الحِكَم العطائية - 29 | مواصلة شرح قوله: لا تَصحَب من لا يُنهِضُك حاله، ولا يدلّك على الله مقالُه
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 27 ذي القعدة 1441هـ.
مواصلة شرح الحكمة (43): لا تصحَب من لا يُنهِضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"والصحبة مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بحفظ وصيته وتحكيم شريعته، وحسن متابعته في جميع أخلاقه ومنورات أفعاله، وباهرات أقواله على التمام؛ إلا ما اختُص به دون غيره.
ولا تُحَكِّم رأيك على سنته بل يكون هواك تبعًا لما جاء به دون تعقل أو تأمل، وإجلاله ومحبته، ومحبة أصحابه وأهل بيته وموادتهم، وإجلال من قام بشريعته، ومحبة الفقراء، وإيثار الآخرة على الدنيا، وإحياء مشاعر الدين، والنصيحة لكافة المسلمين، وعدم الغش، وتبييت ما لا يرضى من القول والعمل، إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره، ولو كانت الخلق كُتّابًا، والأشجار أقلامًا، والبحار مِدادًا، من كرائم أحواله وعظيم أخلاقه صلى الله عليه وسلم.
وأن تحفظه في جميع ما وصل إليك من أمره ونهيه بعد مماته كما في حياته، ليكون لك من الصحبة الخاصة حظٌّ ونصيب؛ فمن حفظ ذلك أتى في يوم الجمع بعد طول الاشتياق إلى التلاق بمزيّتين: مزية الصحبة على الغيب، ومزية اشتياقه ﷺ حيث قال: "واشوقاه إلى الإخوان، مؤمني آخر الزمان"، فينال من الإكرام رتبة الحبيب القادم من الغيبة على أهل المكان، فيا لها من بشارة لمن صحبه ﷺ من أهل آخر الزمان، لذلك ضاعف له المثوبة وخفف عليه العقوبة، حيث قال: "العامل منهم كخمسين منكم"، قالوا: بل منهم؟ قال: "بل منكم". وقال أيضًا في التخفيف: "من عمل بعُشرِ ما أُمِر نجا"، فالحمد لله.
وأمَّا صحبة أولياء الله فهي الموصلة إلى الله، سيما من كملت فيه مظاهر السُّنة، وتوفرت فيه مكارم الأخلاق، واستنارت بصيرته، وطابت سريرته، ونُشرت دعوته، وظهرت محبته، وانتشرت في القوابل معرفته، وغمرت حاضريه بركته، وكان متجافٍ عن الدنيا، عالمًا بكوامن الأهواء، فما أسرع تأثيره في القلوب، وأكشفه لحقائق الغيوب، وأوصله للمحب بالمحبوب.
وما أعز من يوجد قائمًا على طريق الاستقامة قدمه، وراسخًا في علوم الحقيقة ورسوم الطريقة، يعطي كل طالب وفق مزاج حقيقته، فهم الأطباء الذين طالعوا علم الأزل بنور من لم يزل، فينزلون كل من أتاهم منزلته، ويقيمونه على حسب مقامه، ويبلّغونه فوق مرامه، فصحبتهم دواءٌ لأمراض الهوى نافع، ورؤيتهم ترياق لأدواء القلوب ناجع، فإذا تنفَّس منهم عارف في زمان، فبشارة أهله بالأمان، والمغفرة والرضوان.
فصحبتك معهم بعدم الاعتراض عليهم باطنًا وظاهرًا، وقبول مشورتهم وتوقيرهم واحترامهم، وتخرج عن عقلك ونقلك وفعلك وقولك، وتكون فانيًا عنك، مبادرًا لما يأمرون، محاذرًا عما ينهون، فما أقرب الفتوح إليك، وأجزل المواهب لديك، إذا كنت كذلك متصفًا بما هنالك.
وإذا لم تجد من هو على هذه الحالة، ولم يظهر بكمالها، فلا تترك نفسك تتبطل، وفي هواها تتعلل، ولكن انظر إلى الإخوان من اتصف بوصف حسن فلا تستقله، فإنه ما أوتي وصفًا مرضيًا إلا وهو عند الله مرضي، وإن لم يبلغ الكمال، ولم يظهر عليه علامات الوصال، ولم تلُح عليه سمات الأولياء وعلامات الأبدال. فيكون لك على أمرك معينًا، وفي مهامك قرينًا، والخطأ على الاثنين أبعد منه على الواحد؛ لكن تراعي فيه الدين والعقل والمروءة والزهد والأمانة وحفظ السر، وألا يكون أحمق ولا فاسقًا ولا كذابًا ولا جاهلًا. ولو أن يتصف ببعض هؤلاء الأولات ويجتنب بعض هذه المذكورات، فما ترك البعض إلا لما عنده من الإيمان، ولا فعل البعض -أي اتصف- إلا لما عنده من الإيمان. وشرطه أن يترك المنهي عند تيسر فعله، ويتصف بالمأمور مع تيسر ضده، وإلا كان عاجزًا لا تاركًا ولا متصفًا فهذا حده.
وأدب صحبتك معه إذا أشار بأمر لا ينقضه عليك العلم أن تمتثل مشورته، ففي المشورة بركة حيث كانت لمن كانت، والحرص على حبه وإيثاره في الأسباب الدنيوية، وتنبيهه على المعايب بالتلطف، وترك مماراته، ورعايته بعد موته في الدعاء له، وبر أهل مودته، إلى غير ذلك من وجوه البر.
وأمَّا صحبة عامة الخلق فمع الجهال بالتعليم، وترك الدخول في مداخلهم، وحفظ العين عن النظر إلى أفعالهم، وصون السمع عن سماع أراجيفهم، وعدم الحضور في محافلهم إلا ما كان خيرًا، والتحرز عن الانتماء بهم لغير ضرورة، والدعاء لهم بظهر الغيب، والاهتمام لمهامهم، وستر مساويهم، وعدم التكبر عليهم، والتضجر لما يجري من سوء أخلاقهم، وأن تنظرهم بعين الرحمة والشفقة، فهذه صحبة عامة الخلق.
ولا نطيل في ذلك، فلو ذهبنا نتتبع طبقات الخلق لطال بنا وقصرنا عن شرح كلام المصنف، وفي ذلك كفاية".
الحمد لله الذي يوالي من والاه، ويكرم المُقبلين بالصدق عليه بشريف المصافاة، لا إله إلا هو تعالى في علاه، أرسل إلينا عبده ومختاره ونبيّه ومجتباه سيدنا محمد بن عبد الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، فطوبى لمن آمن به وتولاه واقتدى به واتبع هداه. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على هذا العبد الذي جمَّعت فيه المحاسن والمحامد، وجعلته أكمل الخلق في كل الغيوب والمشاهد، وصلِّ معه على آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان من كل ذاكر وشاكر وصابر وراكع وساجد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الأماجد جامعي الخيور والمحامد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقال الإمام ابن عطاء الله: "لا تصحَب من لا ينهِضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله"، فإن صحبة من كان كذلك توقعك في المهالك، فيجب أن تتنزه عن صحبة الأشرار والبطَّالين وصحبتهم ولو بالفكر والاسترسال في شؤونهم وأحوالهم وأنت بعيد الجسم عنهم، فابعد عنهم بظاهرك وباطنك، (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) [الأنعام:120].
