تفسير سورة يوسف -9 - من قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}، الآية: 35

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ..}، الآية: 34
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:

﷽

(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • حقيقة اللجوء إلى الله والاعتصام به من الشهوات.
  • استجابة الله لأهل الصدق ودفع الكيد.
  • ظهور آيات براءة يوسف وقرار السجن الجائر.
  • دخول السجن وخطر التنافس الدنيوي الهابط.
  • نور النبوة في ظلمات السجن وأثر صحبة الصالحين.
  • رؤيا الفتيين وتفسيرها ودعوة التوحيد.
  • تعبير الرؤيا ونسيان الساقي.
  • تحقيق الرؤيا والتمكين بعد الامتحان.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالقرآن وتنزيله، وحُسن بيانه على لسان رسوله وتفصيله، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المصطفى سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وأهل موالاته ومحبّته والمشي على دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم، وتابعيهم والملائكة المقرّبين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أمّا بعد…

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))

فإنّنا في مُعاودتنا لتدبُّر وتأمُّل كلام ربّنا جلّ جلاله وتعالى في علاه، وما وجَّهَنا ونبَّهَنا وأرْشَدنا وأسْعَدنا به من تعليمه جلّ جلاله -وتعالى في علاه- وإظهاره الحقيقة، انْتهينا في سورة نبيّ الله يوسف على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام، ومرَرنا بقوله جلَّ جلاله: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))، نِعم السّميع العليم المُستجيب لِمَن يدعوه بقلب سليم، صَارِفُ الكيْد عن كلّ مُلتجئٍ إليه، واثق به مُعتمد عليه، وخاذل كلّ مَن كادهُ وصارِف شرَّه عنهم. 

(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ)، حين دعاه، (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ..(33))، يَدْعُونَنِي لأن أوثر الشّهوة الحقيرة الصغيرة التي اخْتبرت عبادك بها؛ لِيَتبيّن مَن آمن بك، ومَن كفر، ومَن صدق معك، ومَن كذب، ومَن يؤثرك ومَن يؤثر سواك عليك، أرادوا منّي أن أميل إلى الاخْتلاط بهؤلاء النّسوة، والمَيْل إلى النّظر إلى صُوَرهنّ وجمالهنّ، والجلوس معهنّ، ومدّ اليد إليهنّ وقضاء الشّهوة بهنّ، وإنّما ذلك اخْتبارٌ تختبر به عبادك؛ ليظهر من علمك المحيط بكلّ شيء في واقع مساعي النّاس وَمَسالكهم: 

  • مَن يحبّك بصدق، مَن يؤثرك على ما سواك، مَن يَقْوَى إيمانه وعقله على شهوة نفسه وهواه. 
  • ومَن يغترُّ بالشّهوة الحقيرة ويميل إليها، وينسى أوامرك، وينسى نَهْيَك، وينسى المصير إليك، وينسى العاقبة الكبيرة الخطيرة لِمَن آثر تلك الشّهوات. 

قال: هنّ يدعونني إلى ذلك، (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)؛ بإدامة عنايتك بي، وعِصْمَتِك لي، وإقامة نور المعرفة واليقين، وحُسن النّظر في العواقب، (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)، وتمدّني بتوفيقك وتأيِيدك، (أصْبُ)، أَمِيل بحكم الشّهوة بحكم الطبيعة، (أَصْبُ)، أَمِيل (إِلَيْهِنَّ)، وحينئذ، (أَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)). فإنّ المَيْل إلى الشّهوات المحرّمات، والضّارّات جهلٌ خطير شنيع.

(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)، فأنْ أُسجن في سجنٍ يتعب فيه النّفس والجسد في الدّنيا خيرٌ لي من أن أميل إلى هذا الذي يُوصل إلى سجن خطير أخطر وأكبر، إلى سجن للرّوح والقلب والعقل في نارٍ مُوقدة عذابها أليمٌ شديدٌ مهينٌ عظيمٌ؛ فهذا (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ..(33)).

