاء دعاء أخي يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
يا حي ياقيوم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سمعت! هذا ثناء الحبيب ﷺ على الرب.
"الكف عن استعمال الجوارح، إذ هي من جملة النِّعم بل أعظمها"، وصرف النِّعم عن استعمالها في المعصية "وصرف النِّعم في معاصي الله.. أول مراتب الكفر" -والعياذ بالله تعالى- الكف عن استعمالها في الطاعة واستعمالها في المعصية "أول مراتب الكفر" نعوذ بالله من الكفران.
"وشكر الوسائط أيضًا من الشكر"، الوسائط يعني: من جعله الله سبب ووسيلة، مثل أبويك: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، والوالدان سبب وجودك في الحياة، أبوك وأمك؛ الله رتب وجودك على وجودهما، منهما، وهو الموجد لك ولهما، ولكن رتب وجودك عليهما، فلهما حق الشكر، (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان:14].
وكذلك من أجرى نعمة على يديه لك، إذا علمت ذلك فإن الحق -جل جلاله- فرّع الوجود والخلق بعد أن خلق النور المحمدي، خلق نور محمد، فكان سبب وجودك أنت وأبويك كلهم وآباءهم… السبب الأول للوجود ﷺ، أوجده -سبحانه وتعالى- ثم جعله سبب للموجودات.
فنور هذا الحبيب أول مخلوق برز في العالم ومنه تفرّع الوجود، بعدين؟ والإمداد، الإيجاد والإمداد بسببه كله جاء، الإسلام عرفناه به، والدين عرفناه به الحمد لله. فما أحد أجرى الله على يده النعمة لك كما أجراها على يد محمد. "وشكر الوسائط" من شكر الحق، "عبدي لم تشكرني إذا لم تشكر من أجريت لك النعمة على يديه".
كثير لهم أيادي عليك، لكن اليد الطُولى في عالم الخلق التي مَنَّ الله بها عليك بأعلى النعم: محمدٌ، محمدٌ، محمدٌ ﷺ، محمد بن عبد الله أبو البتول الزهراء، أبو القاسم هو أحق من نشكره من الخلائق، فما أجرى الله علينا من النعم على يد أحد كما أجراها على يده الكريمة ﷺ وبه كُنَّا خير أمة ﷺ.
إيجادنا ثم إمدادنا، ليالي طويلة كثيرة بكى فيها من أجلنا، من وصلت لنا نعمة على يده مثل هذه النعمة؟.. ولو بكت ألوف ملايين العيون لم تساوي بكية عينه الكريمة. العيون التي بكت من أجلنا استرحامًا واستعطافًا من الله جزاها الله عنّا خير جزاء، لكن العين تلك هي الأصل، العيون هذه ليس فيها من تشرفت برؤية الذات من الدنيا إلا تلك العين، فلما تبكي تلك العين هل غيرها مثلها؟! ما في مثلها. كم بكى: أمتي أمتي أمتي أمتي أمتي... أنت واحد من أمته، مذكور في هذا الهمّ، وعلى حسب استقبالك تُختص بمعناه وبسره وبِأثره في العالم الشهودي.
كثّر قول: "أمتي أمتي"، إلى حد أن بعض الليالي أرسل الحق تعالى جبريل إليه؟ قل له: ما يبكيك؟ قل له: ما يبكيك؟ طال بكاؤه في الليل، قال: وهو أعلم سبحانه وتعالى، قال لجبريل: اذهب إلى عبدي محمد قل له يقول لك ربك: ما يبكيك؟ وأنا أعلم.
فجاء سيدنا جبريل إلى الحبيب ﷺ قال له: إن ربي أرسلني إليك ويقول لك: ما يبكيك يا محمد؟ وهو أعلم، قال يا جبريل: مررت على قول إبراهيم في أمته: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [ابراهيم:36]. وعلى قول عيسى: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:117-118]، فذكرت أمتي وما يكون لهم بعدي وحالهم في القيامة، فلذلك بكيت، أنا أبكي من شأن هذا؛ كيف يكون حال أمتي من بعدي، وكيف حالهم في القيامة؟ رجع سيدنا جبريل قال: رب أنت أعلم بما قال عبدك محمد، قال: كذا قال: ارجع إليه قل له: "إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك فيهم".