وعلَّمك أن تراقب الإله الحق الذي هو معك حيثما كنت، وكوّنك وكان معك، وطوَّرك في الأطوار وكان معك، وأوجدك على هذه الدار وهو حيثما كنت وأينما كنت معك، ثم يميتك ثم يبعثك ويحييك، فهو أولى بأن تُرعى حرمة صحبته سبحانه وتعالى بمراقبته والأدب معه، وحدثنا بطرف من ذلك؛ لكنَّ كل ذلك يُوصل إليه من أساس الإيمان بهذا الإله واليقين:
- بمعرفة صحبة من يدل عليه من الصالحين.
- والذين يرقُّونك إلى معرفة صحبة أصلح الصالحين؛ سيد المرسلين.
- وعلى قدر ما تقوى في ذلك تعرف حُسن مصاحبة ملك الممالك جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
ولهذا يقول: "والصحبة مع رسول الله ﷺ"؛ علينا أن نصاحبه بالغيب، فإن الصحبة له بالشهود والحس مخصوصة بالصحابة الكرام وبذلك فازوا، وللمزية على الغير حازوا فتميزوا بذلك، ولكن فتح الله لنا باب صحبته بالغيب، وجسده الأشرف الأكرم أطهر جسد في القبر المعظم في طيبة الطيبة، وروحه في البرزخ وأعلى عليين، وفي السماء وفي الأرض وفي أي كون من أكوان الله -تبارك وتعالى- فلا أوسع من هذه الروح، ولا أعظم إطلاقًا منها من جميع الأرواح المطلقة، ولقد أرانا الحقُّ سر تخصيص هذه الروح التي أثّرت الخصوصية منها على الجسد النبوي في ليلة الإسراء والمعراج، حتى أنَّ المسمى بالروح من بين الملائكة الأمين جبريل، ما استطاع أن ينطلق الانطلاقة التي انطلقها جسد رسول الله بروحه الكريمة التي عَلَت فوق سدرة المنتهى، وقال سيدنا جبريل: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات:164]، أنا إلى هنا حدي ولا أستطيع، فأيُّ روحٍ هذه!..
فإذا كان هذا وهو في عالم الدنيا، والروح لا تزال بحكم السنة الإلهية مرتبطة بهذا الجسد ومحبوسة فيه، فبلغ من إطلاقها أن بلغت المواطن التي لا يبلغها العالم الأعلى من الملائكة -عليهم رضوان الله وصلواته وتسليماته-، فكيف بها وقد خرجت سلطان الجسد عليها وانحلت عن الحصر في الجسد! فما أعجبها هذه الروح وما أعظم انطلاقها في الوجود. وإن كان روح واحد من أصحابه كابن عمه جعفر بن أبي طالب، تأتي إليه وقد قُتل بالأردن، ثم تأتي إليه ويسلم عليه ويقول: مرَّ علي في ملأ من الملائكة يسلم علي، قد أبدله الله مكان يديه جناحين يطير بهما في الجنة. يجيء للمدينة يطير في الجنة ويروح ويقطع هذا، هذا روح جعفر! فكيف روح الأطهر؟ فكيف روح صفوة مُضَر؟ فكيف روح خير البشر؟ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وقل لمن أراد أن يحبس هذه الروح: أنت المحبوس بأوهام إبليس في خيالاتك الساقطة، أمَّا هذه الروح فهي أكبر من أن تحصرها أنت ولا غيرك من أهل الأرض ولا من أهل السماء، فروحه أعظم الأرواح؛ وأعظمها خصائص في الانطلاق وفي الطيران وفي الحضور وفي السمع وفي البصر، فلا سمعٌ موهوبٌ لمخلوقٍ كسمعِ هذه الروح الطاهرة، ولا بصرٌ موهوب لمخلوقٍ كائنًا من كان كبصر هذه الروح الطاهرة، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ولذا نذكر في سيرته: بصره إلى السبع الطباق ثاقب. وفي عالم الحس كان أقوى الناس بصرًا؛ يُعد في الثريا سبعة إلى تسعة نجوم -ولا يقدر أن يتبين ذلك ببصره-؛ فكان يعد أحد عشر نجمًا صلى الله عليه وسلم في الثريا، هذا بصره الحسي المجرد الجسداني، أمَّا الروحاني لا ثريا ولا سماء أولى ولا ثانية ولا ثالثة ولا سابعة ولا سدرة منتهى، ولا عرش ولا كرسي دونها ولا حاجبًا لها، فهو كما قال الحق: سميع بصير؛ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ) هو (مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1]، لهذا قال الحبشي لما وصف معراجه: خصّصت بها الحضرة الواسعة هذه العين الناظرة والأذن السامعة، فسمعت ما لا يُستطاع سماعُه وعَقَلت ما عنه الورى قد ناموا، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فما أعظم إطلاق روحه الكريمة، وهي أعظم روح خلقها الرحمن، وإن كان شأن الروح كله عَجَب، يقول: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، لكنَّ الروح المخصوصة بالذات الأشرف الأقدس عند الله مزاياها فوق كل روح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولذا جميع أرواح الأنبياء والملائكة تنطوي تحت لوائه، وليس في روحٍ من أهل السماوات والأرض من له مقام "أنا لها" غير هذه الروح، وهو نبينا وهو معلمنا وهو مرشدنا وهو هادينا وهو دالّنا، وهو الذي خُصصنا به من بين الأمم كلها، فلله الحمد.
حمدًا لرب خصَّنا بمحمدٍ *** وأخرجنا من ظلمة ودياجرِ
الصحبة مع رسول الله بالغيب نصاحبه، فتح لنا الحق باب صحبة المصطفى بالغيب؛ لذا كما قلت سمعت بعض علماء ومشايخ سوريا يقول: إن مهمة الشيوخ الذين يربون السائرين إلى الله تعالى -المريدين- أن يهيئوهم للصحبة النبوية، لصحبة النبي، يهيئ أرواحهم لصحبة المصطفى؛ فهذه مهمتهم لمن قَبِل التربية على أيديهم أن يهيئ الروح لتصاحب زين الوجود صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
"والصحبة مع رسول الله ﷺ" هذه أبوابها:
- "بحفظ وصيته"
- "وتحكيم شريعته،" على عقلك وعلى هواك، في نفسك، في جسدك، في لباسك، في أكلك، في شربك، في إقامتك؛ حَكِّم شريعته في إقامتك، في سفرك، في بيعك، في شرائك، في أخذك، في عطائك، في أهلك، في أولادك، حكِّم شريعة سيدنا محمد، هذا باب أبواب الصحبة "بحفظ وصيته وتحكيم شريعته".
- "وحسن متابعته في جميع أخلاقه ومنورات أفعاله، وباهرات أقواله على التمام" مقتديًا مهتديًا متشبهًا منتميًا محبًّا معظمًّا مولعًا بالجناب الأشرف، هذه أعلى التحف، وهذا جود الله تبارك وتعالى الذي لا يُحد ولا يُوصف.