قال الرّحمن: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ)، يُعلّمنا الحقّ أنّ مَن الْتَجَأَ إليه بصدق ما أسلُّط عليه شهوات ولا أهواء ولا شرّ؛ يصدق معي ويلتجأ إليّ ويثق بي ويعتمد عليّ؛ آخذ بيده وأصرف الكيد عنه، من كلّ مَن كاده؛ (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))، جلّ جلاله: 

  • لدعاء مَن يصدق معه. 
  • و(السَّمِيعُ) لأقوال العباد كلّهم ولخواطرهم وسرائرهم. 
  • (الْعَلِيمُ) بأفعالهم و تحرّكاتهم وخُططهم، وما يُنازل بَالَهُمْ.  

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، فإذا صرف الكيد صرف، فهو الأعلم بالكائد، وما يخطر بباله وعقله وما يُرتّب وما يُخطّط ولأيّ حدّ يبلغ تأثيره. 

يقول: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))، وإنّا ندعو السّميع العليم: اصْرِفْ عنّا كيد النّفس والهوى، وكيد شياطين الإنس والجنّ، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وادْفَعْ عن المسلمين شرّ المعتدين الظّالمين الغاصبين المتطاولين على بيت المقدس، ورُدّ كيدهم في نحورهم، واكْفِ المسلمين جميع شرورهم، واسْتَجِبْ لنا واصْرِفْ عنّا كيد أولئك فإنّك قلت: (إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا) [الطارق:15-16]؛ وحاشا أن يغلب كَيْدَهم كَيْدَك، وكَيْدُك الغالب، وهم المغلوبون، لا إله إلا أنت، يا سميع يا عليم. 

قال الحقّ تبارك وتعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34))، يُعلّمنا: 

  • أن نَسْتَنْصِرَ على شهوات أنفسنا، وكَيْد الكائدين من حوالينا؛ إبليس ومَن دونه من شياطين الإنس والجنّ. 
  • أن نَسْتَصْرِفَ ذلك، ونستعين عليه بحُسن ثقتنا به ولجوئنا إليه، وتذكّرنا لِوَعْده ووَعِيدِه وإخباره، وما جاء. 

فإذا قمنا بذلك اسْتجاب لنا فصرف عنّا كَيْد كلّ كائد.

 

 تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35))

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم)، عزيزُ مصر ومَن معه من أولي الحلّ والعقد، (مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ)؛ العلامات الواضحات البيّنات على براءة يوسف وطهارته وصِدقه وإخلاصه: 

  • قميصٌ (قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ..(27)). 
  • وأثر ضربٍ نالهُ. 
  • وشهادةٌ من أهل بيتها. 
  • وشاهد من أهلها. 

إمّا ذاك الكبير العاقل، وإمّا الطّفل الصّغير المُتكلّم، وهو يتكلّم في مهدهِ؛ كرامةً ومعجزةً للنّبيّ يوسف -على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم-. 

ثمّ رأوا ما فعل هؤلاء النّسوة من تقطيع أيديَهنّ، وما كان ممّا بينهنّ، فأيقنوا بهذه الآيات الواضحات براءة هذا الإنسان.

(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ)، وهكذا خُيِّل إليهم أنّه إن تركتموه فستسري الفضيحة إليكم؛ فإنّ قوّة منطقهِ وحُسن خُلُقهِ، وقوّة حُجّتهِ تدلّ على كذب المرأة، وتصير الفضيحة في بيتكم، ويتكلّم النّاس عليكم. 