واجعل اللهم من إرضائك له أن تقبلنا وأحبابنا هؤلاء في ناصريك وناصريه، ومحبّيك ومحبيه، ومحبوبيك ومحبوبيه في عافية، وأن تجعلنا ممن تزيد لهم المنح والعطاء وتقيمهم مقام الشكر على خير الوجوه، يا رحمٰن، تكتب لنا أعلى السعادة في الغيب والشهادة في الدنيا والآخرة يا الله.
"إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك فيهم". فيرى في أمته من تقر بهم عينه، تُعرض أعمالهم عليه وأحوالهم ونياتهم، ثم يَفِدون عليه ويَرِدون الحوض المورود في الأوائل بوجوه لمّا تراها الأمم تقول: كأن هؤلاء كلهم أنبياء! اللهم صل عليه.
"إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك فيهم". فخذ نصيبك، وربما في ختام الدورة وُزِّع نصيب من هذا لمن شاء الله، فيُرضى الحبيب فيه إرضاءً بالغًا بما يُحدث في قلبه وفي روحه وفي سره وفي حسه ومعناه ودنياه وأخرته، يرضي الحبيب فيها. "إنا سنرضيك في أمتك" أعلى درجات الإرضاء "ولن نسوءك فيهم" ولن نخزيك فيهم ﷺ، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم:8].
قال ﷺ: "من لم يشكر القليل.. لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله". رواه النعمان بن بشير عن النبي ﷺ كما جاء في مسند الإمام أحمد والبيهقي كما ذكر عندكم.
"وشكر الناس؛ بأن تدعو لهم في مقابلة ما أوصله الله من النعم على أيديهم، أو دفع من الأذى على أيديهم كذلك". قال سيدنا أحمد بن حنبل: لي أربعون سنة ما صليتُ صلاةً إلا دعوت للشافعي، كل صلاة يدعو للإمام الشافعي، وقيل له: من هذا الذي تدعو له هذا الدعاء كله؟ قال: يا بنيّ كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للأبدان، فهل ترى لهذين من عِوض؟ عرف الأمر.
وكان ﷺ حَسَن الرد للمعروف والجميل، حتى للكفار! حتى الكفار إذا أحد منهم صنع معروف وجميل، يكافئه ويرده له. وهكذا.. إلى الحد الذي قال فيه عن السبعين الأسرى في بدر يقول: "لو كان مطعم بن عدي حيًا ثم سألني في هؤلاء لأعطيتهم إياه"، ويفك السبعين كلهم لأنه له يد معروف، فهو حسن الوفاء ﷺ وحفظ المعروف حتى للكفار، صلوات ربي وسلامه عليه.
يقول: ويدعو لهم على ما أجرى الله على أيديهم، من وصول نِعم أو دفع أذى، ويراهم مع ذلك "أسبابًا نصبها الله، لا لهم ولا منهم ولا بهم."، من الله ولكن هم سبب، الله جعلهم كذلك.
قال: "والعبد" الإنسان في الدنيا "إما ينسب الأشياء" إلى هذه الأسباب "نفعًا ودفعًا ويغيب عن الله" وهذا من جملة الشرك الظاهر الجلي، وهو كفران بالمنعم الحقيقي، وافتتان بالوسائط، وهو: أن ينسب الأشياء إلى الأسباب والوسائط، وينسى الحقّ الذي خلقهم وخلقها، وأَجراها على أيديهم.
قال: هذا شرك ظاهر خفي، من نتائجه: يتذلل للناس، ويثني عليهم حتى وإن كانوا على سوء، ويحسّن أفعالهم "وإن كانت قبيحة، فهذا نفاقٌ لا مرية فيه"؛ لأنه افتتن بالوسائط وظن أنها الفعّالة، وليست فعّالة إنما هي أسباب.
"وإما رجلٌ مصطلمٌ" غلبه شهود الحق -جل جلاله- "لا يرى للوسائط أثرًا، ولا يشهد لها عينًا، ولا يسمع لها خبرًا، غاب عن الأكوان، ورأى أن ليس معه ثان فحُجِب عن الأكوان، ولم يطلع على ما أودع الله في الموجودات من سرِّ القدرة، وأبدع فيها من غرائب الحكمة".