يقول: "إلا ما اختُص به دون غيره." فهو صاحب الخصائص.
"ولا تُحَكِّم رأيك على سُنّته"؛ سنته أقوم، سنته أعظم، سنته أعدل، سنته أحق، سنته أشرف، سنته أنظف، سنته أعلى، سنته أصح، سنته أصلح من رأيك ورأي من قبلك ورأي من بعدك والإنس والجن معك، سنته أصلح وأنجح وأضبط وأشرف وأوفى وأصفى وأجمل وأكمل، إنه عبد يقول عنه رب العباد: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهكذا إلى أن قال لنا: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ) [النجم:3-13].
"ولا تُحَكِّم رأيك على سنته بل يكون هواك تبعًا لما جاء به دون تعقل أو تأمل". في ذلك سمعتم قصة سيدنا عمر لما اجتهد مرة ورأى أنَّ ميزاب العباس في بيته قريب من الأرض، فربما مر الطويل أو صاحب الحِمل أو صاحب الجمل فدقه، فأمر بإخراج، قال: اخرجوا هذا الميزاب، فاخرجوا الميزاب.
فلمَّا اخرجوا الميزاب جاء العباس بعد ذلك، فقال: ما لك؟ قال: إنَّي رأيت ميزابك قريبًا من الأرض فخفت أن يؤذي أحدًا من المارين، قال: يا أمير المؤمنين أتدري من وضعه في هذا المكان؟ قال: من؟ قال: رسول الله!.. عظُم الأمر على سيدنا عمر، قال: رُده مكانه، قم يا عباس احمله، قم على ظهري هذا، فجلس أمير المؤمنين وقال: اطلع فوق هذا الظهر ورد الميزاب في محله حيث وضعه رسول الله.
وانتهى اجتهاد عمر، وانتهى علم عمر، وانتهى عقل عمر أمام سنة الحبيب الأنور، وهكذا عاملوا الله، وبهذا قربوا من الله ورسوله عليهم رضوان الله، وقام وردّه في مكانه، وهكذا سنته أولى.
"يكون هواك تبعًا لما جاء به دون تعقل أو تأمل، وإجلاله ومحبته" هذه أبواب مصاحبته:
- صحبته بالغيب.
- "إجلاله ومحبته.
- ومحبة أصحابه وأهل بيته وموادتهم" من أجله.
إن كان من أبرّ البِر أن يبرَّ الرجل أهل ود أبيه؛ فأنت أن تُوادّ أهل ود محمد من صحابته، من أهل بيته ﷺ وخصوصًا الذين كانوا في حياته ووادَّهم وأحبهم، ثم مَن وصَّى بهم ﷺ بعد وفاته مودتهم هي حقيقة الإيمان، كان ذاك من أبرَّ البر، فهذا من أقوى الإيمان ومن أصفى الإيمان أن تودَّ أهل ود محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، قوم هو وادهم تجيء أنت…، قوم أوصاك بهم تجيء تتجرأ عليهم وتبغضهم؟ يا هذا مَن نبيك؟ إن كان هذا نبيك فمَن أوصاك بهم عَظِّمهُم واحترمهم، ومن وَادَّهم وادِدهُم، أوليس هو نبيك أو تريد لك شيء ثاني؟ -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فنعم النبي نبينا، رزقنا الله حسن متابعته وأكرمنا بصحبته.
"وإجلال من قام بشريعته"، لهذا يقول:
- إن من إجلال الله تبارك وتعالى توقير السلطان المقسط؛ لأنه يحكم الشريعة ويقوم بخدمة الشريعة.
- وكذلك أولو الأمر من العلماء العاملين بعلمهم فإجلالهم من إجلال الله، وتوقيرهم فيه فتح باب صحبة مع محمد بن عبد الله ﷺ.
"وإجلال من قام بشريعته، ومحبة الفقراء"؛ لأنه كان يحبهم، كان يحب الفقراء والمساكين ويجلس إليهم ﷺ، ويأكل معهم ﷺ.
"وإيثار الآخرة على الدنيا، وإحياء مشاعر الدين" هذه أبواب مصاحبتنا لنبينا الأمين.
"والنصيحة لكافة المسلمين، وعدم الغش، و" عدم "تبييت ما لا يرضى من القول والعمل،" فلا نبيت في أنفسنا ولا باتفاق مع أحد سرًّا أي شيء يخالف الشريعة، أو يضر مسلم أو يؤذي أو يكدِّر قلب أحد من آل بيته ولا من ورثته ولا من عموم أمته؛ إن تريد تصحبه، إن ترد أن تصحبه، إن ترد أن تصحبه، وإلا أردت صحبة الغالي باللعب؟ تريد صحبة الغالي بغش؟ ما تجيء، هذا غالي عند ربك تريد تصحبه؟.. تطهَّر، لا يمسه إلا المطهرون.
يقول: "وعدم الغش، وتبييت ما لا يرضى من القول والعمل"، لا تبيت ما لا يرضى "إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره، ولو كانت الخلق كُتّابًا، والأشجار أقلامًا، والبحار مدادًا، من كرائم أحواله" الكريمة "وعظيم أخلاقه" الشريفة الفخيمة، "صلى الله عليه وسلم."
تمامٌ، يكمّل لك حبال الوصول إلى صحبة سيدنا الرسول؛ قال: "وأن تحفظه في جميع ما وصل إليك من أمره ونهيه بعد مماته كما في حياته، ليكون لك من الصحبة الخاصة حظ ونصيب" فكأنك بين يديه، وكأنه معك حاضر، تمتثل الأوامر وتجتنب الزواجر، وتحب ما يحب وتكره ما يكره، وتفعل ما يرضى وتجانب ما يسخطه ﷺ كأنه عندك حاضر، إن ترد الصحبة الخاصة، إن ترد الصحبة الخاصة، "فمن حفظ ذلك أتى في يوم الجمع بعد طول الاشتياق إلى التلاق بمزيتين": الأولى "مزية الصحبة على الغيب"؛ صاحب المصطفى على الغيب من دون أن يرى جسده الشريف وطلعته الغرّاء في حال التكوين الجسداني أو الجسماني، مع ذلك صحبه فهي مزية يشير إليها في حديثه، والعجيب أنه لا يصدُق منا صادق في طلب هذه الصحبة إلا ويُحصِّل الحبيب هو قد مدَّ خصائص روحه ليصحَب من يصدق ممن يأتي بعده، قبل، وأحبهم واشتاق إليهم قبل أن يحبوه وقبل أن يشتاقوا إليه.
- فالمزية الأولى: أنك صحبته على الغيب وفي ذلك قربة، وفي ذلك منزلة عند ربك علام الغيوب.
- "ومزية" أخرى: أنَّه تقدم "اشتياقه ﷺ" إليك في حال حياته في عالم الدنيا.