وقد جاء أنّ امرأة العزيز قالت له: أمَرْتَني أن أجلس الآن في بيتي، ولا أخرج وهذا يوسف يتكلّم مع النّاس، وكلّ مَن اسْتفسر يُخبرهم أنّني أنا الذي راودته فيُصدّقونه، فإمّا أن تأذن لِأَخْرُج، وإمّا أن تحبِسهُ؛ ومع ذلك هي تُريد حَبْسهُ لإذلاله ولِيَنْقاد لها، إذا لم ينقاد بإظهار الجمال، وبالإحسان وبالمواعيد -بالعطاء ما انْقاد لذلك- فأرادت بالتّرهيب أن تُخْضِعه؛ فلم يؤثّر فيه لا إغراء وترغيب، ولا تخويف وترهيب عليه الرّضوان. 

وقالت: اسْجُنْه أو طلقْني، أنا أدافع عن نفسي وأُخبر الناس بأنّه هو، فرأوا أنّ المسألة لا تحتمل أن تُطلَق هذه، ولا حُجّة عندها، فأرادوا سَجْنه (حَتَّىٰ حِينٍ (35)) أي إلى وقت، حتى يسكت النّاس، ويخفّ الحديث في مصر ويتناسى النّاس هذه القضية؛ ورأوا (لَيَسْجُنُنَّهُ)، أي حلفوا أن يسجنوه، (حَتَّىٰ حِينٍ (35)) إلى أمد وحدّ معين.

 

  تفسير قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))

فهيَّأ الله أن يدخل معه في السجن في ذلك اليوم اثْنان من الذين كانا بجوار الملك، وهما خبّازه وشرّابه الذي يسقيه الشّراب، قال: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ): غلامان للملك كانا هذا يسقي الملك، وهذا يُطعمه ويخبز له، فأُغْريا وعُرض عليهما المال ليضعا السُّمّ للملك.

 وهكذا تجد هذا الصراع من الاستجابة لدواعي النّفوس الهابطة، قائم بين النّاس على مدى القرون، ويترفّع عنهم أرباب الطُهر والنّقاء وأهل التُّقى، ومَن سواهم؛ واقعين في وَرَطَاتِه مرّة بعد الثانية، ولا ينتهون إلى شيء، ولا يفيقون من غيّهم، يريدون أن يقتلوا الملك، وربّما لم يظلمهم، ولم يُؤذهم؛ ولكن هكذا تحمل النّاس أحْسادهم وأحْقادهم، وتنافسهم المُعْوج المنحرف، التّنافس غير الشّريف، التّنافس الذي لا يقوم على الأسُس الكريمة القويمة الصّحيحة. 

فهذا التّنافس الهابط هو الذي حَذِر منه ﷺ وخاف على أمّته منه، "ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ"؛ فما يصيب الأمّة من هَلكة، مرجعه إلى تنافس غير شريف، إلى تنافس ساقط هابط على مال، على سُلطة، على شهوات يتنافسون عليها، ويتعدّون الحدود بسبب ذلك، ويضرب بعضهم بعضا، ويؤذي بعضهم بعضا، ويضرب بعضهم بعضا، ويسبّ بعضهم بعضا؛ كلّ هذا من هذا التّنافس السّاقط الهابط الخبيث.

يقول؛ فَقَبِلُوا ثمّ رجع هذا السّاقي، وعاد إلى عقله، وقال: لِمَا أغشّ ملكا أخدمه وأنا عائش عنده في ظلّ إحسانه إليه وإنعامه عليه ولِمَا أقْبل مقابل ذلك أيّ شيء؟ وهذا عار؛ ولم يتراجع الخبَّاز، ووضع في الخبز سُمًّا، وقَدَّمَا الشّراب، والخبز إلى الملك. 

  • فقال السّاقي: أيّها الملك لا تأكل من هذا الطّعام شيء، فإنّ فيه سُمّا. 
  • قال الخبّاز: وأنت أيّها الملك ولا تشرب من هذا الشراب شيئا فإنّ فيه سُمًا. 
  • فقال للسّاقي: اشْرب هذا الشّراب؛ وشَرب لأنّه ما فيه شيء. 
  • قال للخبّاز: كُلْ، قال: لا؛ أخذ منه لدّابة فماتت.
  • قال: اسْجنوهما حتّى يتأكّد من القضيّة. 