وهذا معذور في شهوده للحق وشأنه شأن؛ لكن في مقام للكمال، "يعطى هذا المقام على التمام، فيرى انفراد الله في الأمر في سائر الأعيان، فيشهد الوحدةَ في الكثرة، والكثرةَ في الوحدة"، فيرى أن المسبب وحده أجرى هذه الأسباب على أيدي هؤلاء، فلهم حق التقدير والاحترام والشكر، فيجمع بين الأمرين، "فلا تطفئ حقيقتُهُ شريعتَهُ، ولا تحجب شريعتَهُ ظهورَ حقيقته، فالحمد لله على ما ألهم، ونشكره على ما أنعم".
الشكرُ قيدٌ ويجلبْ غائب النِّعمِ *** من لم يُقَيِّدُهَا فليقبل النقم
فالشكر"قَيْدُ النعمة، والكفران مفتاح النقمة".
فإذا رأيت واحد واتته الأسباب الحسية والنعم الظاهرة وهو مخالف يعصي الله، لا تظن أنها نِعم، هذه مصائب! (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ)[المؤمنون:55-56]. (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف:182-183]. نعوذ بالله من الاستدراج، ونعوذ بالله من الهوى.
ولهذا قال سيدنا الإمام الحداد: من تيسّرت له مطالبه الأخروية، وتعسرت عليه مطالبه الدنيوية؛ ذلك من ورثة النبيين ومن تيسرت له مطالبه الدنيوية وتعسرت عليه مطالبه الأخروية؛ فهذا من المستدرجين.
ومن تيسرت له مطالبه الدنيوية والأخروية معًا؛ هذا من أصحاب اليمين تتيسر له مطالبه الدنيوية والأخروية كلها. ومن تعسرت عليه مطالبه الدنيوية والأخروية فهو إخوان الشياطين.
فإما يكون من ورثة النبيين، أو يكون من أصحاب اليمين، أو يكون من المستدرجين، أو من إخوان الشياطين.
يقولون كما فقير اليهود لا دنيا ولا آخرة! في الدنيا تعبان وفي الآخرة نيران، ولا هو من ذا ولا من ذا، كلها صعبة عليه، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولهذا كثير من الأكابر وورثة النبيين، يكون الأمر عليهم في كثير من بداياتهم وبعض شؤونهم صعب في المطالب الدنيوية، ثم يُدبَّر ويُسخَّر كله وهم في الرتبة العليا، كحال النبيين أنفسهم؛ يُبتلون بالاختبار والشدة وبعدين العاقبة لهم. (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) [الفتح:1]، و(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ..) بعد الشدائد التي مرت كلها ﷺ.
يقول: "خَفْ مِنْ وُجُودِ إِحْسَانِهِ إلَيْكَ، وَدَوَامِ إِسَاءَتِكَ مَعَهُ.. أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ استِدْرَاجًا"
فيقول: "الخوف: من أحوال المؤمنين، والأمن: من صفات الغافلين؛ فأرباب العقول يخافون من الاستدراج بالنعم أكثرَ ممَّا يخافونه بغيرها، كما عرفوا ذلك من أحوال المبعَدين، وسِيْما المطرودين؛ حيث قال الله فيهم مخوِّفًا لعباده، وزاجرًا عن التشبُّه بأفعالهم، ومحذِّرًا عن الاقتداء بأحوالهم من الفرح بالأعراض الفانية الدنياوية، والانهماك في الملاذِّ البشرية" (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:44] الله أكبر.
يقول -سبحانه وتعالى-: (حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ) [يونس:24].
(أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)[الشعراء:205-207]، أيش أفادهم؟ فليس الكريم ولا الشريف ولا العزيز ولا السعيد من تيسرت مطالبه الدنيوية ولا من نُعِّم فيها أبدًا!.. ولكن من أُلِهم التقوى وأُرشد إلى الأقوم الأقوى وقصد عالم السر والنجوى، فهو المُنعَم عليه، وهو السعيد، وهو الكريم، وهو الشريف، وهو العظيم.
يقول: "نسوا الحقوق الربانية، ونسوا بها الأقسام الآجلة.. (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام:44] من المطالب الشاغلة" عن الله وعن أداء حقه، "فاغتروا بذلك وأَنِسوا" إليها "والملاذ الفانية وقالوا: ما أعطانا هذا إلا وسيعطينا إن كان رجعنا إليه".