فإن ظفرت بتوفيق ربك بالصدق والإخلاص والولاء والمحبة في حُسن هذه الصحبة، ف أيام كنت أنت في الدنيا، وبينك وبين وفاته الكريمة وخروج جسده من عالم الدنيا إلى هذا القبر المعظّم الذي يغبطه الكرسي والعرش لأنَّ فيه الأحب إلى رب العرش والكرسي والسماوات والأرض؛ فلا يساويه مكان عند الرحمن جل جلاله. بينك وبين تواري جسده الأشرف في تلك البقعة ألف وأربعمائة وواحد وثلاثون سنة، مع ذلك كله أن تصحبه بهذا الأدب وهذا الشوق، تتصل بسرور قلبه منك وقرة عينه بك في الدنيا متصلةً بشوق قد كان وهو في عالم الدنيا، وحال كانت هذه الروح التي تتحنّن عليك الآن في ذاك الجسد المكرَّم، فما أوصل عام واحد وأربعين وأربعمائة بعد الألف بالهجرة بما قبل ذلك! ما أوصلها بقبل ذلك! ما أوصلها بأيامه عليه الصلاة والسلام؛ إذا حقت لك محبته وحظيت بسِّر تعطُّفه وحنانه، يتصل لك هذا بما كان من شوق هذه الروح إليك قبل الألف والأربعمائة هذه والثلاثين السنة في ذلك العالم، فما أقرب وقتك من ذاك الوقت! انظر كيف ابتدأنا وكيف سابقنا، إن أحببناه فهو الذي أحب من قبل، وإن اشتقنا إليه فهو الذي اشتاق من قبل.
قال: وتأتي غدًا للقيامة بـ "مزية اشتياقه" إليك "حيث قال: "واشوقاه إلى الإخوان""، والحديث في صحيح مسلم بلفظ: "وَدِدتُ أنَّا قَدْ رَأَيْنا إِخْوَانَنا".
وهذا منه ﷺ برأفته ورحمته تطوّلٌ عجيب، أراد تكوين أجسادهم من النطف التي تحل فيها هذه الأرواح، يود أن رآهم بجسدانيتهم وجسمانياتهم في عالم الدنيا، وهم إن كانوا بعد تكوينهم يُعرَضون بأي عرض عليه، لكن من قبل في حياته ودَّ أنَّه قد شاهَد تلك الهياكل الجسمية بما فيها، فما أعجَب فضله وتطوّله.
يقول: "وَدِدتُ أنَّا قَدْ رَأَيْنا إِخْوَانَنا"، قال الصحابة: أوَلَسْنا إخْوانَكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: "أنتُمْ أصْحابِي، وإخْوانُنا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ"، قومٌ يؤمنون بي ولم يرَوني.
ثم إنَّه ﷺ جعل قوة الإيمان فينا من أعجب ما يوجد في كون الله، ونكون بذلك من أعجب الخلائق إيمانًا، لأنَّه على الغيب المجرّد، كالصحبة على الغيب، وذلك أنَّه سأل أصحابه الغُرّ وقال: "أيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إليكم إيمانًا؟"، قالوا: يا رسول الله الملائكة، قال: "الملائكةُ كَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ؟" وهم يشاهدون من أمر الله ما يشاهدون، قالوا: "النبيُّونَ"، قال لهم ﷺ: "النبيُّونَ يُوحَى إليهِمْ فكيفَ لا يُؤْمِنُونَ؟!" وأطلعهم الله على سر الإيمان، قالوا: فأنت يا رسول الله؟ قال: "كيف لا أؤمن وأنا يوحى إلي؟"، قالوا: فنحن؟ قال: كيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم أتلو عليكم آيات ربي وأريكم الآيات؟ قالوا: فمن أعجب الخلق إيمانًا؟ قال: "قوم يأتون من بعدي، آمنوا بي ولم يروني"، لم يشاهدوا نبي عندهم ولا رأوا الملائكة ولا كانوا أيام نزول الوحي… وآمنوا بي وصدقوني، قال: هؤلاء هم أعجب الخلق إيمانًا! وأكرَمنا بالشوق قبل أن نعرف الشوق، صلوات ربي وسلامه عليه.
يقول: "فينال من الإكرام رتبة الحبيب القادم من الغيبة على أهل المكان"؛ ولا يَقدُم أهل المكان، ولكن هذا غائب جاء، ولمّا قالوا للأعرابي: من أحب أولادك إليك؟ قال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يقدم، يكون أحب إلي إلى أن يقدم، فقدوم الغائب ماهو مثل وهو جالس معك، قالوا: أنت في الغيبة، جئت بعد كذا، وجئت بعد كذا، فتحصِّل هذه المزيَّة في الآخرة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله.
يقول: "فينال من الإكرام رتبة الحبيب القادم من الغيبة على أهل المكان، فيا لها من بشارة لمن صحبه ﷺ من أهل آخر الزمان". وتجدون سواطع أنواره، وسُهول الصحبة له في داره، فأحسنوا حق هذه الصحبة، لينال من ينال منكم الرتبة، فليست بأقوال تُقال، وتمرُّ بمرور الأيام والليال، ولكن لها شأن وحال، وأي شأن وحال في الدنيا والبرزخ ويوم المآل.
ومن ضيَّع الفرصة صارت عليه غُصَّة، فاغنموا أيامكم وليالكم، تعلَّموا صحبة الحق ورسوله في صلواتكم وأذكاركم، وحلقاتكم ودروسكم، وحفظكم وتخلّقكم بالأخلاق الشريفة، لا تنتهي أيام الدورة… وفي أيام العشر يعظم فتح الأبواب وتُذلّل الصِعاب لمن أراد الاصطحاب واللحوق بالأصحاب، وهي مقبلة علينا وعليكم، الله يبارك لنا فيها، ويجعلنا من خواص أهليها، ومن حائزي سرها ومغتنميها.
يقول: "فينال من الإكرام رتبة الحبيب القادم من الغيبة على أهل المكان، فيا لها من بشارة لمن صحبه صلى الله عليه وسلم من أهل آخر الزمان، لذلك ضاعف له المثوبة وخفف عليه العقوبة، حيث قال: للعامل فيه -آخر الزمان- أجر خمسين منكم، "كخمسين منكم"، فتعجب الصحابة فقالوا: منهم يا رسول الله أم منّا؟ قال: "بل منكم"، قالوا: منهم يا رسول الله أم منّا؟ قال: "بل منكم". الله!.. قال: "إنكم تجدون أعوانًا على الخير ولا يجدون" يجدون من يستهزئ به، ومن يضحك به، ومن يقول له: أنت رجعي، ومن يقول له: أنت فكرك متأخر، يقولون له: سمموا فكرك، وهؤلاء ضحكوا عليك ويحرمونك المتع والدنيا.
فـ "للعامل فيه أجر الخمسين منكم"؛ أجر الخمسين يعني في عمله، أما أجر الصحبة ما يقدر أن يأتي به، ومكان إيمانهم لا يقدر أن يأتي به، لا يوجد إيمان مثل إيمانهم. لكن؛ في العمل، في الأعمال الصالحة للعامل منهم أجر الخمسين من الصحابة! الله أكبر!..
- "عبادة في الهرج كهجرةٍ إليّ".
- وكان يقول بعض الصحابة والتابعين يقولوا: "إنَّكم في زمانٍ من ترك فيه العمل بعُشرَ ما يعلم هَلَك، وسيأتي على الناس زمانٌ من عمِل فيه بعُشرِ ما يعلم نجا" لا إله إلا الله.