كيف؟ وكيف مشت؟ وكيف مضت؟ ولماذا وصلت؟ وكيف هذا عرف هذا؟ وأدْخلوهما السّجن، فكان يوم دخول سيّدنا يوسف عليه السّلام. 

(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ)، ولمّا دخلوا السّجن وسيّدنا يوسف دخل السّجن، وجدوا هيئةً ومسلكًا وعقلًا وحِلْمًا وكرمًا: 

  • وكان يُنَفِّسُ عن أهل السّجن، ويُذكّرهم بالله، ويُخْبِرهم بثواب الصّبر لِمَن صبر، وحُسْن العاقبة لِمَن قابل الأمر بالتّسليم ونوى الصّالحات. 
  • وإذا ضاق مكان أحد أوسعه، وسّع له المكان. وإذا علم حاجة أحد دعا الى أن يُجمع له ما يقضي حاجته؛ رأوه هكذا. 

فقالوا: مَن أنت يا صاحب السجن؟ من أين؟ قُل لنا، كُنّا قبل ما تدخل السجن في شرّ، وفي مِحنة، وفي تعب لما جئتَ نفَّستَ عنّا، وفرَّجت عنّا ما نحن فيه من همّ، ومن غمّ. 

انْظُر إلى أثر مصاحبة الصالح حتّى وسط السّجن، حوَّلت هؤلاء المساجين إلى طمأنينة، وسكينة ما كانوا يشعرون بها حتّى قبل دخول السجن، وحسّوها وهم وسط السجن بوجود هذا العبد الصّالح بينهم، وقالوا: قُلْ لنا مَن أنت؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم؛ أحبّوه وعظّموه. 

حتّى أنَّ مسؤول السّجن يقول له: يوسف لو استطعت أن أُخرجك من السّجن، سأخرجك لو بيدي الأمر؛ لكن أنا أخدمك، الغرفة التي تُريدها من السجن أدخلها، أنت الذي تريد أي بيت تَراهُ في السجن أحبّ إليك أدخله، وأيّ شيء تُريده أُحضره لك أنا أحضره، وأنا لك خادم، انظر إلى مُصاحبة ألطاف الله للصادقين، والمُخلصين في مختلف الظّروف والأحوال، وما في بواطنهم من الطمأنينة والسكينة فوق ذلك كلّه، ثم مُسخّرة لهم الأسباب. 

فالفتيان رأيا هذا الإنسان بهذه الصورة، ورأيا الرؤيتين: 

  1. (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)، وهذا الذي كان يسقي الملك، وقال أنّه قال له: إنّي رأيت أنّني دخلت قصر الملك، وجاء لي بِثلاث عناقيد من العنب وعصرتها ثمّ قدّمتها للملك، (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ).  
  2. وقال أنه قال له: إنّي رأيت أُمِرَ بي بالإخراج من السجن فخرجت، فجاؤوا لي بأطباق عليها خبز، فحملتها على رأسي، فجعلت الطّيورُ تأتي وتأكل منها، (وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ).  

 ماتفسير هذه الرؤيا؟ وعلى ماذا تدلّ؟ وماعلاماتها؟! (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36))، أحسنتَ لأهل السّجن كلّهم، وجئت بأخلاق، وجئت بطمأنينة، وجئت بشمائل، وهكذا يجب أن يكون المؤمن يُرى أثر الإحسان عليه، (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، قد كانوا يقولون: مَن لم ينفعك لحظهُ لم ينفعك لفظهُ. 

(إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ (36))، فلمّا قال ذلك قام بمُهمّته الكبيرة التي يحملها وقد خرج، وهو في مقتبل العمر من بين يدي والده ولكن أمانة البلاغ، وأمانة دعوة الخلق إلى الخلاق كانت تحملها هذه القلوب الطّاهرة، والنّفوس المزكاة الصّافية.