كما قال: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا)، من قال لك؟ من أين جئت بالخبر هذا؟ إذا الأوهام والخيالات والوهم، وأشد ما يقود الإنسان الوهم. بس خلاص قده لك حق الآخرة، من قال لك؟!
جاوب عليه الرجل المؤمن الثاني: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّٰكِنَّا) لكن أنا (هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) وشفت هذه النعم الظاهرة (قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ) ربي يقلّب الأحوال ويحولها (فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) ليلة واحدة وجاءها الحسبان وأصبحت خاوية على عروشها ولا عاد شجرة واحدة.. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف:35-42].
"فاستطالوا بذلك على الفقراء، وظنوا أن الله ما أعطاهم وزوى الفقراء إلا لحظِّهم وهوان الفقراء، فرغبوا عن طريق العبودية؛ التي قطب دائرتها الافتقارُ إلى الله" "والذلَّة" لله "ونازعوا في أوصافه من الاستغناء والعظمة والكبرياء"؛ "سُلِّطت عليهم دواعي الأهواء، وانفتحت" عليهم "طرائق الإغواء، فأُخذوا أخذَ ذي قوة متين" (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:42]. "بغتة من حيث لا يظنون ،(فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:44]"؛ آيسون من الرحمة، واقعون في البلية.
"فانظر واعتبر؛ فلو كان الذي يُعطى حظوظه الدنياوية أحظى" من الذي "يُمنعُها.. لانعكس الحكم"؛ فصار "أحوال المبعدين" و "الفجَّار أحسن من أحوال الأنبياء والأولياء"! استغفر الله العظيم، ليس كذلك، "إنّ أحوالهم في الأغلب العزوف عن الملاذِّ الدنياوية"، "ولم يفعل ذلك" ربنا "هوانًا لهم ولا احتقارًا؛ بل ليوفِّر لهم ما لديه"، وجبر لخواطرهم، وليتجلّى عليهم بجميع الأسماء والصفات، وليعطي من الفوائد والمنح الكبيرة، فبذلك عمل بهم ذلك، لا لهوانٍ منهم على الله ، الله أكبر.
وبعد ذلك يقول: "أعظمهم وأكملهم وأرفعهم لديه محمد ﷺ"؛ "قال: الحياةُ حياتكم والمماتُ مماتكم".
يعني: "حياتي حياتكم، ومماتي مماتكم؛ ليظهر عدله في كافة خلقه ولئلا يظن ذو فهم سقيم" أن أحد "من الأنبياء والأولياء ليسوا بشرًا كما وقع لبعضٍ من قوم عيسى"، افتتن بعض النصارى بسيدنا عيسى، وقالوا أنه ابن الله، وأنه إله، وأنه وأنه… قال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ) [المائدة:75]، بس يكفي. ففي الجواب الرباني قال: بشر يأكلون الطعام وأنتم لعرفتم سنتي في من يأكل الطعام من البشر، يحتاج إلى استخراج فضلاته.. فكيف يكون ألوهية ولا ربوبية؟! يحتاج يأكل طعامه، وبعدين يخرج منه الوسخ، بشر آدمي، له مراتب، له منازل، له درجة عند الله، أُمه صديقة، وهو من الرسل المقرّبين عند الله تعالى، لكن ما يخرج عن البشرية.
فكان من أعظم حكم الله، أن يبتلي الأنبياء والأولياء أمام الناس، حتى ما حد يفتتن بهم و يُظن أنهم آلهة أو أنهم غير بشر، هم بشر، وبعظيم مراتبهم لدى الرحمن.
و بهذا قال: "ما يلقى في الفهم من حكمة ما يصاب به الأنبياء وأكابر الأولياء، مع ما يريد أن يدَّخره لهم عنده، ويزلفهم به من جزيل الكرامات ورفيع المقامات"، "وليشهدوه بكل مشهد.