- "من أحيا سنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد"، مئة شهيد!
مئة شهيد؟ مئة شهيد! الشهيد الواحد أقل ما يُشفَّعْ فيه سبعين من أهل بيته وجبت لهم النار فلا يدخلوا النار بشفاعته، مئة شهيد! سبعمئة بدل السبعين، لا إله إلا الله! كل واحد سبعين، الواحد سبعمئة، سبعمئة، ورجعت كم؟ سبعة آلاف، سبعة آلاف واحد يُشفَّعْ فيهم، من أحيا السُنَّة عند فساد الأمة.
كان الشهيد يُشفَّع في سبعين، فهذا له أجر مئة شهيد، سبعة آلاف، لا إله إلا الله! منها سبعين مئة أو مئة سبعين ترجع سبعة آلاف! الله يرزقنا إحياء سنته واتباعها.
قالوا جماعات من الغافلين والفاسقين في اليهود والنصارى: اتركوا سننه، سنعلّمكم من عندنا، هيا هاتوا أهلكم وامشوا معنا، لكنهم مرفوضون، ومردود عليهم ما عرضوا علينا، وآخذون بعرض الحق ورسوله إن شاء الله، نُزيِّن بذلك قلوبنا وأجسادنا وديارنا ومنازلنا وعاداتنا كلها وراء محمد إن شاء الله.
يقول: "قال: "بل منكم". وقال أيضًا في التخفيف: "من عمل بعُشرِ ما أُمر نجا"، فالحمد لله".
"وأمَّا صحبة أولياء الله فهي الموصلة إلى الله، سيما"؛ يعني: خصوصًا "من كملت فيه مظاهر السنة، وتوفرت فيه مكارم الأخلاق، واستنارت بصيرته، وطابت سريرته، ونُشرت دعوته، وظهرت محبته"؛ أظهره الله.
ومنهم رجالٌ ظاهرون بأمره *** لإرشاد هذا الخلق نهج الطريقة
ومنهم رجال ظاهرون بأمره؛ فإذا وقع في زمانك ومكانك أحد من هؤلاء ومن هذا الصنف، فالسعادة الكبيرة جاتك من كل جانب فاغنمها، ولا تتأخر عنها ولا تدبر ولا تُعرِض.
فصحبتهم موصِلة إلى الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-، صحبة أولياء الله.
وكـــم مــن ولــــيٍّ للإله بأرضه *** وكم عارفٍ مستهترٍ في المحبة
يعني: مستغرق.
وكم من أمينٍ حــــــامل لأمانــــة *** من السر لا تُفشى لأهل الخيانة
وصاحب كشفٍ قد تجلّت لقلبه الـحقــــــائق فـــــــي أطوارها العلوية
فــــــأبدالهم أوتــــــادهم نقبـــاؤهم *** مع النجبا والقطب رأس العصابة
أولــئــك أبــدال النبيين أُبــــــرزوا *** لفضل رسول اللَه فــــــي خير أمّةِ
عبـــادٌ كـــــرام آثـــروا اللَه ربـــهم *** فآثـــرهم واختصـَّـهم بــــالولايـــة
وآنسـَـهــم بــالقُرب مـــنــه وبالرضا *** حــبــاهم وأسقــاهم بكـــأس المودة
بهم يــــدفع اللَه الـبــلايا ويكشف الـرَزايـــــا ويسدي كــــــل خيرٍ ونعمة
ولـــولاهــــمُ بين الأنـــــام لدُكدكـــت *** جبالٌ وأرضٌ لارتكــاب الخطيئــــة
لا إله إلا الله عز وجل. الله يرزقنا محبتهم، الله يرزقنا صحبتهم وحُسن صحبتهم والأدب معهم، ويُرقِّينا بمراقيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، الله أكبر.
فمنهم مقيمٌ في الأنام وإنه *** لمستورٌ عنهم تحت أستار غيرة
يمكن منهم أحد تعدّي عليه وما تسلم عليه وأنت ما تدري مَن أمامك، ولكن قلة حُسن ظنك وقلة أدبك حُرمت به خير كثير.
يراه الورى إلا القليل كغيره *** من الغافلين التاركين استقامة
يظُنّه مثله!..
ومنهم رجال يؤثرون سياحة *** وسُكنى مغارات الجبال وقفرة
يسيحون من شعبٍ إلى بطن وادي *** وكل خرابٍ والفيافي الخلية
ومنهم رجال ظاهرون بأمره *** لإرشاد هذا الخَلق نهج الطريقة
لهم هِمةٌ في دعوة الخلق جملة *** إلى اللَه عن نصح ولطف ورحمة
فهم حُجةٌ للمؤمنين بربهم *** وفيهم لِمُرتاد الهُدى خير قدوة
وحتفٌ على أهل الضلال وحجة *** تقوم على أهل الشقاق بشقوة
وكل على نهج السبيل السوي لم *** يخالف أمرًا آخذًا بالشريعة
كل هؤلاء الأصناف على هذا الحال.
وإن الذي لا يتبع الشرع مطلقا *** على كل حال عبد نفس وشهوة
صريع هوى يُبكى عليه لأنه *** هو الميت ليس الميت ميت الطبيعة
وما في طريق القوم بدءًا ولا اِنتها *** مخالفة للشرع فاسمع وانصت
وخلِّ مقالات الذين تخبطوا *** ولا تك إلا مع كتاب وسنة
هكذا يقول في قصيدته التي مطلعها:
بعثتُ لجيران العقيق تحيتي *** وأودعتها ريح الصبا حين هبَّتِ
سُحيرًا وقد مرَّت عليَّ فحركت *** فؤادي كتحريك الغصون الرطيبة
وأهدَت لروحي نفحة عنبرية *** من الحيّ فاشتاقت لقرب الأحبة
وحنّت لتذكار الليالي التي خلَت *** لنا بين هاتيك الربوع الأنيسة
وإخوان صدقٍ أوحش القلب بُعدهم *** فلِلَه ما لاقيت من حر فرقة
دياري نأت عن دورهم وتباعدت *** منازلنا لا عن قلاء وجفوة
على الحرص مني أن أراهم ومنهم *** فما سمحت يُمنى الزمان بمنيتي
وما بُعدهم عني ولا البُعد عنهم *** بحال اختيار بل بقهر مشيئة
وحكم إله العالمين مُنفَّذٌ *** على كل حالٍ والرضا خير قُنية
به تنجلي عنا الهموم إذا طرَت *** وتسري به عنا الغموم المُلِمَّةِ
وكم حادثٍ قد ضاق متسع الفضا *** عليَّ به فانزاح منه بخطرة
أحبة قلبي هل لأيامنا التي *** تقضَّت بذات البان إذنٌ برجعة؟
فقد طال هذا البُعد وامتدَّ وقته *** وطال انتظار حِجة بعد حِجة
أي: سنة بعد سنة.