 

 تفسير قوله تعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)) 

(قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا)، فمِن معانيه: 

  • لا ترياني شيئا في النوم إلا أخبرتكم بتأويله قبل أن يحصل في اليقظة.
  • والمعنى الثاني: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ)، لا يدخل إليكم من السجن شيء من الطعام، أيّ شيء يخصكم إلا وعندي علم به، (نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ). 

وأقول سيأتيكم كذا وكذا (قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا)، كما قال سيدنا عيسى في معجزته: (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) [آل عمران:49]، فسيدنا يوسف قال: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا)، وذلكما أنّه أحيانا إذا أراد الملك أن يقتل أحدا أرسل إليه طعاما فيه سمّ؛ فكان لا يأتيهم شيء يقول لهم: اليوم سيأتيكم كذا وكذا؛ هذا صافي وما فيه، وهذا كذا، وهذا يثُمر كذا، وهذا فيه فائدة كذا، وهذا فيه، وهذا فيه فائدة للجسد كذا، وهذا فيه كذا، وهذا يناسب أن يكون بعد كذا. 

(إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)، ما أنا بمُنجِّم، ولا مُشعوذ، ولا مُتقوِّل، ولا مُدّعي علم الغيب، ولكن ما يُعلّمني ربي ويُلهمني إياه، ويُدلني عليه، وبما مكنني فيه من هذه الفراسة، وهذا النّظر وهذا الاطّلاع؛  (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓ)، والوصول إلى وسائل تحصيل أن يُعلمك الرّبّ وأن تكون على هذا المستوى. 

(نِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، فمصائب بني آدم على ظهر الأرض؛ كفرهم بربهم، وتكذيبهم باليوم الآخر، وهذه شؤون يترتّب على الإيمان بها صلاح معاشهم ومعادهم، ونَيْل حقائق السعادة. 

فالمصائب في الدنيا: 

  • الكفر بالله تبارك وتعالى. 
  • والتكذيب باليوم الآخر.

 هذه من أعظم مصائب الدنيا، ومنها بعد ذلك يأتي تفرُّع المصائب الأخر ومنها التّنافس الغير الشريف:

  •  يأتي من ضعف الإيمان. 
  • ومن ضعف استحضار الدّار الآخرة والعاقبة الكبرى. 

وإلا إذا وُجد الإيمان بالله سبحانه وتعالى والتصديق باليوم الآخر والجزاء؛ انصرف النّاس عن الأسواء والأدواء وعن الأذى وعن الاعتداء يقول: (نِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37))، وهذا الصّنف من النّاس، ملّتهم ضلالٌ وباطلٌ وضرٌ وشرّ وظلمة.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38))

(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي)، آبائي، وفيه إطلاق الآباء على الأجداد؛ أبو الأب، وأبو أبو الأب؛ (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)، الله اكبر!، (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا) هذا الصنف معاشر الأنبياء، ومن اتّصل بهم في الوعي والفهم والإدراك، (مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ)، أن نتّخذ مع الله شريكًا، ولا نعبد غيره ولا نتّخذ معه إلهًا آخر.

(مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ): 

  • إرسال الرّسل، وإنزال الكتب.
  • وإنباء النبوة، وقيام الدعوة.
  • وإدراك الحقيقة، وإقامة الحُجّة.
  • وإظهار العلامات،  وحُسن الدلالة على الحقّ. 

(ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)). 

لا يشكرون نعمة الله عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرّسل، وبيان الحقّ؛ (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)؛ اغْترارًا بالأمر الحاضر الحقير الزّائل، اغْترارًا بالشّهوات التي تلتهب في بواطنهم، فلا يشكرون نعمة الله عليهم، ولا يعرفون قدر الأنبياء ولا قدر الرُّسل صلوات الله عليهم، ولا قدر وجود الصّالحين بينهم؛ (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ).