وأما المُستدَرجون -والعياذ بالله من وبيل استدراجه ومكره- فإنهم إذا عملوا سيئةً.. جُدِّدَ لهم حظٌّ دنيوي، وإذا عملوا حسنةً.. ظهرت بلية"، فيرجعون إلى السيئات ويتركون الحسنات! قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ)؛ طرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) شي تيسرت دنيا.. (اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ) وهو ما يعبد الله سواء إنما يعبد الدنيا، ولكنه أظهر عبادة الله.. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ) [الحج:11] فَسَح في الدين كله!
وهكذا كما قال في وصف هؤلاء المنافقين: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) [التوبة:58-59].
"هنا: اشتدَّ خوفُ الأكابر عند تجدُّد النعم الدنياوية عليهم، ودوام العوافي البدنية" لهم "وعظم فرحهم بوجود المصائب وضروب المتاعب"، لأنه شبَّههم بأنبيائه.
ولهذا قالوا لواحد: الناس يقولون عليك إنك ساحر، قال: انت سمعتهم؟ قال: نعم، قال: خلنا نسجد.. وسجد شكرًا لله، قال له: ليه تشكر؟ قال: شبهني بأنبيائه! والأنبياء كلهم يقولون لهم ساحر ساحر، وأنا قالوا لي ساحر! خلونا مثل الأنبياء، الحمد لله، فسجد شكر.
يقول: النعم التي يحصل بها الاستدراج إما ظاهرة كذلك وإما باطنة. لا إله إلا الله.
لكن المشكلة الثانية..
وهذا استدراج أشد وأكبر! يظن أنها كرامات وهي إهانات، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
لهذا يكون:
فكانوا يخافون من أن تزداد عليهم من النعم الظاهرة، وهم مقصّرون في شيء من الواجبات، ويخافون أن يكون ذلك استدراج ومكر.
قال: الحبيب محمد الهدار، إنه قام بالدعوة إلى الله لمّا خرج من تريم، وراح إلى جهة البيضاء ونواحيها، وفي نواحي اليمن هنا عندنا في الجنوب كذلك، كان له تأثير قوي في شبوة وفي أَبين وفي عدن وانتفع به ناس كثير، بعدين وشوا به ناس -أيام بريطانيا هناك- وسجنوه في عدن، أيام وفكوه من السجن وخرج، وقال: جيت زرت الحبيب علوي بن شهاب، قال: الحمد لله بلغنا سجنكم في عدن، فحمدت الله؛ فرحنا؛ لأنا سمعت قيامك بالدعوة للخير وانتفاع الناس بك، وما رأيت شيء حصل عليك من الإختبار، فخفت عليك وقلت: إن كان وارث للنبّي والسلف بيحصل له لابد شيء، قال لما جابوا الخبر اطمأنيت عليك خلاص فرحت! قال الحبيب علوي هكذا قال؛ خلاص اطمأنيت عليك أنت من الورثة. عليه الرضوان.
وهكذا.. وبعدها جاءت الاختبارات هناك، لمّا قامت الثورات في شمال اليمن -وهنا عادها كانت حكومة بريطانيا والسلاطين- وهناك قتّلوا علماء كثير، ورموهم بعضهم في الآبار، وصلّحوا مشاكل في بداية الثورات حقهم، ووشوا به ناس أيضًا عند الحكومة، واستدعوه إلى صنعاء، وأرسل بعدين عبر عدن إلى الحبيب علوي في تريم كان قده في آخر أيامه، قال: إنه استدعوه الحكومة إلى صنعاء، قال: ما عليه شي، قل له رُح.. وكان ما يشك أكثر الناس أنه بيُقتل؛ لأنهم قتلوا علماء كثير ذاك الوقت. راح، واستقبلوه استقبال حَسَن، وبعدين نشروه في الإذاعة إنه استقبله الرئيس -كان السلاّل ذيك الأيام- العلاّمة محمد الهدار وإنه فرح به، وأنه أيّده، وأنه سيدعم رباطه، ولا دعم ولا شيء لكن بس قده كلام، ورجع… فرحوا به كأنه جاء من قبر، فرحوا به المحبين هناك، واغتاظ غيرهم. سبحان الله!..
وهكذا الدنيا تمر بالناس، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، والله يمنّ باللطف والعفو والعافية لنا ولكم والتوفيق لمرضاته، ويفرج كروب الأمة أجمعين ويجمع شملهم، والحمد لله رب العالمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 ذو الحِجّة 1441