ترى تجمع الأيام بيني وبينكم *** وأُحظى بكم من قبل تأتي منيتي
فوا أسفي إن مِتُّ من قبل أن أرى *** وجوهًا عليها نور علم وخشية
وجلوة إخلاص وصدق وقربة *** وآثار كشف الغيب عن ذوق خبرة
وأسمع منهم كل علم مُقدَّسٍ *** عن الحس والأوهام من فتح حكمة
وَأَنشقَ من أرياحهم كل طيِّبٍ *** ذكِيٍّ تطيب الروح منه بِشَمَّةِ
وَأُمسي بهم في موقف الشرع سالكًا *** طريقة حَقٍّ وَاصِلًا لِلْحَقِيقَةِ
يقول: صحبة أولياء الله خصوصًا من أظهر "ونُشرت دعوته، وظهرت محبته، وانتشرت في القوابل معرفته، وغمرت حاضريه بركته، وكان متجافٍ عن الدنيا، عالمًا بكوامن الأهواء"، فهذا إذا وُجِد في أي مكان في أي زمان، "فما أسرع تأثيره في القلوب، وأكشفه لحقائق الغيوب، وأوصله للمحب بالمحبوب".
"وما أعز من يوجد قائمًا على طريق الاستقامة قدمه، وراسخًا في علوم الحقيقة ورسوم الطريقة، يعطي كل طالب وفق مزاج حقيقته، فهم الأطباء الذين طالعوا علم الأزل بنور من لم يزل -سبحانه-، فينزلون كل من أتاهم منزلته، ويقيمونه على حسب مقامه، ويبلغونه فوق مرامه.
- فصحبتهم دواء لأمراض الهوى نافع.
- ورؤيتهم ترياق لأدواء القلوب ناجع.
فإذا تنفس منهم عارف في زمان، فبشارة أهله بالأمان، والمغفرة والرضوان".
بهم يــــدفع اللَه الـبــلايا ويكشف الـرَزايـــــا ويسدي كــــــل خير ونعمة
وإذا دخل العارف بالله في بلد فتنفّس فيها، ثبت إيمان أهلها. وقالوا في معاني تنفسه:
- تعليمه
- وإرشاده وتوجيهه لهم
- ونظره إليهم.
فالله ينفعنا بتنفسّات أهل المعرفة الخاصة، ويوفر حظ زماننا منهم وأمكنتنا، اللهم آمين.
كيف تصحبهم هؤلاء؟ قال:
- "بعدم الاعتراض عليهم باطنًا وظاهرًا
- وقبول مشورتهم
- وتوقيرهم واحترامهم
- وتخرج عن عقلك ونقلك وفعلك وقولك، وتكون فانيًا عنك، مبادرًا لما يأمرون، محاذرًا عما ينهون"
إذا كنت كذلك: "فما أقرب الفتوح إليك، وأجزل المواهب لديك، إذا كنت كذلك متصفًا بما هنالك".
وإذا رجع يقول بعضهم: المحروم من حُرم صحبة الصالحين. قال: بل المحروم من تيسّرت له صحبة الصالحين وحُرم الأدب معهم، هذا هو المحروم.
"وإذا لم تجد من هو على هذه الحالة" من رجال الله الدالّين عليه "ولم يظهر بكمالها" أحد فيما وصل إليه علمك أنت وعقلك وظنك وعقيدتك، "فلا تترك نفسك تتبطل" دوّر لك صحبة؛ إخوان في الله، "وفي هواها تتعلل"؛ لا تتركها تتعلل بالهوى، "ولكن انظر إلى الإخوان من اتصف بوصف حَسَن فلا تستقله" ولو واحد، "فإنه ما أوتي وصفًا مرضيًا إلا وهو عند الله مرضي، وإن لم يبلغ الكمال، ولم يظهر عليه علامات الوصال، ولم تلُح" تبرق "عليه سمات الأولياء وعلامات الأبدال. فيكون لك على أمرك معينًا، وفي مهامك قرينًا، والخطأ على الاثنين أبعد منه على الواحد؛ لكن تراعي فيه:
- الدين
- والعقل
- والمروءة
- والزهد
- والأمانة
- وحفظ السر
- وألا يكون أحمق ولا فاسقًا ولا كذابًا ولا جاهلًا."
صاحب من يكون هكذا.
"ولو أن يتصف ببعض هؤلاء الأولات، ويجتنب بعض هذه المذكورات، فما ترك البعض إلا لما عنده من الإيمان، ولا فعل البعض -أي اتصف-" بها "إلا لما عنده من الإيمان. وشرطه أن يترك المنهي عند تيسر فعله، ويتصف بالمأمور مع تيسر ضده، وإلا كان عاجزًا لا تاركًا ولا متصفًا فهذا حده".
"وأدب صحبتك" مع إخوانك هؤلاء:
- "إذا أشار بأمر لا ينقضه عليك العلم أن تمتثل مشورته، ففي المشورة بركة حيث كانت"، ممن كانت؛ ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله. في المشورة بركة.
- "والحرص على حبه وإيثاره في الأسباب الدنيوية.
- وتنبيهه على المعايب بالتلطف"؛ هذا أدب صحبتك معه.
- "وترك مماراته.
- ورعايته بعد موته في الدعاء له، وبر أهل مودته، إلى غير ذلك من وجوه البر".
هذا أدب الصحبة مع الإخوان في الله.
قال: "وأمَّا صحبة عامة الخلق"، أنت عايش في الدنيا والدنيا ملآنة بخلق الله، فلا تختار صحبة إلا من كان من مثل هؤلاء، وما يطرأ عليك في حين سفر، في حين خروج إلى حاجة، في حين حضور مناسبة، فتصحَب عموم الخلق.
قال: "وأمَّا صحبة عامة الخلق:
- فمع الجهّال بالتعليم
- وترك الدخول في مداخلهم
- وحفظ العين عن النظر إلى أفعالهم
- وصون السمع عن سماع أراجيفهم".
الدنيا ملآنة أراجيف، وكلام وخرطان وبلبلة وقلقلة ولقلقة، ملآنة الدنيا!.. أنت الآن بغيت نفسك في الجنة أم أين؟ هذه الدنيا خلاص!.. خل كل ما يتعلق بالنار وانظر للذين يتعلقون بأهل الجنة في أوصافهم وأفعالهم عندك في الدنيا، خلَّك معهم خلاص وكأن أولئك غير موجودين، وكأن الفريق الثاني غير موجود وإن كانوا كثرة، أيش عليك منهم، امضِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة:105]؛ مشيت في الطريق ما يَضرَّك، كثرة البطالين وكثرة الغافلين وما يقولونه، لكن أنت لا تسمع لهم، أنت لا تصغي إليهم، أنت لا تتّبعهم، أنت لا تصدقهم، شف لك عالم عارف صالح تقي وامشِ وراه، ولّا بغيت يهودي يجيء يعلمك! أو نصراني أو شيطان!..
يقول: "وترك الدخول في مداخلهم، وحفظ العين عن النظر إلى أفعالهم، وصون السمع عن سماع أراجيفهم"
- "وعدم الحضور في محافلهم إلا ما كان خيرًا"، ما كان من صلة رحم، ما كان من مناسبة أحد من الأقارب، أو كان مجلس علم أو مجلس خير، ما كان خيرًا تحضر معهم.