 

  تفسير قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39))

(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)، فمهّدهم نفسيًا بما أوتي من الخير ليقبلوا أمر الدعوة: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، أرباب متفرقون؛ آلهة كثيرة أصنام وشمس وقمره، وأهواء ودنيا، وشهوات وملوك؛ (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، أن يكون الإنسان مُفرّق بين آلهة متفرّقة لم تخلقه، ولا ترزقه، ولا تملك من أمره شيء، ويعيش على ذلك، أم إيمان بإله واحد قهّار كل الأمر بيده، والخلق تحت حكمه، (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39))؛ الله خير.

 

   تفسير قوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40))

(مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم)، لا حقيقة لها، لا وجود لها لم تخلق، ليس بيدها الأمر. (مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍ) لا حُجة عليها ولا دليل لمن يدّعي ألوهية ربوبية؛ بقر، ولا شمس، ولا صنم، ولا ما يسمى بعلم يقول علم! كل ما سوى الله ما له حقً أن يُعبد أصلاً، ولا يكون إله، وكل ما سوى الله، (أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍ)، فما هناك شيء يصحّ أن يُعبد لا حزب ولا هيئة،  ولا طائفة، ولا جماعة، ولا اختراع، ولا اكتشاف، ولا جيولوجيا، ولا علم فضاء.

لا يوجد غير الله يمكن أن يكون إله، ولا خالق، ولا يُعبد أصلًا، (إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ)؛ (إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ)، هو الذي جعل الشمس شمسًا، والقمر قمرًا، هو الذي خلق هؤلاء الناس، والذي رتّب لهم هذه المادة، وهو الذي رتّب لهم هذا الاكتشاف؛ الحُكم له. 

هم لا يقدرون أن يغيروا من واقع الأمر شيء، ولا ممّا رتّب الحق في سنّتهِ في الكون شيء، وإنما يعملون في سنّتهِ بأمره بما آتاهم؛ ليكتشفوا شيئاً هو الذي رتبه، وهو الذي خلقهُ، جلَّ جلاله؛ (إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ) خالقكم على لسان أنبيائه، (أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ)، علم اليقين، علم الهدى، علم الحقّ؛ فهم واقعون في الجهل المُركّب، الجهل ولو كان بسيطاً مُشكلة، ولكن أكبر منه جهل مُركّب: أن يتُصوّر شيء على غير ما هو عليه في الواقع؛ (وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ (40)).

 

  تفسير قوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41))

(يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ)؛ خذوا جواب الرؤيتين: (يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ):

  1. (أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗا)، قال له: ستُطلق بعد ثلاث أيام، تُخرج من السجن وترجع إلى عملك، ويرضى عنك الملك، وتعود تسقيه الخمر كما كنت، ويقال أنها بِلغة أهل عُمان العِنب؛ أعصر خمرا، الخمر ما أحد يعصره، يعني عنب، أعصر عنبا ليصير بعد ذلك خمراً؛ فيسمون العنب خمرا. 
  2. قال: (وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ)، تُخرج من السجن أيضا بعد ثلاثة، ولكن يؤمر بك فتصلب وتُقتل، وتُصلب، ويأتي الطير على رأسك ينقره بمناقير من رأسك، يأكل الطير من رأسك، (فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِ). 

(قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ) قيل أنهما أنكرا و جحدا، فقالوا: ما رأينا شيء قال: (قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ)، كما قلت لكم، هذا هو التعبير، وهذا الواقع الذي سيكون، (قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ (41)).

 

  تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42))

(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا)، الظن بمعنى: اليقين كما استعمل في كثير من القرآن؛ (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *  وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) [القيامة:28-29]، أي أيقن، (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ)، لمّا تخرج، وتصل عند الملك هذا، كَلّمه وقل أنّ واحد في السّجن من غير حق، مسجون ما عنده ذنب وانظروا في قضيته، (ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ)، قال له ذلك عندما ودَّعه وخرج، يقول؛ ألك حاجة؟ قال: (ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ). 