أما كل ساعة يدعونك إلى… ساعة مظاهرات، وساعة اعتصامات، وساعة فوضى، وساعة لعب، وساعة سمرات في ضياع وفي غفلة، أنت ربي خلقك عبد لهم وإلا ايش؟ ثم بعدها تشتكي… وستجد مصير سيء، ومن أين جاء؟ أنت الذي ارتضيت ذلك! ولو أعرضت عنهم، (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) [النجم:29-30]، الله الله الله.
- "والدعاء لهم بظهر الغيب
- والاهتمام لمهامهم"
وما تدري يهدي الله منهم من يشاء، وربما واحد يرجع شفيع لك يوم القيامة، ما تدري! حكم الله، حكم الخلق لخالقهم، ليس لك أنت، تأدب وامش، وقل: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من عباده وفضلنا على كثير من عباده المؤمنين.
- "وستر مساويهم"؛ لا تستمر تقول: هذا فلان عمل كذا وفلان يقول كذا، وأنا ظنيت في فلان كذا وحصل كذا، وبعدين؟ أنت الآن حسيب أو وكيل أو حفيظ عليهم؟ سيّد الوجود يقول له:
- (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) [الأنعام:107].
- (وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) [الأنعام:104].
- (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية:21-22]. وأنت مَن سيطرك عليهم؟ ومَن وكلك بهم؟ انظر نفسك ولا تذكر معايبهم ولا مساويهم.
- "وعدم التكبر عليهم، والتضجر لما يجري من سوء أخلاقهم".
أخذوا رداءه حتى حمّروا عنقه الشريف ﷺ. واضطروه بالمزاحمة إلى أن علِق رداؤه بالشجرة، قال: ناولوني ردائي، "فوالله لو كان لي عدد هذه العضاه نَعمًا وإبلًا لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا". تكلّموا عليه وقالوا له: اعدل، قال: "ويحك! مَن يعدل إن لم أعدل؟"، هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله؛ يقولون للنبي محمد! قال: "رحم الله أخي موسى أُوذي بأكثر من هذا فصبر". قال: بنصبر، قالوا الرسل لقومهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا) [إبراهيم:12].
سمعت؟.. يقول: "وعدم التكبر عليهم، والتضجر لما يجري من سوء أخلاقهم"
- "وأن تنظرهم بعين الرحمة والشفقة".
قالوا للوالد: هذا واحد قام يسبك يتكلم عليك وأنت في المذاكرة في بعض المساجد، قال: أنا ما سمعته! ما يبالي، ما كأن أحد قال شيء.
"ولا نطيل في ذلك، فلو ذهبنا نتتبع طبقات الخلق لطال بنا وقصرنا عن شرح كلام المصنف، وفي ذلك كفاية".
رضي الله عنكم إلى أن قال:
"وللصحبة شرائط وضوابط، فمن الضوابط: أن تكون لله لا لعلة ولا بعلة، بل يكون الاجتماع عليه والتفرق عليه. ومعنى التفرق عليه أن يتفرقا وهم مجتمعون عليه، لم تغيرهم عما هم عليه الحوادث.
وأهم الصحبة صحبة من لم يفارقك في حياتك وموتك وخلوتك وجلوتك ويقظتك ونومك، لكن لن تصل إلى حسن الأدب معه إلا بصحبة رسوله ﷺ إذ هو أعرف الخلق بالآداب معه، ولن تصل إلى حسن الأدب مع رسول الله ﷺ إلا بالتأدب بآداب أولياء الله الوارثين محاسن أخلاقه: السادات العارفين والعلماء المحققين، فبالتأدب بآدابهم تصل إلى التأدب بآداب رسول الله، وبالتأدب بآداب رسول الله واقتفاء آثاره والتخلق بشمائله تصلح للأدب مع الله.
وهذا تدريج في الوصول إلى الصحبة مع الله. ولو كان الإنسان يدرك مقام الصحبة مع الله من ابتداء نشأته لما شُرع صحبة نبي ولا ولي، ولكن الله بلطيف حكمته جعل ودائع التربية الإلهية في الوسائط الخلقية، وجعل الوسائط الخلقية كالحقيقة النبوية ظاهرها من عالم الملك والخلق وباطنها من عالم الملكوت والحق، لذلك قبلت الحقائق بباطنها وأدتها إلى الخلق بظاهرها. فقبلت الخلق ما يُلقى إليها من الحقائق الملكوتية بواسطة ظواهر خلقية الأنبياء الرسالية.
لأن الحقائق لو تجردت لعالم الخلق من غير واسطة لم يكن فيها أهلية لقبولها، فأدتها إليها ما هو ظاهر من جنسها: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [التوبة:128]. وإعطاء كل قابلية ما يليق بها؛ "أُمرت أن أكلّم الناس على قدر عقولهم".
وهذا حازه الأولياء بقدر أنصبتهم من الوراثة، فالعلماء ورثة الأنبياء. فتحقق أن الوارث من أخذ علمه من حيث أخذ مُورِّثَه، وهو من أخذ العلوم لا عن تعلم بل يأخذها عن الله وإن جرت له لسان معلم يكون أخذه عنه كأخذ رسول الله ﷺ عن جبريل ﷺ ما أدى إليه إلا ما قد علمه الله حقيقة، لذلك كان ﷺ يسابق جبريل في التلاوة حتى أنزل الله عليه: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه:114].
وهنا سِرٌّ دقيق ومشهد رقيق يفهمه ذوي التحقيق من كل مقرَّبٍ صِدّيق. فلو أخذنا في كشف هذه الأنوار وتحقيق هذه الأسرار لثار ثائر الإنكار من طوائف الأغمار، ولا استطار من ظلمات النفوس شرر وكثيف بخار، ولكن الله حدَّ لكل قوم كلامًا ولكل ناس مقامًا. وأما شرائط الصحبة إذا كانت لله ألا تزيد عندك بطاعة ولا تنقص بهفوة، لأن هذه علل وقد علمت أن الصحبة لله لا لعلة ولا بعلة، ومن شرائطها ما أسلفناه في أول الكلام على هذه الحكمة. ولي في ذلك:
مَنْ لَا تَدُلُّكَ عَلَى اللَّهِ مَقَالَتُهُ *** وَلَيْسَ يُنْهِضُكَ مِنْهُ الحَالُ فِي الهِمَمِ
لَا تَصْحَبَنْهُ فَلَا تُرْجَى سَلَامَتُهُ *** إِنَّ البَلَا صُحْبَةُ الجَافِ الغَبِي الفَدْمِ
قال: "وللصحبة شرائط وضوابط"،
- "أن تكون لله لا لعلة" من العلل، تصحب من تصحب من أجل الله،
- و "الاجتماع عليه"؛ بالتوجه إليه والتعاون على طاعته.
- "والتفرق عليه"؛ يتفرقون وقلوبهم مجموعة على ربهم، ونياتهم صالحة، ومودتهم قائمة، يريدون القربة والوصول.
لكن قال: "وأهم الصحبة صحبة من لم يفارقك في حياتك وموتك وخلوتك وجلوتك ويقظتك ونومك"؛ وهو الله. هذا أهم صحبة، وأعظم صحبة، وأجل صحبة، وأجمل صحبة، وأشرف صحبة.
"لكن لن تصل إلى حسن الأدب معه" مع هذا الإله "إلا بصحبة رسوله" محمد بن عبدالله "صلى الله عليه وسلم إذ هو أعرف الخلق بالآداب" بالأدب مع الله، "أدَّبني ربي فأحسن تأديبي".
"ولن تصل إلى حسن الأدب مع رسول الله ﷺ إلا بالتأدب بآداب أولياء الله الوارثين محاسن أخلاقه"؛ أخلاق رسول الله. لذا قال الحبيب علي في سيدنا الحداد:
فهو الخليفة في جميع أموره *** عن خير داعٍ للبرية هادِ
نعم.
يقول: "السادات العارفين والعلماء المحققين، فبالتأدب بآدابهم تصل إلى التأدب بآداب رسول الله، وبالتأدب بآداب رسول الله واقتفاء آثاره والتخلق بشمائله تصلح للأدب مع الله"، وهذا فضل في تدريجك "في الوصول إلى الصحبة مع الله"؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]. لماذا تكونوا مع الصادقين؟
من أجل أن تكونوا من الصادقين، لكن ما تصل إلى أن تكون من الصادقين حتى تكون مع الصادقين أولًا، فتدرّجك، ولو من أول وهلة قال لك: اتقوا الله وكونوا من الصادقين، هيا اطلع إلى الصدق بسرعة؟ وكيف تطلع؟ مشكلة كبيرة وتعب، ونادر أن تصل إلى مرتبة الصدق، قال لك: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، رأيت كيف خفف عليك! ونصب لك الدرج والسُّلّم لتطلع بسهولة، قال لك: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
ولهذا يقول: "ولو كان الإنسان" خلقه الله وفطره وهيأه يمكن أن "يدرك مقام الصحبة مع الله من ابتداء نشأته لما شُرع" إنزال الكتب وإرسال الرسل، خلاص كل واحد... لكن لا، الله خلقنا على هذه الهيئة وعلى هذه الكيفية ما نستطيع أن نصل إليه، فجعل هذه الوسائط بفضله.
"بلطيف حكمته جعل ودائع التربية الإلهية في الوسائط الخلقية، وجعل الوسائط الخلقية كالحقيقة النبوية ظاهرها من عالم الملك والخلق"؛ عالم الحِسْ، (بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)، "وباطنها من عالم الملكوت" (يُوحَىٰ إِلَيَّ) [الكهف:110].
"من عالم الملكوت والحق، لذلك قبلت الحقائق بباطنها وأدتها إلى الخلق بظاهرها"؛ فقدرت الخلق أن تفهم: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)، كلام الحق، كيف يفهمه المخلوق؟ لا يقوى عليه! قال: (بِلِسَانِكَ)، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)؛ أنزلناه عليك، عرّفناك إياه، قرّأناك، أنت بلّغه الآن، كلّمهم إياه بلسانك فيسهل عليهم، يقدرون يتمسكون بطرف حتى يرقون.
- (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان:58].
- (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) [مريم:97].
له الحمد والمِنّة.
"وأدتها إلى الخلق بظاهرها. فقبلت الخلق ما يُلقى إليها"؛ ولهذا لمّا قالوا: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا) [الإسراء:94]؟ قال لهم الحق، قال لحبيبه محمد قل لهم: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95]. من أجل أن يكون مَلَك مع مَلَك، يُبلِّغهم عنَّا ويَصِلوا إلينا، لكن أنتم بشر لابد أن يجلب لكم بشر. هل أنتم ملائكة؟ حتى نجلب لكم ملك. بل أنتم بشر، فجعلنا واسطتكم هذا البشر، بل هو واسطة البشر والملائكة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
قال: "فقبلت الخلق ما يُلقى إليها من الحقائق الملكوتية من الحقائق الملكوتية بواسطة ظواهر خلقية الأنبياء الرسالية. لأن الحقائق لو تجردت لعالم الخلق من غير واسطة لم يكن فيها أهلية لقبولها" ما يقدرون.. فجاء لهم بالواسطة وهيأها لهم "فأدتها إليها ما هو ظاهر من جنسها: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [التوبة:128]. وإعطاء كل قابلية ما يليق بها؛ "أُمرت أن أكلّم الناس على قدر عقولهم"، "أُمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم".
قال: "وهذا حازه الأولياء بقدر أنصبتهم من الوراثة، فالعلماء ورثة الأنبياء. فتحقق أن الوارث من أخذ علمه من حيث أخذ مُورِّثَه، وهو من أخذ العلوم لا عن تعلم بل يأخذها عن الله وإن جرت له لسان معلم يكون أخذه عنه كأخذ رسول الله ﷺ عن جبريل ﷺ ما أدى إليه إلا ما قد علمه الله"، (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) [النساء:113]، ثم يؤديه جبريل مُنجَّمًا له. فقال له: "(وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه:114]"، يقول: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [القيامة:18].
"وهنا سِرٌّ دقيق ومشهد رقيق يفهمه ذوي التحقيق من كل مقرَّبٍ صِدّيق. فلو أخذنا في كشف هذه الأنوار وتحقيق هذه الأسرار لثار ثائر الإنكار من طوائف الأغمار"، وأرباب الظلمات والأكدار، الذين لا يعرفون إلا الدرهم والدينار، ولا يحبون إلا ظواهر الأمور المنقضية الزائلة والآيلة إلى الانحسار، ولا رسخ في قلوبهم عظمة الكريم الغفار، وجلالة ما يوحيه إلى أهل الخصوصية من حقائق الأنوار والأسرار. وما أكثرهم على ظهر الأرض، "ولكن الله حدَّ لكل قوم كلامًا ولكل ناس مقامًا".
لكن "شرائط الصحبة إذا كانت لله"؛
- تثبت
- ولا تتعلل بشيء
تكون لله، وكذلك: "الصحبة لله لا لعلة ولا بعلة، ومن شرائطها ما أسلفناه في أول الكلام على هذه الحكمة." والله ولي التوفيق.
فتصاحبوا من أجل ربكم في أيام دورتكم، وفي أيام مجالسكم هذه، وفي أيام العشر. تصاحبوا من أجل الله، واطلبوا صحبة الحق بصحبة نبيّه، واطلبوا صحبة نبيّه بصحبة أوليائه وصالحي عباده، واطلبوا صحبة الصالحين بحسن صُحبتكم لبعضكم البعض.
الله يسير بنا في دربه، ويسقينا من شُربه، ويجعلنا في حزبه، ويثبّتنا على طريقه، ويُلحقنا بفريقه، ويسقينا من رحيقه، ويحمينا به، ويرعانا حيثما كنا وأينما كنا، ويرفعنا مراتب القرب منه في الحِس والمعنى، ويختم لنا بأكمل حسنى، ويصلح أحوال الأمة أجمعين، وينع علينا بالفضل بما هو أهله في كل شأن وحال وحين، آمين.
تاريخ النشر الهجري
28 ذو القِعدة 1441
تاريخ النشر الميلادي
19 يوليو 2020
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)