قال الحق تعالى: 

  • (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِ)، هذا الذي خرج فرح، وعفوا عنه وردّه الملك، وأخذ في عمله ووظيفته، ولاعاد درى بيوسف أين هو؟ ولاعاد ذكره؛ (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِ)، أن يذكر يوسف عند ربّه، عند ملكه هذا.
  • (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ (42))، جلس سبع سنين في السجن، قيل انه قد جلس قبلها خمس، ولكن هنا يقول: (فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ) بضع سنوات، والبضع دون العشر؛ ما بين الثلاث والعشر، يقول: (بِضۡعَ سِنِينَ).

فلمّا أراد الله يخرجه -جاء الوقت- وقالوا إنّ في ذلك مُعاتبةً من الحق لسيدنا يوسف عليه السلام، أنه لماذا توسل بهذا الملك من أجل خروجه من السجن، وهو يكفيه جلّ جلاله؟ فطال المدى في السجن، وحتى كان الحسن البصري إذا ذكر قال: أنه لو لم يقل للسّاقي: (ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ)، لم يمكث هذه السنوات في السجن، ثم يبكي الحسن يقول: إنّنا نرجع إلى الناس مثلنا في أحوالنا، و شؤوننا، وهو في مقام النبوة صلوات الله عليه. (فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ (42))، اسْتكمل فيها ما أراد الله له من ترقيته، وارتفاعه، ويكون التمكين بعد ذلك، بعد الامتحان كما هو سنة الله في الوجود، فتمكّن بعد ذلك في الأرض، وكان هو العزيز لمصر، وكان وكان. 

فلما أراد الله، وانْتهى الوقت، أخرجه عن طريق نفس الواسطة؛ لكن بعدما قد تأخّر، فقذف الرؤيا في قلب الملك، وقام يجمع أصحابه وهذا يسمعهم، وهؤلاء يقولون نحن لا نعرف تأويل الرؤيا! قال الخادم: اه التأويل عند يوسف، أنا أعرف هذا، خذونا إليه، يا ملك سوف آتي لك بتأويل الرؤيا هذه، وأخبرك عن طريق واحد يعرف، وهو له سنين في السجن؛ الآن تذكَّره. 

ذهب وأتى له بالجواب، جواب شافي قويّ، قال: أخرجوه، قال: اخرج كيف؟ اذهب واسأل الملك: ماهي  أخبار النسوة هؤلاء؟ أعلنوا براءتي، هل تخرجنا كذا من السجن؟! وكان يتعجّب النبي في حلمه وصبره، لو واحد مسجون أتوا إليه وقالوا له اخْرُج، سيسابق إلى الباب، فهو له سنين في السجن، قال: اذهب أوّلا (فَاسْأَلْهُ مَاعن بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50))؛ وجاءت البراءة وخرج، (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54))، وهكذا النهايات بعد إخْتبارات وإمْتحانات وهكذا صبر.

ثبت الله قلوبنا وارزقنا الصدق معه والإخلاص لوجهه وأعاننا، وعاملنا بفضله وما هو أهله، ولا يفتننا بشيء مما يُسخِّر، ولا بشيء مما يبتلي ويختبر، واجعلنا من الصّادقين الصّابرين الشّاكرين الذاكرين المُنِيبِين المستقيمين على ما يحب حتى نحوز في أيام حياة الدّنيا القلائل القصيرة، الدرجات العالية الكبيرة، والمواهب العظيمة الخطيرة، والمنن الربّانيّة الدائمة الجليلة. 

اللّهمّ غنّمنا الأعمار واخْتمها لنا بأكمل الحسنة، وألحقنا والأصفياء الأطهار، وتوَلّنا بما أنت أهله في الحسّ والمعنى، واخْتم لنا بأكمل الحسنى يا رحمن برحمتك يا أرحم الراحمين. 

بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

13 شوّال 1442

تاريخ النشر الميلادي

25 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام